العراق.. «مارد نفطي» في «عين الإعصار» مع انهيار أسعار الخام

يوجد على شفا عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب موظفي الدولة

عامل في شركة {إس أو سي} النفطية بالقرب من مصفاة لتكرير النفط في الناصرية جنوب العراق (غيتي)
عامل في شركة {إس أو سي} النفطية بالقرب من مصفاة لتكرير النفط في الناصرية جنوب العراق (غيتي)
TT

العراق.. «مارد نفطي» في «عين الإعصار» مع انهيار أسعار الخام

عامل في شركة {إس أو سي} النفطية بالقرب من مصفاة لتكرير النفط في الناصرية جنوب العراق (غيتي)
عامل في شركة {إس أو سي} النفطية بالقرب من مصفاة لتكرير النفط في الناصرية جنوب العراق (غيتي)

وسط انخفاض أسعار النفط وتراجع قيمة الصادرات واستمرار الخلافات السياسية المحلية وزيادة التهديدات الأمنية، يبدو أن العراق على شفا «أزمة اقتصادية» حادة تبدأ بعدم قدرة الحكومة على دفع رواتب موظفي الدولة والتدهور الكبير في العملة المحلية (الدينار)، فضلاً عن عدم القدرة على الاستدانة من الخارج.
ويتوقع خبراء أن تكون الأزمة المالية في العراق خلال العام الحالي أصعب مقارنة بالعام الماضي، فخلال عام 2015 استطاع العراق، ولو بشكل جزئي، دفع رواتب الموظفين، لكن العام الحالي، ووفق التقديرات المتاحة من المؤسسات المالية العالمية وفي حال استمرت أسعار النفط وفق معدلاتها الحالية، قد لا يتمكن العراق من دفع الرواتب؛ الأمر الذي يخلق اختناقات اجتماعية متعددة داخل البلاد. وبالتدقيق في مؤشرات الاقتصاد العراقي، تُظهر بيانات البنك الدولي ارتفاع معدلات البطالة بشكل واضح، وتجاوزت نسب الفقر 22 في المائة، بعدما كانت تراجعت عام 2013 إلى 19 في المائة.
وقال عاصم جهاد، الناطق الرسمي باسم وزارة النفط العراقية، إن إيرادات العراق من النفط انخفضت بنحو 70 في المائة من 8 مليار دولار شهريا عندما كان سعر النفط ما بين 90 و100 دولار للبرميل، إلى أقل من 3 مليارات بالأسعار الحالية، إذ يتم بيع برميل النفط بسعر أقل من 30 دولارًا.
وسبق أن قال حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي إن «بلاده تمر بظرف مالي صعب بسبب تدني أسعار النفط» في الأسواق العالمية، مشيرا إلى أن حكومته اتجهت إلى تنشيط المجالات الزراعية والصناعية والسياحية، لتنويع الإيرادات التي تعتمد على الصادرات النفطية. ولجأت الحكومة العراقية إلى رفع ضرائب المبيعات على السلع المستوردة بهدف تعزيز الإيرادات المالية لتقليل حجم الأزمة المالية التي تتعرض لها البلاد نتيجة تدني أسعار النفط في الأسواق العالمية، لكنها لم تتمكن حتى الآن من توفير الإيرادات اللازمة لتمويل الموازنة.
ورغم وصف العراق بـ«المارد النفطي»، لقدرته على مضاعفة إنتاجيته من النفط، البالغة 3.8 مليون برميل يوميًا في الوقت الحالي، ورغم احتلال احتياطيات النفط العراقية المرتبة الخامسة عالميًا والمقدرة بنحو 140 مليار برميل، والعراق هو ثاني أكبر منتج في أوبك بعد السعودية. تسبب مرور العراق بعقد من الحرب والنزاعات السياسية الداخلية، وعدم كفاية الاستثمارات، وانخفاض أسعار النفط في الضغط على قطاع النفط، وتزامن ذلك مع ارتفاع الإنفاق على الدفاع بشكل كبير منذ الغزو الأميركي في عام 2003.

