إقليم كردستان يفتح أبواب أكبر مخيم للاجئين السوريين في العراق

سوريتان تعاينان بضائع في سوق مخيم دوميز بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق («الشرق الأوسط»)
سوريتان تعاينان بضائع في سوق مخيم دوميز بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق («الشرق الأوسط»)
TT

إقليم كردستان يفتح أبواب أكبر مخيم للاجئين السوريين في العراق

سوريتان تعاينان بضائع في سوق مخيم دوميز بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق («الشرق الأوسط»)
سوريتان تعاينان بضائع في سوق مخيم دوميز بمحافظة دهوك في إقليم كردستان العراق («الشرق الأوسط»)

يستقبل إقليم كردستان أكبر عدد من اللاجئين السوريين الذين فروا إلى العراق، يقطن أغلبهم في مخيم دوميز. ويمكن تسمية هذا المخيم التابع لمحافظة دهوك المحاذية لسوريا وتركيا، بحي دوميز، ذلك أن وصف الحي أقرب ما يكون لهذا المخيم الذي يسترخي على مساحة أكثر من 60 دونما، ويقطنه ما يقرب من 70 ألف لاجئ سوري فروا من ويلات الحرب الأهلية التي تدور رحاها هناك ويدفع ثمنها الأهالي.
قطعنا من أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، حتى «مخيم دوميز»، مرورا بمركز مدينة محافظة دهوك ما يقرب من أربع ساعات قبل أن تبدو لنا عن بعد بيوت صغيرة وخيام ترتفع فوقها أطباق التقاط البث الفضائي (الستالايت) امتدت على مد البصر، ذلك هو أكبر مخيم في عموم العراق وإقليم كردستان مخصص لاستقبال اللاجئين السوريين، واستمد اسمه من بلدة دوميز الكردية التي اختارت حكومة إقليم كردستان المساحات الشاسعة المحاذية لها لأن تكون مخيم «دوميز»، المخيم الذي حول هذه الناحية من بلدة هادئة ووادعة، لم تتذكرها نشرات الأخبار يوما ولم يرد اسمها في الإعلام، إلى أشهر مكان يزوره الصحافيون من مختلف وكالات الأنباء والصحف والإذاعات والتلفزيونات العالمية.
ويقول بهزاد علي آدم، نائب محافظ دهوك ورئيس غرفة عمليات استقبال اللاجئين السوريين لـ«الشرق الأوسط»، إن «حكومة إقليم كردستان تتحمل 80 في المائة من نفقات اللاجئين السوريين من أجل أن يعيشوا بكرامتهم، بينما لا تهتم المنظمات الدولية كثيرا بهم مثلما يهتمون بأمثالهم في الأردن ولبنان وتركيا»، مشيرا إلى أن «هؤلاء اللاجئين يحظون باهتمام فخامة رئيس الإقليم مسعود بارزاني وسيادة رئيس حكومة الإقليم نجيرفان بارزاني حيث تم إنفاق أكثر من 50 مليون دولار حتى الآن هذا عدا الأرض ومستلزمات السكن والأرزاق والمدارس والمعلمين والأطباء ورجال الأمن وتوفير الطاقة الكهربائية والماء وبقية الخدمات».
وفيما يتعلق بالمشكلات التي تنجم عن وجود عشرات الآلاف من اللاجئين السوريين في محافظته، يقول آدم؛ «بالتأكيد تبرز مشكلات في الجوانب الاجتماعية أو مزاحمة المواطنين في فرص العمل، أو حصول حالات تتعلق بالسرقة أو السطو، وهذه أمور كلها اعتيادية تحصل في أي مكان خاصة مع وجود هذا الكم الكبير من اللاجئين الذين يتجولون بحريتهم»، موضحا أن «أكراد العراق تعرضوا لمثل هذه المحن الصعبة بل أكثر من هذه وعانوا من اللجوء لمرات كثيرة لإيران أو تركيا ويعرفون قسوة اللجوء، لهذا أرادت حكومتنا أن تخفف من معاناتهم وأطلقت لهم حرية الحركة والعمل».
