ترمب أمام مشهد سياسي أكثر تعقيداً مع تعهد الديمقراطيين بمساءلته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في اليوم الذي وضعت فيه آخر عارضة فولاذية في قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في اليوم الذي وضعت فيه آخر عارضة فولاذية في قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

ترمب أمام مشهد سياسي أكثر تعقيداً مع تعهد الديمقراطيين بمساءلته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في اليوم الذي وضعت فيه آخر عارضة فولاذية في قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في اليوم الذي وضعت فيه آخر عارضة فولاذية في قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (رويترز)

وجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه في مواجهة استياء شعبي كبير وواقع سياسي أكثر تعقيداً، بعد انتخابات تجديد نصفي شهدت انتصاراً كاسحاً للديمقراطيين الذين سرعان ما تعهدوا بمساءلة ساكن البيت الأبيض وخفض تكلفة المعيشة.

وبات ترمب أمام مشهد سياسي مغاير تماماً، بعدما نجح الديمقراطيون الثلاثاء في السيطرة على مجلسَي الشيوخ والنواب، ما يتيح لهم تقييد صلاحياته خلال العامين المتبقيين من ولايته، ويعكس في الوقت نفسه تراجع تأثير الرئيس البالغ 80 عاماً داخل الحزب الجمهوري.

وغداة صدور النتائج، ظهر التباين بين موقفَي ترمب ونائبه جي دي فانس إزاء الحرب على إيران إلى العلن، إذ اعتبر الأخير أن «الحرب كانت السبب» في الخسارة الانتخابية القاسية الأخيرة.

ويسعى فانس، وهو مرشح محتمل للانتخابات الرئاسية لعام 2028، إلى النأي بنفسه عن النزاع في الشرق الأوسط الذي لا يحظى بتأييد شعبي في الداخل الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)

وبحلول صباح الخميس، بالتوقيت المحلي للولايات المتحدة، كان الديمقراطيون سيطروا على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، وحصدوا أغلبية كبيرة في مجلس النواب.

ولم يتم بعد حسم نتيجة السباق على مجلس الشيوخ في ولايتي ميسيسيبي وألاسكا اللتين تشهدان منافسة محتدمة، علماً أن غالبية الأصوات في الولايتين كانت تصبّ تقليدياً لصالح الحزب الجمهوري.

وتعهّد الديمقراطيون باستغلال سيطرتهم على مجلسَي الكونغرس لبدء تحقيقات تطول ترمب وإدارته، مؤكدين أن الأغلبية الجديدة ستركز على المساءلة وخفض تكاليف المعيشة.

وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب والمرشح لمنصب رئيس المجلس، حكيم جيفريز، إن «الفساد الكبير الذي شهدته البلاد على يد كارتل ترمب يفسر عدم اتخاذ خطوات كافية لمساعدة المواطنين العاديين»، مشيراً إلى أن «هذا الوضع سيتغير فوراً»، «وسنحاسب الفاسدين».

وفي حين لن يشارك ترمب في أي أنشطة عامة الخميس، من المقرر أن تستضيف السيدة الأولى ميلانيا ترمب مسؤولين من موسكو وكييف في البيت الأبيض، تمهيداً لمحادثات مرتقبة في أبوظبي تهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.

في المقابل، حاول ترمب التقليل من أهمية الانتخابات النصفية خلال أول ظهور علني أمام الصحافيين في قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بعد صدور النتائج، إذ افتتح مؤتمره بتعليقات مطولة على أعمال البناء الجارية في القاعة البالعة تكلفتها 400 مليون دولار.

ومع ذلك، وتعقيباً على تصريحات نائبه فانس، أقرّ ترمب بأن تحميل الحرب مع إيران مسؤولية الهزيمة في الانتخابات النصفية «صحيح إلى حدّ كبير»، بعدما تسببت «في ارتفاع أسعار الوقود قليلاً على المدى القصير».

وتسببت الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق هرمز بارتفاع حاد في أسعار المحروقات عالمياً، بما في ذلك في الداخل الأميركي، وهي قضية باتت محورية بالنسبة للناخبين الأميركيين المتضررين من ارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع ذلك، تابع ترمب: «لو كنت مضطراً لاتخاذ القرار مرة أخرى، لفعلت الشيء نفسه مجدداً. فعلى المدى البعيد، هذا هو الحل الوحيد. لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي».

