لا جديد في جنيف.. والمعارضة مصرّة على إنجاز تقدم في الملف الإنساني

دي ميستورا «يعول» على تدخل أطراف دولية لدفع المعارضة إلى قاعة المفاوضات

المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض سالم المسلط أمس في مؤتمر صحافي بجنيف حيث من المقرر أن تنطلق مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية (أ.ف.ب)
المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض سالم المسلط أمس في مؤتمر صحافي بجنيف حيث من المقرر أن تنطلق مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية (أ.ف.ب)
TT

لا جديد في جنيف.. والمعارضة مصرّة على إنجاز تقدم في الملف الإنساني

المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض سالم المسلط أمس في مؤتمر صحافي بجنيف حيث من المقرر أن تنطلق مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية (أ.ف.ب)
المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض سالم المسلط أمس في مؤتمر صحافي بجنيف حيث من المقرر أن تنطلق مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية (أ.ف.ب)

لم يأت الأمس في جنيف بجديد في ما يخص الأزمة السورية رغم كثافة الاتصالات على أكثر من صعيد. خلاصة اليوم الأول الذي أعقب وصول وفد هيئة المفاوضات العليا إلى المدينة السويسرية، تظهير فداحة الشرخ الذي يفصل بين مواقف المعارضة والنظام وتمسك كل طرف بمطالبه ورؤيته، مما لا ينبئ بوجود كوة في جدار الأزمة السورية. وفيما وفد المعارضة ووفد النظام أصبحا موجودين في جنيف، فإن ما حصل أمس هو تبادل الاتهامات والشروط والشروط المضادة. وفي هذه الأجواء المكفهرة، يبدو المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بصورة «المتفائل الأبدي» كما يسميه أحد السفراء الغربيين المولجين الملف السوري.
ومجددا استحق دي ميستورا أمس التوصيف، إذ إنه كان المسؤول الوحيد من بين الموجودين في جنيف (بمن فيهم ممثلو «مجموعة الدعم الـ17 الداعمة لسوريا وعلى رأسهم مندوبو الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وفرنسا وبريطانيا والمندوبون العرب)، الذي يميل إلى التفاؤل ويعول على نتائج إيجابية. وحتى الآن، اكتفى المبعوث الدولي بلقاءات «استكشافية» أو «تمهيدية» كما يسميها فيما يخطط لجلستين رسميتين منفصلتين اليوم الاثنين، واحدة مع وفد الهيئة العليا للمفاوضات والثانية مع وفد النظام.
وأمس، بكر دي ميستورا في لقاء وفد المعارضة الذي وصل مساء السبت واستقر في أحد الفنادق وسط المدينة السويسرية، وذلك في أول اتصال بين الطرفين. وعقب اجتماع لم يدم طويلا، قال دي ميستورا للصحافة المتمترسة على أحد مداخل الفندق، إنه «متفائل ومصمم على انتهاز الفرصة التاريخية التي لا يجب تفويتها». لكن دي ميستورا أردف أنه ليس من الواضح بعد (بالنسبة إليه) ما إذا كانت «الهيئة»، (التي لم يصل منسقها العام رياض حجاب إلى جنيف بعكس الأنباء التي راجت عصر السبت)، ستعقد اجتماعا رسميا في مقر الأمم المتحدة في جنيف، حيث يريد أن يستقر وفدا المعارضة والنظام في جناحين منفصلين على أن يقوم بالتنقل المكوكي بينهما. والسبب في ذلك، أن وفد المعارضة متمسك بتلبية المطالب التي يتمسك بها والتي يريد أن تتحقق حتى يقبل الدخول في المفاوضات. وبسبب وقوعه ما بين الشك واليقين، فإن المبعوث الدولي كان ينتظر قرار الهيئة ليرى ما إذا كان الاجتماع الرسمي المذكور سيحصل أم لا في المقر الأممي.
وأفادت مصادر دي ميستورا أنه «يعول» على تدخل أطراف دولية وإقليمية لدفع المعارضة من أجل القبول بالدخول إلى القاعة بعدما نجحت هذه الأطرف في إقناعها بالتوجه إلى جنيف. وفي هذا السياق، يعقد ممثلون عن مجموعة الـ17 اجتماعات متلاحقة ومتنقلة في المدينة السويسرية، إذ إنهم يريدون أن يلعبوا دور «الإطفائي» وفق تعبير غربي معني بهذه الاجتماعات.
والواقع أن انتقال وفد المعارضة إلى سويسرا لم يغير من الأمور شيئا، إذ إنها ما زالت متمسكة بتلبية المطالب «الإنسانية» التي تتمسك بها وتعتبرها غير خاضعة للنقاش حتى تقبل المشاركة في المفاوضات. وقال المتحدث باسم الوفد سالم المسلط، في مؤتمر صحافي عقده في جنيف أمس، إن الغرض من هذه المطالب وضع حد لمعاناة السوريين ولا بد منها للانطلاق في «مفاوضات جادة». أما أبرز الخطوات المطلوبة من النظام فهي: «دخول الطعام إلى الأطفال وخروج النساء من معتقلات النظام ووقف الإجرام الروسي بحق المدنيين». وإذ وصف المسلط الوجود الروسي في سوريا بأنه «احتلال»، وأن عمليات القصف التي يقوم بها طيرانه «بربرية» ويجب أن تتوقف، طالب بتحقيق «شيء ما على الأرض». لكن المسلط ووفق رؤية المعارضة لم يتحدث عن «شروط مسبقة» للمعارضة لقبو العملية التفاوضية، لأن المعارضة تضعها في إطار بنود القرار الدولي رقم 2254 واجبة التنفيذ والذي صوت عليه أعضاء مجلس الأمن بالإجماع. وكان دي ميستورا وصفها قبل أيام بأنها «غير قابلة للنقاش»، فيما قال مصدر دبلوماسي غربي أن هذه المطالب وعلى الأقل بعضها «يمكن أن تتحقق في ساعة» لو أراد النظام ذلك.