«الشرق الأوسط» زارت المخيم وأمضت يوما كاملا تتجول فيه. خارج بوابة المخيم، المفتوحة دائما، قامت دكاكين ومقاه ومطاعم، وهناك مرأب واسع لسيارات الأجرة لنقل من يريد من اللاجئين السوريين إلى مركز مدينة دهوك، أو أي بلدة أخرى، أظهرنا مذكرة موافقة نائب محافظ دهوك على زيارتنا للمخيم لرجال الأمن (الأسايش)، المكلفين بحماية حياة سكان المخيم، عند البوابة، وكان من المهم الحصول على هذه الموافقة ومن دونها لا يمكننا الوصول إلى الداخل، حسب مدير العلاقات والإعلام في إدارة المخيم، سليم سعيد طاهر، فإنه «من غير المسموح لأي شخص من خارج المخيم وليس من سكانه بالدخول على الإطلاق، وخاصة أجهزة الإعلام»، مشيرا إلى أن «وسائل الإعلام كانت تدخل سابقا إلى المخيم من دون موافقات أصولية وتتجول بين اللاجئين السوريين وتنقل قصصا غير واقعية ولا تتمتع بالمصداقية كما أن بعض اللاجئين لا يحبذون نشر صورهم وأسمائهم أو لا يريدون الإدلاء بأي تصريحات ونخشى أن تحدث مشكلات بينهم وبين الصحافيين، لهذا شددت محافظة دهوك وإدارة المخيم على استحصال موافقات أصولية تمكن المراقبين والصحافيين من التجول بحريتهم في المخيم».
مخيم دوميز يعتبر المركز الرئيس لاستقبال اللاجئين السوريين، حسب إيضاح المهندس إدريس نبي صالح، مدير مخيم دوميز للاجئين والمشرف على جميع مخيمات اللاجئين السوريين في محافظة دهوك، الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن «مخيم دوميز هو المخيم الرئيس لاستقبال اللاجئين السوريين، وباشرنا حاليا بالعمل لإنشاء مخيم آخر قرب الحدود السورية لاستقبال اللاجئين، وهناك مخيم هو بمثابة محطة استقبال بالقرب من الحدود للاستقبال ونقل اللاجئين، والآن هناك مخيم كبير آخر سنستقبل به اللاجئين وطاقته الاستيعابية 50 ألف شخص، وهناك مخيمات في محافظتي أربيل والسليمانية»، معقبا بأن «هذا المخيم، دوميز، طاقته الاستيعابية 50 ألف شخص أيضا ولكن بسبب الهجرة الكبيرة والضغوط التي تعرضنا لها فإن هناك أكثر من 60 ألف لاجئ يقيمون هنا من أصل 130 ألف لاجئ، فجميع اللاجئين السوريين في محافظة دهوك يتم تسجيلهم في هذا المخيم، قسم منهم يعيشون داخل المخيم وقسم آخر يعيشون في المدن والنواحي يعملون ويستأجرون بيوتا وتتم متابعتهم من قبل جهات حكومية أخرى».
يضيف صالح قائلا «اللاجئون الذين وصلوا إلى هنا بسبب ظروف الاقتتال ولأسباب أمنية واقتصادية، وعندما يدخلون الحدود العراقية يتم تسجيلهم من قبلنا ومن قبل الأمم المتحدة ليكونوا لاجئين بصورة رسمية، ويمنحون استمارة من المخيم، ويمنحون إقامة؛ ولعل حكومة إقليم كردستان هي الوحيدة التي تمنح حق حرية التنقل للاجئين السوريين، إذ يحق لأي لاجئ وبعد أن يتم تسجيله التحرك بين المدن والبحث عن فرص عمل أو الإقامة خارج المخيم»، يقول مدير المخيم «نحن وبتوجيه من رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، نمنحهم حق الخروج إلى خارج المخيم ولهم حق العمل والسكن خارج المخيم».