وبالتزامن مع صدور النتائج، اعتمد ترمب لهجة تصالحية مفاجئة تجاه الديمقراطيين، متعهداً بالعمل معهم.

إلا أنّه لوح في الوقت نفسه باستخدام صلاحيته في نقض أيّ مشروع قانون يدفع به الديمقراطيون ولا ينال إعجابه. كما توعد الديمقراطيين الأربعاء أن أي محاولة لعزله للمرة الثالثة بعد تولّيهم السيطرة على الكونغرس العام المقبل ستؤدّي إلى «تدمير» حزبهم.

ويرجح البعض أن تسفر الانتخابات الأخيرة عن تصدع داخل الحزب الجمهوري.

وتعقيباً على النتائج، قال حاكم ولاية فلوريدا الجمهوري، الذي نافس ترمب على ترشيح الحزب الجمهوري في 2024، إن الهزيمة الأخيرة هي «حدث يوازي الانقراض بالنسبة للجمهوريين في العديد من أنحاء البلاد، ولم نشهد على الأغلب مثله منذ قرن»، لافتاً إلى أنّ فلوريدا كانت الولاية الوحيدة التي تمكّن فيها الجمهوريون من وقف تقدّم منافسيهم.

وتابع: «ستستمر آثار (الهزيمة) لأكثر من سنتين»، مؤكداً: «يجب أن نكون واضحين. هذا هو السيناريو الأسوأ الذي يمكن أن يحدث في أي انتخابات تجديد نصفي».


مقالات ذات صلة

ترمب بعد «الموجة الزرقاء»... سلطة باقية وهوامش أضيق

تحليل إخباري ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)

ترمب بعد «الموجة الزرقاء»... سلطة باقية وهوامش أضيق

سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إبعاد مسؤولية الخسارة عنه، عادّاً أن غياب اسمه عن بطاقة الاقتراع حال دون تعبئة عددٍ كافٍ من الناخبين...

إيلي يوسف (واشنطن)
الولايات المتحدة​ المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

لماذا صوّت ناخبون لاتينيون للحزب الديمقراطي بعد إسهامهم في فوز ترمب بالرئاسة؟

انقلب ناخبون من أصول أميركية لاتينية، ساهموا في إعادة انتخاب دونالد ترمب، على الرئيس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي، لأسباب عديدة أبرزها الغلاء وملف الهجرة

«الشرق الأوسط» (أوستن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

كيف تؤثر خسارة معسكر ترمب الانتخابات في العلاقات الأميركية - الصينية؟

تترقب بكين تداعيات خسارة معسكر ترمب انتخابات التجديد النصفي على العلاقات مع واشنطن، وسط تساؤلات بشأن مستقبل الهدنة التجارية، ودعم تايوان، وحدود التحرك الرئاسي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
أوروبا الرئيس دونالد ترمب مع السيدة الأولى ميلانيا ترمب متحدثاً للصحافيين بعد إدلائه بصوته في التصويت المبكر لانتخابات التجديد النصفي لعام 2026 يوم السبت 24 أكتوبر 2026 (أ.ب) p-circle

أوكرانيا تتلقى مساعدات بقيمة 5 مليارات دولار من الاتحاد الأوروبي

أوكرانيا تتلقى 5 مليارات دولار مساعدات عسكرية وغيرها من الاتحاد الأوروبي وزيلينسكي يأمل في أن تؤدي نتيجة انتخابات التجديد النصفي إلى زيادة الدعم الأميركي لكييف

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)

هزيمة ترمب في الانتخابات النصفية تقلص آمال عقد لقاء مع كيم

يرى محللون أن احتمال عقد لقاء بين دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، خلال جولة آسيوية مرتقبة للرئيس الأميركي هذا الشهر، بات أكثر ضآلة.

