«تحزّموا»

إلى أهلي في الخليج العربي

الأمير خالد الفيصل
الأمير خالد الفيصل
TT

«تحزّموا»

الأمير خالد الفيصل
الأمير خالد الفيصل

ياهْل القلم والشّان ردّوا التّهايم
عدوانكم استأجروا كل كذّاب
إلى متى ما غير نَقرا الظلايم؟
وِاعلامنا يزوّد القوم بأسباب
لا تنثرون المال بين الهلايم
استثمروا في عقول قاده وكتاب
وحطّوا مراكز بحث للشّور دايم
تقودها قدراتنا وبعض الاصحاب
ولا تستهينوا بادعاء الخصايم
ترى الكِذِب إذا لقى إذن جذّاب
تقَاسمونا بالخرايط وَلايم
ونْصدّق التّطمين من كاَشِر النّاب
ترى المسا نذير فجر العظايم
تحزّموا لْقادم الوقت بحساب
من ضيّع الفرصه دَهَته الهزايم
ومن لا يجهّز لـ أخطر أيامها خاب
اليوم ما هو يوم لومٍ ولايم
اليوم للّي يرفع الرّاس حرّاب
وانا ادري إن الكل بالمجد هايم
وكلٍ لعز الدّار بالروح وهّاب

* «تحزّموا».. قصيدة بحجم الوعي لـ«دايم السيف»

* الدمام: «الشرق الأوسط»

* وجّه الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز رسالة إلى شعب الخليج العربي، عبر قصيدة باللغة الدارجة، حملت عنوان «تحزّموا.. إلى أهلي في الخليج العربي»، حملت مضامين تدعو للحزم والعزيمة نحو الاعتماد على النفس، وعدم الوقوع في فخ التحريض الإعلامي الموجه.
القصيدة، النصّ، الذي تنشره «الشرق الأوسط»، مثّلت كبقية نصوص خالد الفيصل رسالة تحمل مضامين عميقة تدعو للمصداقية في مواجهة التشكيك والدعايات المغرضة، ولاعتماد العلم والبحث والاستثمار في العقول كسلاح لمواجهة التحديات الراهنة.
الأستاذ الدكتور محمد بن مريسي الحارثي، أستاذ النقد الأدبي بقسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى، قال إن قصيدة «تحزّموا.. إلى أهلي في الخليج العربي» هي «رسالة وجدانية إلى ذوي القربى (الأهل)، فهم أهل (الأمير) خالد حقيقة دينًا، ونسبًا، ووطنًا، ولغةً، ومجتمعًا. فأي روابط هذه من القوة والاتحاد والمصير المشترك؟».
ومضى يقول: «خالد الفيصل رائد، والرائد لا يكذب أهله، ورسالته التي أسس بها عتبة المدخل إلى القصيدة رسالة استنهاض وتحفيز للفعل، وليست لردود الفعل، ولا لصدى الفعل».