الخلافات السياسية المحلية

اعتبارًا من منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، بدأت كردستان في تصدير أكثر من 500 ألف برميل يوميًا من النفط، ومع ذلك، تعوق الخلافات مزيدا من الصادرات حيث تتهم بغداد أربيل بتجاوز التشريعات القائمة وقيامها بتصدير النفط دون نقل الكميات المتفق عليها إلى الحكومة المركزية.
ففي ديسمبر (كانون الأول) 2014، وقعت كردستان وبغداد صفقة تتطلب من كردستان نقل نحو 550 ألف برميل يوميًا إلى الشركة الحكومية (سومو) شركة النفط العراقية في مقابل أن تتلقى كردستان نحو 17 في المائة من الميزانية العراقية أو على 1.1 مليار دولار في الشهر. ورغم ذلك، تفككت الصفقة بسرعة ولم يلتزم كلا الطرفين بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

المشكلات الأمنية

تصاعدت موجات التفجيرات بالعبوات والسيارات المفخخة في الأحياء السكنية في العاصمة العراقية لتحصد المزيد من أرواح المدنيين، مع تزايد ملحوظ في الاغتيالات والخطف في معظم مدن العراق، خصوصا في البصرة التي تسيطر عليها الميليشيات وفي كركوك التي تطال عناصر عربية وتركمانية فيها حملة اغتيالات يقوم بها مسلحون مجهولون.

العوائق الاستثمارية

بالإضافة إلى المشكلات الأمنية والسياسية، هناك عوائق استثمارية أخرى تحول دون تنمية القطاع النفطي وهي المشكلات الناجمة عن نزوح جماعي للاجئين والمشردين داخليا. وقد وضع تدفق ملايين اللاجئين والنازحين أعباء إضافية على الحكومة، خصوصا فيما يتعلق بتوفير المساعدات وأمنية كافية لنزوح السكان. وبالمثل، قد يتسبب تدهور الوضع الأمني في هروب العمال المهرة التي يمكن أن تسهم في تنمية الحقول النفطية.

أسعار النفط

يضغط انخفاض أسعار النفط وتراجع العائدات النفطية على البنك المركزي العراقي. وبحسب ما ورد من بيانات حكومية، تقلصت احتياطيات العم لة الأجنبية في العراق من 78 مليار دولار في نهاية 2013 إلى 59 مليار دولارًا فقط في منتصف عام 2015. ويظل انخفاض أسعار النفط هو التحدي المهم لقطاع النفط العراقي، خصوصا كما هو متوقع أن أسعار النفط ستواصل انخفاضها على الأقل خلال النصف الأول من العام الحالي.

