«تحزّموا»

إلى أهلي في الخليج العربي

الأمير خالد الفيصل
الأمير خالد الفيصل
TT

«تحزّموا»

الأمير خالد الفيصل
الأمير خالد الفيصل

ياهْل القلم والشّان ردّوا التّهايم
عدوانكم استأجروا كل كذّاب
إلى متى ما غير نَقرا الظلايم؟
وِاعلامنا يزوّد القوم بأسباب
لا تنثرون المال بين الهلايم
استثمروا في عقول قاده وكتاب
وحطّوا مراكز بحث للشّور دايم
تقودها قدراتنا وبعض الاصحاب
ولا تستهينوا بادعاء الخصايم
ترى الكِذِب إذا لقى إذن جذّاب
تقَاسمونا بالخرايط وَلايم
ونْصدّق التّطمين من كاَشِر النّاب
ترى المسا نذير فجر العظايم
تحزّموا لْقادم الوقت بحساب
من ضيّع الفرصه دَهَته الهزايم
ومن لا يجهّز لـ أخطر أيامها خاب
اليوم ما هو يوم لومٍ ولايم
اليوم للّي يرفع الرّاس حرّاب
وانا ادري إن الكل بالمجد هايم
وكلٍ لعز الدّار بالروح وهّاب

* «تحزّموا».. قصيدة بحجم الوعي لـ«دايم السيف»

* الدمام: «الشرق الأوسط»

* وجّه الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز رسالة إلى شعب الخليج العربي، عبر قصيدة باللغة الدارجة، حملت عنوان «تحزّموا.. إلى أهلي في الخليج العربي»، حملت مضامين تدعو للحزم والعزيمة نحو الاعتماد على النفس، وعدم الوقوع في فخ التحريض الإعلامي الموجه.
القصيدة، النصّ، الذي تنشره «الشرق الأوسط»، مثّلت كبقية نصوص خالد الفيصل رسالة تحمل مضامين عميقة تدعو للمصداقية في مواجهة التشكيك والدعايات المغرضة، ولاعتماد العلم والبحث والاستثمار في العقول كسلاح لمواجهة التحديات الراهنة.
الأستاذ الدكتور محمد بن مريسي الحارثي، أستاذ النقد الأدبي بقسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى، قال إن قصيدة «تحزّموا.. إلى أهلي في الخليج العربي» هي «رسالة وجدانية إلى ذوي القربى (الأهل)، فهم أهل (الأمير) خالد حقيقة دينًا، ونسبًا، ووطنًا، ولغةً، ومجتمعًا. فأي روابط هذه من القوة والاتحاد والمصير المشترك؟».
ومضى يقول: «خالد الفيصل رائد، والرائد لا يكذب أهله، ورسالته التي أسس بها عتبة المدخل إلى القصيدة رسالة استنهاض وتحفيز للفعل، وليست لردود الفعل، ولا لصدى الفعل».
وأضاف: «الفعل الفيصلي الذي حرّك مشاعر خالد ليس فعلاً استقوائيًا أو ظلاميًا، أو إلحاقًا بالضرر للآخر أيًّا كان منبته. إنه الفعل الهادف الذي يقود ولا يُقاد، وينفع ولا يضر. إنه فعل التمكين بالقوة، وليس فعل القوة بلا تمكين، لذلك بدأت الرسالة باسم القصيدة (تحزّموا)، والحزام من مظاهر الرجولة والقوة والاعتداد بالذات». ولاحظ الدكتور الحارثي أن «مقاربة التحزّم بعاصفة الحزم الملكية تصب في هذا المبدأ الذاتي. الذي يحفظ الحقوق والأوطان، والمنجزات الحضارية التي تحققت على أرض الواقع في خليجنا العربي».
وقال: «لقد استثمر خالد الفيصل فعل عاصفة الحزم ليؤسس على فعلها البطولي منطلقًا إلى ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع العربي الخليجي».
وأضاف: «إن هذه المقاربة بين الحزم والتحزّم لا يلتقط ائتلافهما سوى فنان بارع خبُر الفن، والسياسة، والإدارة، وامتلأ بالتراث، والمستجدات، فتكوَّن من الحياة ومتطلباتها، وكوَّن جانبًا من الحياة ومنجزاتها، وأدرك أثر الرمز اللغوي في تحريك النفوس التي خاطبها، ويخاطبها. فكان رمزه بالتحزُّم وامتلاك القوة، لتنشيط الحاضر، واستشراف المستقبل وفق خريطة مهندس الفن خالد الفيصل».
وفي تحليله للنصّ قال: «بدأ النص بأداة النداء (يا) وهو نداء للقريب، والبعيد، ولكنه للقريب أقرب، داعيًا فئة من مجتمع الخليج أصحاب القلم. والقلم منطلق العلم بالأشياء، ومنبثق استنهاض العقول والنفوس للنقلات الإنسانية المفيدة في الحياة. والقلم غايته تعليمية وعلمية، بدءًا بالقراءة ووصولاً إلى الإنتاجية المرجوة».
وتساءل الحارثي: «ماذا كان يريد الفيصل من نداء أهل الخليج، ومنهم أصحاب القلم وأصحاب الشأن العام؟»، ليجيب: «كان نداؤه تنبيها لدرء التهم التي كالها أعداء الخليج، وما يبثونه من أكاذيب ظلما وعدوانا». وأضاف: «التفت الفيصل إلى بعض مصادر تلك التهايم، والأكاذيب، وأن بعضها من الإعلام الخليجي المراهق الذي يندفع إلى ما يضره أحيانا ولا ينفعه»، ورأى أن «بمقدور الاعتداد بالذات الخليجية أن تصحح المسار. وقد وصف الفيصل بعض الأعداء بـ(الهلايم) والهلامة الذي لا خير فيه ممن يضر ولا ينفع».
ولاحظ الدكتور الحارثي أنه «لإعادة مشروع نهضتنا إلى طبيعتها العربية الإسلامية ينبغي حشد الجهود في مرحلتنا الراهنة لذلك».
واختتم بالقول: «نظرًا إلى ثقافة الفيصل الواسعة فقد كشف مكامن الداء ووصف له بعض الدواء، بإقامة مراكز البحوث، وتطوير الوعي المجتمعي. وقد محور القصيدة بعد ذلك حول مجموعة من التنبيهات التي مارس الأعداء من خلالها بعضًا من الأعمال الاستفزازية لمواطني الخليج العربي».