وأضاف: «الفعل الفيصلي الذي حرّك مشاعر خالد ليس فعلاً استقوائيًا أو ظلاميًا، أو إلحاقًا بالضرر للآخر أيًّا كان منبته. إنه الفعل الهادف الذي يقود ولا يُقاد، وينفع ولا يضر. إنه فعل التمكين بالقوة، وليس فعل القوة بلا تمكين، لذلك بدأت الرسالة باسم القصيدة (تحزّموا)، والحزام من مظاهر الرجولة والقوة والاعتداد بالذات». ولاحظ الدكتور الحارثي أن «مقاربة التحزّم بعاصفة الحزم الملكية تصب في هذا المبدأ الذاتي. الذي يحفظ الحقوق والأوطان، والمنجزات الحضارية التي تحققت على أرض الواقع في خليجنا العربي».
وقال: «لقد استثمر خالد الفيصل فعل عاصفة الحزم ليؤسس على فعلها البطولي منطلقًا إلى ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع العربي الخليجي».
وأضاف: «إن هذه المقاربة بين الحزم والتحزّم لا يلتقط ائتلافهما سوى فنان بارع خبُر الفن، والسياسة، والإدارة، وامتلأ بالتراث، والمستجدات، فتكوَّن من الحياة ومتطلباتها، وكوَّن جانبًا من الحياة ومنجزاتها، وأدرك أثر الرمز اللغوي في تحريك النفوس التي خاطبها، ويخاطبها. فكان رمزه بالتحزُّم وامتلاك القوة، لتنشيط الحاضر، واستشراف المستقبل وفق خريطة مهندس الفن خالد الفيصل».
وفي تحليله للنصّ قال: «بدأ النص بأداة النداء (يا) وهو نداء للقريب، والبعيد، ولكنه للقريب أقرب، داعيًا فئة من مجتمع الخليج أصحاب القلم. والقلم منطلق العلم بالأشياء، ومنبثق استنهاض العقول والنفوس للنقلات الإنسانية المفيدة في الحياة. والقلم غايته تعليمية وعلمية، بدءًا بالقراءة ووصولاً إلى الإنتاجية المرجوة».
وتساءل الحارثي: «ماذا كان يريد الفيصل من نداء أهل الخليج، ومنهم أصحاب القلم وأصحاب الشأن العام؟»، ليجيب: «كان نداؤه تنبيها لدرء التهم التي كالها أعداء الخليج، وما يبثونه من أكاذيب ظلما وعدوانا». وأضاف: «التفت الفيصل إلى بعض مصادر تلك التهايم، والأكاذيب، وأن بعضها من الإعلام الخليجي المراهق الذي يندفع إلى ما يضره أحيانا ولا ينفعه»، ورأى أن «بمقدور الاعتداد بالذات الخليجية أن تصحح المسار. وقد وصف الفيصل بعض الأعداء بـ(الهلايم) والهلامة الذي لا خير فيه ممن يضر ولا ينفع».
ولاحظ الدكتور الحارثي أنه «لإعادة مشروع نهضتنا إلى طبيعتها العربية الإسلامية ينبغي حشد الجهود في مرحلتنا الراهنة لذلك».
واختتم بالقول: «نظرًا إلى ثقافة الفيصل الواسعة فقد كشف مكامن الداء ووصف له بعض الدواء، بإقامة مراكز البحوث، وتطوير الوعي المجتمعي. وقد محور القصيدة بعد ذلك حول مجموعة من التنبيهات التي مارس الأعداء من خلالها بعضًا من الأعمال الاستفزازية لمواطني الخليج العربي».

