إن المتأمل في كتب الفلسفة، وخصوصا المدرسية منها، يتبين له أن المقصود من لفظة «فلسفة» هو تلك المادة التي تضع النقد في صلب اهتمامها، أي أنها ترفض الجاهز من الأجوبة إلا بعد التمحيص والتدقيق. بكلمة واحدة، هي تدريب على الشك وتعلم تعليق الأحكام إلا بعد بذل الجهد.
يرى الفيلسوف لوك فيري في هذا التعريف للفلسفة ابتذالا واختزالا لها، لأن النقد والسؤال ليسا حكرا على الفلاسفة، بل أمر يقوم به حتى العلماء والتقنيون والحقوقيون والصحافيون وغيرهم، فهم ليسوا بحاجة إلى الفلسفة لاكتساب فكر نقدي. لهذا يلح لوك فيري على أنه إذا كانت الفلسفة مجرد تعليم وتدريب على الشكوك والنقد، فهي ربما لا تستحق منا ولا حتى ساعة عناء واحدة. إذن ما الفلسفة؟ وماذا ننتظر منها؟ وأي خدمة يمكن أن تقدمها للبشرية؟ ألا نزال في حاجة إليها؟
يرى لوك فيري أن مهمة الفلسفة عبر تاريخها كانت أكبر من هذا الاختزال الذي ألحق بها، فهي كانت ولا تزال ذلك الاكتشاف الباهر من قبل الإنسان، لإمكاناته الخاصة والخالقة للمعنى. إنها عبرت عن الأمل في العثور على علامات هادية إلى الخلاص، في ظل إحساس إنساني دائم بضياع المصير المنفلت على الدوام من بين يديه. إنها ذلك المسعى الدؤوب لإنقاذ حياتنا من السخف الذي يسحقنا ويهدد وجودنا، نحن الكائنات الفانية. وبكلمة واحدة، تعد الفلسفة بحثا عن حل لأكبر سؤال يجابهه الإنسان على الدوام، وهو: ما الذي يجعل الحياة تستحق أن تعاش، على الرغم من الموت؟ ما الذي يبرر أن نصرف جهودنا فيها؟
يعتقد فيري أن الفلسفة قدمت أجوبة، ولا تزال قادرة على الخوض في هذه المهمة العسيرة، الأمر الذي دفعه إلى تقسيم التاريخ إلى خمسة مراحل كبرى، كل مرحلة منها بمثابة رؤية للعالم وجواب عن سؤال الخلاص، فما هي هذه المراحل؟
سنعتمد من أجل ذلك كتابه الشيق «أجمل قصة في تاريخ الفلسفة»، وهو من ترجمة محمود بن جماعة، وأصدرت دار التنوير طبعته الأولى عام 2015.
* الخلاص عن طريق التناغم مع «الكون»
* إنها المرحلة اليونانية، التي كانت ترى أن خلاص الإنسان، يكمن في أن يكون قطعة من الكون (الكوسموس)، أي أن الحياة الطيبة هي العمل على التوافق مع التناغم الكوني. فالعالم اليوناني بحسب تصور أساطيره، أو بحسب فلاسفته، منظم وعادل وجميل وحسن ومرتب. فكل كائن له مكانته التي تناسبه. والمرء السعيد هو من يجد نفسه في المكان المناسب ضمن سيمفونية هذا العالم. وهو ما يفسر لنا، بحسب لوك فيري، سبب رفض «أوليس»، وهو أحد أبطال الأساطير اليونانية، الخلود الذي اقترحته عليه «كليبسو»، إذ إن قبوله بذلك يعني تنكره لمنزلته كبشر فانٍ، فهو فضل أن يكون بشرا سويا على أن يكون إلها قبيحا.