الخيارات الحكومية

لتجاوز الأزمة المالية خلال العام الحالي، أعلنت لجنة النفط والطاقة البرلمانية العراقية، الاثنين الماضي، أن بغداد تدرس مقترحًا لبيع النفط إلى الصين بنظام الرهن لمدة سنتين أو أكثر. وقال عضو اللجنة عواد العوادي في تصريحات صحافية، إن: «جولات التراخيص فيها كثير من الإيجابيات، وكذلك سلبيات كثيرة، والحل الآن هو إعادة النظر في تلك الجولات». وتبحث بغداد سبل الاقتراض من المؤسسات الدولية، مع العلم أن بغداد لجأت لذلك بالفعل وكان آخرها قرض من صندوق النقد الدولي قبل أيام بقيمة 1.2 مليار دولار، وذلك مقابل الخضوع لبرنامج مراقبة للسياسة المالية للعراق. لكن للحصول على قروض جديدة من الصندوق، فذلك يتطلب النجاح أولاً فيما تم الاتفاق عليه سواء من ناحية تنويع الاقتصاد وتطوير البنى التحتية، كذلك على الجانب السياسي وحل الخلاف الدائر بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق حول الملف النفطي.
وينوي العراق أيضًا طرح سندات سيادية، ومن الخيارات الأخرى المطروحة، رفع قيمة الدينار العراقي، وإبقاء قسم من رواتب الموظفين كدين لدى الحكومة لحين التمكن من دفعها وهو خيار خطر، وخيار بيع النفط مع تلقي الثمن مقدمًا، ورفع رسوم الكهرباء والماء والمحروقات وهذه خيارات صعب تنفيذها على أي حكومة لأنها ستترك ردود فعل من قبل المواطنين، التي يمكن أن تخلق مزيدًا من الاحتجاجات الاجتماعية داخل مجتمع متشبع بالخلافات السياسية المزمنة.
ووسط الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العراق، يرى الخبراء أن هناك فرصة لإنقاذه على رغم الظروف الصعبة التي كان يعيشها ولا يزال، تحديدا من الجانبين الأمني والاقتصادي، وذلك عبر الاستثمار في الغاز الطبيعي. إذ رأى مسؤولون عراقيون إمكان انتعاش موارده وأدائه الاقتصادي وتعافي دوره مع شحنة الغاز الأولى التي ستصدر إلى الخارج. واعتبر خبراء أن تصدير الغاز العراقي إلى الكويت، قد يكون خطوة على الطريق الصحيح بدلاً من هدر هذه الثروة بحرقها في الهواء، والمقدّرة بنحو مليار دولار سنويًا. وتوقعوا أن يشهد عام 2016 تحسنًا اقتصاديًا، في حال تم تفعيل اتفاق العراق والكويت على تصدير الغاز العراقي، وإذا عملت وزارة النفط على فتح منافذ أخرى لتصدير الغاز.
وبجانب الاستثمار في الغاز، تتزايد المطالبات للحكومة العراقية بتفعيل المرافق الإنتاجية غير النفطية التي يمكن أن تساهم في رفد موازنات البلد المالية، خصوصًا بعد انخفاض أسعار النفط العالمية. ومن تلك المرافق الزراعة التي تعتبر من القطاعات الكبيرة، لكنها ما زالت تحتاج إلى قوانين للنهوض بها، وذلك بإقرار قانون «توحيد ملكية الأرض» المعطل في البرلمان منذ ثلاث دورات، وهو من القوانين المهمة التي تمكن الفلاح من العمل والإنتاج.

*الوحدة الاقتصادية
لـ«الشرق الأوسط»



محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

محافظ بنك إنجلترا من العلا: الاقتصاد العالمي يتماسك رغم تصاعد المخاطر

محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)
محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي متحدثاً في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» (الشرق الأوسط)

قال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأوضح خلال كلمته في النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة»، الأحد، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في العديد من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية، لافتاً إلى أن تقييمات أسهم قطاع التكنولوجيا، ولا سيما المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لعبت دوراً مهماً في ذلك.

وأشار إلى أن ظروف الأسواق كان يمكن أن تكون أسوأ بكثير، معتبراً أن عدم حدوث ذلك يعكس عدة عوامل من بينها أن الأسواق أصبحت أكثر حذراً في ردود فعلها وأن بعض إعلانات التحولات في السياسات لم تنفذ بالكامل، كما أُعلن عنها، فضلاً عن تردد الأسواق في تسعير المخاطر الجيوسياسية عندما تكون بعض أصول الملاذ الآمن التقليدية قريبة من بؤر هذه المخاطر نفسها.

وأضاف أن هناك أيضاً ميلاً لدى الأسواق للاعتقاد بأن «هذه المرة مختلفة»، مدفوعاً بتوقعات فوائد الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، حذَّر من مخاطر الاطمئنان المفرط، مشيراً إلى أن أحدث تقييم للمخاطر في الاقتصاد العالمي يظهر أنها تميل إلى الجانب السلبي، معدداً أربعة مصادر رئيسية لهذه المخاطر: احتمال تصاعد التوترات الجيوسياسية، وتعطل التوازن الهش في سياسات التجارة، وظهور هشاشة مالية في ظل ارتفاع مستويات الدين العام، إلى جانب احتمال خيبة الآمال بشأن مكاسب الإنتاجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وتطرق بيلي إلى الخلفية الهيكلية للاقتصاد العالمي، موضحاً أن الصدمات الاقتصادية في السنوات الأخيرة كانت أكبر بكثير من تلك التي أعقبت الأزمة المالية العالمية وأن معظمها جاء من جانب العرض، وهو ما يصعب على الأطر الاقتصادية التقليدية التعامل معه.