يونس البدر: جاءت بحجم الوعي

وقال لـ«الشرق الأوسط» الناقد يونس البدر، المحاضر في الأدب والنقد في كلية الآداب بجامعة الملك فيصل بالأحساء، وعضو النادي الأدبي هناك، إن قصيدة «تحزّموا» التي وجهها الأمير الشاعر خالد الفيصل إلى من سماهم «إلى أهلي في الخليج» تمتاز بـ«وحدة عضوية متماسكة، إذ تأخذ الأبيات بعضها برقاب بعض، وتسير في تسلسل أفكار يجري وراءها المعنى لاهثًا». وأضاف البدر: «تتكئ هذه القصيدة على أسلوب الجمل الإنشائية - كالاستفهام والنداء والأمر - لتعالج بروح شعرية عذبة موضوعات متعددة، أبرزها التأكيد على دور الإعلام المأجور في تزوير الحقائق، ونشر الأكاذيب، وهوامش الأمور.. داعيًا الإعلاميين الشرفاء إلى التصدي لهذه الحملات المشبوهة التي تستهدف التشويه والإساءة، وذلك في قوله: (يا اهل القلم والشان ردوا التهايم)».
ولاحظ الناقد البدر أن القصيدة تناولت في مضمونها كذلك «مسألة إهدار المال في ما لا فائدة منه عند قوله: (لا تنثرون المال بين الهلايم)، كما شملت الدعوة لتأسيس مراكز الأبحاث والاستشارات وذلك في قوله: (وحطوا مراكز بحث للشور دايم)».
وبرأي الناقد البدر فإن «ذلك كله يدل على حجم الوعي الذي يتمتع به الشاعر الأمير خالد الفيصل بالمعضلات التي نواجهها وسبل العلاج لهذه المعضلات».
كما لاحظ البدر أن هناك «تميزًا في هذا النص يكمن في معالجته لكل هذه الموضوعات والأفكار بألفاظ قليلة وموحية بالمعنى على أتم وجه وفي صور بلاغية مشرقة نجدها في قوله: (كاشر الناب) كناية عند العدو المتربص، (فجر العظايم) كناية عن المستقبل الذي يلوح في الأفق. ويتخلل هذه الملامح البلاغية بعض الحكم الإنسانية التي لا بد أن يخلدها الشعر كما في قوله: (الكذب إذا لقى أذن جذاب) و(من ضيع الفرصة دهته الهزايم)».
وأضاف: «يختم الأمير الشاعر القصيدة ببيتين في ظني هما عين القصيدة ومعينها النابع بالمعاني والحكم كلها التي انتشرت في النص، وهما قوله: (اليوم ما هو يوم لوم ولايم / اليوم للي يرفع الراس حراب.. وانا أدري أن الكل بالمجد هايم / وكل لعز الدار بالروح وهاب)، حيث استطاع تصوير هيام أبناء هذا الوطن بالمجد واستعدادهم لأن يهبوا أرواحهم في سبيل رفع رأسه، وهذه الروح الوطنية كفيلة بأن تحقق ما يصبو إليه الشاعر من مستقبل مشرق ينتظره الجميع».

لغة مأهولة بالإبداع

أما الروائي السعودي جابر محمد مدخلي فقال لـ«الشرق الأوسط» إن القصيدة مثّلت «تعبيرًا دقيقًا بفخامة اللغة الشعرية المأهولة بسكان الإبداع والإلمام بواقع الحال. وهي تسطر دروسها وتكرس إيقاظ الهمم وتقوية الصلة ومعرفة ما يكاد وما يحاك لنا وحولنا وعلينا».وأضاف: «هذه قصيدة فاخرة بموازين الحقيقة وقوافي التجربة المحكمة والحكيمة. وكعادة الأمير الشاعر يكاشفنا بوطنيته الشهيرة التي يؤكد مشاعرها الصادقة بكل قصيدة وليدة».
وعن الشعر الشعبي كحامل لرسالة الشاعر، قال القاص والكاتب حسن البطران: «يبقى الشعر العامي أو الشعبي أو الشعر المحكي قريبا ويصل سريعا إلى المتلقي ويسجل رسالة نافعة مباشرة كونه يحاكي النفس ويحاكي كل مستويات الناس على اختلاف تذوقاتهم توجهاتهم».
وأضاف: «الأمير خالد الفيصل شاعر له عمق كبير في هذا المجال، فهو ذكي كونه يحمل رسائل لها آثار وأثر فعال على المجتمع بهذا النوع من الشعر، ومن خلاله عرف كيف يصل إلى كل المستويات، وقصيدته (تحزموا) تحمل عده مفاهيم وبها هموم وتطلعات في نفس الوقت».
وأضاف: «الأمير خالد الفيصل شاعر كبير وفذ، تجربته عميقة وتحمل رمزية ذات أبعاد فلسفية وتشكل تجربته مدرسة شعرية خاصة.وفي هذه القصيدة ركز على العلم وطلبه حيث استهل في قصيدته هذه بالقلم والكل منا يعرف رمزية القلم والكتاب، وانظر إلى هذه القصيدة بتذوق انطباعي، فالقصيدة تحمل في أشطرها فلسفات كبيرة، ويكفي أنه يرشد إلى بذل المال في بناء العقول تنويرها، وأن ذلك خرائط ليست فحسب خرائط تصل بها إلى تفتح عقول وتنويع مدارك، وإلى توسع خرائط الاستقرار والهدوء والأمن والعيش الرغيد». واختتم بالقول: «إنه خالد الفيصل الشاعر العميق وصاحب الابتكارات في رسائله الشعرية، و(تحزموا) إضاءة من إضاءاته».

