جيل كيبل.. نضج الباحث الفرنسي في تحليل ظاهرة التطرف

سيطر أخيرًا على الساحة الثقافية والإعلامية بعد ضربة باريس الإجرامية الكبرى

جيل كيبل  -  غلاف الكتاب
جيل كيبل - غلاف الكتاب
TT

جيل كيبل.. نضج الباحث الفرنسي في تحليل ظاهرة التطرف

جيل كيبل  -  غلاف الكتاب
جيل كيبل - غلاف الكتاب

هذا وقت جيل كيبل. لا أبالغ إذا قلت إننا نعيش في عصر جيل كيبل. لقد أثبت أنه أكبر وأنضج باحث فرنسي في ما يخص تحليل الظاهرة الأصولية المتطرفة. ولهذا السبب سيطر مؤخرا على الساحة الثقافية والإعلامية بعد ضربة باريس الإجرامية الكبرى. لقد لجأوا إليه في وقت الشدة والضيق بعد أن أدركوا أنه وحده القادر على مواجهة الوضع بسبب تخصصه المزمن والمتواصل في الحركات الدينية ليس فقط داخل فرنسا وإنما خارجها أيضا. فكتابه الأول كان عن مصر والجماعات الإخوانية والإسلاموية: «النبي والفرعون». وبه اشتهر. ثم تلته كتب متلاحقة لا تقل أهمية إن لم تزد: كـ«الجهاد»، و«ضواحي الإسلام: ولادة دين جديد في فرنسا»، و«الفتنة الكبرى: حرب في قلب الإسلام»، و«القاعدة في نصوصها»، إلخ.
نقول ذلك وبخاصة أن تحليلات الآخرين أثبتت قصر نظرها أو حتى فشلها الذريع في تفسير ما حصل لفرنسا عشية ذلك اليوم المشؤوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. فبعضهم ممن يدعون بالفلاسفة الكبار كميشال أونفري مثلا قدموا تفسيرا غوغائيا، خنفشاريا، يتجاوز كل عقل أو منطق. بل ويخلع المشروعية على الإرهاب الداعشي محولا الضحية إلى جلاد والجلاد إلى ضحية. ليس غريبا إذن أن يكون هذا الشخص قد توارى عن الأنظار بعد تلك السقطة المريعة. وهنا يظهر الفرق واضحا جليا بين الباحث المختص بالموضوع، والباحث الطارئ المتطفل عليه دون أي معرفة دقيقة أو معمقة حتى ولو كان مفكرا كبيرا. نصيحة أخوية: أيها المثقفون لا تتدخلوا في كل شاردة وواردة، أقصد لا تدلوا بآرائكم إلا في المسائل التي تدخل ضمن دائرة اهتماماتكم واختصاصاتكم وإلا فسوف تنفضحون و«تتشرشحون» كما حصل لميشال أونفري، الذي حتى «داعش» استشهد بأفكاره إعجابا بها. فهل هناك «شرف» أكبر من هذا الشرف؟
أعترف بأنني كنت من قراء ميشال أونفري، بل والمعجبين به وبخاصة سلسلة كتبه المتلاحقة عن «تاريخ مضاد للفلسفة». فهو كاتب ذو أسلوب حقيقي مشوق وليس فيلسوفا وعرا جافا على طريقة هابرماس مثلا. إنني أصاب بعسر هضم وأحيانا بقرحة في المعدة عندما أقرأ هابرماس وجمله الطويلة المعقدة التي تتجاوز أحيانا الثلاثة أسطر.. لكنه من حيث المضمون العقلاني ورجاحة التفكير يعتبر بمثابة كانط أو هيغل العصر الراهن. على أي حال فإن جيل كيبل لم يكتف بالإكثار من إعطاء المقابلات على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد وموجات الراديو (لم نر غيره في الأسابيع الأخيرة)، وإنما أصدر كتابا ضخما بعنوان «شبح الرعب يخيم على فرنسا» (منشورات «غاليمار».. أكثر من 350 صفحة). وهو عنوان يذكرني بفيلم سينمائي طالما رأيته في السابق بكل استمتاع وارتجاف ورعب بعنوان «خوف يخيم على المدينة». وفيه يأخذ ذلك الممثل الرائع جان بول بلموندو كل أبعاده.
هناك خوف يخيم على فرنسا دون أدنى شك. فضواحي الإسلام تزأر ولن تكف عن الزئير قبل أن تحصل إصلاحات حقيقية وتنتهي الموجة الأصولية أو يتلاشى هيجانها. بمعنى آخر فهناك أسباب داخلية وأسباب خارجية لموجة التطرف. وميزة جيل كيبل هي أنه لا يهمل إطلاقا الأسباب الداخلية لانفجار العنف الأصولي داخل فرنسا وضدها. وموقفه هذا يستحق التنويه والتقدير لأنه يتناقض كليا مع التفسيرات اليمينية الطائفية والعنصرية لظاهرة التطرف. ولا غرابة في ذلك، فالرجل ذو منطلقات تنويرية، سوسيولوجية، يسارية، منذ بداية حياته العلمية والنضالية. صحيح أنه ابتعد عن مواقع اليسار المراهق أو المتطرف، لكنه ظل مفكرا عقلانيا تنويريا يأخذ مسألة العدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني بعين الاعتبار. لهذا السبب يكرهه اليمين المتطرف الفرنسي كما تكرهه بالطبع كل الحركات الإخوانية والأصولية في العالم العربي والإسلامي ككل. وفي كلتا الحالتين فهذا شرف له.
ما الذي يقوله لنا جيل كيبل؟ ليس هدفي هنا استعراض كتابه الضخم، {العنف في قلب فرنسا} فهذا يتطلب مقالات عديدة ومطولة لا مقالة واحدة. وإنما فقط التركيز على بعض أطروحاته الأساسية. يقول لنا إن هدف المتطرفين الداعشيين هو إثارة حرب أهلية في فرنسا. أعترف بأن هذه الفكرة أدهشتني جدا في البداية، وأكاد أقول صدمتني. هل يعقل أن تكون فرنسا ذلك البلد القوي الراسخ بنيانا ومؤسساتيا مهددة من قبل حرب أهلية؟ ماذا سنقول إذن عن بلداننا العربية والإسلامية الهشة إلى أقصى الحدود؟ كنا نعتقد أن فرنسا تجاوزت الحرب الأهلية المريعة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين. وقد أدمتها ودمرتها طيلة القرنين السادس عشر والسابع عشر. وقد تجاوزتها فعلا. لكنها مهددة الآن من قبل حرب أهلية جديدة بين المجتمع ككل من جهة، وفئة المتطرفين من جهة أخرى.
ينبغي العلم بأن ضواحي الإسلام أصبحت في أحيان عديدة مناطق منغلقة على ذاتها وشبه مستقلة ولا تتجرأ حتى فرق البوليس ورجال الأمن على دخولها. من يصدق ذلك؟ وفي شهر رمضان لا تستطيع أن تفطر فيها إذا كان وجهك عربيا أو مغاربي السحنة. بمعنى تشعر وكأنك في مدن طالبان ولست في فرنسا على الإطلاق. من لم يعش في فرنسا مطولا لا يدرك معنى كلامي على حقيقته. لكن تذكروا: هناك ما لا يقل عن أربعة ملايين أو خمسة ملايين فرنسي مسلم وربما أكثر. وهذا عدد ضخم بل وأكبر من عدد سكان عدة دول في العالم. هذا لا يعني أنهم كلهم متطرفون!.. وإلا لكانت النتيجة كارثة. فأغلبيتهم مندمجة في المجتمع الفرنسي ولا تبغي إلا الخير لنفسها ولغيرها. وفيهم ناجحون كثيرون والحمد لله. فيهم نواب ووزراء وأطباء كبار وصيادلة وأساتذة جامعات وعلماء وعمال محترفون ومهندسون، إلخ. لكن فيهم أقلية كبيرة من الحركيين المسيسين الميالين إلى العنف. وبسبب البطالة والعطالة والفقر المدقع فقد تشكلت بيئة حاضنة من دون أدنى شك.
من هنا يأتي الخوف والرعب. وهنا تقع على كاهل السلطات الفرنسية مسؤولية كبيرة. فالإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية التي تأخرت كثيرا كانت ستؤدي إلى تجفيف منابع الإرهاب. لكنها ليست كافية على الرغم من أهميتها وضرورتها. فهناك سبب آخر لهذا التجييش غير المسبوق من المتطرفين والمتشددين هو: تهييج من يلقبوا بـ«مشايخ السلفية والإخوانجية» على الشبكة العنكبوتية. فالشاب المغترب ما عاد بحاجة إلى مدارس تكفيرية لكي يتهيج ويتعصب ولا حتى إلى مساجد وخطب جمعة حامية. يكفي أن يفتح جهازه على المواقع الداعشية وغير الداعشية على الإنترنت لكي يجد ضالته ويشبع شبعا من الراديكالية ويطير عقله. وقد أثبت المتطرفون كما يقول جيل كيبل فعالية هائلة في تجييش الشباب وتعبئتهم ضد «الكفار»: أي ضد المجتمع الفرنسي كله في نهاية المطاف. لقد نجحوا في هذه العملية أيما نجاح.
نقول ذلك وبخاصة أن الحداثة الفرنسية فقدت وهجها وألقها. لماذا؟ لأن الشاب المغترب إذا لم يجد عملا في نهاية تخرجه في المدرسة أو الجامعة فإنه سيكفر بها. وهذا ما حصل. ما معنى شهادة لا تؤدي إلى باب للرزق والحفاظ على الكرامة؟ ما معنى أن تتحول إلى «كلوشار» عاطل عن العمل متسكع في الشوارع من دون أفق ولا أمل؟ نقول ذلك وبخاصة أنك تعيش في بلد غني يضج بالثروات والإمكانيات والمباهج المادية الاستهلاكية؟ ما معنى أن تقف مكتوف اليدين أمام كل هذه النعمة وأنت محروم منها؟ هكذا نلاحظ أن الأسباب الداخلية والخارجية تتشابكان لكي تؤديا في نهاية المطاف إلى انفجار مشكلة التشدد والتطرف بشكل بركاني عنيف. وهذا هو عنوان كتابي الجديد الذي سيصدر قريبا عن دار «الساقي» في بيروت بعنوان «العرب والبراكين التراثية». فالفقر المدقع من جهة، والتجييش الديني التكفيري على الشبكة العنكبوتية من جهة أخرى، يشكلان ملغمة خطرة جدا تؤدي إلى أفدح الفظائع والأعمال. وإذا عرف السبب بطل العجب.
تضاف إلى كل ذلك فكرة ثانية أو ثالثة، وهي أن هيجان الإسلامويين المتشددين يؤدي إلى هيجان اليمين المتطرف، والعكس بالعكس. هكذا تجد فرنسا نفسها أمام استقطاب حاد بل وجهنمي خطير بين اليمين المتطرف من جهة، والشباب المتشدد الراديكالي من جهة أخرى. وعن هذا الاستقطاب العنيف قد تندلع الحرب الأهلية. لكن للحق والتاريخ فإن جيل كيبل لا يضع جمهور اليمين المتطرف ومجانين الدواعش على المستوى نفسه. وهو جمهور يصل إلى خمسة ملايين أو ستة ملايين من أصل ستين مليونا للشعب الفرنسي ككل. فاليميني الفرنسي لا يدعو إلى ذبح العرب والمسلمين لأنهم عرب أو مسلمون. ولو أنه فعل ذلك لجرت الدماء أنهارا في شوارع فرنسا بعد تلك الضربة الغادرة للقتلة المجرمين ليلة 13 نوفمبر. واليمين المتطرف الفرنسي لا يكفر الآخرين كما يفعل الدواعش، لكنه لا يحب العرب ولا الإسلام. هذه حقيقة.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».