مصادر أمنية: إيران تشجع أمازيغ ليبيا على الانفصال في دولة مستقلة غرب طرابلس

قالت إن طهران أنفقت ملايين الدولارات على إقامة مراكز شيعية في جبل نفوسة

مقاتلون يؤمنون مكان انعقاد أول مؤتمر أمازيغي في طرابلس في 26 سبتمبر 2011 (أ.ف.ب)
مقاتلون يؤمنون مكان انعقاد أول مؤتمر أمازيغي في طرابلس في 26 سبتمبر 2011 (أ.ف.ب)
TT

مصادر أمنية: إيران تشجع أمازيغ ليبيا على الانفصال في دولة مستقلة غرب طرابلس

مقاتلون يؤمنون مكان انعقاد أول مؤتمر أمازيغي في طرابلس في 26 سبتمبر 2011 (أ.ف.ب)
مقاتلون يؤمنون مكان انعقاد أول مؤتمر أمازيغي في طرابلس في 26 سبتمبر 2011 (أ.ف.ب)

دخل الشاب خالد عبد المجيد على والده ووالدته، وقال لهما وهو مسرور إنه تلقى دعوة من السفارة الإيرانية في العاصمة الليبية طرابلس لزيارة إيران. تشمل الرحلة، مع شبان ليبيين آخرين، تحمل الحكومة الإيرانية نفقات السفر بالطيران ذهابا وإيابا، والإقامة في فندق «لالا الدولي» الفخم في طهران.
هذه واحدة من محاولات النظام الإيراني الفاشلة لاستغلال الفوضى التي تضرب ليبيا. ولم يسافر عبد المجيد ولا أي من أصدقائه، وانتهت مساعي الإيرانيين لاستقطاب الشبان الليبيين، بهجوم على سفارتها ومنزل سفيرها في طرابلس قبل عامين. ويقول والد عبد المجيد، وهو مهندس من قبيلة المقارحة يسكن في فيلا على طريق المطار جنوب العاصمة: ليس لابني علاقة بالسياسة. كان الأمر مريبا ووقفت ضد سفره.
تعرض النشاط الإيراني لضربة في العاصمة الليبية منذ وقت مبكر في مرحلة ما بعد معمر القذافي، خاصة حين أطلق مفتي ليبيا صيحات تحذير في 2012 مما وصفه بمحاولة الإيرانيين التدخل في الشأن الليبي، من خلال محاولتها نشر التشيع في البلاد. ودعا الأسر الليبية وأبناءها للتصدي للألاعيب الإيرانية. لكن أصابع إيران ظهرت بشكل فج، بعد ذلك، في مناطق تقع في جبل نفوسة، غرب طرابلس، وفي أوساط مهربي الأسلحة والمتشددين في الجنوب وفي الشرق المتاخم للحدود المصرية.
وكشفت مصادر أمنية ليبية عن وجود معلومات بشأن علاقة بين مجموعات من الأمازيغ الليبيين وإيران، مشيرة إلى أن السلطات الليبية، وهي سلطات ما زالت ضعيفة، تجري تحقيقات حول مزاعم بشأن تحويل جهات إيرانية مبالغ مالية تصل إلى أكثر من خمسين مليون دولار لأمازيغ من المذهبين الشيعي والإباضي.
وتعتنق الغالبية العظمى من الليبيين المذهب السني، لكن توجد بعض المجموعات الصغيرة من الشيعة والإباضيين، في جبل نفوسة. ووفقا لتحقيقات تجريها المخابرات العسكرية في طرابلس، يعتقد أنه في حال فشل تشكيل حكومة توافق وطني تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن البلاد ستكون مرشحة للتقسيم إلى أربع دويلات وليس لثلاث. في السابق كانت الاحتمالات تقول إن ليبيا يمكن أن تتجزأ إلى ثلاث دويلات مبنية على الأقاليم القديمة، وهي إقليم برقة في الشرق وإقليم طرابلس في الغرب وإقليم فزان في الجنوب، بيد أن التحقيقات تشير إلى أن إيران ربما كانت تعمل مع دول أخرى، على تشجيع الأمازيغ على الانفصال في دولة رابعة مستقلة مستقبلا شمال غربي طرابلس.
وفي مقابلة سابقة أجرتها «الشرق الأوسط» مع أماني الوشاحي، مستشار رئيس منظمة الكونغرس العالمي الأمازيغي، عقب زيارتها لمنطقة جبل نفوسة، قالت: إن المذهب الإباضي أقرب إلى المذهب السني لا الشيعي، وأضافت أنها لم تلاحظ وجود أي علاقة بين إباضية ليبيا وإيران. لكن التحقيقات الليبية تقول إن الأموال الإيرانية في جبل نفوسة نتج عنها إقامة عشرات المراكز والمكتبات والجمعيات والمدارس التي تسعى لربط القادة المحليين في المناطق الأمازيغية بإيران.
