رواية تتكئ على السيرة الذاتية

عبده وازن يستعيد «غرفة أبيه» بعدما أصبح أكبر منه

رواية تتكئ على السيرة الذاتية
TT

رواية تتكئ على السيرة الذاتية

رواية تتكئ على السيرة الذاتية

يحب الإنسان معرفة الآخر، وتحديدا خصوصياته، وما خفي من حياته. وقد تكون الكتابة عملية كشف للكثير من الأسرار وخبايا النفس. لكنها بكل تأكيد، سعادة تغمر كاتبها حين يخرج ما في نفسه من مشاهد أثرت فيه، وكمنت له في العميق من خصائص شخصيته وردود فعله وأسلوب حياته، فيتحول النتاج إلى سيرة شبيهة بالرواية، يعتمد ضمير «الأنا» مصدر الخبر والحدث، بأسلوب هو أقرب إلى المونولوغ، إلى محاكاة الذات ومقاربة العقل لفهم هذه «الأنا».
الماضي. ما الماضي؟ هل صحيح أنه ينتهي عند مرحلة معينة أم أنه يستمر ويكبر معنا، وكلما عرفنا منه شيئا، فرحنا. وكلما فككنا لغزا من ألغازه اقتربنا من أنفسنا أكثر وأكثر؟
الشاعر اللبناني عبده وازن، يسلك في «غرفة أبي» (منشورات ضفاف - منشورات الاختلاف)، روايته الجديدة، طريق الراوية السير - ذاتية أو الأتوبيوغرافية ليعود إلى البداية. لينطلق من ماضيه، من غرفة أبيه. يستمتع بالعثور على نفسه في هذه الذكريات الحية، التي لا تفارقه، أو هو الذي ليس بإمكانه مفارقتها. أما العناصر المساعدة، فهي لا تلبث أن تكون علبة خشب، في خزانة الوالد، مملوءة صورا وأوراقا وصكوكا. وهنا، تبدأ الرواية. ونبدأ معها عملية البحث عن تاريخ وفاة الوالد، لنتنقل بين الأحداث، ونعيش لحظات قاسية وأليمة، أبرزها فترة مرض شقيقته الفتية التي تألمت كثيرا، وماتت وهي في مقتبل العمر وسط معاناة غياب الأب: «كانت ترقب حلول الساعة يوما تلو يوم ثم ماتت مفتوحة العينين».
صندوق الصور بالأبيض والأسود، سعى عبده وازن، بأسلوبه الشائق، والمطعم بالسخرية، إلى بث ألوان الحياة فيه. وانعكست هذه الألوان على الكثير من المشاهد الخاصة والعامة، الأمر الذي مكن القارئ من عيشها. بدءا من عائلة الكاتب، وتاليا المعارف والأصحاب، وإن ظل غياب الأب المبكر، وكذلك الأخت، تلك الصورة التي لم تستطع ريشة الكاتب أن تلونها، بل بقيت ألوانها قاتمة، كما هي داخله.
لذلك، ربما، يروي عبده في هذه الرواية، سيرته، حرصا على لحظات جميلة من ماض لم يكن كله سعيدا. سيرة مزدوجة: سيرته الذاتية متقاطعة مع سيرة أبيه الذي يكاد يجهله، والذي يسعى إلى التعرف إليه ورسم صورة له، من خلال ذكريات الآخرين عنه ومروياتهم، ثم عبر الآثار الصغيرة التي تحكي عنه، ومنها الصور بالأسود والأبيض.