إن أمر التناغم مع الكوسموس سيبدو بوضوح عند الفيلسوف أفلاطون، عند حديثه عن المجتمع العادل، إذ لا بد، من وجهة نظره، أن يكون الحكماء، ويقصد الفلاسفة، في أعلى المراتب. وهم من عليهم مهمة تسيير العامة. أما من هم أقل معرفة، ولكن يمتلكون فضيلة الشجاعة، فتصلح لهم حماية المدينة. وأخيرا، من يظلون في غفلة عن نظام الكون، وفي حاجة إلى أن يساسوا من قبل آخرين، فدورهم هو القيام بمهام وضيعة ومادية، وهي تجد لنفسها مرتبة عند الحرفيين والعمال والعبيد. فالعدالة هي أن تجد المكانة التي تليق بك، وأن لا تلعب دورا لا يناسبك، فالعالم يسير كسيمفونية ينبغي أن نكون قطعة منها.، بل حتى الفيلسوف أرسطو، سيقدم فيزياء تتناسب والنظرة القائمة على التناغم مع الكوسموس، فسقوط حجر إلى الأسفل مرده اشتياقه وحنينه إلى موطنه وأصلها الترابي. وبالمثل، يقال عن تطاير الدخان إلى أعلى. فكل شيء يسير إلى مكانه اللائق به. والطبيعة لا تفعل شيئا باطلا، كما يقول أرسطو نفسه.
* الأديان والخلود بعد الموت
* مع الأديان، ستعرف البشرية منعطفا جديدا في رؤية العالم، إذ سيصبح المعنى، أي الخلاص، ليس في أن يكون المرء قطعة من التناغم الكوني، بل سيكون الخلاص بالجسد والنفس معا، فمسألة النجاة فردية وشخصية وأبدية. وهذا يعد انتصارا حقيقيا على الموت أقوى من كل فلسفات العصر القديم. يرى لوك فيري أن جواب الأديان على سؤال الموت، وإن كان شديد الإغراء ويوفر الهناء والطمأنينة، وذلك بتقديمه وعودا بالبقاء ما بعد الموت، شريطة الالتزام بالوحي والإيمان به من دون نقاش، إلا أنه جواب يتم بحسب لوك فيري، على حساب الإنسان. إذ تتم المغامرة بالتفكير الذي هو أعز ما يملك، على عكس الفلسفة التي تريد الهناء، نعم ولكن ليس على حساب التفكير. فهما معا مطلبان بشريان لا يجب المغامرة بهما في هذه الحياة البشرية المحدودة.
* الخلاص عن طريق التقدم
* في هذه الحقبة، ستدخل البشرية مرحلة النزعة الإنسانية، إذ سيعمل مؤسس الزمن الحديث، وهو ديكارت، على تحرير الإنسان من كل السلطات الخارجية، ويجعل مصدر المعنى ليس من الخارج، بل من داخل الذات. فالذات بحسب المنظور الحداثي أصبحت قادرة على رفض الخضوع بلا تمحيص للأفكار الجاهزة. لقد بادر ديكارت بفعله الثوري، إلى مسح الطاولة وتنظيف العقل من كل ما هو آت من الماضي، وجميع الأحكام السابقة المشكوك فيها، إذ لن يقبل منها سوى الواضح والمتميز، أو تعليق الأحكام إلى أجل غير مسمى.
إذن، في الزمن الحديث، لم يعد الجواب عن مسألة الحياة الطيبة، ينطلق من فكرة التناغم الكوني اليوناني، بل من الذات الإنسانية، فهي أصبحت قادرة على صناعة المعنى باستقلال بطولي، وكأنها تتملك زمام أمرها، بل قادرة على تحسين مصير الإنسان، وهو ما جرى الترويج له، خصوصا بعد نجاحات العلم وهيمنه على الطبيعة. وهنا يذكرنا لوك فيري بالتماثيل التي توضع في الأماكن العامة للعظماء، كمؤشر للخلود في العالم اللائكي، وهو بديل عن الخلاص الديني. بعبارة أخرى، لقد أصبح المثل الأعلى للخلود هو أن تنجز شيئا يذكر للبشرية.