ومع ذلك، ووفقا لشهادات من نشطاء ليبيين، فإن محاولات إيران للتواجد في العاصمة وفي بعض المناطق الشرقية والجنوبية من البلاد، لم تتوقف. ويقول حسين العبيدي، وهو عضو في «الجبهة الوطنية لمؤازرة الجيش الليبي»، إنه، وحتى مطلع العام الماضي، كان هناك مندوبون من إيران يصلون إلى طرابلس بغرض تشجيع الشبان الليبيين على زيارة مدن إيرانية منها طهران، ومشهد، وقم، لدراسة المذهب الشيعي في المدارس الدينية الإيرانية مجانا، حيث كانت سفارة إيران ما زالت تعمل رغم الظروف الأمنية الصعبة في ليبيا.
ويضيف العبيدي: باختصار تحاول إيران استقطاب الليبيين كما فعلت حين قامت باستقطاب الحوثيين في اليمن وشكلت منهم قوة قامت بتخريب الدولة اليمنية في نهاية المطاف. وبالتزامن مع هذه المزاعم، ردت مجموعات ليبية على أنشطة طهران المريبة حيث قامت تلك المجموعات بشن هجوم مباغت على مقر السفير الإيراني في طرابلس، حسين أكبري، في شهر فبراير (شباط) الماضي.
لكن العبيدي يوضح قائلا إن نشاط إيران الذي تراجع إلى حد ما في طرابلس انتقل إلى مناطق أخرى خاصة في جبل نفوسة. ومن جانبها تقول المصادر الأمنية إن اهتمام إيران بالأمازيغ الليبيين، يأتي ضمن «النشاط الإيراني المحموم في أفريقيا في السنوات الأخيرة». وأوضح أحد القيادات الأمنية الليبية، ويدعى المقدم سعيد، وكان يعمل في جهاز المخابرات في العهد السابق، إن الإيرانيين كانوا يحتفظون بعلاقات طيبة مع القذافي، ولم يبدأوا في ممارسة نشاط عملي على الأرض الليبية «إلا بعد الفوضى التي شهدتها البلاد أثناء الانتفاضة المسلحة في 2011».
ويشير إلى أن نشاط الإيرانيين في ليبيا بدأ أولا في المناطق الشرقية إلى أن أنهى ما كان يسعى إليه، ألا وهو شراء الأسلحة التي نهبها اللصوص من مخازن جيش القذافي، ثم نقلها عبر تجار ومهربين، إلى كل من مصر والسودان، ومن هناك كان يجري تهريبها شمالا إلى سيناء وقطاع غزة. وبحسب المقدم سعيد، فإن مندوبين عن إيران اتجهوا بعد ذلك للعمل في المناطق الهشة في ليبيا خاصة في منطقة غرب طرابلس التي توجد فيها أغلبية أمازيغية.
ولم يتسن الحصول على تعليق من مصادر إيرانية في حينه، لكن السيدة الوشاحي قالت: إنها لم تسمع من قبل عن تمويل إيراني لأتباع المذهب الإباضي في جبل نفوسة. وأضافت أن أتباع المذهب الإباضي مسالمون بطبيعتهم وأقرب إلى المذهب السني من المذهب الشيعي.
ورغم علاقة القربى في السابق بين القذافي وإيران فإن القذافي لم يتساهل مع قادة الإباضية ضمن توجهات عامة كانت سائدة في ذلك الوقت بحظر عمل الجماعات الدينية والمذهبية والحزبية والعرقية. ومع ذلك تقول مصادر ليبية في جبل نفوسة إنه توجد احتكاكات تقع بين وقت وآخر بين أصحاب المذهب الإباضي والشيعي من جانب، والجماعات السنية من الجانب الآخر، وإن سبب هذه المشاكل يرجع للصراع الآخذ في التنامي على بعض المساجد، خاصة بعد أن زاد التمويل الإيراني لقيادات محلية مناهضة للسنة في تلك المنطقة.
ويسود في الأوساط الدبلوماسية الليبية اعتقاد بانحياز إيران إلى جانب المحور الداعم للفوضى في الدولة الليبية، في مواجهة المحور المصري الإماراتي الذي يسعى لإيجاد صيغة تنهي حالة الفوضى في هذا البلد، من خلال حكومة توافقية تحافظ على وحدة ليبيا. ويقول مصدر دبلوماسي إن إيران تواصلت مع ميليشيات متطرفة في طرابلس، وسهلت نشاط رجال أعمال ليبيين يدعمون تلك الميليشيات، لكن تلويح الأمم المتحدة بمعاقبة كل من يساعد المتطرفين، وقيام إحدى الدول الخليجية بتوقيف رجال أعمال من هذا النوع، العام الماضي، جعل النشاط الإيراني في طرابلس أقل من السابق داخل العاصمة، معربا عن اعتقاده بأن طهران أصبحت تركز على العمل مع المجموعات التي توجد لديها أرضية تدعم إمكانية انسلاخها بسهولة من الدولة الليبية الموحدة.
ومن المعروف أن الجماعات الأمازيغية، انسحبت من لجنة صياغة الدستور، إلى جانب مجموعات قبلية أخرى من أصول غير عربية أيضا في جنوب البلاد، مثل الطوارق والتبو. ويقول المصدر الدبلوماسي إن الطوارق والتبو قبائل منتشرة في غالبية المناطق الليبية، ولهذا يمكن أن تقول إن إيران وجدت صعوبة في تحويلهم إلى ورقة لصالحها، أما جبل نفوسة، فتوجد فيه بلدات أمازيغية كاملة تتحدث لغة واحدة.. «هي منطقة فيها شخصيات لها طموحات يمكن البناء عليها، ويمكن استغلالها من الدول الأجنبية»، مشيرا في الوقت نفسه إلى أن النشاط في جبل نفوسة لا يقتصر فقط على الإيرانيين، ولكن توجد أيضا زيارات يقوم بها فرنسيون وإيطاليون.
الفرنسيون عقدوا بالفعل، عبر مبعوثين أكاديميين، اجتماعات مع قادة أمازيغ من جبل نفوسة، بعضها جرى في تونس والبعض الآخر عقد في زوارة، وهي البلدة الأمازيغية الوحيدة التي تقع داخل محيط عربي على البحر المتوسط في شمال غربي طرابلس. كما زار بعض الإيطاليين، تحت مسمى خبراء، بلدات في جبل نفوسة أيضا. ويقول المقدم سعيد إن عمل الفرنسيين والإيطاليين يختلف عن الإيرانيين.. الإيرانيون لديهم طموحات للتواجد في شمال أفريقيا بقوة، أما الأوروبيون فيسعون وراء كسب القادة المحليين هنا لتأمين خطوط النفط التي تمر من حقول جنوب ليبيا إلى الشمال عبر مناطق نفوذ للأمازيغ والعرب.
ويضيف أن الإيرانيين يسعون، على ما يبدو، لتشكيل كيان وطني أمازيغي في غرب ليبيا، أما الأوروبيون فيريدون منع الاشتباكات التي تقع من حين لآخر بين الأمازيغ والعرب المتنافسين على حقوق تأمين النفط للشركات الأجنبية.. «تعلم أنه لا يوجد جيش ولا قوات مسلحة يمكن التعويل عليها لتأمين الحدود الليبية وإمدادات البترول».
ولم يستمر النشاط الإيراني في الشرق الليبي لمدة طويلة، مقارنة بالطريقة التي بدأ بها عقب مقتل القذافي. ووفقا للمعلومات فقد تمكن مندوبون إيرانيون من التواجد في المشرق الليبي منذ أواخر عام 2011. وحتى أواخر عام 2013. وتمكنوا خلال هذه الفترة من تمويل عمليات شراء محمومة للأسلحة التي سرقها اللصوص من مخازن الجيش الليبي.
وقالت مصادر عسكرية ليبية إن الإيرانيين وجهوا بنقل هذه الأسلحة، وكان معظمها عبارة عن صواريخ غراد، إلى سيناء وقطاع غزة، بطرق مختلفة سواء عن طريق البر أو البحر، مشيرا إلى أن هذا الأمر استمر إلى أن عادت السلطات المصرية لتشديد إجراءات مراقبة الحدود البرية والبحرية بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. وأضاف: رفض شيوخ قبائل المنطقة الشرقية محاولات الإيرانيين للتواصل معهم. ومنذ ذلك الوقت دأب خطباء مساجد طبرق وبنغازي وغيرهما من المدن الشرقية على التحذير من «نوايا إيران» و«من نشر الفتنة في ليبيا»، لكن المشكلة الآن تكمن في النشاط الإيراني في أوساط الأمازيغ.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.