دايم السيف

يُعرف الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز كراعٍ للفكر والثقافة والإبداع، وآراؤه في مناقشة التحولات الاجتماعية والسياسية لا تقل أهمية عن مبادراته التي تتوزع محليًا وعربيًا وعالميًا.
اقترن الأمير خالد الفيصل بالأدب والثقافة والشعر، فكتب الشعر النبطي مبكرًا، وعرف باسم «دايم السيف»، كما أنه فنان تشكيلي. وظل مرتبطًا بالثقافة والفكر في حياته العملية، حيث كرس وجوده في المناصب الحكومية لرعاية الثقافة والفكر، وتحفيز الإبداع، وإقامة المهرجانات الثقافية. واهتمامه بالثقافة دفعه لتأسيس منتدى أدبي ثقافي بالرياض، وكان يعقد في منزله إبان عمله برعاية الشباب، كما أسس مجلة «الفيصل».
وقد صدر له أول ديوان شعري شعبي بعنوان «قصائد نبطية» في عام 1406هـ وضم نحو مائة قصيدة، وعشر لوحات بريشته. وصدر له الديوان الثاني في عام 1412هـ وضم 53 قصيدة وثماني قصائد مغناة وعددًا من رسوماته. وفي عام 1421هـ وبمناسبة اختيار ديوانه الأول ضمن ثمانية كتب عالمية تبيع أكثر من خمسين ألف نسخة، أصدرت مكتبة «العبيكان» كتابا ضم دواوين الأمير الثلاثة بالإضافة إلى قصائده الجديدة بعنوان «أشعار خالد الفيصل». وفي عام 1419هـ أصدر كتاب «مسافة التنمية وشاهد عيان». وفي عام 1424هـ صدر عنه كتاب «سياحة في فكر الأمير». كما أطلق الأمير خالد الفيصل في 29 / 5 / 2000 مبادرة تأسيس «مؤسسة الفكر العربي» في بيروت، وهي مؤسّسة مستقلة تعمل على الاهتمام بمختلف سبل المعرفة، وتوحيد الجهود الفكرية والثقافية، التي تدعو إلى تضامن الأمة والنهوض بها والمحافظة على هويتها.
كما أعاد الأمير خالد الفيصل إحياء مهرجان سوق عكاظ الذي يقام على مقربة من محافظة الطائف، وانطلقت فعالياته في عام 2007، وهذا المهرجان أحد أبرز المواسم الثقافية السعودية والعربية، ويجري خلاله إقامة الفعاليات الشعرية التي تحيي شعراء العرب الكبار الماضين، كما يهتم المهرجان بالفنون والثقافة والفكر والحوار.



لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
TT

لا حل سوى تكثيف المعرفة بصرياً وسمعياً

تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ
تأثير «نصب الحرية» لجواد سليم في ببغداد يفوق آلاف الصفحات التي لم تُقرأ

لا نقرأ. هذه هي الخلاصة الموجعة التي تلخص علاقة العربي المعاصر بالمعرفة. التقارير الدولية لا تكذب، وأرقام القراءة في وطننا العربي لا تحتاج إلى استدعاء معهد استطلاع لتخبرنا بأننا أمة تقف في آخر قائمة قراءة الكتاب. لكن هذه الحقيقة، على قسوتها، لا تعني أننا أمة صامتة أو منقطعة عن المعرفة؛ قد تعني أكثر أننا نتلقى المعنى على نحو مختلف. القصيدة المسجلة، الصورة، الدراما، المسرح، الأغنية، البرامج الحوارية، البودكاست، كلها صارت أكثر حضوراً من الكتاب. كثيرون لا يتفرغون لقراءة كتاب في التاريخ أو الفلسفة، لكنهم يحفظون مشهداً درامياً، ويرددون بيتاً مغنّى، ويتأثرون بحكاية سينمائية. وهنا المفارقة التي تحتاج إلى وقفة: بدل أن نتحسر على زمن الكتاب والحنين إلى الورق، علينا أن نسأل: كيف نجعل ما يشاهده الملايين ويسمعونه راقياً، حاملاً للثقافة، مغذياً للروح والعقل؟