«الشرق الأوسط» (سيول)

ترمب أمام مشهد سياسي أكثر تعقيداً مع تعهد الديمقراطيين بمساءلته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في اليوم الذي وضعت فيه آخر عارضة فولاذية في قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في اليوم الذي وضعت فيه آخر عارضة فولاذية في قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (رويترز)
TT

ترمب أمام مشهد سياسي أكثر تعقيداً مع تعهد الديمقراطيين بمساءلته

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في اليوم الذي وضعت فيه آخر عارضة فولاذية في قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً في اليوم الذي وضعت فيه آخر عارضة فولاذية في قاعة الاحتفالات بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (رويترز)

وجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه في مواجهة استياء شعبي كبير وواقع سياسي أكثر تعقيداً، بعد انتخابات تجديد نصفي شهدت انتصاراً كاسحاً للديمقراطيين الذين سرعان ما تعهدوا بمساءلة ساكن البيت الأبيض وخفض تكلفة المعيشة.

وبات ترمب أمام مشهد سياسي مغاير تماماً، بعدما نجح الديمقراطيون الثلاثاء في السيطرة على مجلسَي الشيوخ والنواب، ما يتيح لهم تقييد صلاحياته خلال العامين المتبقيين من ولايته، ويعكس في الوقت نفسه تراجع تأثير الرئيس البالغ 80 عاماً داخل الحزب الجمهوري.

وغداة صدور النتائج، ظهر التباين بين موقفَي ترمب ونائبه جي دي فانس إزاء الحرب على إيران إلى العلن، إذ اعتبر الأخير أن «الحرب كانت السبب» في الخسارة الانتخابية القاسية الأخيرة.

ويسعى فانس، وهو مرشح محتمل للانتخابات الرئاسية لعام 2028، إلى النأي بنفسه عن النزاع في الشرق الأوسط الذي لا يحظى بتأييد شعبي في الداخل الأميركي.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)

وبحلول صباح الخميس، بالتوقيت المحلي للولايات المتحدة، كان الديمقراطيون سيطروا على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، وحصدوا أغلبية كبيرة في مجلس النواب.

ولم يتم بعد حسم نتيجة السباق على مجلس الشيوخ في ولايتي ميسيسيبي وألاسكا اللتين تشهدان منافسة محتدمة، علماً أن غالبية الأصوات في الولايتين كانت تصبّ تقليدياً لصالح الحزب الجمهوري.

وتعهّد الديمقراطيون باستغلال سيطرتهم على مجلسَي الكونغرس لبدء تحقيقات تطول ترمب وإدارته، مؤكدين أن الأغلبية الجديدة ستركز على المساءلة وخفض تكاليف المعيشة.

وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب والمرشح لمنصب رئيس المجلس، حكيم جيفريز، إن «الفساد الكبير الذي شهدته البلاد على يد كارتل ترمب يفسر عدم اتخاذ خطوات كافية لمساعدة المواطنين العاديين»، مشيراً إلى أن «هذا الوضع سيتغير فوراً»، «وسنحاسب الفاسدين».

وفي حين لن يشارك ترمب في أي أنشطة عامة الخميس، من المقرر أن تستضيف السيدة الأولى ميلانيا ترمب مسؤولين من موسكو وكييف في البيت الأبيض، تمهيداً لمحادثات مرتقبة في أبوظبي تهدف إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا.

في المقابل، حاول ترمب التقليل من أهمية الانتخابات النصفية خلال أول ظهور علني أمام الصحافيين في قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بعد صدور النتائج، إذ افتتح مؤتمره بتعليقات مطولة على أعمال البناء الجارية في القاعة البالعة تكلفتها 400 مليون دولار.

ومع ذلك، وتعقيباً على تصريحات نائبه فانس، أقرّ ترمب بأن تحميل الحرب مع إيران مسؤولية الهزيمة في الانتخابات النصفية «صحيح إلى حدّ كبير»، بعدما تسببت «في ارتفاع أسعار الوقود قليلاً على المدى القصير».

وتسببت الحرب في الشرق الأوسط وإغلاق هرمز بارتفاع حاد في أسعار المحروقات عالمياً، بما في ذلك في الداخل الأميركي، وهي قضية باتت محورية بالنسبة للناخبين الأميركيين المتضررين من ارتفاع تكاليف المعيشة.

ومع ذلك، تابع ترمب: «لو كنت مضطراً لاتخاذ القرار مرة أخرى، لفعلت الشيء نفسه مجدداً. فعلى المدى البعيد، هذا هو الحل الوحيد. لا يمكن السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي».

وبالتزامن مع صدور النتائج، اعتمد ترمب لهجة تصالحية مفاجئة تجاه الديمقراطيين، متعهداً بالعمل معهم.