يونس البدر: جاءت بحجم الوعي

وقال لـ«الشرق الأوسط» الناقد يونس البدر، المحاضر في الأدب والنقد في كلية الآداب بجامعة الملك فيصل بالأحساء، وعضو النادي الأدبي هناك، إن قصيدة «تحزّموا» التي وجهها الأمير الشاعر خالد الفيصل إلى من سماهم «إلى أهلي في الخليج» تمتاز بـ«وحدة عضوية متماسكة، إذ تأخذ الأبيات بعضها برقاب بعض، وتسير في تسلسل أفكار يجري وراءها المعنى لاهثًا». وأضاف البدر: «تتكئ هذه القصيدة على أسلوب الجمل الإنشائية - كالاستفهام والنداء والأمر - لتعالج بروح شعرية عذبة موضوعات متعددة، أبرزها التأكيد على دور الإعلام المأجور في تزوير الحقائق، ونشر الأكاذيب، وهوامش الأمور.. داعيًا الإعلاميين الشرفاء إلى التصدي لهذه الحملات المشبوهة التي تستهدف التشويه والإساءة، وذلك في قوله: (يا اهل القلم والشان ردوا التهايم)».
ولاحظ الناقد البدر أن القصيدة تناولت في مضمونها كذلك «مسألة إهدار المال في ما لا فائدة منه عند قوله: (لا تنثرون المال بين الهلايم)، كما شملت الدعوة لتأسيس مراكز الأبحاث والاستشارات وذلك في قوله: (وحطوا مراكز بحث للشور دايم)».
وبرأي الناقد البدر فإن «ذلك كله يدل على حجم الوعي الذي يتمتع به الشاعر الأمير خالد الفيصل بالمعضلات التي نواجهها وسبل العلاج لهذه المعضلات».
كما لاحظ البدر أن هناك «تميزًا في هذا النص يكمن في معالجته لكل هذه الموضوعات والأفكار بألفاظ قليلة وموحية بالمعنى على أتم وجه وفي صور بلاغية مشرقة نجدها في قوله: (كاشر الناب) كناية عند العدو المتربص، (فجر العظايم) كناية عن المستقبل الذي يلوح في الأفق. ويتخلل هذه الملامح البلاغية بعض الحكم الإنسانية التي لا بد أن يخلدها الشعر كما في قوله: (الكذب إذا لقى أذن جذاب) و(من ضيع الفرصة دهته الهزايم)».
وأضاف: «يختم الأمير الشاعر القصيدة ببيتين في ظني هما عين القصيدة ومعينها النابع بالمعاني والحكم كلها التي انتشرت في النص، وهما قوله: (اليوم ما هو يوم لوم ولايم / اليوم للي يرفع الراس حراب.. وانا أدري أن الكل بالمجد هايم / وكل لعز الدار بالروح وهاب)، حيث استطاع تصوير هيام أبناء هذا الوطن بالمجد واستعدادهم لأن يهبوا أرواحهم في سبيل رفع رأسه، وهذه الروح الوطنية كفيلة بأن تحقق ما يصبو إليه الشاعر من مستقبل مشرق ينتظره الجميع».

