تونس: المستقيلون من الحزب الحاكم يشكلون كتلة برلمانية جديدة

توالي الاستقالات داخل «النداء» جعل «النهضة» تحتل المرتبة الأولى داخل البرلمان

عناصر من الشرطة يؤمنون جانبا من احتفالات التونسيين بالذكرى الخامسة للثورة (رويترز)
عناصر من الشرطة يؤمنون جانبا من احتفالات التونسيين بالذكرى الخامسة للثورة (رويترز)
TT

تونس: المستقيلون من الحزب الحاكم يشكلون كتلة برلمانية جديدة

عناصر من الشرطة يؤمنون جانبا من احتفالات التونسيين بالذكرى الخامسة للثورة (رويترز)
عناصر من الشرطة يؤمنون جانبا من احتفالات التونسيين بالذكرى الخامسة للثورة (رويترز)

شكل النواب المستقيلون من حركة نداء تونس، الحزب الحاكم، كتلة برلمانية جديدة أطلقوا عليها اسم «الكتلة الحرة»، وأودعوا أمس طلبا رسميا بذلك في مكتب مجلس نواب الشعب (البرلمان).
وتضم هذه الكتلة المحسوبة على محسن مرزوق، الأمين العام المستقيل من حزب النداء، 17 نائبا، يترأسها عبد الرؤوف الشريف، فيما تتولى هاجر العروسي منصب نائب الرئيس. ومن المنتظر أن يرتفع العدد إلى 22 نائبا برلمانيا.
وينتمي البرلمانيون الذين شكلوا هذه الكتلة البرلمانية الجديدة، إلى «مجموعة الثلاثين» التي قدمت استقالتها قبل نحو ثلاثة أشهر إلى البرلمان، ثم سحبتها في الساعات الأخيرة قبل دخولها حيز التنفيذ، تطبيقا للفصل 38 من النظام الداخلي للبرلمان، الذي ينص على أن الاستقالة لن تكون نافذة، إلا بعد مضي خمسة أيام من تاريخ تقديمها.
وتراجعت بعض أعضاء المجموعة عن الاستقالة، لكنّ عددا من عناصرها تمسك بتقديم الاستقالة بشكل نهائي، والقطع مع حزب نداء تونس، تحضيرا لتشكيل إطار حزبي جديد يقوده محسن مرزوق، على أن يعلن عنه في الثاني من مارس (آذار) المقبل.
وفي هذا الشأن، قال وليد جلاد عضو هذه الكتلة البرلمانية الجديدة لـ«الشرق الأوسط» إن الإعلان الرسمي عن هذه الكتلة البرلمانية سيكون يوم الثلاثاء المقبل خلال الجلسة البرلمانية، وتوقع أن يرتفع عدد نواب الكتلة البرلمانية «الحرة» إثر التحاق خمسة نواب آخرين وانتهاء المدة القانونية التي يتطلبها النظام الداخلي للبرلمان للتراجع عن الاستقالة، التي تقدر بخمسة أيام من تاريخ إيداع نص الاستقالة بمكتب المجلس.
وحسب مراقبين للشأن السياسي، فإنه من شأن هذه الكتلة البرلمانية الجديدة أن تصبح «لاعبا جديدا في المشهد البرلماني، له ثقله على مستوى التمثيل والتصويت، وأيضًا نصيبه من اللجان البرلمانية. وهذا التغيير في مستوى الترتيب ليس معطى عدديا فقط، بل له تبعات في مستوى الصلاحيات والنفوذ في هياكل البرلمان. فالكتلة الأولى تستطيع حسب قانون النظام الداخلي اختيار المناصب التي ترغب فيها في مكتب المجلس، ثم يتم تمكين الكتل الأقل عددا منها من الاختيار فيما تبقى من مناصب».
ومن المنتظر أن تغير هذه الكتلة السياسية الخريطة البرلمانية والتوازنات داخل البرلمان، ونتيجة لتوالي الاستقالات داخل حزب النداء، فإن حركة النهضة باتت تحتل المرتبة الأولى داخل البرلمان التونسي بـ69 مقعدا برلمانيا، تليها حركة نداء تونس بنحو 64 مقعدا برلمانيا، فيما يحتل الاتحاد الوطني الحر المرتبة الثالثة بـ16 مقعدا، والجبهة الشعبية بـ15 مقعدا، ثم يأتي حزب آفاق تونس بـ8 مقاعد في المرتبة الخامسة.
