بعثة طهران الحكومية تغادر الخرطوم وسمومها باقية

أقنعت السودان بالمراكز الثقافية وتحولت إلى إحداث تغيير آيديولوجي في التركيبة السكانية

مبنى المستشارية الثقافية الايرانية في الخرطوم
مبنى المستشارية الثقافية الايرانية في الخرطوم
TT

بعثة طهران الحكومية تغادر الخرطوم وسمومها باقية

مبنى المستشارية الثقافية الايرانية في الخرطوم
مبنى المستشارية الثقافية الايرانية في الخرطوم

لا يزيل إعلان السودان مغادرة طاقم السفارة الإيرانية رسميا للعاصمة السودانية وحده الأثر الذي تركته العلاقة الطويلة والمتشابكة بين الخرطوم وطهران، ولن يزيل مترتبات الجهود المخططة والكبيرة التي بذلتها الأخيرة لنشر المذهب الشيعي في السودان، والتي ترجع رسميا إلى قيام الثورة الإيرانية عام 1979. فإن ذهبت إيران الرسمية فهناك الآلاف من الذين تأثروا بالجهد التشييعي الكبير الذي بذلته السفارة في البلاد، والروابط ذات الطابع الآيديولوجي مع بعض قادة الإسلاميين السودانيين الحاكمين، فتشيعوا وبلغ عددهم الآلاف.
قطعت الحكومة السودانية علاقتها الدبلوماسية مع إيران بعد الهجوم على السفارة السعودية وملحقيتها في إيران، وأمهلت سفيرها وطاقمه أسبوعين للمغادرة، وأعلنت في العشرين من يناير (كانون الثاني) الماضي أن البعثة غادرت الخرطوم بصفة رسمية بانتهاء المهلة.
مهدت الخرطوم لقرارها بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران بقرار تمهيدي تمثل في إغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في السودان باعتبارها تشكل تهديدا فكريا ثقافيا للمجتمع السوداني، وطرد الملحق الثقافي، وذلك في سبتمبر (أيلول) 2014.
وترجع علاقة الإسلاميين الحاكمين العلنية مع إيران إلى أيام الثورة الإيرانية نهاية سبعينات القرن الماضي، وفي ذلك الوقت خرج الآلاف منهم في مظاهرات مؤيدة للثورة الخمينية حملت شعاراتها وهتفت بهتافاتها، وردد المؤيدون وقتها: «إيران.. إيران في كل مكان»، كاشفين عن تقارب فكري مبكر.
ويمكن اعتبار عام انتصار ثورة الخميني 1979، وشعارات تصدير الثورة التي تبناها النظام الإيراني، الإعلان الفعلي للعلاقة بين إسلاميي السودان وروح التشيع، لكن المذهب الشيعي لم يجد له متكأ فعليا في السودان، إلا في عهد حكم رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي، حيث افتتح أول مركز ثقافي إيراني في السودان عام 1988، وبعدها بعام واحد جاء انقلاب الإسلاميين المعروف بالإنقاذ في يونيو (حزيران) 1989 بقيادة الرئيس عمر البشير، لتبدأ مرحلة جديدة في علاقة إيران بالسودان.
منذ ذلك الوقت، تضافرت عدة ظروف محلية وإقليمية ودولية واقتصادية وسياسية، دفعت الخرطوم للارتماء في حضن طهران، فمن جهة فإن البلدين يواجهان عزلة دولية وإقليمية، وكلاهما يحاول أن يجد ظهرا يسنده في وجهها، فنتجت بينهما بادئ الأمر علاقة «مطاردي» المجتمع الدولي، وجمعتهما مصيبة العزلة، لكن في الوقت ذاته فإن التقارب الفكري بين تيارات مؤثرة وسط الإسلاميين السودانيين مهد لإيران تصدير «ثورتها الناعمة» إلى أنحاء السودان المختلفة، خصوصا الخرطوم وولايات شمال كردفان والولاية الشمالية، ليقارب عدد الشيعة السودانيين وفقا لإحصاءات غير رسمية 12 ألفا.