العالم كله يسير نحو تكثيف المعرفة بصيغ بصرية وسمعية. الكتاب بجلالة قدره تحول إلى مسموع، والمحاضرة إلى فيديو، والسرد إلى بودكاست. ربما الفارق - ولو كان نسبياً - أن مجتمعات أخرى تمتلك قاعدة قراءة صلبة تعود إليها، بينما نكتفي نحن غالباً بالملخص أو الانطباع السريع، فنخسر العمق. وهنا تحديداً تبرز أهمية الفنون بوصفها الحلقة المفقودة بين المتعة والعمق، بين الشغف الجماهيري والمحتوى الهادف.

والأمثلة من واقعنا العربي ليست نادرة. حين غنى كاظم الساهر «زيديني عشقاً» في فيديو كليب لم يقدم مجرد ألحان عذبة ومشاهد جميلة، بل جعل ملايين العرب يحفظون قصيدة نزار قباني عن ظهر قلب، محولاً قصيدة النخبة إلى أهزوجة في الأحياء المنسية. وحين جسّد محمود مرسي شخصية أبو العلاء البشري في مسلسل «رحلة السيد أبو العلاء البشري»، لم يكن يقدم دراما ترفيهية فحسب، وإنما حوّل التلفزيون إلى مدرسة أخلاقية شعبية تجسد قيم الصدق والوفاء والإنسانية في وجه المادية والتناقضات. أما في النحت، فقد حوّل جواد سليم «نصب الحرية» في ميدان التحرير ببغداد إلى ملحمة وطنية حفرت في الذاكرة الجمعية قيم الصمود والانعتاق، متفوقاً بذلك على آلاف الصفحات التي لم تُقرأ. وعلى الجانب الآخر، فتح السوري فاتح المدرس بوابة الحداثة التشكيلية العربية إلى العالمية بريشته السريالية، معيداً تعريف اللغة البصرية العربية وناقلاً تجربته من المتاحف العالمية الكبرى إلى روح الشباب العربي دون أن يفقدوا هويتهم.

أيضاً، حين كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش قصائد مثل «سجل أنا عربي» و«بطاقة هوية» وسجّلت بصوته الرصين، حوّل الشعر إلى نشيد وجداني يردده الملايين في الميادين والمدارس دون الحاجة إلى ديوان. وحين ألف الروائي السوداني الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال»، جعل الرواية درساً ثقافياً عميقاً وصل إلى المجالس قبل الجامعات. أما في المسرح، فقد قدمت فيروز مع الرحابنة مسرحيات غنائية خالدة، حوّلت المسرح إلى تجربة جوانية عميقة وصلت إلى قلوب الملايين. ومن المملكة العربية السعودية، برز عملاقان في الأغنية: محمد عبده ذاكرة وجدانية لأجيال، وطلال مداح، نبض العاطفة المشتركة، فكانا معاً جسراً موسيقياً ينقل جمال السعودية إلى ملايين القلوب دون الحاجة إلى كتاب أو ديوان.

هذه النماذج تؤكد أن الفن، حين ينجح، يصبح أستاذاً بديلاً خصوصاً في زمن تراجع فيه الأستاذ الورقي. الأغنية يمكن أن تحمل اللغة الرفيعة، والدراما يمكن أن تكون مدرسة للضمير، والسينما يمكن أن توسع الخيال الأخلاقي، والمسرح يمكن أن يعيد صياغة الأسئلة الكبرى أمام جمهور حي.