* الخلاص في الحاضر
* وهو الجواب الذي بدأ مع فلاسفة التفكيك، تفكيك أغلفة الوهم المكبلة لطاقات الإنسان الحيوية. إنها مرحلة جرى الترويج فيها إلى أن السعادة تكمن في استغلال بعد الحاضر. وذلك لأن الحاضر عابر ويتميز بالتلاشي والندرة، والنادر ثمين، لذلك فهو له القيمة العالية. إن الحاضر كتحفة فنية وكتجربة دائمة الانسحاب، تجعل الإنسان يحس بالجمال. إن الحاضر لا يعوض. فهو فريد من نوعه، ومن يَعِش التكرار فهو يعلن انتصار الموت على الحياة. فالحاضر لا يعاش باسم ماض ولى، أو باسم مستقبل مجهول، بل باسم الحاضر نفسه. أي باسم انقضائه وتلاشيه المستمر. ناهيك بأن الحرية لا تتحقق إلا في الحاضر. فهل سأحققها في الماضي؟ هذا مستحيل، لأنه زمن انتهى. وهل يمكن أن أعيش حريتي في المستقبل؟ أيضا، الجواب بالنفي، لأن المستقبل لا أملكه بيدي. إذن يبقى لنا الحاضر. فعلى الرغم من تلاشيه، فهو الحيز الوحيد المتبقي قصد الفعل والإنجاز والإبداع. إذن الحاضر زمن الحرية بامتياز. ففيه أحقق تفردي وخصوصيتي. إنها لحظتي أنا، ولا يملكها أحد غيري. فإما أهدرها وأضيعها وأفقد المعنى في حياتي، وإما أنجز فيها وجودي بطريقة كيفية ومتميزة، فلا أكون نسخة من الآخر، فأصنع بذلك هويتي الخالصة.
* الخلاص في الحب
* نصل إلى الجواب الخامس الذي يقدمه لوك فيري، على أساس أنه أطروحته الملائمة لزماننا هذا، لدرجة أنه سيؤلف كتابا خاصا لذلك سماه «ثورة الحب». وخلاصته هي التالية: يرى لوك فيري أن المعنى بالنسبة للإنسان الغربي هو الآن يتشكل ويتمثل في تنامي قوة المشاعر والحب، الذي يبدو أنه سيصبح الملاذ النهائي، على الأقل في أوروبا. وهو الأمر الذي ينبئ بميلاد نمط جديد من المقدس أصبح يؤثر في الإنسانية كثورة هادئة لكن فعالة. ولا يقصد لوك فيري بالمقدس، ذلك المعنى الديني، بل يقصد به كل ما يمكن أن نضحي من أجله ونهب روحنا لصالحه. وإذا كانت دواعي التضحية التي كان الإنسان مستعدا للموت من أجلها ثلاثة، وهي: الموت من أجل الله، أو من أجل الوطن، أو من أجل الأفكار الثورية الكبرى، فإن هذا الأمر لم يعد مقنعا في أوروبا الحاضر. وهنا يقول لوك فيري: نعم، هناك حقا من لا يزال يموت من أجل الله، وهناك كثير من المتعصبين لوطنيتهم، وأيضًا ما زال كثير من الثوريين. لكن الديمقراطيات العريقة قامت بإعادة النظر في كل القناعات القديمة، التي أضفت المعنى على وجود الإنسان. فالمقدس لم يعد يتجسد في فكرة الكوني المتناغم اليوناني، ولا في الإلهي الديني، ولا في الوطنية، ولا في الأفكار الثورية، ولا حتى في أن يكون المرء اسما منحوتا على الرخام لمنجز قدمه للبشرية، فهذه الأمور قد جرى تفكيكها. ولم يبق للأوروبيين سوى خط واحد هاد للمعنى، متمثل في الحب، المرتبط أساسا بظهور الأسرة الحديثة، إذ أصبح من الممكن التضحية بوجودنا من أجل كائنات بشرية بلحم ودم، وبالأساس أطفالنا.
