كيف سحب القذافي كاميرون إلى اقتفاء خطى بلير؟

كتاب بريطاني يحكي قصة ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر من خلافات أكثر منها اتفاقات داخل الائتلاف الحاكم

كيف سحب القذافي كاميرون إلى اقتفاء خطى بلير؟
TT

كيف سحب القذافي كاميرون إلى اقتفاء خطى بلير؟

كيف سحب القذافي كاميرون إلى اقتفاء خطى بلير؟

* يطرح كتاب «مشاركة في كل شيء» السؤال الأزلي: هل يبقي الصحافي السياسي على مسافة بينه وبين صناع القرار ليأخذ موقفا محايدا؟ أو ينشط داخل المؤسسة السياسية كحال مؤلف الكتاب، وهو صديق شخصي لكاميرون قبل أن يصبح زعيما للمحافظين في المعارضة قبل ثماني سنوات؟
* الكتاب رغم تخييبه لآمال الباحثين عن مؤامرة بريطانية تخطط للعرب فإنه مصدر معلومات بالغة القيمة عن كيفية اتخاذ القرارات داخل حكومة أعرق الديمقراطيات، ودرس لبلدان ما بعد الثورات في تشكيل الحكومة الائتلافية وموازنة التيارات المختلفة داخل مجلس الوزراء انطلاقا من مصلحة الأمة أولا.
لمن توقع كشف خطة سرية للمخابرات البريطانية لتهريب الكولونيل القذافي أثناء الحرب الأهلية الليبية، سيخيب أمله عند قراءة كاملة للكتاب الجديد «In It together» للزميل ماثيو دي أنكونا، الصحافي بالـ«صنداي تلغراف» ومجلة «الاسبكتاتور». الإشارة لتهريب القذافي إحدى نقاط الدعاية التي وزعتها دار النشر «بنغوين» للإثارة، لكن بعد دفع ما يساوي 40 دولارا لشراء الكتاب لا تجد خطة ولا يحزنون.
الترجمة المفهومية، لا الحرفية، لعنوان الكتاب تعني «مشاركة في كل شيء». وهو يحكي قصة ثلاثة أعوام وثلاثة أشهر من خلافات أكثر منها اتفاقات داخل الائتلاف الحاكم بين المحافظين وبين الديمقراطيين الأحرار، وأيضا الصراع الداخلي بين أجنحة المحافظين أنفسهم، جناح ثاتشري تشرشلي (يزاوج بين مصالح بريطانيا الثابتة كالعلاقات مع أميركا والالتزام بحماية الحلفاء التاريخيين كالعرب وبلدان الكومنولث وبين مبادئ المحافظين الأساسية كحرية الفرد، والديمقراطية وحرية السوق الرأسمالية، مثل وزير الدفاع السابق الدكتور ليام فوكس ووزير المعارف مايكل غوف) بينما التحديثيون أكثر ميلا لأوروبا.
ذكر اسم القذافي، وأحيانا «الكولونيل» في سبع صفحات فقط (الكتاب 418 صفحة) وابنه سيف الإسلام ثلاث مرات في فصل فقط من مجموع 21 فصلا.
من عنوان الفصل «مراهنة في الصحراء: الحرب ضد القذافي» لا يترك المؤلف شكا في أن المزاج القومي، حكومة وبرلمانا ورأيا عاما (باستثناء صحافة اليسار التي تمثل أقل من 15 في المائة من مبيعات الصحافة)، هو إسقاط نظام القذافي لأسباب متعددة أهمها تقاربه مع رئيس الوزراء العمالي السابق توني بلير (شبح حرب العراق، وتوريط القوات البريطانية في أفغانستان واتهامات تضليل البرلمان كانت ثقلا معلقا في رقبة حكومة كاميرون عند اتخاذ أي قرار سياسة خارجية) وخطاب القذافي: «سنطاردكم من بيت لبيت ومن زنقة إلى زنقة»، وهجوم الدبابات على بنغازي رغم وعد ممثلي الكولونيل بالالتزام بوقف إطلاق النار حسب قرار مجلس الأمن 1973.
لم ترسم خطة حقيقة لتهريب القذافي - ليس حبا في شخصه وإنما لإنهاء الصراع. بحث رئيس الوزراء مع المخابرات البريطانية احتمالات الإسراع بحل الصراع بإقناع القذافي بقبول حل وسط.. «منفى داخلي» عند قبائل في الجنوب كان غير عملي لعدم إمكانية توفير الحماية للقذافي. والأكثر عمليا، لجوءه لبلد غير ملزم بتنفيذ طلب المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي (صدر أمر استدعائه وابنه سيف في 28 يونيو - حزيران 2011) مثل غينيا الاستوائية غير الموقعة على ميثاق المحكمة، لكن القذافي استمر في القتال. بداية الاتصال كانت غير مشجعة؛ فعندما استغاث سيف القذافي بوزير الخارجية ويليام هيغ تليفونيا رد الوزير البريطاني بهدوئه البارد المعتاد: «عليكم بالانفتاح الديمقراطي والإصلاح».
