الأدباء العرب المغتربون.. تابوهات متوارثة وحريات طارئة

هل يرافقهم «الشرطي» القديم في عقولهم أم يتخلصون منه؟

محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
TT

الأدباء العرب المغتربون.. تابوهات متوارثة وحريات طارئة

محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء
محمد المطرود و هيثم حسين و يوسف شحادة و أحمد ضياء

هل تختلف رفة جناح الطائر حين ينتقل فجأة من قفص إلى فضاء أوسع؟ السؤال المعنوي ذاته ينطبق على موضوعنا الذي نتناوله الآن ولكن على الأدباء الذين ينتقلون من محيط عربي إلى فضاء أوسع في الغرب على صعيد الحريات في الكتابة. فهل ثمة تحولات تطرأ على كتابتهم، أم يبقى «الشرطي» ساكنًا في أدمغتهم، أم يتمردون عليه بمجرد وصولهم إلى واقع يتيح لهم التعبير بحرية أكبر؟ وكيف ينظرون إلى الأدب الذي كانوا يكتبونه سابقًا؟ وما التغيرات التي تحصل لهم بعد حصولهم على مساحات أكبر من الحرية في الكتابة؟
تلك التساؤلات نقلناها إلى أدباء عاشوا مرحلتين من الكتابة، واحدة في بلادهم العربية، والثانية في الغرب، فكيف وجدوا هذه النقلة؟
الشاعر محمد المطرود الذي غادر إلى فضاءات الغرب يتكئ على وصف جاء به إيمرسون: «الكتابة هي مجموع الأرواح السحرية في مكان ما»، ويرى أن هذه الأرواح لو حُبست وغيّبت عنها الحرية تغيب إحدى أهم ركائزها وتتحول بذلك إلى واجب وظيفي. ويعتقد محمد المطرود أن غياب الركيزة هو قتل لجوهر التلقي بحيث لا الكاتب ولا المتلقي يصلان إلى نتيجة أكثر من النتيجة التي يصل إليها كاتب العدل أو كاتب الاستدعاءات أمام المحكمة، وستكون العلاقة هنا قائمة على اللاجدوى واستهانة طرف بطرف آخر. ويضيف وصفًا آخر بقوله: «الجدار الكتيم الذي تبنيه سلطة ما والتابوهات الاجتماعية بوصف المجتمع آلة خنوع ومُسوقة لمقولات السلطة، يجعل من الرقيبين الظاهر والمستتر أكثر فعالية في تذليل الكتابة وخفضها دون المستوى، هذه الكتابة (المنضبطة) هي وسم منطقة ما - العربية مثلا - تذهبُ بنخبها وكفاءاتها إلى الانتحار المجازي الذي هو في أحد أشكاله: الاغتراب، خروج يحتمل المغامرة والفشل، قسري قبل أن يكون خيارًا شخصيًا، خصوصا في الآونة الأخيرة بفعل التفجُّرات الكبيرة».
ويعتقد المطرود بأن الفضيلة الأهم للاغتراب تكمن في التخلص من الرقيبين، وهو خلاص مشوب بما يقلل من وهجه في وضوح ذهنية المظلومية والصدمة الحضارية والحنين إلى مساقط الذكريات، وبالتالي أسر الكتابة في مساحة ضيقة بما يفعله المنتجُ هنا من مقابلات منطقية وغير منطقية بين مكانين يختلفان شكلاً ومضمونًا، غير أن هنا المساحة متوفرة لصالح حرية ظاهرة لكنها منضبطة قانونًا وليس استلابًا.
وعن تجربته الشخصية يقول المطرود: «شخصيًا تخلصت من الآخر الحسيب نحو فضاء الآخر المتلقي، فاكتسب نصي جسارة جديدة من خلال خياراته التقنية، وكذلك مواضيعه المنافسة لأدب كنا نقرأه على أنّه أدب يصنعهُ معلمون كبار. حالة التقزيم التي كنا فيها جعلتنا ننظر إلى كل مختلف عنا على أنه أكبر وأهم، أما بفعل القرب الذي نحن فيه اليوم وفرض علينا فرضًا فقد صرنا ندفع عن أنفسنا بالتي هي أحسن، وننظر إلى ذواتنا كمنتجين لا متلقين فقط، وكمعلمين وصانعي نصوص سنقرأها ويقرأها الآخر الذي نحن بين ظهرانيه الآن، نصوص أعتقد أنها لها الجَلد الكافي على الحضور والاستمرار».