وتعتبر المعارضة أن الورقة «الرابحة» والضاغطة على الأمم المتحدة ومبعوثها وأطراف مجموعة الـ17، هي بقاؤها أو رحيلها عن جنيف. وفي حال قررت البقاء، فإنها قادرة على استمرار ممارسة الضغط عن طريق رفض الدخول إلى قاعة الاجتماعات الرسمية بانتظار الاستجابة لمطالبها. غير أن إشكالية إضافية رأت النور وتتناول ما حصلت عليه المعارضة حتى قبلت الرضوخ للضغوط والمجيء إلى جنيف: هل حصلت على ضمانات خطية أو شفهية ومن أية جهة أم ما حصلت عليه لا يتجاوز كونه تأكيدا على دعمها والوقوف إلى جانبها في حال ذهبت إلى جنيف؟
في مؤتمر صحافي للمعارضة أمس في جنيف، قالت بسمة قضماني وهي عضو في وفد التفاوض إن الوفد جاء إلى جنيف بعد أن تلقى ضمانات والتزامات محددة بأن يتحقق تقدم جدي بشأن الوضع الإنساني، مضيفة أنه لا يمكن للمعارضة بدء المفاوضات السياسية قبل أن تتحقق هذه الأمور. وبحسب قضماني، فإن المعارضة حصلت على تطمينات من دي ميستورا الأمين العام للأمم المتحدة وبان كي مون ومن وزير الخارجية الأميركي جون كيري. بيد أن أطرافا أخرى من الوفد تنفي وجود ضمانات وتتحدث عن دعم سياسي ودبلوماسي وتأييد لمطالبها. وكان بيان رسمي صدر عن الهيئة لدى وصولها إلى جنيف واضح وفيه أن وفدها سيبلغ المبعوث الدولي الانسحاب في ظل عجز الأمم المتحدة والقوى الدولية عن «وقف الانتهاكات». وأكثر من ذلك، أكد رياض نعسان الآغا أن الوفد «لن يبدأ المفاوضات ما لن تصدر قرارات تؤكد إنهاء الحصار ووقف قصف المدنيين». ولخص المسلط نظرة المعارضة لما يسعى إليه النظام الذي «لم يأت إلى جنيف من أجل التوصل إلى حلول سياسية بل لكسب الوقت».
رد النظام جاء سريعا وعلى لسان السفير بشار الجعفري الذي يقود وفده المفاوض. فقد كال الأخير الاتهامات للمعارضة التي وصفها بأنها «غير جدية» والدليل على ذلك، وفق ما قاله، أن وفد المعارضة تأخر في الوصول إلى جنيف وأنه يعتم على تشكيلة أسماء أعضائه التي «لا نعرفها كذلك لا يعرفها المبعوث الدولي». وأكد الجعفري أن وفد الحكومة السورية «ذاهب لحوار سوري سوري وأن لا مفاوضات وفق شروط مسبقة وتحت ضغط الخارج»، مضيفا أن التوصل إلى حل في سوريا «لا يمكن أن يتم من غير التزام جدي بالتفاوض والعمل». واستند الجعفري إلى القرار الدولي رقم 2254 ليركز على أن «السوريين هم الذين يقررون ماذا يفعلون» دون تدخل من أي طرف خارجي. وإذ ندد الجعفري بـ«التدخلات الخارجية» في الأزمة السورية، إلا أنه تناسى الأدوار التي تلعبها إيران وروسيا والتنظيمات المسلحة في الحرب في سوريا.
وككل مرة، ركز الجعفري على موضوع الإرهاب وهو ما كان قد أثاره خلال الاجتماع مع دي ميستورا. وحرص مندوب النظام السوري على لصق صفة الإرهاب، كما يفهمها النظام بالمعارضة أيا تكن مكوناتها، إذ أشار إلى أن الشعب السوري «يواجه الإرهابيين من الأستراليين والأوزبك والشيشانيين وهم يأتون بالآلاف ويتسللون عبر الحدود»، مضيفا بلهجة متهكمة أنهم «يتحولون إلى معارضة معتدلة». لذا، فإن الحكومة السورية «عازمة على محاربة الإرهابيين وتطبيق القانون». وخلاصة الجعفري التي سبق أن رددها النظام أكثر من مرة، أن الوفد «لن يتحدث إلى إرهابيين». وبحسب مصادر غربية، فإن هذه النقطة بالذات هي التي دفعت بالمبعوث الدولي إلى اقتراح مفاوضات غير مباشرة يلعب فيها دي ميستورا وأعوانه دور الوسطاء.
وفيما تريد المعارضة الدخول فورا في موضوع مناقشة العملية السياسية والانتقال السياسي كما تفهمها، أي تشكيل هيئة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة وترفض أي دور للرئيس السوري عند بدء العملية الانتقالية، نفى الجعفري أن يكون القرار الدولي الأخير قد تحدث عن «هيئة حاكمة انتقالية»، وأنه تحدث فقط عن حكومة «ذات صدقية». ويري دبلوماسيون موجودون في جنيف أن هذه المسألة بالذات، عندما تتم معالجة الملف الإنساني في حال النجاح في معالجته «ستنفجر في وجه المتفاوضين» ما يعني العودة بالأزمة السورية إلى المربع الأول.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.