فصل «حرب ليبيا» قدمه المؤلف (صدر الكتاب مع انعقاد المؤتمر السنوي للمحافظين الأسبوع الماضي) كنموذج لتطور كاميرون من رئيس وزراء أولوياته الإصلاح الداخلي والاقتصاد والخروج من أفغانستان، إلى زعيم دولي في مغامرة خارجية مع الفرنسيين، وعن العلاقة مع أميركا وتردد الرئيس باراك أوباما وتقديم مخرج له بعدم إشراك أي قوات أميركية على الأرض (تولت القوات الخاصة البريطانية مساعدة الثوار الليبيين على الأرض).
الأهم سياسيا صراع كاميرون مع وزير الدفاع فوكس الذي أراد «تخليص الكائن السياسي البريطاني من الروح الشريرة التي لبسته، أي حرب العراق» بالتزامه أن تكون الخسائر البشرية الليبية لأي قصف بريطاني «صفرا» في برنامج كومبيوتر وزارة الدفاع لرسم خطط الحرب الجوية. وعدم رجوع فوكس لكاميرون أشعله غضبا (المرة الوحيدة التي استخدم فيها لفظا نابيا لوصف قرار فوكس)، فقد أطال أمد الحرب بتكرار إلغاء الطلعات الجوية كلما لاحت احتمالات خسائر بشرية ليبية. ورغم حنق كاميرون لم يستطع إلغاء الأمر، فتسريب المعلومة للصحافة يعني تهمته بالاستهتار بأرواح المدنيين.
لا ذكر لبلدان عربية في الكتاب، باستثناء سوريا وفلسطين اللتين جاءتا في موضعين: التهكم على نائب رئيس الوزراء زعيم الديمقراطيين الأحرار نيقولاس (نك) كليغ باسم سخرية «نائب مجلس العموم عن دائرة فلسطين»، ودعم فلسطين من جانب وزير التخطيط (لا يعرف معظم العرب أنه يهودي) أوليفر ليتوين «دائم التشكيك في نوايا إسرائيل تجاه الفلسطينيين».
«الأزمة السورية» ذكرت في آخر فصل، ويشمل هذا الفصل محادثات كاميرون مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قي قمة الثمانية، وسوء حساباته باستدعاء البرلمان من الإجازة الصيفية ليخسر التصويت على المشاركة العسكرية مع أوباما.
الكتاب يطرح السؤال الأزلي: هل يبقي الصحافي السياسي على مسافة بينه وبين صناع القرار ليأخذ موقفا محايدا؟ أو ينشط داخل المؤسسة السياسية كحال مؤلف الكتاب، وهو صديق شخصي لكاميرون قبل أن يصبح زعيما للمحافظين في المعارضة قبل ثماني سنوات؟
الخيار الأول غير واقعي في بريطانيا، حيث يتوقع القارئ والمتفرج من الصحافي السياسي أن يكون داخل المؤسسة؛ فالمجموعة الصحافية السياسة في وستمنتستر - ومن ضمنها كاتب السطور - نحو مائة وأربعين صحافيا دائمي الحديث مع الوزراء، لأنهم بدورهم نواب برلمان، ومكاتبنا داخل مبنى البرلمان نفسه، ومن بيننا نحو أربعين (lobby correspondent) مرافقين دائمين لرئيس الوزراء في رحلاته ونلتقي مرتين يوميا بمستشاريه.
وهو فارق جوهري مع بلدان المنطقة، حيث نفر قليل (أو صحافي واحد في حالة مصر كمحمد حسنين هيكل مع الزعيم الراحل الكولونيل ناصر) على اتصال مباشر بالزعيم.
المجموعة المرافقة تتكون من صحافيي أربعين وكالة ووسيلة صحافية مختلفة، ووجودنا الدائم في البرلمان هو مراقبة ومحاسبة متبادلة. نراقب الوزراء والساسة، وبدورهم يلجأون لصحيفة منافسة لجريدة صحافي لإحراجه علنا إذا جاءت حساباته الشخصية قبل مصلحة قرائه.
وجود الصحافي السياسي داخل دائرة صنع القرار ليس فقط عبئا وواجبا ولا امتيازا فحسب، بل طبيعة حرية الصحافة وتقاليد التوازنات والضوابط، برلمانيا وصحافيا، تجعل من المستحيل أن يحتكر صحافي معلومات التأثير على الرأي العام أو الإيحاء بأنه صاحب تأثير على القرار كما حدث في مصر في الستينات.
الكتاب رغم تخييبه لآمال الباحثين عن مؤامرة بريطانية تخطط للعرب فإنه مصدر معلومات بالغة القيمة عن كيفية اتخاذ القرارات داخل حكومة أعرق الديمقراطيات، ودرس لبلدان ما بعد الثورات في تشكيل الحكومة الائتلافية وموازنة التيارات المختلفة داخل مجلس الوزراء انطلاقا من مصلحة الأمة أولا.
«In It Together: The Inside Story of the Coalition Government»
«مشاركة في كل شيء»
المؤلف:
ماثيو دي أنكونا
الناشر: بنغوين
2013



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.