الحداثة.. رفض للانخداع وفضح تزييف الحقائق

ليست جحيمًا.. بل منظومة تفكير صدمت غيرنا وجرحته

الحداثة.. رفض للانخداع وفضح تزييف الحقائق
TT

الحداثة.. رفض للانخداع وفضح تزييف الحقائق

الحداثة.. رفض للانخداع وفضح تزييف الحقائق

يعتقد كثيرون أن النموذج المسمى «حداثة» هو نموذج غربي بامتياز، وأنه كان جحيما على العالم العربي الذي استقبله، وهو ما سمي «بصدمة الحداثة»، حيث تم زج الإنسان العربي دون سابق إنذار، في تفكير لم ينتجه. فهل يعد هذا الأمر صحيحا حقا؟ وهل الحداثة اختيار؟
في هذا المقال، سنحاول إبراز الحداثة، كمنظومة تفكير كانت صادمة للإنسان الغربي أيضا. وأنها واحدة، وليست كما يروج لها البعض، من أنها حداثات، ومنهم المفكر طه عبد الرحمن. فالإنسان واحد. فكيف ذلك؟
ما تزال بنية التفكير الذي ينعت بالغربي، غامضة عندنا في العالم العربي. وما دمنا مطالبين باتخاذ موقف تجاه هذا الفكر المبهر والمقلق، المطلوب والمنبوذ في الآن نفسه، فالعمل الحقيقي الذي يجب القيام به، هو إكمال فهمنا الموضوعي له، والعمل على ضبط ثوابته.
لقد انطلق النسق الغربي، المسمى حداثة، وبوضوح وبشبه إجماع بين الباحثين، في القرن السابع عشر، وهو قرن الثورة العلمية الحديثة بامتياز. إنه زمن غاليليو وديكارت وكبلر ونيوتن وغيرهم. ففي نهاية المطاف، ليس منهج الفكر الحداثي، سوى منهج الفكر العلمي مطبقا في كل المجالات.
كانت البداية مع الثورة الفلكية، التي سميت باسم العالم البولوني كوبيرنيكوس (توفي سنة 1543) الذي أوقف الشمس وحرك الأرض. إذ لم يكن عمل هذا الرجل تقنيا وحسب، من أجل ضبط التقويم وحسابات وجداول مواقع الأجرام السماوية، أو من أجل تعديل ذلك النموذج الفلكي البطلمي الأرسطي، المتهالك والموروث من القرون الوسطى. أبدا لم تتوقف ثورة الرجل عند هذه الحدود، بل كانت هزة وزلزالا سيغير رؤية الإنسان الأوروبي، آنذاك. لنتصور مثلا، شخصا كان يعيش في القرن السادس عشر، ويؤمن كما كان يؤمن معظم الناس آنذاك، بحسهم المشترك: إن الكون الذي نراه هو عالم مغلق ومريح، وكل ما فيه مسخر من أجل الإنسان. أقصد أن العالم كان ينظر إليه على أنه قبة سماوية محدودة الجوانب، بها نجوم ثابتة وأجرام سيارة، تدور هي والشمس على مركز الكون المتمثل في الأرض، التي وضعنا الله فيها تكريما وتشريفا. بالطبع، كان هذا الشخص سيصعق إذا ما سمع كوبيرنيكوس يقول له إن رؤيتك مزيفة وغير حقيقية. وإن مشهد العالم كما تراه كاذب ومضلل. لقد خدعتك حواسك، وأظهرت لك العالم على شاكلة ليست هي الحقيقية. بعبارة أخرى، سيشعر الشخص بأن كل شيء ينهار من حوله. فكوبيرنيكوس قلب الموازين، ووضعنا في أزمة إدراك حسي رهيب، وجعلنا نرى العالم عالمين: عالم جاهز وسطحي وسهل المنال ووهمي، وعالم حقيقي لكن غير مرئي، ولا يكتشف بسهولة، بل يحتاج لجهد جهيد لن نحصل عليه إلا بالبناء. والأمر الأشد الذي سيزيد الطين بلة، هو أن الجيل الذي سيأتي بعد