حين يحاكم الشاعر الشعر.. والتاريخ

محمود قرني يستدعي امرؤ القيس وطرفة والمعري وبوشكين ومالارميه وميلتون

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

حين يحاكم الشاعر الشعر.. والتاريخ

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

عبر حوار طويل وممتد، متشعب الرؤى والقضايا والأفكار، تتلاقح فيه أزمنة وأمكنة شتى، يشكل الشاعر محمود قرني فضاءه الشعري في ديوانه «تفضل.. هنا مبغى الشعراء»، الصادر حديثًا عن دار «شرقيات» بالقاهرة، وهو ديوانه التاسع في رحلته مع الشعر.
وبخيال ساخن، ولغة حادة مسننة، تطل هذه القضايا من نوافذ الديوان، مظللة صفحاته المائة، ويتخذ الشاعر من فكرة المساءلة بمظانها المعرفية والواقعية مقومًا فنيًا لمحاورة شعراء وكتاب وعلماء وفلاسفة ومؤرخين، شكلوا تجسيدًا للحظات فارقة عاشتها تلك الأزمنة والأمكنة.. فثمة مساءلة دائمة للذات والآخر، للتاريخ والشعر والواقع والعناصر والأشياء، تمتد ظلالها إلى الذاكرة والعواطف والمشاعر الإنسانية والرؤى والأفكار والانفعالات، مشكِّلة جسرًا شفيفًا للوصل والقطع بين كل هذه العناصر، بحثًا عن خصوصية ما للشعر، وطارحة سؤاله البسيط المعقد، باعتباره بصيرة الذات المتخفية في خطى الزمن والبشر والأشياء.
الشعر، الذي ينتظر الشاعر عودته، مع كلب «مالارميه»، ومن تراجيديا الحضارات في «عنبر الحمي»، ومن طبقات الجحيم في «رسالة الغفران» للمعري، ويصرخ من أجله مستدعيًا روح بوشكين: «إننا الشعراء، نصلح قياصرة، عبيدا..»، لكنه في النهاية لا يعرف كيف يعتذر له، فيقول متسائلا: «فكيف أعتذر لك.. أيها البطل الخاسر دائمًا»، ثم يشفق عليه ويناجيه كطفل قائلا:
«باسم الفلاسفة
الذين هبطوا إلى النهر
بحثًا عن حقيقتك
فاختطف الغربانُ سراويلهم
باسم كل هؤلاء
من المخدوعين والحمقى
من الأفضل لك
أن تمضي من طريق أخرى
أيها الشعر»
لم يحدد الشاعر هذه الطريق الأخرى، تركها مفتوحة على البدايات والنهايات، لكنه بذكاء مخيلة أشار إليها ضمنيًا وعلى نحو خاص، عبر الدلالة المكانية اللافتة في عنوان الديوان «هنا»، وليس «هناك» مؤكدًا على أن لديه ما يخصه، ويعتز به، لديه الشعر، وهو قادر على الفرح به، لأنه يدرك وكما توحي نصوص الديوان، أن الشعر هو الحقيقة الوحيدة غير القابلة للنسيان، بعيدًا عن ترهات الشعراء وحروبهم الصغيرة.
في خضم هذه المساءلة، وفي ضوء مشاهد ووقائع بعينها يستدعيها الشاعر من خزانة التاريخ، لا يضع الشاعر قدمه فحسب - في ماضٍ يرى أن شهادة رحيله لم تنتهِ، لكنه بقوة المسائلة وجرأة المواجهة حول نصه الشعري إلى معول للتقصي والنقض، الهدم والبناء، لإعادة المساءلة والفهم من جديد للعالم والأشياء، وللآخر بكل فظاظته وقمعه وعدوانه. ومن ثم يشكل الديوان عبر نصوصه ما يشبه خشبة مسرح، تشع عليها الملهاة الإنسانية، في أقسى لحظاتها وجعًا وإيلامًا ومفارقة، وبلغة شعرية مكثفة، تعتصر أقصى طاقات التهكم والسخرية