ولفت إلى تراجع معدلات النمو المحتمل في كثير من الاقتصادات المتقدمة خلال الخمسة عشر عاماً الماضية نتيجة ضعف نمو الإنتاجية.

وأضاف أن شيخوخة السكان وتراجع معدلات الإحلال في العديد من الدول يضغطان على النمو الاقتصادي والأوضاع المالية العامة، محذراً من أن هذه القضية رغم تداولها منذ سنوات لم تحظَ بعد بالاهتمام الكافي في النقاشات العامة.

كما نبَّه إلى أن تراجع الانفتاح التجاري ستكون له آثار سلبية على النمو، لا سيما في الاقتصادات الأكثر انفتاحاً.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، أبان أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

وتطرق إلى التحولات الكبيرة في أسواق السندات الحكومية وصعود أسواق الأصول الخاصة وابتكارات تهدف إلى توسيع نطاق النقود في القطاع الخاص.

وعن الإنتاجية، رجح بيلي أن يكون الذكاء الاصطناعي والروبوتات «التكنولوجيا العامة التالية» القادرة على دفع النمو، معرباً عن تفاؤله الواقعي بإمكاناتهما، لكنه شدَّد على أن أثر هذه الابتكارات يحتاج وقتاً للظهور كما حدث سابقاً مع الكهرباء وتقنيات المعلومات.

وأضاف أن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل قد يأتي عبر أربعة مسارات: تعزيز الإنتاجية، وإحلال بعض الوظائف، وخلق مهام جديدة، وإعادة توزيع الوظائف بين القطاعات، مؤكداً أن النتيجة النهائية لا تزال غير مؤكدة.

وأكد أهمية التعليم والتدريب على المهارات، داعياً إلى تجنب الاستنتاجات المبسطة بشأن آثار الذكاء الاصطناعي على التوظيف.


الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
TT

الجدعان: الأسواق الناشئة تقود 70 % من نمو العالم

الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)
الجدعان متحدثاً للحضور في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» (الشرق الأوسط)

أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان، أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، والتي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

وأوضح الجدعان، خلال كلمته الافتتاحية في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» بنسخة الثانية الذي عُقد في العلا، الأحد، أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في مجموعة العشرين تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

وأشار الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

وفي ختام كلمته، حثَّ المشاركين في المؤتمر على الصراحة والتركيز على الحلول العملية والخبرات الميدانية بدلاً من الأطر النظرية؛ بهدف صياغة خريطة طريق تساعد الأسواق الناشئة على التكيُّف مع المشهد العالمي المتغير بسرعة، بما يخدم الصالح العام.

وتحتضن محافظة العلا السعودية، النسخة الثانية من «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026»، بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي وبمشاركة رفيعة المستوى من صناع القرار الاقتصادي، ووزارة المالية، ومحافظي البنوك المركزية، وقادة المؤسسات المالية الدولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

جانب من المعرض المصاحب للمؤتمر (الشرق الأوسط)

ويأتي إطلاق المؤتمر في ظلِّ مرحلة يشهد فيها الاقتصاد العالمي تحولات جوهرية في أنظمة التجارة والمالية الدولية، وما يصاحبها من تحديات متزايدة تتعلق بتباطؤ النمو، وتصاعد حالة عدم اليقين، وازدياد الضغوط على اقتصادات الأسواق الناشئة، الأمر الذي يبرز أهمية تعزيز الحوار الدولي، وتنسيق السياسات الاقتصادية، ودعم مرونة هذه الاقتصادات بما يعزِّز الاستقرار الاقتصادي العالمي.

ويهدف المؤتمر إلى الإسهام في تشكيل أجندة السياسات الاقتصادية لاقتصادات الأسواق الناشئة بما يدعم تحقيق النمو والازدهار، ويعزِّز في الوقت ذاته الاستقرار الاقتصادي العالمي، من خلال توفير منصة دولية رفيعة المستوى لتبادل الرؤى، ومناقشة السياسات، واستعراض التجارب والخبرات ذات الصلة.