وخلال هذه السيرة الذاتية، وفي خط مواز للذكريات والأحداث الملمومة من ذاكرة أصدقاء الأب والأم، يبحث الراوي عن صورة الأب كما تجلت في نصوص روائية وسردية، عربية وعالمية، طالما شغلته، بما تحمل من ملامح مستعارة للأب المفقود والمفتقد. بدءا من كتاب «حب أول» للكاتب «صموئيل بيكيت»، الذي قصد قبر أبيه بحثا عن تاريخ وفاته، تاريخ وفاته تحديدا، لا تاريخ ولادته الذي يقول إنه لا يعنيه... وكذلك هاملت الذي يخاطب والده - الشبح. أو «كافكا»، الذي كتب رسالة إلى والده، ولم يتسن لهذا الأخير قراءتها. لقد بقيت بلا قارئ، حتى وإن تلقفها قراء لا يحصون في العالم. فما دام الوالد لم يقرأها فهي ظلت مجهولة لأنها أصلا رسالة إليه.
وتتقاطع سيرة الأب هنا مع سيرة المكان الذي هو بيروت وضاحيتها الشرقية منذ الستينات حتى الحرب الأهلية وما تلاها من مآس... فيأتي الكاتب على ذكر «ساحة البرج» التي كانت تضم في حقبتها الأولى برجا قديما سمي «البرج الكشاف»، ثم أطلق عليها لقب «ساحة الشهداء» غداة إعدام شهداء الاستقلال اللبناني في هوائها الطلق، بدءا من عام 1915. وكذلك يصور مشاهد من مرحلة دخول الراديو إلى المنازل: «ما زلت أذكر ذلك الراديو، وكيف كنت تجلس قربه محركا إبرته، متنقلا من إذاعة إلى أخرى، متسقطا الأخبار. علبة سحرية بأزرارها الكبيرة وقماشتها السميكة وخشبها البني المصقول والشاشة المستطيلة التي كتبت عليها أرقام وزيحت بخطوط صغيرة..». وكذلك التلفزيون: «أما التلفزيون، فكان علبتنا السحرية، التي نحلم بها في الليل كما في النهار. ولو أمكننا أن ننام قربه لما توانينا، فهو كان بمثابة حارسنا، حارس أحلامنا البريئة وأمانينا الصغيرة». ودور التلفزيون في مناسبات الحداد: «الحداد على الأب كان يطول والتلفزيون يجب أن يغطى بالقماش الرمادي، لئلا يبقى له أثر».
والراوي إذ يستعيد هذا الماضي، فإنما يمعن في رثائه ومديحه بصفته زمن الأب الغائب. إلا أن المفارقة تتبدى هنا في كون الابن أصبح أكبر من أبيه الذي رحل في ريعان شبابه: «الآن، أصبحت أكبر منك يا أبي. لقد انتصرت على الموت وانتقمت لك منه. الآن، أعيش حياتي وحياتك معا». إنه الآن الابن الذي يبحث عن أب بات أصغر منه عمرا. ليطرح قضية فقدان الأب في «غرفة أبي»، بعد أن كان قد كتب عن الموت في «قلب مفتوح». والسؤال: إلى أين يتجه عبده وازن في أدبه الروائي هذا؟
بدأ عبده وازن شاعرا ذا هموم خاصة في اللغة والأسلوب والرؤية، وبدا شعره الذي يتراوح بين الحسي والصوفي تجريبي الطابع، تحديثيا وذا خلفية ثقافية واسعة. فهو ناقد ومترجم وله في التحقيق «ديوان الحلاج» الذي خصه بمقدمة طويلة هي عبارة عن دراسة. ويأتي «غرفة أبي» الكتاب الثاني في فن السيرة بعد «قلب مفتوح» 2010. وقد كتبه إثر عملية جراحية للقلب أجريت له. هو سيرة ذاتية، لكن خطر هذه العملية، دفع به إلى التفكير في الموت، الذي أيقظ ذاكرة المؤلف وحمله على استحضار مراحل سابقة من حياته، ومخاطبة ذاته، متأملا، فاحصا، متسائلا، وقارئا كشاعر وباحث وأديب ما انطوت عليه طفولته ومراهقته من معاناة.
