ميشال تورنييه.. المزج بين الأسطورة والتاريخ وبين الشعري والنثري

أخطأته جائزة نوبل فذهبت إلى غيره

ميشال تورنييه
ميشال تورنييه
TT

ميشال تورنييه.. المزج بين الأسطورة والتاريخ وبين الشعري والنثري

ميشال تورنييه
ميشال تورنييه

هل يمكن القول بأن ميشال تورنييه ظل طيلة حياته يحلم بجائزة نوبل حتى بلغ التسعين بل وتجاوزها دون أن ينالها؟ كلام مبالغ فيه، وربما غير لائق بحقه. الأصح أن نقول إنه كان من أكبر المرشحين لها منذ سنوات وسنوات، لكنها ذهبت إلى غيره وأخطأته. وربما ذهبت إلى من هو أقل منه أهمية. وهذه هي حال الجوائز فلا تمنح دائما لمن يستحقها. ثلث من أعطيت لهم «نوبل» لا يستحقونها وحتما هو أهم منهم.
على أي حال فليس هذا موضوعنا. فالرجل لم تنقصه الجوائز التشجيعية. ذلك أنه نال جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 1967 على أول رواية يصدرها بعنوان: «جمعة أو تخوم الباسفيكي». وكانت ضربة معلم كما يقال. ثم أتبعها عام 1970 برائعته الكبرى «الغول أو ملك الرياح»، وعليها حاز جائزة غونكور الشهيرة. وهي ذات الجائزة التي نالها الطاهر بن جلون وأمين معلوف ومشاهير آخرون كثيرون. وميزتها أنها لا تشهرك فقط وإنما تغنيك ماديا بالفلوس. وهذا أهم شيء! وبالفعل فقد أصبح ميشال تورنييه ثريا بعدها وما عاد بحاجة إلى العمل لكي يعيش.
نقول ذلك وبخاصة أنه فشل مرتين في امتحان شهادة التبريز التي نالها سارتر وريمون آرون وجورج بومبيدو وميشال فوكو ومعظم عظماء فرنسا. والبعض يقول بأنه لم يقم من ذلك الفشل طيلة حياته كلها. لقد أثر عليه نفسيا إلى درجة أنه أقلع نهائيا عن مهنة التعليم وكفر بهذه الشهادات التي لا تذهب دائما أيضا إلى من يستحق.. وربما لم يصبح كاتبا كبيرا إلا لكي ينتقم من ذلك الفشل الذريع. وقد انتقم بالفعل شر انتقام. هكذا تلاحظون أن الفشل في الحياة قد يؤدي إلى النجاح في الأدب.. فلا تقنطوا أيها الكتاب ولا تيأسوا مهما عركتكم الحياة ومهما لقيتم من مصاعب وآلام وخيبات. ألم يقل دوستيوفسكي لكاتب شاب جاء يطلب نصيحته: ينبغي أن تتعذب يا صديقي. ينبغي أن تتعذب حتى لا يعود إلى العذاب من معنى. ينبغي أن تتعذب يا أخي وتذوق طعم المرارات قبل أن تسطر حرفا واحدا. تعذب، تعذب، تعذب. كررها ثلاث مرات. وبالتالي فمن يعتقد أن الأدب هو عبارة عن مزحة أو نزهة في وادٍ من الزهور عليه أن يقلع فورا عن عملية الكتابة. فلم تخلق له. على أي حال بعد ذلك الفشل راح يشتغل في الصحافة الأدبية والترجمة من الألمانية إلى الفرنسية ثم أصبح قارئا ومستشارا أدبيا لدى أشهر دار نشر فرنسية: «غاليمار». ولكن كما قلنا فبعد نيله جائزة «غونكور» لم يعد بحاجة حتى إلى عمل.. فمبيعات كتبه تكفيه وتزيد. هل نعلم بأن روايته الأولى حظيت بخمسة ملايين نسخة؟ شيء مخيف. نقول ذلك وبخاصة بعد أن بسطت وعممت على طلبة المدارس تحت عنوان مختلف قليلا: «جمعة، أو حياة الفطرة البدائية البسيطة». ومعلوم أن الكاتب في فرنسا يغتني من كتبه إذا ما نجح على عكس الكاتب العربي. وهي عموما مستوحاة من رواية روبنسون كروزو الشهيرة. إنها تعني اعتزال العالم الظالم المزعج وإلقاء نفسك في أحضان الطبيعة بعيدا عن ضجيج البشر. وهو ما طبقه ميشال تورنييه عمليا عندما انعزل في وادي الشيفروز المحيط بباريس، ولم يكتف بالتحدث عنه نظريا. أما روايته الثانية «ملك الرياح» فبيعت بأربعة ملايين نسخة! وبالتالي فالرجل أصبح قادرا على أن يعتزل العالم ويعيش ملكا متوجا على عرشه! وباريس تحت قدميه كلما شاء قحص نحوها قحصة.
لقد اشتهر ميشال تورنييه ببراعة المزج بين الأسطورة - والتاريخ، بين الخيال - والواقع، بين السماوي - والأرضي، بين النثري - والشعري. وهو ما اشتهر به غونتر غراس أيضا وكذلك غابرييل غارسيا ماركيز وآخرون. نضرب على ذلك مثلا رائعته الكبرى: ملك الرياح. ففيها يتحدث عن سعلاء أو غول شره يأكل لحوم البشر. وهي قصة مأخوذة عن غوته في الواقع، لكنه حورها وطورها وأسبغ عليها مسحة شخصية له. فهذا الغول الذي ظهر في منطقة بروسيا الشرقية استطاع إقناع الشبيبة الألمانية بالانخراط في الحرب التي بلعتهم وأكلتهم تماما كما فعل هتلر. بهذا المعنى فإن هتلر هو غول ألمانيا الذي دمرها بعد أن أغواها وأغراها وسحرها ومشى بها إلى حافة الهاوية.
هل نعلم بأن ميشال تورنييه درس الفلسفة في جامعة توبنغين؟ وهي ذات الجامعة التي درس فيها الثلاثي الشهير: هيغل وشيلنغ وهولدرلين. ثلاثة عباقرة في غرفة واحدة! وكانوا يغطون تحت اللحاف كتب كانط عن الدين عندما يمر عليهم الرقيب في ساعة متأخرة من الليل. وكذلك كانوا يفعلون مع كتب جان جاك روسو وفولتير وبقية فلاسفة الأنوار. كان اللاهوت المسيحي الظلامي لا يزال سائدا آنذاك وويل لمن تسول له نفسه قراءة الكتب المحرمة المهرطقة المزندقة المنحرفة عن «النهج القويم والصراط المستقيم». كل التفسير العقلاني التنويري للدين كان ممنوعا آنذاك. وحده التفسير المتزمت الطائفي كان شرعيا وطاغيا ومسموحا به بل ومفروضا بالقوة. وما كانوا يعتقدون بإمكانية وجود تفسير آخر غيره. ماذا يحصل في العالم العربي حاليا؟ وعلى ذكر كانط فقد ظل ميشال تورنييه طيلة حياته معجبا به. بل وكان يمتلك نسخة عن أعماله الكاملة بالألمانية، ويفتخر بأنه الفرنسي الوحيد الذي يمتلكها. وقد اشتراها قبيل الحرب العالمية الثانية. كان معجبا بألمانيا، لأنه ولد في عائلة مفعمة بالتأثيرات الألمانية. فوالداه كانا يتقنان لغة غوته ويعلمانها في المدارس الفرنسية. ولكن والده بعد أن جرح في الحرب العالمية الأولى ضد الألمان كره ألمانيا كرها شديدا وحقد عليها، إلى درجة أنه أصبح يكره لغتها. أما ميشال تورنييه فرفض أن يحقد على الثقافة الألمانية لمجرد أن ألمانيا غزت فرنسا وهزمتها مرتين أو ثلاث مرات. لقد عرف كيف يفرق بين الحرب من جهة، والفكر والثقافة من جهة أخرى. وهذا فضل يذكر له. ليت أن المثقفين العرب يفرقون بين العداء للاستعمار الغربي من جهة، والفتوحات الفكرية الرائعة لذات الغرب من جهة أخرى. ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟ إنهم يعتقدون أن كل مآسينا آتية من جهة الغرب، بل وحتى «داعش» يقولون بأنها صنيعة الغرب! وهكذا يرفضون الاعتراف بأي مسؤولية داخلية عن المرض العضال الذي ينهش في أحشائنا منذ قرون. والله ما دمنا بهذه العقلية لن نتقدم إلى الأمام خطوة واحدة. أكبر مأساة في حياتنا الثقافية هي أننا لم نستطع القيام بمثل هذا التمييز فسقطنا في بحر من الأدلجة العمياء والشعارات الغوغائية التي لم نقم منها حتى اللحظة. لماذا لا نعتد بنيتشه؟ هل تعلمون أنه بعد انتصار ألمانيا الساحق على فرنسا عام 1870 راح يشتم بلاده ألمانيا ويثني على الثقافة الفرنسية ويعدها مثلا يحتذى؟ نقول ذلك على الرغم من أنه ساهم في تلك الحرب من الجهة الألمانية بطبيعة الحال.. فهو ألماني أيضا.. لكنه وجد في الثقافة الفرنسية أشياء أعجبته فلم يتردد عن الإشادة بها على الرغم من أن فرنسا هي العدو اللدود لبلده ألمانيا.. ولكن الثقافة شيء والعداوات العابرة شيء آخر.. والدليل على ذلك أن ألمانيا وفرنسا أصبحتا الآن دولة واحدة تقريبا من خلال الاتحاد الأوروبي. فهما النواة الصلبة لهذا الاتحاد، وأحيانا يعقدان مجلس وزراء مشترك لكلتا الحكومتين، إما في باريس وإما في برلين. من يصدق ذلك؟ هذا زمن المعجزات والأعاجيب.. لو قلت لشخص ألماني أو فرنسي هذا الكلام عام 1870 أو حتى عام 1940 لشك في قواك العقلية والنقلية ولطالب بإدخالك إلى العصفورية أو مستشفى المجانين.
على الرغم من أن ميشال تورنييه ولد وترعرع في باريس، بل وفي أجمل حاراتها المطلة على نهر السين (جزيرة القديس لويس) فإنه هجرها وفضل عليها قرية صغيرة لا تضم أكثر من 500 شخص.
وهي لا تبعد عن العاصمة أكثر من 27 كيلومترا وربما أقل. وأتذكر أنني كنت أسكن على نفس خط المترو المؤدي إليها وفي كل مرة كنت أقول سأكمل الطريق، لكي أراها ليس من أجل الكاتب (فما كنت أعرفه آنذاك)، وإنما من أجل الطبيعة الساحرة والرغبة العارمة في اكتشاف المجهول. ومرت السنوات دون أحقق هذا الحلم السهل الذي كان في متناول اليد. يذكرني ميشال تورنييه بالشاعر الكبير رينيه شار الذي هجر باريس أيضا وذهب إلى قريته الصغيرة الوادعة في الجنوب. هناك كتاب ينشدون الوحدة والعزلة والعيش في أحضان الطبيعة. ليس من الضروري أن تكون في قلب باريس لكي تصبح عبقريا.. ميشال تورنييه كان يقول: الذين يصرون على العيش في باريس مجانين! يكفي أن تخرج منها بمسافة قصيرة - نصف ساعة - لكي تجد نفسك في الجنة، في أحضان الطبيعة الغناء.
وهذا ما فعله جان جاك روسو في وقته فاتهموه بالجنون! هل يعقل أن تترك باريس عاصمة الدنيا وتذهب لكي تعيش مع الفلاحين البدائيين والوحوش؟ ولكن لو لم يفعل ذلك هل كان الإلهام سينزل عليه ويكتب مؤلفاته الخالدة؟ اهجروا العواصم والضجيج والعجيج وألقوا بأنفسكم في أحضان البساتين وما أكثرها في ضواحي باريس. شاتوبريان هجر باريس أيضا أو قل طرده نابليون فراح يسكن في «وادي الذئاب»، حيث سكنت أنا أيضا تقريبا.. ما أجملك يا وادي الذئاب! مرة ضعت هناك مع إحدى «الغزالات»، ولم يأكلنا أي ذئب، بل ربما كنت أنا الذئب الوحيد آنذاك.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».