وعلى العكس من مدن العراق التي هي خارج إقليم كردستان والتي هي محرومة من الطاقة الكهربائية، فإن سكان مخيم دوميز ينعمون بالطاقة الكهربائية لـ24 ساعة باليوم، يقول صالح «كل الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ورعاية صحية وتعليم، وطعام تتحملها حكومة الإقليم، أي إننا نتحمل أكثر من 80 بالمائة من النفقات على اللاجئين بما فيها الأرزاق (الطعام والمستلزمات الحياتية الأخرى) حالهم حال أي مواطن عراقي، وتمنح (منظمة الغذاء العالمي) التابعة للأمم المتحدة قسيمة بقيمة 31 دولارا أميركيا لكل شخص شهريا لشراء الطعام حصريا، أي ليست أموالا نقدية، إضافة للأرزاق التي نمنحها لهم وبالإضافة إلى تبرعات المواطنين ومخازننا مملوءة بكل أنواع الأفرشة والأثاث وهناك تبرعات مادية تصل مباشرة للاجئين أو عبر حساب مفتوح باسم الأمم المتحدة، هذا يعني أن كل شيء متوفر لهم».
ويشكو مدير مخيم دوميز والمشرف على جميع مخيمات اللاجئين السوريين في محافظة دهوك من عدم دعم أو اهتمام الأمم المتحدة لهذه المخيمات بالشكل المطلوب، يقول «في إقليم كردستان العراق هناك أكثر من ربع مليون لاجئ سوري، وليس هناك للأسف اهتمام دولي من قبل الأمم المتحدة والدول المانحة للاجئين الموجودين هنا، ويتركز اهتمامهم فقط على اللاجئين في الأردن ولبنان وتركيا».
يضيف صالح قائلا «المخيم فيه قواطع وكل قاطع (100 عائلة) مسؤول عنه شخص نسميه مختارا وعندنا 40 مختارا يتم التنسيق بينهم وبين المسؤولين وهناك صناديق للشكاوى تفتح من قبلنا» مشيرا إلى «وجود مركز لمكافحة العنف ضد المرأة ومركز أمني».
خارج مكتب إدارة المخيم الذي يبدو مثل خلية نحل نشطة لكثرة مشاريعهم وازدحام برامجهم، تتحرك آليات ضخمة، بلدوزرات وشفلات تعمل لساعات طويلة على تعديل الطرق وتعبيدها قبل أن تهطل الأمطار. يأخذنا مدير العلاقات والإعلام في إدارة المخيم، سالم سعيد طاهر، إلى حياة اللاجئين، حيث يعيشون، موضحا أن «المخيم يستضيف كذلك لاجئين من العرب والمسيحيين ولا يقتصر على الأكراد السوريين مثلما قد يخطر بأذهان البعض».
نستهل جولتنا بقطاع استقبال اللاجئين، فهناك خيام لاستقبال العوائل وأخرى لاستقبال العزاب، مع أنها تقع في قاطع واحد وليس هناك فصل بالمعنى الحقيقي بين خيام العوائل والعزاب. اللاجئون هنا لا يمنحون أسماءهم كاملة، وربما يعطون أسماء غير حقيقية علاوة على رفض قسم كبير منهم التصوير الفوتوغرافي أو الفيديو، فهم، وكما أوضح غالبيتهم لـ«الشرق الأوسط» مؤثثون بهواجس أمنية مرعبة، فنظام الرئيس السوري بشار الأسد وممارسات أجهزته الأمنية القمعية وحزب البعث جعلت من الشعب السوري عامة لا اللاجئين خاصة يعيشون هواجس الخوف من الملاحقة والتنكيل بهم، يوضح محمد وهو عربي من حمص، ووصل قبل أيام مع زوجته وبنتيه «نخشى أن تظهر صورنا أو أسماؤنا كي لا تتابعنا أجهزة بشار أو تلاحق أقرباءنا هناك فتقتلهم». ورب العائلة هذا الذي جلس على بساط فوق الأرض هرب، كما أوضح، من الملاحقات الأمنية والقصف الذي طال أحياءهم السكنية «وتعذر علينا وخاصة على بناتي الحصول على لقمة خبز». تقول زوجته «لقد شعرنا بالأمان حال وصولنا للأراضي العراقية واستقبال الإخوة في المخيم لنا.. هنا نحن لا نحتاج لأي شيء، أهم شيء أن الأمان متوفر والطعام والاحترام وبناتي يشعرن بالسعادة».