كوبيرنيكوس، سيعمق الهوة بين النظرة الفلكية القديمة والنظرة الناشئة، بإظهار أن العالم لا نهائي وغير محدود. وهنا نتذكر جيوردانو برونوالذي روج لهذه لفكرة، إلى درجة حرقه سنة 1600. إن خطورة القول بلا محدودية العالم، تكمن في ضرب مركزية الأرض مباشرة. ما يعني فقدان تميز الإنسان وحظوته في الكون. فهو قد أصبح وكأنه متروك لحاله، ومقذوف به في حصاة صغيرة مهملة، ضمن عالم دوار ولا نهائي، إلى درجة أن السؤال المحرج، الذي طرح، آنذاك، بإلحاح كان: هل حقا خلق العالم من أجل الإنسان؟ إذ ما الحاجة لكل هذه العوالم اللامتناهية؟ أكيد أن الأمور تسير بطريقة مختلفة عما اعتقده الأقدمون؟ لقد أربكت الكوبيرنيكية الإنسان الأوروبي، وأقلقت باله، وأدخلته في ريبة وشكوك خطيرة، هددت عالمه الآمن. ولعل أحسن من عبر عن تلك اللحظة، هو الفيلسوف الفرنسي ديكارت (توفي سنة 1650). فهو أعلن أنه كوبيرنيكي بقوة، حين قال في إحدى رسائله إلى صديقه مرسن: «وٳني لأعترف بأنه إذا كانت فكرة حركة الأرض خاطئة، فإن جميع أسس فلسفتي ستكون باطلة كذلك». فجراء صدمة الإدراك الحسي، لم يعد عقل ديكارت يقبل بصورة ساذجة، بالحقائق كما هي بشكلها الغفل، دونما تمحيص وتدقيق. بعبارة أدق، تبين لديكارت أن على العقل أن يتحرك وهو حذر ويقظ ومسلح بكل التريث اللازم، قبل إصدار أي حكم على العالم من حوله. فالعالم لا يبوح بسره بمجرد أن تراه الحواس. فالحقيقة لم تعد جاهزة، بل تصنع صناعة، وتتطلب منهجا صارما ودقيقا، تمليه الذات العارفة على الموضوع المدروس. وهذا هو المشروع الضخم لمؤسس الأزمنة الحديثة ديكارت، الذي سيتوج بخطواته المنهجية الرباعية، التي تُمكن من تنظيف العقل وتصفيته من الخطأ، أي كل ما هو غامض، نحو فقط ما هو واضح وبديهي. وقد ذكرها في كتابه «مقال في المنهج» (وهي البداهة والتحليل والتركيب والإحصاء والمراجعة).
إن مجرد إطلالة سريعة على الفكر الغربي بعد الانقلاب الفلكي الكوبيرنيكي، ستكشف أن الإنسان الأوروبي، سيجتهد لاقتحام الطبيعة، وعدم القبول بما تعطيه لنا جاهزا، وسيعمل على إرغامها، بل استنطاقها لكي تبوح بأسرارها. لقد تعلم العلماء أن الحقيقة لا ترى ولا تسمع، بل تصنع وتنجز بعد قلب للسطح والنفاذ إلى ما وراء الظواهر.
لكن الشكوك لن تبقى حكرا على ما هو طبيعي فقط، بل ستمس حتى الإنسان وسلوكاته. فمسيرة الفكر الغربي، هي مسيرة فضح للخفي وعدم الاقتصار على القشور السطحية المزيفة. ففي القرن الثامن عشر، سيكشف خداع المظاهر في المسألة الأخلاقية. فإذا ما سلمنا مثلا مع الرأي الشائع وشبه المجمع عليه، بأن الصبر خصلة حميدة، فهناك من الأمثلة ما يربك ويحرج هذا التصور. وهذا ما تنبه إليه الفيلسوف ٳيمانويل كانط بوضوح شديد، بحديثه عن مثال المجرم، وﺫلك كالتالي: لا يوجد أحدا أشد صبرا من المجرم. فقد يتربص بضحيته لسنوات، وبكل الهدوء اللازم وبالدم البارد الكافي. وإذا عدنا إلى المسلمة الأولى، كون أن الصبر خصلة حميدة، فهذا