التابو المقيت

الكاتب أحمد ضياء لا يبتعد كثيرًا عن قناعة سابقه، بل يبدأ كلامه بتأكيد الواثق: «بكل تأكيد للبيئة أثر كبير على حياة المثقف والكاتب بشكل عام، إذ من خلالها يمكن أن يتسلم المادة الخادم ويعجنها وفق ما تملي عليه الظروف الآنية، وكذلك وفق مرجعياته المعرفية، فلا بد على الكاتب أن ينهل عبر هذا الإطار المفاهيمي والبيئوي خميرته الأساس، وإن التكيفات التي تحدث مع ما كان أو يكون هي من الأمور الجيدة التي تحسب للكاتب، وإلا لو أنه لم يستطع أن يتفاعل مع هذه المدركات وظل ينتج في نفس الخانة أو الخطاب الذي كان ينتجه في الداخل، أي أنه لم يخرج من إطار بيئته التي تمثل بالدرجة الأولى التابو المقيت فوق عقلية وكتابات الفرد. شخصيًا أجد أن الفرد الذي لا يستطيع أن يغير هذه القولبة وهذه النمطية النسقية التي اعتاد عليها، هو كاتب أصيب بعوق فكري بحيث إنه لا يستطيع أن ينتج فضاءً جديدًا يغاير به الوضع القديم الذي كان فيه ببلده الأم، وهنا ينبغي الإشارة إلى جوهر المكان حيث الرائحة والجمال يلعبان أداء رسميًا في كينونتهما. وما تلك الكتابات التي كانت محصورة في خندق التابو والخوف إلا مراحل مران يعدها الكاتب، إذ به حالَما يخرج سينتج خطابًا مغايرًا أو موازيًا لما كان ينتجه».
ثم يعود أحمد ضياء ليستدرك بقوله: «هذا الأمر لا يعني أن كل من خرج خارج حدود الوطن هو كاتب أو شاعر أو ناقد مبدع، بل هناك استثناءات كتابية بالإمكان أن نشير إليها، والأمر هنا أيضًا عكسي، أي أنه ليس كل من بقي داخل الوطن هو غير مبدع، بل هناك ظروف حتمية هي من تحدد مواقف هذا وذلك ضمن خانات أو معطيات ترسمها خارطة الأرض وتعيد إنتاجها المرجعيات الفكرية التي يتمتع بها كل شخص، ويبقى النص سواء كتب بالداخل أو الخارج هو الفيصل الوحيد لعمل الكاتب، فمن خلاله يمكن التأشير على موهبة الفرد وتمايزه عمّا هو سائد.