ويرجع مركز البحوث الإماراتي «المزماة» التطور اللافت في العلاقات بين البلدين في عهد الحكم الحالي، إلى تلاقي الخلفية الفكرية لنظامي الحكم في البلدين، والعزلة الدولية التي واجهت كلا من إيران والسودان، واللذين مثل تقاربهما نافذة يخرقان من خلالها عزلتهما بمواجهة النظام العالمي الجديد، وللاهتمام الإيراني بموقع السودان كمدخل لأفريقيا، فضلا عن رغبة الخرطوم في الاستفادة من الخبرات الإيرانية لخلق توازن إقليمي جديد في المنطقة.
ووفقا لصفحة الراحل محمد سيد حاج على «فيسبوك»، فإن إيران لجأت لعدة أساليب لتصدير ثورتها إلى السودان عبر التغلغل الشيعي في السودان، مستخدمة أساليب عديدة تضمنت تقديم المنح الدراسية للطلاب، والعمل على تشيع كُتاب وصحافيين، وإنشاء جمعيات صداقة سودانية إيرانية، ونشر مواد التشيع عن طريق المراكز الثقافي الإيراني، وإقامة سرادق الاحتفالات الدينية الشيعية، والتقرب من رجال الطرق الصوفية، والتظاهر بأنهم مجتمعون على حب آل البيت، وإنشاء فروع للمركز الثقافي في أم درمان، ومعهد الإمام جعفر الصادق الثانوي للعلوم القرآنية والدينية بضاحية العمارات السودانية.
وأنشأت إيران عددا من المراكز الثقافية والعلمية والاقتصادية في السودان، وافتتحت بها مكتبات عامة بلغ عددها 6 مكتبات، وأقامت 5 مؤسسات تعليمية أشهرها مدرسة الإمام علي بن أبي طالب الثانوية بضاحية الحاج يوسف شرق الخرطوم، ومدرسة فاطمة الزهراء لمرحلة الأساس للبنات بمنطقة مايو جنوب الخرطوم، إضافة إلى معهد الإمام جعفر الصادق الثانوي للعلوم القرآنية والدينية بحي العمارات الخرطوم، وأقامت 8 جمعيات وروابط لأصدقاء المركز الثقافي الإيراني، إذ إن سياسة طهران تقوم على البحث عن الأسر الفقيرة أو المهمشة والتي لديها نسبه في الأمية حيث تعمل على استقطابها ونفث سمومها الفكرية في هذا الجيل لبناء جيل جديد يحمل أفكار الخميني، وتصدير الثورة بمفهومها الدموي، والأكاذيب والخرافات التي تعتمد عليها طهران في تمرير مشروعها السياسي.
اقتصاديا، أنشأت إيران عددا من المشاريع الاقتصادية، مثل شركة «إيران غاز»، التي يعمل فيها الآلاف، ولها فروع في معظم مناطق السودان، ولا تعطي التوكيل إلا لمن كان شيعيا أو قريبا من التشيع، وتقام فيها كل مظاهر التشييع.
ولعبت إيران دورا قويا في استخراج والتنقيب عن النفط في السودان، باعتبار الأمر منصة اقتصادية يقوم عليها نشر المذهب الشيعي في البلاد، وفقا لصفحة الشيخ سيد، لكن بحكم الصعوبات التي كانت يواجهها الاقتصاد الإيراني المتدهور بسبب الحصار فإن الخرطوم لم تتلق المساعدات الاقتصادية التي كانت تطمح فيها.
ويعد إنشاء المجلس الأعلى لشؤون أفريقيا أحد أهم المظاهر السياسية للتغلغل الإيراني في السودان، ويهتم بالمنطقة لتوصيل النفوذ الإيراني إليها، والنشاط اللافت للسفارة الإيرانية في تحسين العلاقات الإيرانية السودانية، وبنائها ورعايتها للمراكز الثقافية الإيرانية في السودان.
عسكريا، يقول موقع «الحملة العالمية لمقاومة العدوان» إن إيران والسودان وقعتا عدة اتفاقات تضمنت مساعدة إيران للسودان عسكريا، وبذلت محاولات لتحويل الجيش السوداني من استخدام الأسلحة الروسية والصينية لاستخدام أسلحة وذخائر إيرانية، مقابل تخفيضات تصل إلى 50 في المائة على مبيعات السلاح، وأن تقوم إيران بمساعدة السودان في بناء قاعدة صناعية عسكرية، لإنتاج السلاح الإيراني الذي تحتاجه الخرطوم.