لغة مأهولة بالإبداع

أما الروائي السعودي جابر محمد مدخلي فقال لـ«الشرق الأوسط» إن القصيدة مثّلت «تعبيرًا دقيقًا بفخامة اللغة الشعرية المأهولة بسكان الإبداع والإلمام بواقع الحال. وهي تسطر دروسها وتكرس إيقاظ الهمم وتقوية الصلة ومعرفة ما يكاد وما يحاك لنا وحولنا وعلينا».وأضاف: «هذه قصيدة فاخرة بموازين الحقيقة وقوافي التجربة المحكمة والحكيمة. وكعادة الأمير الشاعر يكاشفنا بوطنيته الشهيرة التي يؤكد مشاعرها الصادقة بكل قصيدة وليدة».
وعن الشعر الشعبي كحامل لرسالة الشاعر، قال القاص والكاتب حسن البطران: «يبقى الشعر العامي أو الشعبي أو الشعر المحكي قريبا ويصل سريعا إلى المتلقي ويسجل رسالة نافعة مباشرة كونه يحاكي النفس ويحاكي كل مستويات الناس على اختلاف تذوقاتهم توجهاتهم».
وأضاف: «الأمير خالد الفيصل شاعر له عمق كبير في هذا المجال، فهو ذكي كونه يحمل رسائل لها آثار وأثر فعال على المجتمع بهذا النوع من الشعر، ومن خلاله عرف كيف يصل إلى كل المستويات، وقصيدته (تحزموا) تحمل عده مفاهيم وبها هموم وتطلعات في نفس الوقت».
وأضاف: «الأمير خالد الفيصل شاعر كبير وفذ، تجربته عميقة وتحمل رمزية ذات أبعاد فلسفية وتشكل تجربته مدرسة شعرية خاصة.وفي هذه القصيدة ركز على العلم وطلبه حيث استهل في قصيدته هذه بالقلم والكل منا يعرف رمزية القلم والكتاب، وانظر إلى هذه القصيدة بتذوق انطباعي، فالقصيدة تحمل في أشطرها فلسفات كبيرة، ويكفي أنه يرشد إلى بذل المال في بناء العقول تنويرها، وأن ذلك خرائط ليست فحسب خرائط تصل بها إلى تفتح عقول وتنويع مدارك، وإلى توسع خرائط الاستقرار والهدوء والأمن والعيش الرغيد». واختتم بالقول: «إنه خالد الفيصل الشاعر العميق وصاحب الابتكارات في رسائله الشعرية، و(تحزموا) إضاءة من إضاءاته».

دايم السيف

يُعرف الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز كراعٍ للفكر والثقافة والإبداع، وآراؤه في مناقشة التحولات الاجتماعية والسياسية لا تقل أهمية عن مبادراته التي تتوزع محليًا وعربيًا وعالميًا.
اقترن الأمير خالد الفيصل بالأدب والثقافة والشعر، فكتب الشعر النبطي مبكرًا، وعرف باسم «دايم السيف»، كما أنه فنان تشكيلي. وظل مرتبطًا بالثقافة والفكر في حياته العملية، حيث كرس وجوده في المناصب الحكومية لرعاية الثقافة والفكر، وتحفيز الإبداع، وإقامة المهرجانات الثقافية. واهتمامه بالثقافة دفعه لتأسيس منتدى أدبي ثقافي بالرياض، وكان يعقد في منزله إبان عمله برعاية الشباب، كما أسس مجلة «الفيصل».
وقد صدر له أول ديوان شعري شعبي بعنوان «قصائد نبطية» في عام 1406هـ وضم نحو مائة قصيدة، وعشر لوحات بريشته. وصدر له الديوان الثاني في عام 1412هـ وضم 53 قصيدة وثماني قصائد مغناة وعددًا من رسوماته. وفي عام 1421هـ وبمناسبة اختيار ديوانه الأول ضمن ثمانية كتب عالمية تبيع أكثر من خمسين ألف نسخة، أصدرت مكتبة «العبيكان» كتابا ضم دواوين الأمير الثلاثة بالإضافة إلى قصائده الجديدة بعنوان «أشعار خالد الفيصل». وفي عام 1419هـ أصدر كتاب «مسافة التنمية وشاهد عيان». وفي عام 1424هـ صدر عنه كتاب «سياحة في فكر الأمير». كما أطلق الأمير خالد الفيصل في 29 / 5 / 2000 مبادرة تأسيس «مؤسسة الفكر العربي» في بيروت، وهي مؤسّسة مستقلة تعمل على الاهتمام بمختلف سبل المعرفة، وتوحيد الجهود الفكرية والثقافية، التي تدعو إلى تضامن الأمة والنهوض بها والمحافظة على هويتها.
كما أعاد الأمير خالد الفيصل إحياء مهرجان سوق عكاظ الذي يقام على مقربة من محافظة الطائف، وانطلقت فعالياته في عام 2007، وهذا المهرجان أحد أبرز المواسم الثقافية السعودية والعربية، ويجري خلاله إقامة الفعاليات الشعرية التي تحيي شعراء العرب الكبار الماضين، كما يهتم المهرجان بالفنون والثقافة والفكر والحوار.



كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة
TT

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

كرة القدم: مرآة المجتمعات وتناقضاتها الحديثة

تبدو كرة القدم، في ظاهرها، لعبةً بسيطةً إلى حد الخداع: كرة، ملعب، فريقان، مرميان، وتسعون دقيقةً يتعلّق بها ملايين البشر كما لو أن مصائرهم الشخصية تُحسم مع كل هجمة ضائعة أو هدف في وقت قاتل. هذه البساطة الظاهرية هي تحديداً ما يمنح الساحرة المستديرة قوتها، فكلما حاولنا النظر إليها باعتبارها ترفيهاً عابراً، عادت لتكشف شيئاً أعمق عن المجتمعات التي تصنعها وتشاهدها وتعيشها. في المدرجات، والشاشات، وطوابير التذاكر، والهتافات، والعنف أحياناً، والدموع التي تسبق صافرة النهاية، تظهر كرة القدم كمرآة كثيفة لتناقضات العالم الحديث: الدافعية للانتماء، والخوف من الآخر المختلف، وقوة السوق، وهشاشة الجماعات، وصعود القوميات، وتوق الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أنه جزء من شيء أكبر من عزلته اليومية.

لذلك؛ يصعب فهم كرة القدم بوصفها رياضة محض. لقد أصبحت ظاهرةً اجتماعيةً كاملة، يقرأ من خلالها علماء الاجتماع ومؤرخو الثقافة والفلاسفة أسئلة الهوية والطبقة، والسلطة، والعنف، والذاكرة. فالملعب ليس مساحةً محايدةً تماماً، ولا المدرج تجمعاً بريئاً كلية من السياسة. هناك، داخل المستطيل الأخضر وحوله، تتقاطع مصالح الشركات الكبرى، ورغبات الدول في القوة الناعمة، وأحلام الجماهير العادية، ومخاوفها، وحنينها إلى شكل من أشكال التضامن الإنساني الذي صار عملة نادرة في زمن الرأسمالية المتأخرة.

تشتغل الملاعب الحديثة، في جانب من جوانبها، كمعابد علمانية. يدخلها الناس بقمصان بألوان محددة، ويرددون أناشيد محفوظة، ويرفعون شعارات ورموزاً، ويعيشون لحظات من الانفعال الجماعي يصعب القبض عليها ضمن مناحي الحياة اليومية ليذوب الفرد، ولو لحظياً، داخل جسد أكبر: جمهور يهتف بصوت واحد، ويغضب بصوت واحد، وينفجر فرحاً في اللحظة نفسها كتجربة نادرة للانتماء الحسّي المباشر.

لكن الطاقة نفسها التي تصنع هذا التلاحم يمكن أن تنقلب شيئاً أكثر ظلمةً. فالمدرج الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء قد يتحول أيضاً مساحةً للإقصاء عندما يغدو الهتاف الذي يوحّد الجماعة أداةً للعنصرية أو الكراهية أو العداء القومي. هذه المفارقة تجعل كرة القدم شديدة الالتباس: إذ هي تصنع تضامناً حقيقياً، وتستطيع أيضاً صُنع قبيلة مغلقة على ذاتها. وفي بعض السياقات، قد تتحول الروابط المتطرفة من جماعات تشجيع إلى تشكيلات ثقافية خشنة، تستبعد النساء، والمهاجرين، والأقليات، وكل من لا يطابق صورتها الضيقة عن «المشجع الحقيقي». هكذا يظهر تناقض جدلي آخر للعبة: قدرة الجماعة على احتضان الفرد، وقدرتها في الوقت نفسه على سحق الاختلاف.

حاول عدد من المفكرين فهم هذه الطاقة العميقة في اللعب. رأى المؤرخ الثقافي يوهان هويزنجا، في كتابه «الإنسان اللاعب»، أن اللعب ليس إضافةً ثانويةً إلى الثقافة، بل واحد من جذورها الأولى. فالإنسان، قبل أن ينظّم السياسة والقانون والفن، كان يلعب، ويضع قواعد، ويقبل بالدخول إلى زمن خاص ومكان خاص، حيث يصبح الفعل رمزياً ومحدوداً ومشحوناً بالمعنى. بهذا المنظور، لا تبدو كرة القدم مجرد تسلية، بقدر ما هي تمظهر حديث لغريزة قديمة: رغبة الإنسان في تحويل الصراع طقساً، والعنف شكلاً منظماً مقبولاً اجتماعياً.

في الاتجاه نفسه، ذهب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، ومعه إريك دونينغ، إلى أن الرياضات الحديثة جزء من «سيرورة التمدن»، أي العملية الطويلة التي تعلّم فيها البشر ضبط العنف وتأطيره. فالمباريات الشعبية القديمة كانت، في كثير من صيغها، أقرب إلى معارك مفتوحة، تختلط فيها المنافسة بالفوضى والإصابات الجسدية. ومع تطور القوانين، والحكام، وحدود الملعب، تحوّل العنف صراعاً رمزياً مضبوطاً بوقت محدد وقواعد معلنة. غير أن ضبط العنف لا يعني اختفاءه. إنه يعود في هيئة توتر، وحماسة، وهتافات، ورغبة متدفقة لتحقيق الانتصار، وإثارة مكثفة يفتقدها روتين الحياة الرتيبة. لذلك؛ يصبح الملعب مكاناً يسمح للإنسان الحديث بأن يلامس شيئاً من طاقته الغريزية، من دون أن يخرج تماماً على نظام المجتمع.

تدرك الأنظمة السياسية هذه الطاقة جيداً. ولهذا لم تكن كرة القدم بعيدةً عن مشاريع الهيمنة وصناعة الشرعية. فاستضافة البطولات الكبرى صارت وسيلةً لتجميل صورة الدول، واستعراض قدرتها التنظيمية وقوتها الناعمة، وإخفاء أزماتها الحقوقية أو الاجتماعية خلف مشهد عالمي منظم ومبهر. يقدم التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك: من استغلال موسوليني لكأس العالم عام 1934 في إيطاليا لتقديم الفاشية كقوةٍ حديثة ومنضبطة، إلى توظيف المجلس العسكري في الأرجنتين لبطولة كأس العالم 1978 لتلميع سلطةٍ ديدنها القمع والاختفاءات، وصولاً إلى زمننا الراهن، حيث تستخدم دول وشركات وكيانات كبرى الرياضة وسيلةً لغسل السمعة وشراء القبول الدولي.

لا تعمل المؤسسات الرياضية الدولية خارج هذا المنطق. فـ«فيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم)، مثل غيره من الهيئات الكبرى، يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة، لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال، والسياسة، والرعاية، والمصالح.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كرة القدم كأداة سلطوية. ففي بيئات مضطربة، يمكن للملعب أن يتحول أيضاً مساحةً بديلة للتعبير والمقاومة. تجربة نادي أتلتيك بيلباو الإسباني، خلال الحقبة الفرانكوية، تقدم مثالاً فصيحاً. إذ حاولت السلطة المركزية فرض هويةٍ إسبانية موحدة وتجريف الخصوصيات اللغوية والثقافية، ليغدو ملعب «سان ماميس» ببيلباو مكاناً يحافظ فيه الباسكيون على شعورهم المتفرد بلغتهم وذاكرتهم وتاريخهم. ولم تكن سياسة النادي الاعتماد على اللاعبين ذوي الأصول الباسكية مجرد اختيار رياضي، بل كانت إعلاناً رمزياً عن خصوصية ثقافية ترفض الذوبان الكامل في المركز.

تكشف دراسات سوسيولوجية بإيران عن شكلٍ آخر من هذه المقاومة اليومية. فحرمان النساء لسنوات طويلة من دخول الملاعب لم يلغِ حضورهن في الثقافة الكروية. لقد دفعهن إلى اختراع مساحات بديلة: مجتمعات افتراضية، تجمعات خاصة، نقاشات عامة، وطرق ملتوية للمشاركة في لعبة تحاول السلطة احتكار فضائها ذكورياً، لتصبح كرة القدم اختباراً لحق الظهور، وحق الجسد في المكان، وحق الجماعة المقموعة بأن تقول: نحن أيضاً جزء من هذه الحكاية.

ترتبط كرة القدم الحديثة، في أصلها الاجتماعي، بالطبقة العاملة البريطانية خلال القرن التاسع عشر. فقد نشأت في ظل المدن الصناعية القاسية، حيث كانت المصانع تلتهم الوقت والجسد، وكان العمال يبحثون عن مساحةٍ ينفلتون فيها من رتابة الآلة وضغط العمل. الأندية المحلية لم تكن في بداياتها علامات تجارية، بل كانت امتداداً للحي، وللعائلة، وللمصنع، وللشارع، وارتبطت بالكرامة الشعبية، وبالذاكرة المشتركة، وبشعور الناس بأن هناك شيئاً يخصهم مقابل عالم لا يملكون فيه الكثير.

لكن العولمة الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة جذرياً. فمنذ تسعينات القرن الماضي، وخصوصاً مع تضخم حقوق البث التلفزيوني ودخول المستثمرين والشركات الكبرى، تحولت كرة القدم صناعةً عالمية باهظة: ارتفعت أسعار التذاكر، وتغير شكل الجمهور، وصارت الملاعب أكثر أناقة وأقل شعبية في كثير من الأحيان، وجلس الأثرياء في المقصورات، وابتعدت عائلات كثيرة عن مدرجاتها القديمة، في حين صار المشجع التقليدي يراقب فريقه عبر اشتراكات مدفوعة. وهكذا تكرّس شرخٌ واضح بين من يرى النادي ذاكرةً وانتماءً، ومن يراه أصلاً مالياً قابلاً للبيع والشراء.

انقسم الخطاب الفلسفي المعاصر في مقاربة المنظومة الكروية بين تيارين شديدي التطرف والتباين. يتبنى التيار الأول قراءة شاعرية وجدانية، يمثلها المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني، الذي رأى كرة القدم لغة جسدية متكاملة تمتلك نحواً وصرفاً خاصين بها، واعتبر لحظة إحراز الهدف خرقاً شعرياً صاعقاً لشيفرة الواقع البليد، وانعتاقاً إنسانياً مفعماً بالخلود البدائي والجمال الخالص، مؤكداً أن الشغف الكروي يمنح الفرد فرصة لاختبار قيم الوفاء والتضحية الجماعية والثقافة الحرة بعيداً عن جفاف التنظير العقلاني الصارم.