إلا أنّه لوح في الوقت نفسه باستخدام صلاحيته في نقض أيّ مشروع قانون يدفع به الديمقراطيون ولا ينال إعجابه. كما توعد الديمقراطيين الأربعاء أن أي محاولة لعزله للمرة الثالثة بعد تولّيهم السيطرة على الكونغرس العام المقبل ستؤدّي إلى «تدمير» حزبهم.

ويرجح البعض أن تسفر الانتخابات الأخيرة عن تصدع داخل الحزب الجمهوري.

وتعقيباً على النتائج، قال حاكم ولاية فلوريدا الجمهوري، الذي نافس ترمب على ترشيح الحزب الجمهوري في 2024، إن الهزيمة الأخيرة هي «حدث يوازي الانقراض بالنسبة للجمهوريين في العديد من أنحاء البلاد، ولم نشهد على الأغلب مثله منذ قرن»، لافتاً إلى أنّ فلوريدا كانت الولاية الوحيدة التي تمكّن فيها الجمهوريون من وقف تقدّم منافسيهم.

وتابع: «ستستمر آثار (الهزيمة) لأكثر من سنتين»، مؤكداً: «يجب أن نكون واضحين. هذا هو السيناريو الأسوأ الذي يمكن أن يحدث في أي انتخابات تجديد نصفي».


ترمب بعد «الموجة الزرقاء»... سلطة باقية وهوامش أضيق

ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)
ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)
TT

ترمب بعد «الموجة الزرقاء»... سلطة باقية وهوامش أضيق

ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)
ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)

لم تكن مفاجأة انتخابات التجديد النصفي أن الاستطلاعات أخطأت في توقع تقدم الديمقراطيين، بل إنها، رغم ما أثارته من آمال ومخاوف في صفوفهم، قللت من الحجم الحقيقي لـ«الموجة الزرقاء» التي اجتاحت مجلسَي الكونغرس. فالنتائج تجاوزت الولايات المتأرجحة إلى معاقل جمهورية، ووضعت الرئيس دونالد ترمب أمام واقع مختلف قد يكون عنوانه «عامان أخيران يستطيع خلالهما ممارسة سلطاته، لكنه فقد الغالبية التي حمت قراراته ومرّرت أولوياته».

بحلول صباح الخميس بالتوقيت المحلي للولايات المتحدة، كان الديمقراطيون سيطروا على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، وحصدوا غالبية كبيرة في مجلس النواب. ولم تُحسم بعدُ نتيجة السباق على مجلس الشيوخ في ولايتي ميسيسيبي وألاسكا اللتين تشهدان منافسة محتدمة، علماً بأن غالبية الأصوات في الولايتين كانت تصب تقليدياً في مصلحة الحزب الجمهوري.

ويتجاوز مغزى هذه الخسارة الحساب العددي؛ إلى تقويض حجة ترمب الأساسية داخل حزبه من أن الولاء له هو أقصر الطرق إلى الفوز. لكن هزيمةَ الحزب لا تعني انتهاءَ الرئاسة، مثلما لا تعني غالبيةٌ ديمقراطيةٌ واسعةٌ امتلاكَ السلطة كاملة. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرةَ ترمب على حماية إرثه، وقدرةَ خصومه على تحويل رفض الناخبين سياساته نتائجَ ملموسة، بعدما أصبحت تكلفة المعيشة معياراً للحكم على الطرفين.

معركة تفسير الهزيمة

سارع ترمب إلى إبعاد المسؤولية عنه، قائلاً لـ«نيويورك تايمز» إن غيابه عن بطاقة الاقتراع حال دون تعبئة عدد كاف من الناخبين. لكن هذه الرواية تصطدم بحملة دعا خلالها الأميركيين مراراً إلى التصويت كأن اسمه مطروح على أوراق الاقتراع، كما تصطدم بخسارة شخصيات اختارها أو دعمها في ولايات محافظة.

ونقلت الصحيفة عن النائب الجمهوري، دون بيكون، رفضه هذا التفسير، محمّلاً الرئيس مسؤولية تراجع الشعبية وسوء اختيار بعض المرشحين. في حين ربط جمهوريون آخرون الهزيمة بالرسوم الجمركية، وارتفاع أسعار الطاقة، والحرب مع إيران، وحتى طبيعة العلاقة بإسرائيل، وهو ما لمّح إليه جي دي فانس، نائب الرئيس، في منشور على «إكس».