التحرر من التأويل

الروائي والكاتب هيثم حسين يعتبر أنّ المكان الجديد يتمرأى بطريقة أو أخرى في الكتابة، وينعكس بدوره في الموضوعات المتناولة، ناهيك بالهموم الحياتيّة المستجدّة، ويشرح أكثر قائلاً: «ذلك أنّ التغيّر يكون بشكل تدريجيّ، لأن تفاعل الكاتب مع محيطه يكون أكثر حساسيّة من غيره، لذلك تراه يقوم بتظهير نموذج حياته الذي تغيّر في كتابته التي ستكون صدى لتلك التغيّرات. بالنسبة لي، أجد نفسي مقيّدًا بواقع بلدنا سوريا، وما يجري فيه من أهوال يعجز المرء عن توصيفها لفداحتها وفجائعيّتها، وأجد نفسي مسكونًا بالذاكرة، أعود إليها، أستقي منها وأبني عليها. هنا تحرّرت من حسابات التأويل المخابراتي ومخاوف الاستجواب ووساوس التحقيق. أذكر أنّني حين كنت في سوريا كنت أجد نفسي مضطرًّا إلى شرح بعض المقالات وتفسيرها، أو حتّى مقاطع من الروايات، لعناصر المخابرات في استجواباتهم لي، وكنت أضطر إلى تقديم إفادة لمَن لا يعترف بأيّة قيمة، لا للأدب، ولا للإنسان بذاته، وكان ذلك مثيرًا للأسى والقهر، ويحزّ في الروح والقلب. هنا لا خوف من تأويلات من هذا النوع. أتذكّر تلك الأيام التي كان رفع السقف المفروض على الكتّاب تحدّيًا، وكانت هناك جاذبيّة التعبير بعناد عمّا يقلق السلطة، لكن كانت تلك حرّية مجتزأة».
الحياة الجديدة تفرض إيقاعها وموضوعاتها وقضاياها على اللاجئ والمغترب، بحيث يجد نفسه في خانة بعينها، ويتحتّم عليه الدفاع عن نفسه، ويكون عرضة لسوء الفهم، أو التأويل، ومعرّضًا للتقييد بصور نمطيّة. ويرى هيثم حسين أن القضايا الإنسانيّة مشتركة بين الشرق والغرب، الإرهاب، اللجوء، الحرب، الحرّيّات العامّة، ناهيك بدهشة الاكتشافات المواكبة لنماذج مختلفة من البشر، كلّ ذلك يشكّل زادًا ثرًّا للتناول والمعالجة والمقاربة.
ويقول: «لكلّ مرحلة بهجتها، وسحرها، وكلّ كتابة هي ابنة زمنها. الحرّيّة المتاحة في التعبير كانت حلمًا عصيًّا على التحقّق حين كنت في سوريا، وهي مسؤوليّة كبرى هنا. أشعر بقذارة النظام الذي جاهد لحجب نسائم حرّيّة التعبير عنّا، وسعى لتكميمنا، وتعقيدنا، وإبقائنا أناسًا مكبوتين لا يجرؤون حتى على الحلم بالتعبير، لكنّ الثورة حطّمت تلك الأوهام، وفتحت نوافذ الحلم بالحرّيّة، وكان أن لجأ النظام بإجرامه الرهيب لتحويلها إلى نوافذ الجحيم».

لا يزالون يتحفظون اجتماعيًا

الشاعر الدكتور يوسف شحادة يوقن بوجود هذه التغيرات، ويقول: «لا شك أن معظم الأدباء العرب الذين غادروا أوطانهم واستقروا في المهاجر، لسبب أو لآخر، قد مروا بفترة تحولات في منطلقاتهم الفكرية، ونظراتهم إلى قضايا الوطن والعالم، هذه التحولات مشروعة، فالأديب ابن واقعه، والواقع المعيش له جبروته الذي يجر المبدع إلى مهب التغيرات». ويضيف شحادة: «عموما، الأدباء العرب يشعرون بحرية أكبر خارج عالمهم العربي، فتراهم يعبرون بتحرر كبير عن القضايا الفكرية والسياسية في أعمالهم. ولكن، إن نظرنا إلى القضايا الاجتماعية والحياتية المطروحة في إبداعاتهم وجدناها قد عولجت دون تغيرات تذكر من حيث جرأة الطرح وحرية البوح»، لكنه يرى في الأمر استثناءات: «لكي لا أقع في التعميم أؤكد أن فئة صغيرة من الأدباء العرب يمكن أن تستثنى من ذلك». ويكمل: «الموضوعات التي يخشى العرب طرحها في أعمالهم هي تلك التي تمس شخصية الحاكم العربي بسوء أو حتى بانتقاد غير عنيف، وينسحب ذلك على أجهزة الأمن أو ما يحب أن يسميه قضاء الأنظمة المستبدة «رموز الدولة وهيبتها».
وقد تكون المسائل الدينية، التي تثير الجدل، موضوعات تطرق إليها بعض الكتاب العرب خارج أوطانهم بجرأة أكبر لم يكن بوسعهم الاقتراب منها في مجتمعاتهم المتشددة دينيا أو طائفيا. ويصف المشهد بقوله: «يمكن القول إن الأدباء العرب في غالبيتهم ينظرون إلى أعمالهم المكتوبة في ظل غياب الحرية، أو نقصانها، أنها نتاج عسير أنجزوه تحت ضغط الرقابة الذاتية، وكبح الاندفاع وراء تعرية وجه الواقع، والاكتفاء بتعرية أطراف جسده، قدر المستطاع. مما لا شك فيه أن مساحات الحرية الجديدة أتاحت لهم البوح بصدق أكبر ومنحتهم نفسا مندفعا لا يهادن ولا يتردد في تعرية الجسد العربي كاملا».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.