يعني مباشرة أنه علينا القبول بالنتيجة التالية، وهي أن المجرم له خصلة حميدة، أي إنه طيب وخير. وقد خلف هذا تناقضا صارخا، لأننا نعلم أن المجرم مدمر ومخرب، والتدمير والخراب شر لا يمكن وضعهما في خانة الأخلاق. فالعبرة إذن، بالدوافع الداخلية ومدى نقائها وصفائها. فالتصور الكانطي سيقلب الأمور جذريا، لتصبح الأخلاق ليست هي السلوكات المسماة حميدة (صبر، أمانة، عفة، إقدام الخ)، بل هي تلك الشحنة المضيئة القادمة، ليس من التجربة أو ما نراه يتجسد حولنا، بل من عمق الذات. وبعبارة أكثر وضوحا: الأخلاق مصدرها باطني، يخرج من منبع يسميه كانط «الإرادة الطيبة» أو ما يسمى عندنا «النية الصافية». فالمجرم إرادته سيئة رغم أن سلوكه صبور. بل لننظر إلى كارل ماركس في القرن التاسع عشر. إنه سيستخدم مفهوم الآيديولوجيا، بالمنطق الحداثي نفسه الذي أصبح لا يقبل الخداع. فخلف كل فكرة تروج هناك مصالح مضمرة. فالآيديولوجيا قناع وقشور تغلف الحقيقة، إنها تزييف وقلب للحقائق. بل ألا نرى موقف شوبنهاور، وهو يقسم العالم إلى تمثل وإرادة، على أساس أن التمثل هو عالم العلم، والسطح، والمعنى، والمعقولية، بينما الإرادة هي عالم العمق والحيوية، حيث تسود الطاقة العمياء المحركة لكل شيء. وهو ما سيتجسد أيضا عند نيتشه، الذي ما هو إلا تتمة لعمل شوبنهاور. فقد كان يحمل مطرقته ليهشم كل الطبقات المتراكمة والمغطية لجوهر الإنسان الطبيعي والحيواني، مرددا أنه ليست ثمة حقائق بل مجرد تأويلات. والأمر نفسه يقال عن المحلل النفسي فرويد الذي لم يكتف بسطح الوعي، فهو مجرد تمظهر لعالم أعمق كله سراديب ومكبوتات مخفية، إنه اللاشعور. وفي مجال الابستومولوجيا مفهوما أصبع شائعا، هو الباراديغم، للعالم توماس كون، الذي أكد على أن العالم لا يستطيع التفكير من دون الإطار النظري المتفق عليه. فما يظهره من نتائج يوجد من خلفه نماذج ذهنية موجهة. وهو ما أسماه فوكو بالإبستمي، أي النظام المعرفي المؤطر للتفكير في زمن معين، الذي يشتغل كبنية خفية ومعتمة.
نخلص إلى أن ما يسمى الحداثة، هو نموذج من التفكير لم يكن اختياريا بل كان مفروضا بقوة الصدمة الفلكية، التي ستأخذ البشرية في مسارات الشكوك والبحث عن الحقائق، ليس في السطح المزيف، بل بالحفر في الأعماق لإظهارها. ولا حل لنا في عالمنا العربي إلا تعليم أولادنا أن الشمس تخدعهم يوميا. لا ينبغي القول إن الحداثة غربية ولا تعنينا. فالإنسان واحد، والكون الذي خدع الإنسان الأوروبي هو الكون الذي يخدعنا أيضا. فإذا جرح الغرب تاريخيا، واجتهد لإزالة الأوهام، وعمل على الخروج من القصور والسذاجة، وفضح كل ما يغلف الحقيقة، فعلينا أن نجرح تربويا وبيداغوجيا - وكم تأخرنا في ذلك. إن الحداثة في جوهرها، رفض للخداع تحت أي مسمى. إنها فضح وإماطة الأغلفة عن كل ما يمكن أن يزيف الحقائق. إنها بحق لا ترحم، وربما هذا ما يخيفنا منها.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.