 

اتحاد «فيفا» يتحدث بلغة الوحدة والسلام واللعبة الجميلة... لكنه يتحرك داخل شبكة معقدة من المال والسياسة

في القطب المقابل، يقف تيار نقد بنيوي ينظّر للعبة بوصفها أداة تدجين وتجهيل ممنهج للجماهير. يتبدى هذا الموقف الراديكالي في أطروحات السوسيولوجي الفرنسي مارك بيرلمان الذي وصف كرة القدم بـ«الطاعون العاطفي»، معتبراً إياها منظومة بربرية حديثة تُنمّط العقول، وتنشر البلادة الفكرية، وتُلهي الطبقات الشعبية عن قضاياها المصيرية وصراعها الطبقي الحقيقي. يتلاقى هذا التحليل البنيوي مع الموقف التهكمي الشهير للكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس الذي ربط بوضوح بين اتساع شعبية اللعبة وصعود الغباء الجمعي، واصفاً إياها بلعبة المغفلين التي تطرد الفكر النقدي المستنير لتستبدل به إثارة غريزية جوفاء تحاكي معارك الرومان القدامى في الكولوسيوم.

لكن بين تقديس بازوليني وازدراء بيرلمان وسخرية بورخيس، تضيع الحقيقة الأكثر تركيباً. كرة القدم ليست شعراً خالصاً، ولا وباءً خالصاً. إنها المجال الذي يتجاور فيه الشعر والوباء، الجمال والتدجين، الحرية والامتثال، الجماعة والغوغاء. من يراها خلاصاً شعبياً كاملاً يتجاهل ما فيها من عنف وشوفينية وتجارة. ومن يراها خداعاً كاملاً يتجاهل ما تمنحه لملايين الناس من ذاكرة وانتماء وفرح حقيقي. لذلك؛ يحتاج تحليل كرة القدم إلى عينين مفتوحتين معاً: عين ترى السوق والسلطة، وعين ترى الإنسان العادي الذي لا يجد في أسبوعه القاسي سوى تسعين دقيقةً يشعر فيها بأن قلبه يتحرك مع قلوب الآخرين.

من هنا يتوقف الأفق الأخلاقي للعبة مستقبلاً على قدرة الجماهير الواعية، وروابط المشجعين، والحركات الاجتماعية، على مقاومة تحويل كرة القدم سوقاً مغلقة أو أداة آيديولوجية. فالمعركة ليست بين حب اللعبة ورفضها، بل بين أشكال مختلفة من امتلاك معناها.

وستبقى كرة القدم واحدةً من أوضح التمثلات لتناقضات الحداثة. فيراقب الجمهور اللاعبين، وتراقب الشاشات الجمهور، وتراقب الشركات الجميع. وفي هذه الدائرة العاكسة، تكشف اللعبة الساحرة عن الصيغ التي تصنع بها المجتمعات هوياتها، وتدير غضبها، وتخوض معاركها الرمزية في فضاء يتأرجح بين صخب المدرجات وعزلة الشاشات.


نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
TT

نصب الخليفة في «قصر هشام» بالضفة الغربية

نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم
نصب صاحب قصر هشام كما بدا قبل ترميمه ومن بعد هذا الترميم

يقع قصر هشام على مسافة 5 كيلومترات إلى الشمال من مدينة أريحا، ويُعد اليوم من أهم المعالم السياحية في الضفة الغربية. يحتلّ هذا القصر موقعاً بارزاً في خريطة المنشآت المعمارية التي شيّدها خلفاء بني أمية في نواحٍ متعدّدة من بوادي بلاد الشام، ويتميّز بحلله الزينية المتنوّعة التي كشفت عنها سلسلة من حملات التنقيب المتعاقبة، أجرتها دائرة الآثار البريطانية حلال عهد الانتداب في خربة تُعرف باسم «خربة المفجر». نُقلت هذه اللقى إلى متحف أنشأته هذه الدائرة في القدس الشرقية، وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار». دخل هذا المتحف تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية إثر نكبة 1948، وحافظ على اسمه إلى أن استولت الدولة العبرية عليه إثر هزيمة 1967، وأطلقت عليه اسم «متحف روكفلر»، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. في هذا المتحف الذي أُلحق بـ«متحف إسرائيل»، وبات مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية، تحضر حلل قصر هشام الأثرية، وتلمع بثرائها الفني، وأشهرها نصب ملكي كبير يبلغ طوله نحو متر ونصف المتر.