وترسيخا لهذا الاتجاه، أي سرد السيرة، يصدر الكاتب روايته «غرفة أبي»، ويعتمد فيها تقنيات مماثلة، تتجلى في الخطاب، المونولوغ، التقطيع المشهدي، السرد داخل السرد، وما سواها. وكلها يصب في إطار محاورة الذات... يقول عبده وازن في مستهل الكتاب: «ليس ما أكتبه رسالة إليك... هل ما أكتبه هو مما يسمى (مونولوغ) أم أنني أخاطبك حقا؟ لا أدري، أيها الأب. كأنني أكتب لنفسي، كأنني أنا الابن والأب...». ويقول في مكان آخر: «لا أعلم حقا إن كنت أكتب إليك أم أكتب لنفسي... إنني أحدث نفسي كما لو كنت أمام مرآة. إنني أكلم نفسي بصوت خافت. أنا المتكلم وأنا المخاطب. أنا من يتكلم وأنا من يسمع». ويظل كذلك حتى الصفحة الأخيرة من السيرة - الرواية: «هذه ليست رسالة لك، هذه ربما رسالة لي، أكتبها لنفسي لأنني أعلم أنني تأخرت في الكتابة إليك... هل تراني أكتب رسالة أم نصا أخاطب فيه نفسي، كما يحصل عادة فيما يسمى (مونولوغ)؟ كأنني أتخيل نفسي واقفا على خشبة ولكن لا أحد أمامي، كراسي فارغة، ستارة لا أعرف كيف ستغلق ومن سيغلقها».
أسدلت الستارة، وبقي وازن في غرفة أبيه، يخاطب نفسه في هذه الرواية، يسترسل، يتوقف، يروي، يتذكر، يسمع صدى أنفاسه تتصاعد من ماض أمسى حاضرا، من حاضر مضى ويمضي.
بين ذلك الزمن الماضي، والحاضر، يتقطع الزمن في الرواية. تارة من خلال تذكر الوالد عبر الصور، وطورا عبر اللحظة الراهنة، لحظة التذكر والذهاب إلى المكان - العنوان، إلى غرفة أبيه. زمن الأب هو زمن الأسود والأبيض، الزمن العاري أو المكشوف، الذي لا يخادع ولا يحابي. كان الراوي يحمل الصور تلك ويلونها، يضفي عليها ألوانا كما يحلو له، أو كما فرض عليه زمانه، أن يعيش تلك الألوان! لتتحول الأشياء إلى حقائق صارخة. يقول: «أتخيل لونا لقميصك (والده) ولونا للسترة وآخر للبنطلون. كنت أتخيل ألوانا للمشهد كله، للشارع، للرصيف، للواجهات التي في الخلف، للناس العابرين الذين يظهرون أحيانا... كنت أتخيل لون وجهك وعينيك... وكذلك ألوان فستان أمي، زوجتك.. هذا ما يمنح الأبيض والأسود سحره يا أبي. صور تفتح نافذة المخيلة فتروح تلون المنظر كما تشاء، تلون العالم كما تحبه أن يكون».
أما المكان، فهو غرفة الأب التي لا بد من العودة إليها ليشعر عبده - الفتى بالأمان: «كنت أكتفي بأن أقيم بهذه الغرفة لأشعر بالقليل من الطمأنينة. فظل الأب لا يغادر مهما شعر بالعزلة أو البرد. وفي ملامح هذا الظل كان على الحياة أن تكون أقل كآبة. احتللت الغرفة أعواما لكنني ظللت أسميها غرفة الأب. الابن لا يمكنه أن يستولي على غرفة أبيه فيسميها غرفته، قد يرث كل ما يملك أبوه وما لا يملك، لكنه يظل في حاجة إلى غرفة أبيه في هذا العالم».
يكتب عبده وازن، وهو يحاول أن يخرج من المكان، من غرفة أبيه. لكن عالمه الحاضر تحول إلى غرفة كبيرة، تعيده دائما إلى تلك الغرفة الآمنة وذلك الماضي الحي.
* كلية الآداب - الجامعة اللبنانية



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».