وفي هذا السياق، قال قيس سعيد الخبير التونسي في القانون الدستوري، إن النظام الداخلي للبرلمان التونسي يعتمد على التمثيل النسبي، أي إن كتلة الأغلبية تحتل الأولوية في كل هياكل البرلمان، فإضافة إلى اختيار من سيمثلها في مكتب المجلس (البرلمان) فإنها تختار أيضًا اللجان التي ستترأسها، وتكون لها الأغلبية العددية في اللجان، اعتبارا إلى أنها تملك العدد الأكبر من البرلمانيين.
وضغط محمد الفاضل بن عمران، رئيس الكتلة البرلمانية لنداء تونس، على النواب المستقيلين من خلال تأويل الفصل 50 من الدستور، الذي ينص أن «الشعب يمارس السلطة التشريعية عبر ممثليه بمجلس نوّاب الشعب أو عن طريق الاستفتاء».
وأضاف النائب في البرلمان أنه منح تفويضا من قبل الناخبين لتمثيلهم والتحدّث باسمهم، والدّفاع عنهم على أساس البرنامج الانتخابي الذي تبنّاه، ووعدهم بتنفيذه في حملته الانتخابيّة، وقال إنه لا يجوز له بعد الانتخابات تحويل مساره، وفكّ الارتباط بناخبيه وبحزبه من تلقاء نفسه. ومباشرة بعد ذلك رد عليه النواب المستقيلون بأن النائب يصبح بمجرد الدخول إلى البرلمان نائبا عن الشعب، وليس نائبا عن حزب سياسي، وهو ما ينبئ باندلاع معركة قانونية في حال الإعلان الرسمي عن الكتلة البرلمانية الجديدة.
وفي السياق ذاته، أعلن أمس 17 عضوا من أعضاء اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لحركة نداء تونس، في بيان لهم، استقالتهم من جميع هياكل الحركة على خلفية نتائج المؤتمر التأسيسي الذي عقده الحزب الحاكم بمدينة سوسة يومي 9 و10 يناير (كانون الثاني) الحالي.
وقال أحمد ونيس عضو اللجنة في تصريح إعلامي إن استقالة أعضاء اللجنة يأتي على خلفية عدم اعتماد البرنامج، الذي عملت عليه اللجنة منذ تشكيلها في شهر يوليو (تموز) 2012، واتهم هيئة تنظيم مؤتمر سوسة بإلغاء البرنامج الاجتماعي والاقتصادي الذي اشتغلت عليه اللجنة طيلة نحو ثلاث سنوات. وأكد الاستقالة النهائية من هياكل حزب النداء بقوله إنه «لم يعد للأعضاء المستقيلين من انتساب إلى الحزب بشكل نهائي».
وبصرف النظر عن العدد الرسمي للقياديين المستقيلين من الحزب ومن كتلته البرلمانية، فقد بات مؤكدا أن حزب النهضة أصبح بفضل تجانس نوابه صاحب الكتلة الأكبر في البرلمان، بعد أن تجاوز عدد المستقيلين من كتلة «حزب النداء»، حسب الناطق الرسمي للبرلمان حسان فتحلي الـ22.
ويقدر عدد البرلمانيين المستقيلين من الحزب والحكومة بأكثر من 30 شخصا، بينهم ثلة من أبرز المؤسسين مثل محمود بن رمضان وزير الشؤون الاجتماعية، وسعيد العايدي وزير الصحة، والناطقة الرسمية السابقة باسم نواب الحزب ليلى الشتاوي، والرئيسة السابقة لجمعية النساء الديمقراطيات المحامية بشرى بالحاج إحميدة.