وصل هذا النصب مهشّماً من بين أطلال خربة المفجر، وتمثّل عند اكتشافه بقطعتين منفصلتين تمّ جمعهما لاحقاً، على ما تُظهر التقارير التوثيقية الخاصة بهذا الاكتشاف. يحضر الرأس في إحدى هاتين القطعتين، ويحضر في القطعة الأخرى النصف الأسفل من القامة المنتصبة على قاعدتها العريضة، وتجمع بين القطعتين كتلة مضافة صُنعت من مادة مغايرة، وفقاً للتقاليد العلميّة المتّبعة في ميدان حفظ الآثار. كتلة الرأس مهشّمة جزئياً، وقمّتها ضائعة. تساقط سطح الجبين، وتساقطت معه كتلة الأنف الناتئ، غير أن العينين حافظتا على تكوينهما بشكل شبه كامل، وهما ضخمتان ولوزيّتان، ويتوّسط كلّ منهما بؤبؤ جاحظ، يتكوّن من كتلة على شكل خاتم ناتئ، تلتف حول كتلة دائرية غائرة. الخدّان عريضان، وتحدّهما أذنان ظاهرتان، تتكوّن كلّ منهما من صيوان ناتئ يلتفّ حول تجويف غائر. الثغر ضائع، ويعلوه شارب مفتول عريض، يتكوّن من 3 خصل أفقية مقوّسة. تغيب الذقن تحت لحية بيضاوية كثيفة، صيغت خصلها على شكل سلسلة متراصة من الخيوط العمودية المتعرّجة.

القسم الأعلى من القامة مفقود، وما تبقى منه يكشف عن حزام عريض يلتف حول الخصر. القسم الأسفل وصل بشكل كامل، ويكشف عن عباءة طويلة فضفاضة تأخذ شكل مثلّث تحدّه بطانة عريضة، تعلوها سلسلة من الخواتم اللؤلؤية المتراصة. تعلو هذه العباءة بطانة مماثلة تنسلّ عمودياً، وتتقاطع مع بطانة الحزام الأفقيّة. تظهر القدمان في الأسفل، وتكشفان عن طرفي سروال فضفاض. هويّة هذا اللباس جليّة، وتتبع الطراز الساساني الشائع بشكل لا لبس فيه. ينتصب صاحب التمثال بثبات في وقفة ساكنة تخلو من أي حركة حية، ويحمل بيده اليسرى سيفاً قصيراً يتدلّى من وسط خصره، وفقاً لهذا الطراز الساساني المعهود. ترتفع هذه القامة الملكية فوق قاعدة عريضة، يزيّن واجهتها نقش تصويري ناتئ يمثّل أسدين رابضين، يدير كل منها ظهره في اتجاه الآخر. في المساحة الفارغة التي تفصل بين ظهري هذين الأسدين، تحضر وردة زخرفية تتكون من 5 بتلات متراصة، تشكّل قرصاً يعلوه شريطان نباتيان.

يتشابه هذا الأسدان حتى التماثل. القالب واحد، ويجسّد ليثاً يفتح شدقه إلى أقصى حدّ، ويُظهِر أنيابه، كأنه يزأر ويزمجر. فمه منفّذ برهافة بالغة، وقوامه شدق عريض يكشف عن أنياب مسنّنة. أنفه عريض وبارز، ويتميّز بفتحتيه الكبيرتين. عيناه لوزتان مجوّفتان فارغتان، يحدّ كل منهما إطار هدبي ناتئ. يعلو هاتين العينين حاجبان عريضان لكل منهما طرفان مقوّسان نحو الأعلى. تحيط بهذا الرأس المزمجر لبدة مكونة من خصل شعر متوازية، مع لحية مشابهة تشكّل عقداً حول الذقن. يجثو هذا الأسد على قائمتيه الخلفيتين، ويشرئب على قائمتيه الأماميتين المنتصبتين، وفقاً لطراز انتشر في العالم القديم، تبنّاه الأمويون ومن حكم من بعدهم، وشواهد هذه الاستمرارية عديدة ومتنوّعة، وترتبط كلها برمزية السلطة الحاكمة.

يحوي قصر هشام حماماً كبيرا، تتقدّمه شرفة عظيمة زيّنت بشبكة من النقوش والتماثيل، ويرى أهل الاختصاص أن موقع نصب الحاكم المنتصب فوق الأسدين الرابضين يعود في الأصل إلى مدخل هذه الشرفة. قيل إنّ هذا النصب يمثّل صاحب هذا القصر، هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية، غير أن الدراسات أظهرت أن حركة البناء استمرّت في هذا القصر بعد وفاة الخليفة إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في سنة 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته يعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين عامي 743 و744. ومن هذا المنطلق، خرجت قراءة ثانية تقول إن صاحب النصب يمثّل الوليد بن يزيد، لا هشام بن عبد الملك، وهاتان القراءتان افتراضيّتان في غياب أي شاهد يحسم هذا الجدال.

