تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

الأحزاب السياسية تستعد مبكراً للاستحقاقات الانتخابية

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة
TT

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

مؤشرات عديدة توحي بأن خريطة جديدة للتحالفات السياسية في تونس هي الآن قيد التشكل استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. والحديث عن تحالفات انتخابية محتملة أصبح يطرح باستمرار، حيث دخلت أهم الأحزاب مرحلة الإعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في ما يشبه حملة انتخابية مبكرة، باعتبار أن موعد الانتخابات لم يتحدد بعد.
ويجري اليوم في تونس حراك كبير داخل مختلف العائلات السياسية الرئيسة حول إمكانيات التحالف استعدادا للانتخابات المقبلة. وتعيش العديد من المدن التونسية خاصة العاصمة كل يوم أحد (وهو يوم العطلة الأسبوعية في تونس) حالة من التفاعل السياسي بتنظيم اجتماعات عامة كبرى للأحزاب السياسية لكسب ود الناخبين من الآن، وغالبا ما يقع التعرض خلال هذه الاجتماعات لمسألة الحلفاء المحتملين لهذا الحزب أو لذاك خلال المرحلة المقبلة.
خلفت انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 استنتاجات عديدة سواء بالنسبة للفائزين بها أو الذين حققوا فيها نتائج متواضعة، وحتى عند الذين لم يشاركوا فيها ويستعدون للمشاركة في الانتخابات المقبلة. ويمكن القول إن مختلف القوى تحاول اليوم الاستفادة من دروس انتخابات أكتوبر 2011.

* التركيز على جمع الأصوات المشتتة
يرى بعض المراقبين للوضع السياسي في تونس تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» أن سببين أساسيين سيدفعان عديد الأحزاب إلى التقارب وربما التحالف الانتخابي خلال الانتخابات المقبلة، أولهما النتائج التي أفرزتها انتخابات 23 أكتوبر 2011، والتي أظهرت أن نحو مليون ونصف المليون ناخب (ما يمثل ثلث عدد الذين اقترعوا في تلك الانتخابات) «ذهبت أصواتهم أدراج الرياح» بسبب العدد الكبير للقوائم التي خاضت غمار هذه الانتخابات سواء من الأحزاب أو من المستقلين، مما تسبب في تشتت الأصوات، علما بأن حركة النهضة الإسلامية التي فازت بهذه الانتخابات بحصولها على 89 مقعدا في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي) من جملة 217 مقعدا، حصل مرشحوها على نحو مليون ونصف المليون ناخب، وهو نفس عدد الأصوات التي وصفت بأنها «ذهبت أدراج الرياح».
وظاهرة تشتت الأصوات هذه خلال الانتخابات السابقة هي واحد من الأسباب التي علل بها الباجي قائد السبسي، رئيس الحكومة الأسبق، قراره بعث «حزب نداء تونس» (ليبرالي) الذي لم يكن موجودا قبل انتخابات أكتوبر 2011، ليصبح هذا الحزب اليوم المنافس الرئيس لحركة النهضة، وفق ما تبينه مختلف عمليات سبر الآراء التي تنشر كل شهر في تونس، بنسب متقاربة جدا بينهما في نوايا التصويت للانتخابات المقبلة.
أما السبب الثاني الذي يتحدث عنه المراقبون فيتعلق بتطورات الوضع السياسي بالبلاد خاصة الأزمة الحادة التي عاشتها تونس عقب اغتيال محمد البراهمي عضو المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في التيار الشعبي (حزب عربي قومي) في 25 يوليو (تموز) 2013. وهي الحادثة التي جعلت عددا من أبرز قوى المعارضة التونسية تلتقي على أرضية المطالبة باستقالة حكومة علي العريض وتعويضها بحكومة كفاءات مستقلة.
وقد برز حينها «الاتحاد من أجل تونس»، وهو عبارة عن جبهة سياسية تتكون من خمسة أحزاب من عائلات سياسية مختلفة، هي «حزب نداء تونس» وثلاثة أحزاب ذات توجهات يسارية هي «حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي»، و«حزب العمل الوطني الديمقراطي» و«الحزب الاشتراكي اليساري»، و«الحزب الجمهوري» (وسطي) الذي انسحب قبل أيام من هذا الاتحاد بسبب خلافات داخلية.
وقد كون «الاتحاد من أجل تونس» مع الجبهة الشعبية (تجمع لأحزاب يسارية وقومية عربية)، وعدد من جمعيات المجتمع المدني، ما يسمى بـ«جبهة الإنقاذ» التي بادرت الصيف الماضي بتنظيم ما يعرف بـ«اعتصام الرحيل»، للمطالبة باستقالة حكومة علي العريض.
السؤال المطروح اليوم يتعلق بما إذا كان «الاتحاد من أجل تونس» سيتحول من جبهة سياسية إلى جبهة انتخابية.. ولئن لم تحسم هذه المسألة بعد بشكل نهائي ورسمي فإن الاحتمال الأقرب هو أن تقدم الأحزاب المكونة لهذا الاتحاد قوائم موحدة، وهو أكده محسن مرزوق القيادي في «حزب نداء تونس» بقوله في تصريح إعلامي إن «الاتحاد من أجل تونس هو فعلا جبهة انتخابية». وأكثر من ذلك فإن هناك من يدفع باتجاه توسيع هذه الجبهة الانتخابية لتكوين حلف أكبر بين «الاتحاد من أجل تونس» و«الجبهة الشعبية». لكن عديد المراقبين يرجحون أن تخوض «الجبهة الشعبية» غمار الانتخابات المقبلة بمفردها.

* عين على تحالفات الخصوم
في الجهة المقابلة ورغم تأكيد عدد من قيادات حركة النهضة التي فازت بانتخابات أكتوبر 2011، فإن الحديث عن التحالفات الانتخابية «يظل سابقا لأوانه» خاصة أنه «لم تقع بعد المصادقة على القانون الانتخابي، ولا تحديد موعد الانتخابات المقبلة»، كما صرح بذلك مؤخرا نور الدين العرباوي القيادي بالحركة للقناة التلفزيونية الرسمية الأولى. فإن هذه القيادات أكدت أيضا أن «مجلس الشورى لحركة النهضة بصدد النظر في هذا الموضوع»، وفق ما قاله عبد الكريم الهاروني وزير النقل السابق والقيادي بالحركة، خلال اجتماع شعبي للحركة انتظم الأحد الماضي بمدينة «دوز» من محافظة «قبلي» أقصى جنوب العاصمة التونسية. كما أن الحركة أوحت أكثر من مرة على لسان بعض قيادييها بأن «احتمال التحالف مع أحزاب وسطية يبقى واردا».
بعض المراقبين الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» يرون أنه أن «أحد هواجس حركة النهضة هو مراقبة ما يجري في الجبهة المقابلة بين خصومها السياسيين ومتابعة التحالفات التي قد تقام في مواجهتها». ويضيف هؤلاء أن استراتيجية «النهضة» قامت على «مد جسور التواصل مع كل الأحزاب التي لها إشعاع نسبي على الساحة السياسية وحضور إعلامي ولم تدخل في تحالفات معادية لها». تجدر الإشارة من جهة أخرى إلى أن الحركة عضو في «الائتلاف الوطني لإنجاح المسار الديمقراطي» الذي تم بعثه في سبتمبر (أيلول) الماضي، ويتكون من 12 حزبا جلها غير ممثل في المجلس الوطني، وقد يكون من بين هذه الأحزاب من ستتحالف معه الحركة في الانتخابات المقبلة، ليس من خلال تكوين قوائم مشتركة معها، بل مجرد دعم شخصيات في هذه الأحزاب خلال الانتخابات.
أما السؤال الأهم فيبقى حول موقف الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، وما إذا كانت ستدخل غمار الانتخابات أم أنها ستدعم قوائم النهضة خاصة أن أغلبها لم يكشف إلى حد الآن عن شكل مشاركته في الانتخابات المقبلة بصفة علنية، ولم يتحدث عن احتمال تحالفه مع حركة النهضة من عدمه رغم التقارب الفكري مع الحركة.
سؤال آخر يطرح نفسه بالنسبة لحركة النهضة، ويتعلق بكيفية تعاملها المستقبلي مع الأحزاب التي تحالفت معها بعد انتخابات أكتوبر 2011، وكونت معها الائتلاف الحاكم خاصة «حزب المؤتمر من أجل الجمهورية» الذي كان يتزعمه حينها المنصف المرزوقي الذي عاد إليه بموجب هذا التحالف منصب رئاسة الجمهورية. وكذلك «حزب التكتل من أجل العمل والحريات» الذي يتزعمه مصطفى بن جعفر الذي يترأس المجلس الوطني التأسيسي بفضل هذا التحالف أيضا، في حين عادت بموجب هذا التحالف رئاسة الحكومة التي تحتكر أهم الصلاحيات في السلطة التنفيذية لحركة النهضة قبل استقالة حكومة علي العريض وتعويضها بحكومة مهدي جمعة المستقلة.
في هذا الصدد يمكن القول إنه وإلى حد الآن لا تزال العلاقة بين حركة النهضة وهذين الحزبين جيدة ومتماسكة. كما أن التشاور بينهم تواصل في العديد من المسائل التي طرحت على الساحة السياسية، ولم يقم كل من حزب المؤتمر وحزب التكتل من أجل العمل والحريات حتى الآن بأي خطوة للتقارب مع «خصوم النهضة»، وهو ما يعتبره العديد من الملاحظين «مؤشرا على أن يساعد هذه الأحزاب على الالتقاء من جديد قبل الانتخابات المقبلة أو بعدها».
وتجدر الإشارة إلى أن حركة النهضة غالبا ما قدمت تجربة تحالفها مع أحزاب علمانية (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب العمل من أجل الحوار والحريات) بعد انتخابات أكتوبر 2011 لحكم تونس على أنها تجربة فريدة من نوعها، وأنها مستعدة لإعادة التجربة سواء مع هذين الحزبين أو أحدهما أو مع أحزاب أخرى. لكن العديد من الملاحظين يرون أن هذا الأمر سيتحدد على ضوء النتائج التي سيحققها هذان الحزبان أو الأحزاب الأخرى التي لا «تعادي» النهضة.

* لا مفر من التحالفات قبل الانتخابات
هناك إجماع اليوم وسط الطبقة السياسية في تونس على أنه لا يوجد حزب سياسي يمكنه أن يحكم البلاد مستقبلا بمفرده. وقد أكدت هذا الانطباع مختلف عمليات سبر الآراء حول نوايا التصويت في الانتخابات المقبلة، والتي تبين أنه ليس هناك حزب في تونس يمكنه أن يحصل على الأغلبية بمفرده، وأنه لا مفر للأحزاب الكبرى من التحالف مع قوى أخرى سواء قبل الانتخابات أو بعدها لتكوين ائتلاف يحكم البلاد. كما تبين هذه الاستطلاعات أن بعض الأحزاب ورغم إشعاعها الإعلامي ووجود زعامات معروفة على رأسها لن تحقق نتائج جيدة في الانتخابات المقبلة بسبب تشتت الأصوات، وأن مهمة هذه الأحزاب قد تزداد صعوبة بسبب حالة الاستقطاب الثنائي بين كل من حركة النهضة وحزب نداء تونس والأحزاب القريبة منهما، وهو ما فرض على عدد من هذه الأحزاب التفكير في إقامة تحالفات سياسية وحتى انتخابية والحديث عن خيار ثالث.
وتجرى اليوم مشاورات بين عدد من هذه الأحزاب التي تصنف عادة على أنها وسطية للنظر في إمكانية تشكيل قطب ثالث لكسر حالة الاستقطاب الثنائي. ويتعلق الأمر بالخصوص بحزب التحالف الديمقراطي الذي يتزعمه محمد الحامدي، والحزب الجمهوري بقيادة كل من مية الجريبي وأحمد نجيب الشابي، والتيار الديمقراطي بقيادة محمد عبو، وحزب آفاق بقيادة ياسين إبراهيم وزير النقل في حكومة الباجي قائد السبسي، وعدد من الحركات السياسية الأخرى الأقل إشعاعا.
كما تحاول مجموعة من الأحزاب التي تصنف نفسها على أنها أحزاب من العائلة دستورية أو البورقيبية نسبة للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي أسس الحزب الاشتراكي الدستوري للالتقاء في جبهة انتخابية موحدة. وتترأس بعض هذه الأحزاب شخصيات عملت مع بورقيبة وزين العابدين بن علي، مثل حامد القروي الوزير الأول الأسبق لـ«بن علي»، ونائب رئيس التجمع الدستوري الديمقراطي الذي وقع حله بعد يناير (كانون الثاني) 2011، والذي شغل أيضا مناصب وزارية مع بورقيبة. وكذلك كمال مرجان آخر وزير خارجية لتونس في عهد بن علي والذي يترأس «حزب المبادرة»، ومحمد جغام زعيم «حزب الوطن» والذي شغل عدة مناصب وزارية في عهد بن علي، فضلا عن بروز عدد من الحركات والأحزاب الدستورية الأخرى الأقل حجما والتي تضم بدورها شخصيات معروفة تحملت مسؤوليات سواء حكومية أو حزبية في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي أو بورقيبة. علما وأن «حزب نداء تونس» الذي يقوده الباجي قائد السبسي يقوم بدوره بمحاولة استمالة عدد من هذه الأحزاب البورقيبية أو الدستورية إما للانصهار في الحزب أو الالتحاق بتحالف «الاتحاد من أجل تونس». وتشهد الساحة السياسية التونسية هذه الأيام صراعا خفيا بين الباجي قائد السبسي وحامد القروي، عكسته التصريحات الإعلامية للرجلين أو للمقربين منهما والتي جاء بعضها في شكل تشكيك في «بورقيبية» أو «دستورية» هذا الطرف أو ذاك، وحتى في شكل اتهامات، حيث رأت قيادات من حزب نداء تونس في تحركات حامد القروي لتكوين جبهة من الأحزاب الدستورية أنها «موجهة بالأساس ضد حزب نداء تونس» ولـ«خدمة أجندات أحزاب أخرى» فهم العديد أن المقصود منها هي حركة النهضة.
وعموما يمكن القول إن الانتخابات المقبلة ستشهد تنافسا قويا بين قطبين رئيسين هما حركة النهضة وحزب نداء تونس، سواء خاض هذه الانتخابات بمفرده أو في إطار تحالف الاتحاد من أجل تونس، وثلاثة أقطاب أخرى من الصف الثاني إذا صح التعبير تمثلها الجبهة الشعبية والأحزاب الدستورية ذات المرجعية البورقيبية، وقطب ثالث يتكون من الأحزاب التي تسمى بالوسطية.
كما تجدر الملاحظة إلى أن هذه الحركية في مستوى الأحزاب السياسية للبحث عن تحالفات وتكوين جبهات تجري بالتزامن مع نظر لجنة التشريعات في المجلس الوطني التأسيسي في مشروع القانون الانتخابي الجديد الذي سيجري الاقتراع المقبل على أساسه، علما بأن هناك توجها لمعالجة ظاهرة تشتت الأصوات التي عرفتها الانتخابات السابقة، وسيكون ذلك خاصة على حساب ترشح المستقلين والأحزاب الصغرى، وهو ما سيدفع بالكثير منها إلى الدخول في تحالفات.
ويجري كذلك حديث كثير عن الفوارق المادية بين مختلف الأحزاب في الساحة السياسية التونسية وكذلك موضوع تمويل الأحزاب خلال الحملات الانتخابية، إذ يعتبر العديد من الملاحظين أن الإمكانيات المادية للأحزاب ستكون من بين العوامل الحاسمة في الانتخابات المقبلة، ويطرحون بالمناسبة وجوب الاعتماد على آليات قانونية واضحة لمراقبة مصادر تمويل الأحزاب والأموال التي ستنفقها في الحملات الانتخابية وتلك قضية أخرى مهمة في ملف الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في تونس.

* عدد قياسي من الأحزاب السياسية نخرت بعضها الانقسامات
* تونس: «الشرق الأوسط»
* يبلغ عدد الأحزاب السياسية اليوم في تونس أكثر من 150 حزبا. ولم يكن عدد الأحزاب القانونية قبل 14 يناير (كانون الثاني) 2011 تاريخ سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي يتجاوز العشرة أحزاب.
ويبلغ عدد الأحزاب الممثلة في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي) الذي وقع انتخاب أعضاءه في انتخابات 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، 26 حزبا، كثير منها ممثل في هذا المجلس بنائب واحد أو اثنين. ولا يتجاوز عدد الأحزاب الحاضرة بنشاطها المستمر على الساحة السياسية التونسية - ولو بشكل متفاوت - أكثر من عشرين حزبا أهمها حزب حركة النهضة (إسلامي)، الذي يتزعمه راشد الغنوشي والذي فاز بالمرتبة الأولى في انتخابات أكتوبر 2011 بحصوله على 89 مقعدا في المجلس التأسيسي من جملة 217 مقعدا وحزب نداء تونس الذي أسسه الباجي قائد السبسي بعد انتخابات أكتوبر 2011، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات برئاسة مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يرأسه محمد المنصف المرزوقي قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، والحزب الجمهوري الذي تقوده مية الجريبي بصحبة أحمد نجيب الشابي، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي (الحزب الشيوعي التونسي سابقا) ويقوده أحمد إبراهيم، وعدد من الأحزاب اليسارية والقومية التي كونت ما يعرف اليوم بالجبهة الشعبية وعلى رأسها حزب العمال الذي يترأسه حمة الهمامي فضلا عن عدد من الأحزاب الأخرى ذات المرجعية الإسلامية.
وتجدر الإشارة إلى أن عددا من الأحزاب التي حققت نتائج جيدة في انتخابات أكتوبر 2011 شهدت بعد ذلك انقسامات كثيرة. ويأتي على رأس هذه الأحزاب حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، حيث خرج من هذا الحزب القيادي عبد الرؤوف العيادي الذي أسس «حركة وفاء» وكذلك محمد عبو الذي كون حزب «التيار الديمقراطي». وكذلك الحزب الديمقراطي التقدمي، والذي أصبح يسمى اليوم بالحزب الجمهوري بعد أن غادره محمد الحامدي ليؤسس التحالف الديمقراطي، وكذلك مغادرة كثير من الأسماء المعروفة لحزب التكتل من أجل العمل والحريات والالتحاق بأحزاب أخرى وخصوصا بحزب نداء تونس، هذا فضلا عن تشتت كثير من الكتل النيابية الأخرى وخصوصا منها العريضة الشعبية التي يتزعمها الهاشمي الحامدي، القيادي السابق في حركة الاتجاه الإسلامي والتي أصبحت تسمى بـ«تيار المحبة».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.