وإذ يؤكد عدد من النواب المستقيلين، مثل حسونة الناصفي، الرئيس السابق لاتحاد طلاب الحزب الحاكم، أنهم لا يفكرون حاليا في الانضمام إلى أي حزب، فإن قياديين آخرين من بين «الغاضبين»، مثل وزير الخارجية السابق الطيب البكوش، لا يزالون في مرحلة إجراء «مشاورات» بحثا عن «توافق جديد» يوحد غالبية المعارضين الجدد للحزب الذي أوصلهم إلى الحكم.
وحسب البرلمانيين منذر بالحاج علي ومصطفى بن أحمد يبقى الملف الكبير والأخطر الذي فجر مثل هذه الانشقاقات هو «عدم احترام قيادة حزب نداء تونس لتعهداته للناخبين بعدم التحالف مع الإسلاميين، وحزب راشد الغنوشي في حكومة واحدة».
لكن محمد الناصر، رئيس البرلمان والرئيس السابق للحزب، يرى أن «نتائج الانتخابات لم تمنح حزب النداء إلا نحو 40 في المائة من الأصوات والمقاعد، فكان لا بد أن يتعايش في نفس الحكومة وضمن نفس الائتلاف مع ثلاثة أحزاب أخرى، وعلى رأسها حركة النهضة التي فازت وقتها بالمرتبة الثانية».
نفس الموقف دافع عنه الرئيس الباجي قائد السبسي، والقياديون الموالون له، مثل رؤوف الخماسي ومحمد الفاضل بن عمران وبوجمعة الرميلي، حيث أكدوا جميعهم أن «التحديات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تواجهها البلاد تستوجب تشكيل ائتلاف رباعي يدعم رئيس الحكومة المستقل الحبيب الصيد».
ووصف قائد السبسي مثل هذا الخيار بـ«الوسطية»، واتهم معارضي مثل هذا التوجه «التوافقي» بالتخريب والانحراف، معلنا في كلمة توجه بها إلى الشعب بأنه «لا مكان لهؤلاء المعارضين للوسطية بيننا مستقبلا».
وزادت الأوضاع تأزما داخل حزب الرئيس الباجي قائد السبسي بعد مشاركة راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة، في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر الأول للحزب السبت الماضي، بينما تغيب بعض مؤسسيه من رموز اليسار والتيار القومي. وقد جرت العادة أن يدعى قادة الأحزاب إلى إلقاء كلمات في مؤتمرات بقية الأحزاب، إلا أن جانبا من أطر حزب النداء، الذين سبق أن وقعت تعبئتهم قبل انتخابات 2014 ضد الإسلاميين وضد راشد الغنوشي شخصيا، لم يقبلوا ما وصفوه بأنه «تطبيع مبالغ فيه بين قائد السبسي والغنوشي».
وفجرت كلمة الغنوشي في مؤتمر «النداء» تناقضات كثيرة، من بينها تشبيهه لتونس بـ«طائر له جناحان: النهضة والنداء». لكن الغنوشي رد على هؤلاء المنتقدين لخيار التوافق بكون هذا الخيار بدأ منذ صيف 2013، وذلك عندما تنقل للقاء زعيم حزب نداء تونس وقتها الباجي قائد السبسي في مستشفى باريس، واتفقا على أن تستقيل حكومة النهضة من الحكم، مقابل تعهد كل الأطراف بتشكيل حكومة «توافقات» بعد انتخابات 2014 وهو ما تحقق فعلا.
والسؤال اليوم هو هل سيدوم هذا التوافق أم سينهار البيت على كل من فيه، وخاصة أن المؤشرات الاقتصادية والأمنية سلبية جدا؟ وهل سينهار الحزب الحاكم فقط؟ أم تتسبب أزمته في تفجير كامل الائتلاف الحاكم، رغم تطمينات قائد السبسي وزعيم حركة النهضة، التي أصبحت الحزب الأول في البرلمان؟



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.