خارج خيمة للعزاب يتجمع شباب أعمارهم تتراوح ما بين 18 و26 عاما، يدخنون سجائر رخيصة بشراهة، حسبما توضح أعقاب السجائر التي انتشرت حولهم، ويلعبون الكارت لقضاء الوقت الذي يمر عليهم ثقيلا حسبما أكد رامي (19 عاما) وهو ينحدر من دمشق «تركت بيت العائلة هربا من أوضاع الاقتتال التي أصابتني باليأس، هنا أنا مع أخي الذي يكبرني بعامين.. جئنا إلى هذا المخيم بحثا عن الاطمئنان والعمل.. نحن نبحث عن فرص عمل»، وعندما سألتهم عن رأيهم في الجيش السوري الحر ولماذا لم يتطوعوا في صفوفه لمقاتلة النظام والتصدي له بدلا من الهجرة، لاذوا بالصمت وطالبوا بفرص عمل. يقول سليم (23 عاما) وهو من القامشلي «لم يطلب أحد منا التطوع للجيش السوري الحر، ثم إننا لم نعد نعرف من ضد من فالأمور تشابكت علينا، أنا خسرت دراستي الجامعية وعملي ولم يتبق لي أي أمل سوى أن أعمل هنا وأساعد عائلتي في سوريا»، وينقل هذا الشاب شكاوى أقرانه «لم يمنحونا حتى الآن الإقامة التي تمكننا من التحرك بحرية في حدود إقليم كردستان بحثا عن فرصة العمل.. أنا مستعد أن أعمل أي شيء للحصول على الأموال».
أينما تحركنا في إرجاء مخيم دوميز، تحرك معنا وخلفنا جحافل من الأطفال، بعضهم يرتدي ملابس نظيفة وأنيقة إلى حد ما، والبعض الآخر كانوا حفاة الأقدام، وملابسهم رثة، يقول مدير الإعلام «نحن نوزع على الجميع الملابس التي تأتي كتبرعات وخاصة للأطفال، لكن غالبية سكان المخيم هم من الأرياف وتعود أطفالهم هذه الهيئة ولا يهمهم بينما هناك عوائل تحرص على نظافة أطفالهم وأن يبدوا أنيقين». والأطفال في هذا المخيم ليسوا ضحايا، فهناك، وحسب إيضاح طاهر «3 مدارس وسوف نستلم 4 مدارس بينها متوسطة وثانوية لتكون في هذا المخيم 7 مدارس وروضة أطفال، كما نهيئ ملعبا لكرة القدم، وهناك مناطق للعب الأطفال، وفيما يتعلق بالنساء فتوجد دورات تأهيلية في مجالات مختلفة، وكل اللاجئين مشمولون بالرعاية الصحية من خلال المركز الصحي الموجود في المخيم الذي تشرف عليه دائرة صحة دهوك وكذلك منظمة أطباء بلا حدود حيث يوجد أطباء وممرضات سوريون».
الشارع الرئيس للمخيم تحول إلى سوق إضافة للسوق الذي سيفتتح من قبل إدارة المخيم، هنا توجد محلات حلاقة رجالية وتصفيف شعر للنساء ومحلات خياطة نسائية ورجالية وأسواق ومحلات لبيع الملابس لكلا الجنسين وعطور ومكياج وحلويات كما تنتشر المقاهي والمطاعم ومحل لتأجير بدلات العرائس. يقول مدير إعلام المخيم «هنا يوجد إقبال على الزواج بينهم، فأمس حضرت حفل عرس أقيم في قاعة قريبة مخصصة لأحياء الحفلات، وهناك حالات معدودة للتزاوج بين سكان المنطقة من العراقيين والسوريات وربما تزداد هذه الحالات مستقبلا». ونحن في طريقنا إلى محل لتأجير ملابس العرائس مرت بنا سيارة بيضاء مزينة بالورود حيث سيتم زفاف عروسين في ذلك المساء. بدت ملابس العرائس بألوانها البيضاء والزرقاء والحمراء عند واجهة محل صغير تديره روعة التي تزوجت منذ خمسة أشهر، تقول «كنت على معرفة مع زوجي (قبل الزواج) ونحن في سوريا وعندما جئنا إلى هنا قررنا الزواج فالحياة يجب أن تسير ولا تتوقف»، موضحة «زوجي وإخوته يعملون في دهوك لأننا هنا منذ أكثر من عام، زوجي عامل اعتيادي، أي إنه يعمل في أي مجال تنظيف أو بناء، أو في مقهى»، مشيرة إلى أنها فكرت بافتتاح محل لتأجير بدلات الأعراس «بعد أن لاحظت إقبال الشباب والشابات على الزواج، لهذا اشتريت عددا من بدلات الزفاف وبدلات السهرات». بالقرب من محل روعة هناك خياطة نسائية تزدحم عندها الشابات اللواتي يخطن ملابسهن حسب ما تسمح به العادات الاجتماعية وآخر صيحات المودة، تقول سناء؛ «أنا كنت خياطة في دمشق، ولكني كنت أخيط لنساء الحارة في بيتي، وبعد تعرض حينا للقصف نزحنا إلى دير الزور ومن هناك جئنا إلى العراق مع أختي ووالدي ووالدتي، وقررت أن أفتح هذا المحل المتواضع لتوفير بعض النقود والتخلص من الملل»، موضحة أن «الإقبال جيد عليها خاصة أن هناك الكثير من العرائس».