من الناحية السياسية؛ تشير هذه التصريحات إلى أن ترمب لم يعد يحتكر تفسير ما يريده الناخب الجمهوري. وقد يجد المشرّعون الذين يستعدون لانتخابات 2028 مصلحة في إظهار استقلال أكبر عنه، خصوصاً في الملفات الاقتصادية. غير أن تحوّل الانتقادات الجمهورية إلى تمرّد منظم ضد الرئيس ليس مضموناً، فالقيادة الجمهورية ما زالت تتمسّك بترمب، وقد تعيد المواجهةُ مع الديمقراطيين توحيدَ صفوف الحزب.

وتلفت «نيويورك تايمز» إلى ضرورة الحذر من عَدِّ كل موجة انتخابية تحوّلاً آيديولوجياً دائماً. فقد يكون الناخب عاقب الغلاء وسوء الإدارة أكثر مما تبنّى البرنامج الديمقراطي.

ولذلك؛ لا تُثبت خسارةُ الجمهوريين الشبابَ والناخبين اللاتينيين، مهما اتسعت، أن التحالف الذي حمل ترمب إلى الحكم تفكّك نهائياً. وتضع النتيجة أيضاً ورثته السياسيين، وفي مقدمهم جي دي فانس، أمام معضلة تتمثل في أن الدفاع عن سجل الإدارة قد يحمّلهم تكلفته، والابتعاد عنه قد يستفز القاعدة التي يحتاجون إليها. وهكذا؛ تبدأ معركة ما بعد ترمب بينما لا يزال يملك أدوات التأثير فيها.

كونغرس يغيّر القواعد

التحول العملي الأكبر يبدأ مع تولّي الكونغرس الجديد في يناير (كانون الثاني) المقبل مهامه. فوفق «وول ستريت جورنال»، فإن الديمقراطيين يستهدفون تعديلَ أجزاء من قانون الضرائب وقانون الإنفاق «الكبير والجميل» الذي أقرّه الجمهوريون، ومراجعةَ قيود «ميديكيد» الخاصّة بالصحة والمساعدات الغذائية، واستعادةَ دعم التأمين الصحي الذي انتهى العمل به.

لكن الفارق كبير بين تمرير هذه الأولويات في المجلسَين وتحويلها إلى قوانين. فقد أعلن ترمب استعداده لاستخدام الـ«فيتو»، فيما لا تعني الغالبية الجديدة امتلاك ثلثي الأصوات اللازمَين لتجاوزه. وفي المقابل، يستطيع الديمقراطيون منع تشريعات جمهورية جديدة، لتنتقل العلاقة من تمرير أجندة الرئيس إلى تفاوض بين طرفين يستطيع كل منهما تعطيل الآخر.

وتبرز «الموازنة» و«سقف الدين» بوصفهما موضعَي ضغط أساسيين، حيث تشير «وول ستريت جورنال» إلى انتهاء التمويل الحكومي في منتصف ديسمبر (كانون الأول)، والحاجة إلى رفع سقف الدين خلال 2027. وما لا يحسمه الكونغرس الحالي قبل انتهاء ولايته، فسينتقل إلى مساومات قد تشمل الإنفاق الاجتماعي وحدود تصرّف الإدارة في الأموال التي يقرّها المشرّعون.

أما السيطرة على مجلس الشيوخ، فتمنح الديمقراطيين نفوذاً إضافياً على التعيينات التنفيذية والقضائية، بما فيها أي ترشيح محتمل للمحكمة العليا. وهذا قد يدفع بالجمهوريين إلى تسريع المصادقات قبل فقدان غالبيتهم، ثم يفرض على ترمب لاحقاً اختيار مرشحين قابلين للتسوية أو مواجهة استمرار الشواغر.

بيد أن التحقيقات التي يريد الديمقراطيون إطلاقها بعد تسلمهم رئاسة اللجان النيابية، هي الأداة التي لا تحتاج توقيع الرئيس كي تبدأ. فمصالح عائلته التجارية والعملات المشفّرة وعلاقاته بالمليارديرات مرشحة لتدقيق أوسع، وفق الصحيفة. لكنها لا تعني تلقائياً إدانةً أو عزلاً؛ لأن تأثيرها المباشر سيكون استنزاف وقت الإدارة، والكشف عن معلومات، ورفع التكلفة السياسية لقراراتها. وقد يكون الأخطر هو التداعيات المتوقعة من هذه المواجهات على الديمقراطية الأميركية نفسها.