وكون الجانبان لجنة عسكرية مشتركة في مجال الدفاع عن مصالحهما، والاتفاق على عدم السماح لأي طرف خارجي بالاعتداء على أحدهما، وتبادل الوفود العسكرية والتنسيق. وزار وفد عسكري إيراني السودان في مايو (أيار) 2012، لتقييم الاحتياجات العسكرية السودانية، وقدم دعما ماديا لصالح المجهود الحربي، وأكد تواصل بعثات التدريب العسكرية السودانية في إيران.
ووفقا لقاعدة بيانات التجارة للأمم المتحدة في عام 2009، فإن حجم مبيعات الأسلحة الإيرانية إلى السودان في الفترة من 2001 - 2008 تراوحت بين مليون دولار و23 مليون دولار، ومثلت الذخيرة والمدفعية منها نحو 54 في المائة، والأسلحة الصغيرة والمعدات الخفيفة نحو 43 في المائة، والذخيرة الصغيرة منها نحو 3 في المائة. وتمثل الصين وإيران وروسيا أهم الدول المصدرة للسلاح إلى السودان، حيث صدرت إيران إلى السودان ما قيمته 18.496 مليون دولار بما نسبته 22 في المائة من إجمالي قيمة الأسلحة المصدرة إليه.
ويقول مركز «الحملة العالمية لمقاومة العدوان» إن السودان أصبح أرض المعركة الجديدة بين إيران وإسرائيل، ونتج عن ذلك وصول سفينتين حربيتين إيرانيتين هما مدمرة وحاملة طائرات إلى ميناء بورت سودان، إثر قصف مقاتلات سلاح الجو الإسرائيلي لمصنع «اليرموك» للأسلحة في 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2012 وتدميره، وعدته إيران وقتها تمرينا على ضربة عسكرية ضد أهدافها النووية.
وتتهم إسرائيل البلدين بإنتاج صواريخ أرض - أرض طراز «شهاب»، في السودان، باعتبارها احتياطيا باليستيا لإيران حال نشوب حرب في المنطقة، كما تتهمهما بتهريب أسلحة إيرانية إلى مقاتلي حركة حماس الفلسطينية عبر صحراء سيناء المصرية، وبسبب هذا الاتهام وجهت إسرائيل أكثر من ضربة جوية لجماعات سودانية داخل الحدود، تحت الزعم بأنهم مهربو أسلحة إلى قطاع غزة.
وفي عام 2008، وبفعل ضغوط من الجماعات السنية السلفية، صادرت السلطات أكثر من 200 عنوان من الكتب الشيعية عرضت في معرض الخرطوم الدولي للكتاب، وكانت أول تنبيه لافت للتمدد الشيعي في البلاد، بيد أن الجماعات الشيعية السودانية ردت التحدي بآخر، وأعلنت في أغسطس (آب) 2009 عن نفسها باحتفال أقيم بمناسبة ذكرى الإمام المهدي في ضاحية جبل أولياء بالخرطوم (40 كيلومترا جنوب الخرطوم)، حضره أكثر من 700 من أنصار المذهب في البلاد، وفقا لـ«الشرق الأوسط»، التي نقلت عن المحلل السياسي محمد خليفة وقتها أن هناك أربعة تيارات شيعية في البلاد: «خط الإمام الخميني، وتيار الإمام محمد حسين فضل الله في لبنان، وتيار الإمام محمد تقي المدرس من كربلاء في العراق، بجانب شيعة سودانيين عرفوا بالمحليين».
ورغم أن السفير الإيراني قد غادر الخرطوم مطرودا، وقبله الملحق الثقافي، وقطعت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وأعلن السودان عودته لمحيطه العربي بمشاركته في «عاصفة الحزم» بقوات عسكرية ضد الحوثيين (الشيعة) في اليمن، فإن ما تركته السنوات الودودة بين البلدين لن ينتهي بين عشية وضحاها.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.