ليس بعيدا عن محل سناء هناك محل للخياطة الرجالية، يقول عبد الله صاحب المحل «كنت في إدلب أخيط أجمل البدلات الرجالية وبمختلف الموديلات، لكن إدلب كانت من أولى المدن التي تعرضت للقمع والقصف مما أدى بي للانتقال مع عائلتي إلى القامشلي، وبسبب تفاقم الأوضاع الاقتصادية قررت أن أنتقل مع عائلتي إلى هنا»، وعن عمله يوضح عبد الله «أنا أخيط كل شيء هنا، سراويل دشاديش قمصان، وأصلح بعض الملابس التالفة للزبائن».
في مخيم دوميز، يسكن البعض بغرف مبنية من الطابوق والإسمنت ولكن سقوفها من الخشب والبعض الآخر في خيام منظمة الهجرة التابعة للأمم المتحدة، يوضح طاهر، مدير إعلام إدارة المخيم قائلا «اللاجئون الأوائل الذين وصلوا قبل عام أو أكثر سمح لهم ببناء غرف ووفق مساحات حددتها منظمة الهجرة الدولية لكل شخص، وهي مساحات متفق عليها، وطبعا تزداد المساحة مع وجود العائلة وعدد أفرادها، واشترط أن لا يتم بناء السقوف بل تكون السقوف من الخشب أو أي مادة بديلة، وهناك عدد كبير منهم بنى بالفعل غرفا أو ما يشبه البيت، وهناك من فضل البقاء في الخيمة»، مشيرا إلى أن «خدمات إيصال الماء الصالح للشرب متوفرة للجميع وكذلك الطاقة الكهربائية».
فوجئت بأن هناك بعض عوائل اللاجئين المقيمين في سوريا يزورون أقاربهم في مخيم دوميز، تقول سعاد التي تزور أختها سميرة والتي افتتحت محلا لها لبيع العطور ومواد التجميل قبل يومين «لقد اشتقت لأختي وأطفالها وجئت لزيارتهم» نسألها وكيف وجدتهم هنا، تجيب بثقة «وضعهم هنا أفضل بكثير مما كانوا عليه في سوريا حيث التهديد وانتظار الموت والأوضاع الاقتصادية الصعبة، حتى إني أفكر جديا بالمجيء مع عائلتي إلى هذا المخيم».
عندما حل المساء في مخيم دوميز المترامي الأطراف، وانتشرت الأضواء في كل مكان، خرج الشابات والشباب وهم يرتدون أجمل ما عندهم للتمشي في الشارع الرئيس للمخيم الذي يزدحم بالباعة المتجولين والدكاكين، وكأن كل سكان المخيم صاروا في هذا الشارع. سالت أحد الشباب المارين ما اسم هذا الشارع؟ أجاب وهو يبتسم «شارع باريس».
عندما كنا نغادر مخيم دوميز، كانت جموع العمال تعود إلى عوائلها وخيامها مقبلة من دهوك، فهناك يعملون بشتى المجالات من أجل الحصول على ما يعيلهم. وإذا كانت حركة عمل اللاجئين السوريين في دهوك تقتصر على مجالات البناء والخدمة في المطاعم الشعبية، فإن أمثالهم في السليمانية وأربيل أوفر حظا إذ يعملون في الفنادق الراقية والأسواق الكبرى وفي بعض الشركات الخاصة.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.