وما يضاعف حاجتنا في وطننا العربي إلى الفنون أن مجتمعاتنا تمر بتحولات كبرى: عولمة جارفة، هويات بديلة، انقسامات طائفية، وأزمات تعليمية حادة. في هذا الفراغ، لا يعود الفن رفاهية، إنما ضرورة تربوية ومدنية. نحن بحاجة إلى فن يعلّم من غير وعظ، ويربي الحس من غير استعلاء، ويقترح نماذج للانتماء والمسؤولية من داخل المتعة ذاتها. القيمة حين تُلقى في خطبة قد تُنسى، لكنها حين تتجسد في شخصية درامية أو لحن شجي أو صورة مدهشة، تصبح أقرب إلى القلب وأبقى في الذاكرة.

في حقيقة الأمر، نحتاج إلى الفنون أكثر من غيرنا، لكن الإنفاق العام عليها في كثير من الدول العربية لا يزال محدوداً، وغالباً أقل من نظائره في عدد من الدول المتقدمة، بينما تُترك الساحة للابتذال والاستهلاك السريع. ومع ذلك، هناك بصيص أمل: معارض مثل «إثراء» في الظهران، وبينالي الشارقة، ومتحف اللوفر أبوظبي، أثبتت أن الجمهور العربي يتعطش للفن الرفيع حين يُقدم له باحترام. الحرفي التقليدي الذي كان مهمشاً يعاد اكتشافه اليوم، والفنان التشكيلي العربي يحجز مكانه في المتاحف العالمية. لكن هذا لا يكفي؛ نحتاج إلى سياسات ثقافية طموحة تدمج الفنون في المناهج، وتدعم المبدعين، وتجعل من التذوق الفني قيمة مجتمعية.

والآن، وبعد هذا كله، ما العمل؟ المسؤولية تقع على المبدع أن يحترم عقل متلقيه، وعلى المؤسسة أن تمول الثقافة لا أن تسلّعها، وعلى المثقف أن ينزل من برجه العاجي ويدخل إلى المنصات الرقمية بلا استعلاء. والسؤال الأهم هو سؤال القارئ نفسه، المواطن، المشاهد: متى كانت آخر مرة دفعت فيها ثمن تذكرة مسرح، أو اشتريت لوحة لفنان عربي، أو شجعت ابنك على دراسة الموسيقى أو أن يحفظ قصيدة أو يصمم فيديو؟

النهضة لا تصنعها الخطابات وحدها، بل الممارسات اليومية الصغيرة. والفن أولها. إذا أردنا مجتمعاً أكثر وعياً، وأشد تماسكاً، وأرقى ذائقة، فعلينا أن نصنع فناً يعكسنا ويعلّمنا ويقودنا. عندها فقط لن يكون الفن ترفاً، فالفن هو الدم الذي يجري في عروق الحضارة؛ وإذا جفّ هذا الدم، جفّت الحضارة نفسها. ولماذا نحن العرب بالتحديد؟ لأننا أمة توحدنا اللغة وتسكننا بيوت الشِعر ونسكنها.

يحسن بنا القول إن الفن ليس بديلاً عن الكتاب، بل هو طريق منه وإليه. حين يبكيك مشهد درامي، أو يهتز قلبك للحن، أو تجذبك لوحة، ينفتح باب واسع من المعرفة. نحن العرب، أمة «اقرأ»، نستحق أن نقرأ ونُقرأ بالكلمة وبالصورة وباللحن.

* كاتب سعودي


«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي
TT

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

«سرديات رواية التاريخ» و«طوفان فلسطين» لنادية هناوي

على الرغم من وطأة الأزمة الصحية التي تلمّ بالباحثة نادية هناوي، فإن إرادتها في مجابهة المرض عبر بوابة الإبداع تظل الوقود الذي يغذي استمرارية عطائها النقدي. فلقد صدر لها حديثاً عن مؤسسة «أبجد» للتوزيع والنشر كتابان جديدان، واحد منهما في السرديات ما بعد الكلاسيكية هو «سرديات رواية التاريخ: التأريخ، الميتا - تاريخ، التاريخ النسوي»، والكتاب الآخر بعنوان «طوفان فلسطين». ويمثل الكتابان إضافة نوعية إلى مجمل ما ألفته الباحثة من كتب نقدية، وصل تعدادها إلى 42 كتاباً مطبوعاً.