والقسوة، على الذات والشعر والماضي والحاضر، على النضال والآيديولوجيا والثورة التي تحولت إلى نعجة، على العلم والعلماء الذين ضللتهم الأفلاك والموازين المغشوشة، في ظلال كل هذا تمارس الذات الشاعرية نوعًا شفيفًا من التطهير والإزاحة، حتى تخلص في النهاية إلى مرآتها الخاصة، بعيدًا عن روث الآخر وإرثه الدامي، ومن ثم، يصبح فعلاً قادرًا على التجاوز والتخطي بجمالية شعرية مغايرة.
على حواف هذه الصراع، يطرح الديوان فكرة الصدام بين الحقيقة والشعر، وأيضًا الصدام بين العلم والشعر، بين الماضي والحاضر، ويناور الديوان كل هذا، في فضاء جمالي متراكب الرؤى والمستويات، وفي ظل ذات لا تكف عن المساءلة والنبش في حفريات الوجود والمعرفة، ما يجعلنا أمام نصوص شعرية صادمة وهتّاكة، تحتفي بمحبة الأشياء وكراهيتها في الوقت نفسه، لا تذهب إلى الماضي باسم نوستالجيا ما، وإنما بحثًا عن معنى معطل ومستلب لحياة تفر من بين أيدينا. واللافت وسط هذا المناخ أن النصوص تحتفي بالطفولة، بل ترى اللغة ثمرة من ثمراتها الطيبة، فلا تراهن على حرية الغصن بمعزل عن حرية الجذور، لذلك يبدو البحث عن الحقيقة، حقيقة المأساة بكل عبلها الإنساني هو نفسه البحث عن حقيقة الشعر. فكلاهما يفتش في الآخر عن زمنه الهارب، وحريته المغدورة. وإذا كان الواقع يعكس صعوبة فهمنا للحقيقة، لأنه يحولها دائما إلى لغز وسلطة مقموعة، فإن الشعر يتعاطى معها باعتبارها وجودًا حرًا قابلاً للتشكل والامتلاء في النص.
بهذه الطاقة المهمومة بسؤال الشعر والحقيقة معًا، يوسع الشاعر من آلية المساءلة، وينوع حراكها في النص، فهي تارة تبدو قرينة مفارقة موجعة، تتفجر دراميًا من داخل النص نفسه، الذي يتحول بدوره إلى مصفاة تنقي العناصر الخارجية المستدعاة من شوائب اللغة والتاريخ والزمن، وركام العادة والمألوف، ليعيد النص صهرها وسبكها، وفق خصوصيته، وما يحيل إليه من رؤى ودلالات. وهي تارة تستبطن حس الحكاية، تخايل في ظلالها ما يشبه الاعترافات المضمرة، أو المبتورة الناقصة، وتلك خصيصة قارة في الكثير من دواوين محمود قرني، بخاصة ديوانه السابق «لعنات مشرقية»، فاللعب على مناطق وتيمات ذات صبغة تاريخية، يستدعي الحكي، ويؤكد في الوقت نفسه أن التاريخ يُروى، وتتعدد مروياته، لأنه من صناعة البشر، وحمّالُ أقنعة وأوجه كثيرة. الأمر الذي يكسب فكرة «المساءلة» في الديوان قدرًا لافتًا من الشمول والاتساع والعمق، فهي تسعي إلى «الكلية»، حتى في لحظات مناجاتها الشخصية الفردية.
فبروح مشرّبة بالرغبة في الحوار الحي وشرف الخصومة مع الآخر، يخاطب الشاعر نفسه (عبر حديقة فلوبير)، قائلا فيما يشبه المرثية الموجعة للذات:
«أنا بطل الروايات الناقصة
أعني أنني بالضرورة سيّدُ العشاق الخائبين
أن الذي يتنشّق هُراء مجده
ولا يرى سبيلاً لقلب حبيبته
فيدقّ صورتها بإبرة الحِجامة
على ثنْيات بطنه
يسلم حذاءه للطير
وتخرج شِكَّةُ صيده خالية الوفاض
وأنا الرسام الأرعن
اسمي محمود
وصنعتي تربية النظر
اقرأ (جوستاف فلوبير) كبحار مغامر
واعتبره مثلي..
غبيًا أنيقًا
لكنه يغرق على ما يرام»
هذا التوازي بين الذات الشاعرة، وشخصية «فلوبير»، بثقلها الأدبي والدرامي، ومفارقات سيرتها الحياتية الموجعة، يطرح في المقابل توازيًا آخر، بين الشعر والحقيقة، فكلاهما لا يكف عن صراع الآخر وانتهاكه، بحثًا عن حرية مفقودة أو متوهمة، أو مخبّأة، في روحه وجسده، وتحت جدرانه.
إن قصائد الديوان حين تجر الماضي وراءها، لا تبحث فقط عن المدهش والمخفي فيه، بقدر ما تختبر الحياة في صورتها الأولى المتكررة، كقيمة مجردة من غواية النمط، وملهاة حية، نتفنن دائمًا ورغم قسوة الظروف، في العيش والتسكع فوق سطحها، وفي الوقت نفسه تؤكد القصائد أنه لا معنى للحياة خارج لحظتها الراهنة، خارج وجودها كمادة، كواقع متعين، كحقيقة معاشة بالفعل، كجسر شفيف للوصل والقطع، تتلاقح عليه شخوص وأزمنة وأمكنة، وحالات وظواهر، وحدوسات شتى للمعرفة الإنسانية.. فهكذا يقف فوق هذا الجسر: طرفة، والخنساء، وأبو تمام، والمعري، وبشار، وكيتس ونيوتن وبوشكين ومالارمية، وامرؤ القيس وفولبير وميلتون، وابن الرواندي، كما يقف الجواسيس والرواة والمهجريون واللصوص، وباعة البهجة المغشوشة، وغيرهم ممن يستدعيهم الديوان في معيته.. يقفون عراة حائرين، لا يتصارعون من أجل الحقيقة، أو كتابة مرثية تليق بالشعر، وإنما من أجل أن يظلوا أوصياء على الحياة، على الماضي والحاضر معًا.
لذلك، تفرض السخرية نفسها ضرورة للهدم والبناء معا، ولإثبات قدرة الذات الشاعرة على النفي والإثبات، إنها صوت الأنا المعارض، النقيض، الضد، الذي باسمه تتقاطع وتتوازى فوق سطح هذه الملهاة، دلالة «فردوس ميلتون المفقود» و«مقابر الصدقة»، وصراع الأبناء والأسلاف في بيت لحم على أكل أكباد بعضهم بعضا، أو تتماهى «رسالة الغفران» للمعري، مع «كوميديا دانتي»، أو يتناثر «غبار آسيا» فوق كتفي سيدة تنتظر حبيبها على شاطئ بعيد في قلب ظلام القارة السمراء، أو يصرخ في « سماوات ليبيا» القائد الذي هزمته ذبابة الملاريا.
وغيرها، من ثنائيات الشر العقيمة التي أصبحت سمة عالمنا الراهن، وأصبحنا نخمن كل يوم أكثر من طريقة للهرب منها أو العيش المر تحت ظلالها.. ومثلما يقول الشاعر في قصيدته «الفردوس المفقود» في تناغم حي وساخر بين صوت الذات الشاعرة، وصوت الآخر المجهول الذي يوهم به جون ميلتون صاحب الفردوس نفسه:
«سيدي
إذا كنت بلا عمل
فتعال إلى هنا
سنجمع الحطب سويًا
من هذا الغَوْر
الذي يقع شمال بيت لحم
لتشهد بنفسك
كيف يأكل أحفادك
أكباد أعدائهم»
في الختام، أدرك أن ما يقوله الشعر هنا في هذا الديوان الخصب لن ينتهي بقراءة القصيدة أو الديوان، وإنما تبدأ حرية الشعر ومتعته مع تعدد القراءة وطرائق الرؤية والتأويل، فنحن أمام نص شعري قادر على أن يجدد نفسه بطرائق متنوعة ومتعددة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.