ويُعقد المؤتمر هذا العام تحت عنوان «السياسات في ظل إعادة ضبط أنظمة التجارة والمالية الدولية»، إذ يسلّط الضوء على التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، وما تفرضه من تحديات وفرص أمام اقتصادات الأسواق الناشئة، خصوصاً في مجالات التجارة الدولية، والأنظمة النقدية والمالية، والسياسات الاقتصادية الكلية.

ويركّز برنامج المؤتمر على عدد من القضايا والسياسات ذات الأولوية، من أبرزها إعادة تشكيل التجارة العالمية في ظل التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية، وديناميكيات النظام النقدي والمالي الدولي، إضافة إلى التحديات التي تواجه السياسة النقدية في بيئة تتسم بعدم اليقين والتحولات الهيكلية.

كما يناقش المؤتمر مرونة السياسات المالية وأطرها في عالم يتسم بتكرار الصدمات الاقتصادية، ودور السياسات العامة في تعزيز القدرة على الصمود، إلى جانب بحث سبل تحفيز النمو بقيادة القطاع الخاص، ورفع الإنتاجية، وتحقيق التوازن بين دور الدولة وتمكين القطاع الخاص في اقتصادات الأسواق الناشئة.

ويُختتم المؤتمر بنقاشات تركز على تعزيز صمود اقتصادات الأسواق الناشئة والتحول الاقتصادي، واستعراض أبرز الدروس المستفادة، والخطوات المستقبلية لدعم التعاون الدولي، وتنسيق السياسات، وبناء حلول عملية تسهم في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

ويُتوقع أن يسهم مؤتمر العلا في رفع مستوى الوعي الدولي بقضايا اقتصادات الأسواق الناشئة، وتسليط الضوء على دورها المحوري في الاقتصاد العالمي، وتعزيز حضور هذه القضايا في الأجندة الاقتصادية والإعلامية الدولية، بما يدعم تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولية واستدامة على المدى الطويل.


وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
TT

وزير المالية الصيني يحذر من تباطؤ النمو واتساع فجوة التنمية عالمياً

وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)
وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

قال وزير المالية الصيني لان فوآن آن، إن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، «تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية».

وذكر الوزير، خلال مشاركته في «مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة»، أن «الاقتصاد العالمي يمرُّ بمرحلة جديدة من الاضطراب والتحول، تتسم بتصاعد الأحادية والحمائية والمخاطر الجيوسياسية، في ظلِّ موجة متزايدة من تراجع العولمة».

وأشار إلى أن «الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة»، مؤكداً أن ذلك يعود إلى «تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عنه من تباطؤ في التجارة العالمية وتجزؤ الاقتصاد الدولي».

وأضاف أن «هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية».

وزير المالية الصيني متحدثاً في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكد أن «أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار ويؤثر سلباً على جهود التنمية»، مشيراً إلى أن «دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي، إلا أن تمثيلها وصوتها في منظومة الحوكمة الاقتصادية الدولية لا يزالان دون المستوى المطلوب».

وأوضح لان فوآن، أن «الصين طرحت مبادرتَي التنمية العالمية والحوكمة العالمية بوصفهما إطاراً لمعالجة هذه التحديات»، داعياً إلى «إطلاق زخم نمو جديد قائم على الابتكار، وتعزيز التعاون الدولي في المجال التكنولوجي، بما يضمن استفادة الدول النامية من ثورة الذكاء الاصطناعي دون اتساع الفجوة الرقمية».

وشدَّد على «أهمية إصلاح منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية، ودعم النظام التجاري متعدد الأطراف، وتعزيز تمثيل الدول النامية في المؤسسات المالية الدولية»، مؤكداً التزام الصين بـ«مواصلة الانفتاح، ودعم النمو العالمي، وتقديم مزيد من اليقين لاقتصاد عالمي مضطرب».