يتألف الكتاب الأول «سرديات رواية التاريخ»، البالغة صفحاته أكثر من 350 صفحة، من تمهيد نظري تتلوه أربعة فصول، تدور حول مقتضيات هذا النوع الأدبي الفنية وتحديد اشتراطات المتنوعة من خلال مباحث عدة، بعض منها نظري صرف، وبعضها الآخر نظري إجرائي. وفيها تستكمل الباحثة هناوي جهودها النظرية التي كانت قد أسست لها قبل سنوات بكتابها «السرد القابض على التاريخ» 2018. وتركز فصول الكتاب الجديد على العلاقة الجدلية بين مفاهيم التاريخ - الواقع - التخييل بوصفها ثالوثاً إبداعياً ومعرفياً مترابطاً ترابطاً لا مجال فيه لفصل أحدها عن الآخر على أساس أن العلاقة بين الكتابة والتاريخ قديمة قدم الفلسفة، وعن ذلك تقول المؤلفة: «إن مبتدأ هذه العلاقة عند هيرودتس الذي ألف أول كتاب في التاريخ فكان الأب الشرعي له. وبالرغم من التطورات التي شهدتها البشرية على طول تاريخها؛ فإن تلك العلاقة ظلت قائمة بدعائم مهمة وأكيدة تجعل أي عملية لتوصيفها أو التعريف بها متجهة صوب التناظر الذي به يصبح تسريد التاريخ أو ترخنة السرد واحداً، فيمسي الروائي مؤرخاً والمؤرخ روائياً وبوعي فلسفي بالاثنين الإنسان والزمان».

وتدور أطروحة الكتاب حول مفهوم «رواية التاريخ» استناداً إلى فرضية أنه إذا كانت الرواية التاريخية توظف التاريخ بمعناه الكلاسيكي استعادةً وتوثيقاً وبطريقة يُجاري فيها السرد القصصي التاريخ الموثق الرسمي وغير الرسمي؛ فإن في «رواية التاريخ» نزعة ما بعد حداثية، معها يغدو التاريخ شكلاً سردياً، يشتغل فنياً على المراكز كأنساق يتم تقويضها وخلخلة أطرها بقصد توكيد الجانب الجمالي وتعرية مستورات التاريخ ومنغلقاته من دون انحياز إلى الشكل ولا تغلّيب للمحتوى.

وتتمحور أطروحة الكتاب الثاني «طوفان فلسطين»، كما واضح من العنوان، حول قضية فلسطين في مرحلتها الحالية والتحديات التي تواجهها هذه القضية على مختلف الصعد. والهدف هو وضع القراء أمام طبيعة تطورات معركة «طوفان الأقصى»، وما أسفرت عنه من مستجدات وتداعيات وأصداء على المستوى العربي ومستوى الرأي العام العالمي.

وجاء في الكتاب: «ما الملتجأ الذي إليه يفر العرب، وأمامهم الوحشية الإمبريالية والصهيونية، ومن ورائهم نار الأصولية؟ وإلى متى يظلون كائنات مسجونة في دواخلها وضائعة؟ ولماذا لا نستثمر الحرية الناعمة المتاحة لنا افتراضياً في امتلاك التفكير الحر والواعي؟ وهل يمكن لنا أن نتحرر من سباتنا مطوعين فكرنا ـ الذي شوشته دوائر الثقافة والإعلام المضادة عقوداً ليكون في خدمتنا، منتفضين على كل القيود التي كبلتنا وأرعبتنا حتى صرنا سجناء فيها بالوهم والتزييف وأسارى اليأس والخيبة؟ ومتى تعتلي شعوبنا العربية دفة حكم التاريخ؟ وأين الشجاعة والثبات والبطولة التي كانت عليها الأجيال السابقة لها؟ وما الذي ستدخره وتحفظه من خيبات وتنازلات للأجيال القادمة؟».


هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة