فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

مسيرة الفنان اللبناني الشهير صاحب الصوت العذب.. انقلبت خلال سنتين رأسا على عقب

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»
TT

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

فضل شاكر.. من «أمير الرومانسية» إلى «مطلوب للإعدام»

من «أمير الرومانسية» إلى «مطرب متطرف مطلوب للإعدام».. هكذا يمكن اختصار مسيرة الفنان اللبناني صاحب الصوت الراقي والعذب فضل شاكر.
هذا التحول الجذري في حياته جعله يترك بصمة صادمة لدى جمهوره ومحبيه في لبنان والعالم العربي، فهو الذي يجمع عارفوه على أنه كان بعيدا كل البعد عن العنف والتعصب الديني، تحول خلال سنتين إلى متطرف لا يفارق الشيخ السلفي أحمد الأسير الداعي إلى «نصرة أهل السنة»، رافعا لواء الدفاع عن الثورة السورية.
شيئا فشيئا، بدأت مواقف شاكر تتصاعد مذهبيا وسياسيا على طريق الأسير، لتصل إلى التصويب المباشر على حزب الله اللبناني وأمينه العام حسن نصر الله الذي يدعم النظام السوري. أما الصدمة الكبرى فكانت في يونيو (حزيران) الماضي، إثر المعارك التي شهدتها صيدا (في جنوب لبنان) بين عناصر الأسير والجيش اللبناني، والتي انتهت بفرار كل من الأسير وشاكر إلى جهة مجهولة، وتحولهما إلى مطلوبين للعدالة، إلى أن أصدر الأسبوع الماضي، قاضي التحقيق العسكري الأول رياض أبو غيدا، قراره الاتهامي بملف حوادث عبرا طالبا الإعدام لهما ولـ55 آخرين. وفي رد منه على هذا القرار، علق شاكر، المتواري عن الأنظار، عبر موقع «تويتر» قائلا: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. هذا افتراء وظلم ما بعده ظلم، لم أقاتل ولم أقتل أحدا يوما ما». وفيما ترجح بعض المعلومات هروب كل من الأسير وشاكر إلى مخيم عين الحلوة الفلسطيني في صيدا، بات مؤكدا مقتل شقيق شاكر، عبد الرحمن، الذي كان يشغل منصب المسؤول العسكري لدى الأسير، الذي كان له الدور الأبرز في التبدل الذي طرأ على حياة أخيه.
ومنذ أحداث صيدا، لا يزال ظهور شاكر مقتصرا على مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما «تويتر». وقد أطلق في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أنشودة بمناسبة «عيد الميلاد»، وأصدر بعدها بيانا، معلنا فيه عدم صلته بالحسابات التي تحمل اسمه، باستثناء واحد، لا سيما أن المزيفة منها تظهره في صورة المحرض على القتل والتفجيرات ومحاربة الجيش اللبناني. وقال شاكر إن إطلاقه الأنشودة جاء لتوضيح ما يحمله الدين الإسلامي من احترام للدين المسيحي. وختم بيانه: «أنا لست إرهابيا أو تكفيريا.. أنا لبناني مسلم، وحقي أن أعيش فيه بكرامتي، رافضا الظلم من أحد أو على أحد».
هذا التحول الذي طرأ على حياة شاكر، والذي وإن لاقى ردود فعل سلبية من عدد كبير من عارفيه وأصدقائه في الوسط الفني والشعبي في لبنان والدول العربية، لا يزال يشكل صدمة بالنسبة لبعض من عمل معه.. «منذ بدايته الفنية عرف شاكر برقته وكرمه ومحبته لأصدقائه من مختلف الطوائف. لم تكن يظهر عليه أي إشارات أو سلوك يعكس تعصبه أو تطرفه»، بهذه الكلمات يصفه ناصر الأسعد، قائد أوركسترا شاكر السابق، الذي رافقه منذ عام 1995 حتى عام 2010. فيما يعد الموزع الموسيقي بلال الزين صورة شاكر التي أظهرته مجرما أنها لا تمت إلى حقيقة هذا الفنان بصلة، مؤكدا «لا يمكنه أن يقتل صرصورا».
ويقول الأسعد لـ«الشرق الأوسط»: «فضل من أكرم وأطيب الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي، لكنني أعتقد أنه ضحية الوضع السياسي والطائفي المتردي في لبنان. كان محبا وصادقا وصدوقا مع كل من حوله. معظم أصدقائه المقربين منه كانوا مسيحيين، ومدير أعماله كان كذلك. رغم أنه إنسان مؤمن، فإنه لم يكن يتعامل بطائفية أو تعصب مع أحد»، مضيفا: «التحول الأكبر في حياة شاكر بدأ يظهر في عام 2010، حين أعلن في برنامج (تاراتاتا) أنه سيعتزل الفن عندما ينتهي تعاقده مع شركة (روتانا)». ولا يخفي الأسعد انزعاجه وتأثره من هذا التحول في حياة صديقه وكذلك اعتزاله، وهو ما سبق له أن عبر له عنه مرارا خلال اللقاءات التي كانت تجمعهما، لافتا إلى أنه بقي على تواصل دائم مع شاكر، وكان آخر اتصال بينهما قبل ثلاثة أيام من أحداث صيدا، لكن شاكر كان يبدو مقتنعا وواثقا بما يقوم به رافضا كل ما هو عكس ذلك.
ويعزو سبب التطرف الذي وصل إليه شاكر في الفترة الأخيرة، إلى تأثير وضغوط نفسية ومعنوية ومذهبية تعرض لها من الذين حوله. وبتأثر وحزن يعبر الأسعد عن صدمته من رؤية صديقه في مشاهد لا تعكس حقيقة هذا الإنسان، وفق تعبيره، لا سيما تلك التي ظهر فيها حاملا السلاح، واصفا الفيديو الذي ظهر فيه يعلن عن مقتل اثنين من حزب الله، بـ«الخطأ الكبير».
بلال الزين، الموزع الموسيقي الذي تعاون مع شاكر في أعمال كثيرة حققت نجاحات مميزة، يقول: «ما وصل إليه شاكر هو نتيجة لما يحصل في لبنان، ومن الظلم تصويره مجرما بهذه الطريقة. لا يمكن الحكم على ما حصل انطلاقا من وجهة نظر شخصية، بل الأمر يتطلب تحقيقا شفافا لإظهار الحقيقة». واستنكر الزين الأصوات التي علت متهمة شاكر بـ«المجرم»، كما أبدى استغرابه من الصورة التي ظهر فيها شاكر وكأنه يفاخر بقتل شخصين، واصفا إياه بـ«الحساس والهادئ، وهو ليس عنيفا، ولا يمكن أن يكون كذلك». ويعرب عن اعتقاده أن «أمورا كثيرة أدت إلى استفزاز شاكر وإلى هذا التحول في تفكيره وحياته، لكن ما يمكنني قوله هو أن شهرته وامتلاكه المال انعكس عليه سلبا، ووقع في حفرة حفرت له».
وعلى الرغم من أن شاكر لم يكن عضوا في نقابة الموسيقيين أو الفنانين، فإن نقيبة الفنانين المحترفين في لبنان سميرة بارودي رأت أن «الفنان كأي شخص آخر حر في تصرفاته وخياراته السياسية والدينية. كما تعتزل بعض الفنانات وترتدي الحجاب، قرر شاكر الاعتزال، لكن ما نرفضه هو حمل السلاح»، مضيفة: «بصفتنا مواطنين لبنانيين نحن ضد أي شخص يحمل السلاح في لبنان، وهذا الأمر لا يمكن تبريره. فحماية الناس هي مسؤولية الدولة والجيش، وعلينا تركهما يقومان بمهمتهما كما يجب».
ويبدو واضحا أن نشأة شاكر (45 عاما) وتربيته في مخيم عين الحلوة في صيدا ساهمت إلى حد كبير في هذا التبدل، فهو الذي ولد من أم فلسطينية وترعرع بين أحياء المخيم مغنيا على أسطح مبانيه وفي أعراسه الشعبية، عاد وبعدما اعتلى أهم المسارح العربية والعالمية إلى بيئته الأولى، متخليا عن نجوميته وممتلكاته، وأهمها مطعم «ألحان» الذي كان يملكه في صيدا، ومنزله الفخم، ليسكن في إحدى الشقق فيما عرف بـ«المربع الأمني» التابع للأسير. وقبل «اختفائه» بفترة قصيرة، كان قد بدأ بحملة لمساعدة المدمنين على المخدرات في منطقته وتقديم الدعم المادي لهم ومعالجتهم في مراكز متخصصة.
حتى زواجه لم يكن عاديا، فهو الفنان الرومانسي.. اختار أن يطلب يد الفتاة التي كانت حاضرة في إحدى حفلاته بأن تطلب أغنية لجورج وسوف كموافقة منها على الزواج به، وكان له ذلك في عام 1989، وهو في سن العشرين.
حياته وتربيته الفقيرة التي سبق لشاكر أن تكلم عنها، شكلت في ما بعد مادة دسمة لمعارضي مواقفه السياسية، لا سيما المتطرفة منها، مما جعل بعض الأصوات ترتفع لإدانته، بحجة أنه فلسطيني ولا يحق له التدخل في السياسة اللبنانية، وهو ما نفاه مرات عدة، مؤكدا أنه لبناني ولكن له الشرف أن يكون فلسطينيا، وهو الأمر الذي جعل الرئيس الفلسطيني محمود عباس يمنحه جنسية فخرية، لتعود بعدها وتظهر مطالبات بسحبها منه.
ظهور شاكر للمرة الأولى بصورته الجديدة «ملتحيا سلفيا» كانت في شتاء عام 2012، وهو ما فاجأ الجميع، واستدعى ردود فعل متناقضة تبعتها شائعات كثيرة تفيد باعتزال شاكر، ليعود بعدها وينفيها، مؤكدا أن لديه رسالة عليه تأديتها، وبأنه سيغني للحصول على المال ودعم الثورة السورية. ولم يتردد في الدفاع عن السلفيين بالقول: «أؤيد السلفيين وأنا معهم، هم مسلمون ليسوا متشددين، بل تابعون للسلف الصالح وللنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)»، مضيفا: «كنت قد أعلنت أنني سأعتزل الفن لأنه محرم، لكن أؤمن بأنني أحمل رسالة لا بد من إيصالها قبل الاعتزال، وسأدعم الثورة السورية والنازحين السوريين وكل شخص مضطهد».
ومنذ ذلك الحين، توالت إطلالات شاكر، ومنها تلك التي أكد فيها اعتزاله، عبر حسابه الشخصي على موقع «تويتر»، قائلا: «انتصارا لنبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، واعتذارا منا لتقصيرنا بحقه، أعلن اعتزالي من دون تردد أو رجوع، وذلك قربةً إلى الله عز وجل».
وفي نهاية يناير (كانون الثاني) 2013 أطل شاكر على قناة «روتانا خليجية»، عبر برنامج «لقاء الجمعة» متحدثا بشكل صريح ومباشر عن اعتزاله الفن، ومواقفه السياسية والدينية، مشيرا إلى أنه سيوظف صوته الجميل في الأناشيد الدينية، وشاركه في الحلقة الشيخ الأسير الذي قال إن فضل كان ولا يزال الداعم الأساسي والمباشر له ولأنصاره.
وفي الإطلالة نفسها لم يسلم الوسط الفني من انتقادات شاكر واصفا إياه بـ«الوسخ» وبأن قلوب الفنانين سوداء وأن الغيرة تسيطر على العلاقات فيما بينهم. وذكر أنه وصل إلى مرحلة صار يعد نفسه فيها شريكا في الدعوة إلى الإثم لإيقاع الناس بالمعصية، كونه كان يدعو في أغانيه إلى الحب والغرام. وأقسم بأن رصيده من أموال الفن بلغ 400 أو 500 ألف دولار، صرفت بشكل كامل، مشيرا إلى أن «أموال الفن تخلو من البركة»، وأكد أنه باع جميع العقارات التي كان يملكها من مدخول الفن باستثناء عقار واحد. وفي إطلالة ثانية على «قناة الرحمة»، في مارس (آذار) 2012، أعلن أن قرار الاعتزال كان نتيجة تردده على مسجد بلال بن رباح، والاستماع الجيد للشيخ الأسير، كاشفا عن تعرضه لعمليات تهديد من قبل النظام السوري ومن الموالين له في لبنان.
علاقة «شاكر - الأسير» تعمقت أكثر فأكثر مع التحركات السياسية و«الترفيهية» التي قام بها الأخير، حاملا لواء «الانفتاح على الآخر» ومواجهة سلاح حزب الله ودعم المعارضة السورية في الوقت عينه، قبل أن تصيبهما سهام الشائعات التي تمحورت حول خلافات مالية و«نسائية»، لافتة إلى خلاف بين الطرفين، وعزز هذه الفرضية مشاركة شاكر في مهرجان نظمته الجماعة الإسلامية في صيدا، الأمر الذي نفاه شاكر لاحقا، وأكده المسؤول السياسي لدى الجماعة الإسلامية في صيدا بسام حمود لـ«الشرق الأوسط»، قائلا: «علاقتنا بشاكر لم تتعد مشاركته في مهرجان صيدا حيث كان أحد المنشدين فيه». وفي حين أكد حمود ألا معلومات لديه عن مصير شاكر والأسير، لفت إلى أنه التقى شاكر مرة واحدة، وكان واضحا من سلوك الأخير أنه لا يملك الثقافة السياسية ويتكلم بعفوية بعيدا عن أي عمق أو خلفية سياسية، مضيفا: «وقدمت حينها نصيحة له بعدم التهور واعتماد أسلوب الإهانات الذي قد يؤدي به إلى الملاحقة القانونية، مهما كان الخلاف السياسي كبيرا مع أي طرف كان، وأبدى حينها تجاوبا، إلى أن فوجئنا بما حصل في عبرا».
وكان شاكر يتباهى بعلاقته مع الأسير من خلال نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، عددا من الصور التي تجمعهما في مناسبات عدة، وهي تعكس مدى العلاقة التي كانت تربط هذا الثنائي. وكما في الاعتصامات واللقاءات السياسية في عدد من المناطق اللبنانية، كانت هذه الصور تظهر الاثنين وهما يلعبان «بينغ بونغ»، كما في رحلة التزلج إلى «فاريا» التي حملت بدورها علامات استفهام وأدت إلى مواجهات بين الأسير وأنصاره من جهة والقوى الأمنية وبعض أهالي المنطقة الذين وصفوا الزيارة بـ«الاستفزازية»، إضافة إلى ذهابهما إلى طرابلس في شمال لبنان، في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2012، لاستقبال جثامين اللبنانيين الذين سقطوا فيما عرف بـ«كمين تلكلخ» في سوريا.
ومن ضمن المواقف المؤيدة للثورة التي وصلت إلى أقصاها خلال الأشهر الأولى من عام 2013، كان مقطع الفيديو الذي ظهر فيه معلنا «عن تشكيل كتائب مقاومة حرة لنصرة أهل سوريا وتجهيز الشباب المسلم الذي يريد الدفاع عن أعراض المسلمات في سوريا»، مطالبا «الراغبين في تقديم الدعم المعنوي والمادي للجهاد في سوريا بالتواصل معه على بريده الإلكتروني».
لكن وفي شهر مايو (أيار) الماضي، خرق مطرب الرومانسية قرار اعتزاله بمشاركته في مهرجان « موازين» المغربي، معتليا المسرح ومغنيا العديد من أغنياته، من دون أن يتخلى عن «قضيته» في دعم المعارضة السورية، فإذا به يطلب فجأة من جمهوره أن يردد بعده «آمين» على بعض الأدعية التي أطلقها ضد بشار الأسد، مكررا مرات عدة «منك لله يا بشار» و«الله يدمر الأسد».
ومما لا شك فيه أنه كان لهذه المواقف الهجومية نتائجها السلبية على شاكر الذي لم يكن يتنقل في الفترة الأخيرة من دون مرافقين، وبدا ذلك واضحا من خلال الاعتداء الذي تعرض له منزله في صيدا، إثر معارك عبرا الأولى التي وقعت في 18 يونيو (حزيران) الماضي، بين حزب الله وأنصار الأسير، واتهم شاكر حزب الله وحركة أمل بتدبير هذا الاعتداء، وتوعد بالانتقام إذا لم يجر رد المقتنيات التي قال إنها تقدر بمليون دولار أميركي.
ورغم أنه كان قد عرض هذه الفيللا للبيع ليدعم بثمنها المعارضة السورية، فإنها لم تصمد طويلا، وأخذت نصيبها من الإحراق يوم اشتباكات عبرا في 23 يونيو الماضي، بعدما كانت قد صدرت بحقه في 8 يونيو الماضي، مذكرة توقيف بتهمة محاولته مع شقيقه قتل رجل الدين السني الموالي لحزب الله ماهر حمود، في مدينة صيدا.
أما ردود فعل جمهور شاكر لبنانيا وعربيا، فكان تناقضها واضحا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.. ففي حين لقي دعم جزء منهم، واصفين إياه بـ«البطل»، كان الجزء الأكبر له بالمرصاد، واصفين إياه بـ«الإرهابي»، بينما ردد بعضهم عبارة: «من التأثير إلى الأسير ونهايته الأسر».
لكن، ومهما كانت ردود الفعل حول تحول هذا الفنان الرومانسي إلى مقاتل، فإن مسيرته الفنية و«الاعتزالية» ستبقى، على خلاف غيره، راسخة في أذهان جمهوره؛ كل حسب وجهة نظره. فهو نجح على امتداد نحو 20 عاما، أن يرسم هوية خاصة به لم يستطع أحد منافسته عليها، وعندما قرر أن يتوقف عن الغناء لم يكن أيضا اعتزاله عاديا.. هو القائل: «فني لم يعد يشرفني»، وطالب جمهوره بعدم سماع أغنياته لأنه يشعر أنه يشارك في الإثم، ولا تكاد صورته ممسكا بيد الفنانة يارا في «فيديو كليب» أغنية «خذني معك»، تغيب عن ذاكرة محبي أغنياته الرومانسية وهم يشاهدون مطربهم في صورته الجديدة.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.