سلطة باقية ومساومات

ومع ذلك، فلن يتحول ترمب رئيساً دون أدوات وصلاحيات، فهو يستطيع مواصلة استخدام سلطاته التنفيذية القائمة في الهجرة، والتنظيم الإداري، والتجارة، ضمن القيود القانونية والقضائية. غير أن «الأمر التنفيذي» لا يعوّض «قانوناً جديداً»، ولا يخلق «تمويلاً» لم يقرّه الكونغرس، وقد يواجه طعوناً أو قيوداً تشريعية.

وحتى في قضية الذكاء الاصطناعي، التي استحوذت في الآونة الأخيرة على كثير من المناقشات وأثارت المخاوف، يكشف التصويت عن أن العقبات لن تأتي من واشنطن وحدها. فقد رصد «أكسيوس» فوز مرشحين يؤيدون تقييد توسع مراكز البيانات، وإقرار تدابير محلية تستهدف أعباء الكهرباء والمياه. وهذا يضع أجندة ترمب الداعمة للتوسع التكنولوجي أمام مقاومة على مستوى الولايات والمجتمعات، حتى إذا تعثّر تشريع اتحادي شامل.

ويبقى ملف السياسة الخارجية، حيث إن هامش الرئيس أوسع في التفاوض، وفي الانتشار العسكري، وفي أدوات تجارية مفوّضة إليه. وقد يلجأ إلى هذه الساحات لإظهار استمرار قدرته على المبادرة. لكن ملفات إيران والصين وأوكرانيا لن تنفصل عن تكلفة الطاقة والتمويل والرقابة، من دون أن يفرض تبدّلُ الكونغرس انقلاباً تلقائياً في سياسته.

وتظل التسويات ممكنة، خصوصاً في ملفات دعم المزارعين، والإسكان، وتسهيل تراخيص المشروعات. فالديمقراطيون يحتاجون إنجازات تتجاوز التحقيق في سياسات الإدارة، وترمب يحتاج ما يثبت أنه ما زال قادراً على الحكم، وهو ما عبر عنه بتغريداته على منصته «تروث سوشال». لكن حجم الهزيمة قد يدفعه أيضاً إلى المواجهة واستخدام الـ«فيتو» لتعبئة أنصاره.

لذلك؛ يتوقف مصير العامين المقبلين على سؤال عملي: هل يقبل الرئيس تقاسم القرار، أم يحاول تعويض خسارة الغالبية بتوسيع استخدام سلطاته؟ وفي الحالتين، انتهت مرحلة تمتّعه بكونغرس مُوالٍ، أما قدرته على فرض إيقاع السياسة الأميركية؛ فلم تنته.


لماذا صوّت ناخبون لاتينيون للحزب الديمقراطي بعد إسهامهم في فوز ترمب بالرئاسة؟

المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

لماذا صوّت ناخبون لاتينيون للحزب الديمقراطي بعد إسهامهم في فوز ترمب بالرئاسة؟

المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

انقلب ناخبون من أصول أميركية لاتينية، ساهموا في إعادة انتخاب دونالد ترمب، على الرئيس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي، لأنهم لم يلمسوا انخفاضاً في الأسعار كما وعدهم، وكذلك بسبب سياسته المتشدّدة حيال المهاجرين، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من تكساس إلى كاليفورنيا، صوّت ناخبون من أصول لاتينية بكثافة للديمقراطيين الثلاثاء، ما أتاح للحزب السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وبالتالي تقييد قدرة ترمب على تمرير مشاريع قوانينه خلال العامين المتبقيين له في البيت الأبيض.

وقالت جانيت مورغيا، رئيسة منظمة «أونيدوس يو إس» (UnidosUS) المدافعة عن حقوق المتحدرين من أميركا اللاتينية، في مؤتمر صحافي، إن مشاركتهم في الاقتراع بلغت على الأرجح مستوى قياسياً بالنسبة إلى انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة.

متطوعون يوزّعون منشورات توعوية خلال فعالية لحثّ الناخبين على التصويت المبكر في ماكالين بولاية تكساس الأميركية يوم 24 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وأوضحت أن كثيرين منهم أيّدوا ترمب عام 2024 لوعوده بمكافحة التضخّم، لكنهم لم يلمسوا النتائج التي انتظروها.

وأضافت أنهم يرفضون أيضاً «حملته للترحيل الجماعي التي خرجت عن السيطرة، والأساليب التعسّفية والعنيفة والقاسية التي تطبقها إدارة الهجرة والجمارك الأميركية».

وقالت: «عبّر الناخبون عن غضبهم وقلقهم إزاء المسار الذي تسلكه بلادنا».

حتى بين الشباب من أصول أميركية لاتينية المولودين في الولايات المتحدة، الذين يشعرون بانتمائهم إلى الولايات المتحدة بقدر انتمائهم إلى ثقافة أهلهم الناطقين بالإسبانية، يقول كثيرون إنّهم شعروا بالغضب من حملة إدارة الهجرة والجمارك في أنحاء البلاد.

وبدفع من ترمب، كثّفت الإدارة عملياتها الهادفة إلى ترحيل ملايين الأشخاص.

مشاركون يردّدون الأغاني خلال حفل لفرقة «لوس تيغريس ديل نورتي» والمغني بوبي بوليدو ضمن تجمع انتخابي لمنظمة «فوتو لاتينو» في ويسلاكو بولاية تكساس الأميركية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«أنا أصوّت»

ينتمي فيكتور بوسيو، وهو من تكساس ويبلغ 34 عاماً ووُلد لأبوين مكسيكيين، إلى فئة يُطلق عليها اسم «نو سابو» (no sabo)، وهو لقب يُطلق على الشباب الأميركيين من أصول أميركية لاتينية لا يتحدثون لغة أهلهم أو لا يجيدونها إلا بالكاد.

والتعبير مشتقّ من تصريف خاطئ للفعل الإسباني «سابير» (saber) أي «عرف»، ويشير إلى جيل يتزايد وزنه بين الناخبين الجدد، خصوصا في تكساس، ويسهم في تغيير ملامح النفوذ السياسي للأميركيين من أصول لاتينية.

وقال بوسيو لوكالة الصحافة الفرنسية، في إشارة إلى مداهمات شرطة الهجرة في الولايات المتحدة: «من المحزن أن يتطلّب الأمر حدثاً بهذا الحجم وأن يمسّهم شخصياً كي يذهبوا أخيراً إلى صناديق الاقتراع».

وبحسب استطلاع رأي أجرته شبكة «إن بي سي نيوز» لدى خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، تقدّم الديمقراطيون على الجمهوريين بنحو 30 نقطة مئوية بين الناخبين اللاتينيين الثلاثاء، بعدما لم يتجاوز تقدّم كامالا هاريس بين هؤلاء 5 نقاط عام 2024.

في كاليفورنيا، ساهم ناخبون لاتينيون في فوز الديمقراطي خافيير بيسيرا بمنصب الحاكم. وفي تكساس، ساعدوا جينا هينوهوسا، ابنة مهاجرين مكسيكيين، على الفوز بمنصب الحاكمة، لتُنهي بذلك 3 عقود من هيمنة الجمهوريين في الولاية.

وأشادت هينوهوسا بجدّتها التي كانت تردّد على مسامعها بالإسبانية «نو تي ديخيس» (no te dejes)، أي «لا تسمحي لأحد بأن يتسلّط عليك». وقالت بعد فوزها: «هذا العام أخذنا بنصيحتها...».

وبحسب مركز «سيركل» للأبحاث في جامعة تافتس في بوسطن، صوّت 70 في المائة من الناخبين اللاتينيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً لمرشّحين ديمقراطيين لمجلس النواب.

في فلوريدا، تمكّن الجمهوريون بصعوبة من صدّ الموجة الديمقراطية.

وقالت فيفيانا كاسترو، وهي متقاعدة من أصل فنزويلي تبلغ 67 عاماً وتقيم في ميامي، إنها «فخورة» بأنها صوّتت ضدّ ترمب.

وأضافت: «الطريقة التي يعامل بها المهاجرين تفتقر إلى الأخلاق والقيم ولا تليق بإنسان».