يمثّل هذا النصب على الأرجح صورة رمزية للحاكم، تشابه في تكوينها الجامع الصور التي تزيّن المسبوكات الأموية. وفقاً لما نقله شمس الدين الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، كان هشام «جميلاً أبيض مسمناً أحول خضب بالسواد»، أي أنه كان يصبغ شعره باللون الأسود. وكان الوليد بحسب الرشيد «من أجمل الناس، وأشعرهم، وأشدهم». لا نجد في هذا التمثال ما يشبه هذه الأوصاف؛ ما يعني أنه يجسّد صورة مثالية غير شخصية، لو افترضنا أنه يمثّل عاشر الخلفاء الأمويين، أو مَن حكم من بعده. في الخلاصة، يبرز هذا النصب بأسلوبه المتقن، ويشهد لتبنِّي الأموين طرزاً فنية سادت خلال العهود التي سبقت ظهورهم. تجدّدت هذه الطرز بشكل خلاّق في ميدان الفن الأموي المدني، وظهر هذا التجدّد في قوالب مبتكرة يزخر بها هذا الميدان المثير.


شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر
TT

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه الثقافي، وفتح مسارات جديدة أمام قراءة الشعر العربي بوصفه مساحة تتقاطع فيها اللغة والفكر والذاكرة والحضارة.

يبحث الكتاب الصادر عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن (2026) في 230 صفحة، في الطبقات العميقة للنصوص الشعرية العربية الحديثة، متجاوزاً القراءة الجمالية المباشرة نحو الكشف عن المرجعيات والأنساق الثقافية التي تتخفى داخل البناء الشعري، ويتتبع العلاقة بين الشعر والثقافة والتاريخ والفكر، ويقدم قراءة للنصوص الشعرية من منظور يكشف عما وراء اللغة الظاهرة من دلالات ورؤى ومهيمنات ثقافية.

في مقدمته، يشير مراشدة إلى أن موضوع الأنساق الثقافية أصبح يحتل مساحة بارزة في النقد الثقافي الحديث، سواء في الدراسات الغربية أو العربية، وأن هذا الاتجاه يتيح البحث عن الدلالات التي تتجاوز المستوى اللغوي والجمالي للنص، للكشف عن البنى الفكرية والتاريخية والحضارية الكامنة فيه، موضحاً أن النص الشعري لا ينفصل عن روافده الثقافية، إذ يتشرب التاريخ والتراث والأحداث والمرجعيات المختلفة، لتصبح جزءاً من تشكيله الفني والدلالي.

يضم الكتاب ثلاثة فصول هي: «الأنساق الثقافية: الرؤيا والتشكيل»، و«الصوفية والوجودية نسقاً ثقافياً: قراءة في قصيدتين من الشعر العربي الحديث»، و«النسق الثقافي الرحلي الوجداني»، وجميعها تقوم على دراسات نقدية تطبيقية تتناول نماذج شعرية عربية حديثة، تهدف إلى تقديم قراءة تتقاطع مع مناهج النقد المعاصر، وبخاصة النقد الثقافي، بما يحمله من اهتمام بالأنساق المضمرة والمهيمنات التي تعمل داخل النص وخارجه.

ومن أبرز النماذج التي يتوقف عندها د.عبد الرحيم تجربة الشاعر أدونيس، لا سيما مشروعه «الكتاب: أمس، المكان، الآن»، حيث يقرأ الناقد هذا العمل بوصفه نصاً إشكالياً يتجاوز الحدود التقليدية للأجناس الأدبية، ويعتمد على كثافة المرجعيات الثقافية والتاريخية والفكرية، موضحاً أن الشاعر كان دائم السعي إلى التجديد والتجاوز والتجريب، سواء في الشعر أو النقد، وأنه أسهم في نقل القصيدة العربية إلى فضاءات جديدة عبر محاولاته المستمرة لكسر القوالب التقليدية.

كما يتناول الباحث تجربة الشاعر الأردني طاهر رياض من خلال قصيدته «حلاج الوقت» التي يرى فيها المؤلف حضوراً واضحاً للمرجعيات الصوفية والفلسفية والوجودية، وكيف تتحول هذه المرجعيات إلى طاقة شعرية داخل النص، وإلى جانب ذلك يدرس مراشدة نماذج شعرية أخرى، منها قصائد للشاعرين نزار قباني وأدونيس، حيث يرصد حضور التاريخ والحضارة والفكر في نصوصهما، ويرى أن هذه الكتابات تمثل مرحلة من التحولات المهمة في الشعر العربي الحديث، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو طرق التعبير أو الانفتاح على ثقافات متعددة، ويتوقف كذلك عند تجربة الشاعر الأردني عمر أبو الهيجاء في مجموعته الشعرية «وأقبل التراب»، بوصفها تجربة شعرية تتداخل فيها الذاكرة والمكان والقضية والبعد الإنساني، ويخصص د.مراشدة مساحة لدراسة شعر الناقد، والأديب الأردني ناصر الدين الأسد، متتبعاً حضور الذات والذاكرة والقيم الإنسانية في تجربته الشعرية، وما تحمله من ارتباط بالوجدان والطبيعة والرؤية الخاصة للعالم.