لماذا صوّت ناخبون لاتينيون للحزب الديمقراطي بعد إسهامهم في فوز ترمب بالرئاسة؟

المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

لماذا صوّت ناخبون لاتينيون للحزب الديمقراطي بعد إسهامهم في فوز ترمب بالرئاسة؟

المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

انقلب ناخبون من أصول أميركية لاتينية، ساهموا في إعادة انتخاب دونالد ترمب، على الرئيس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي، لأنهم لم يلمسوا انخفاضاً في الأسعار كما وعدهم، وكذلك بسبب سياسته المتشدّدة حيال المهاجرين، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من تكساس إلى كاليفورنيا، صوّت ناخبون من أصول لاتينية بكثافة للديمقراطيين الثلاثاء، ما أتاح للحزب السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وبالتالي تقييد قدرة ترمب على تمرير مشاريع قوانينه خلال العامين المتبقيين له في البيت الأبيض.

وقالت جانيت مورغيا، رئيسة منظمة «أونيدوس يو إس» (UnidosUS) المدافعة عن حقوق المتحدرين من أميركا اللاتينية، في مؤتمر صحافي، إن مشاركتهم في الاقتراع بلغت على الأرجح مستوى قياسياً بالنسبة إلى انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة.

متطوعون يوزّعون منشورات توعوية خلال فعالية لحثّ الناخبين على التصويت المبكر في ماكالين بولاية تكساس الأميركية يوم 24 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وأوضحت أن كثيرين منهم أيّدوا ترمب عام 2024 لوعوده بمكافحة التضخّم، لكنهم لم يلمسوا النتائج التي انتظروها.

وأضافت أنهم يرفضون أيضاً «حملته للترحيل الجماعي التي خرجت عن السيطرة، والأساليب التعسّفية والعنيفة والقاسية التي تطبقها إدارة الهجرة والجمارك الأميركية».

وقالت: «عبّر الناخبون عن غضبهم وقلقهم إزاء المسار الذي تسلكه بلادنا».

حتى بين الشباب من أصول أميركية لاتينية المولودين في الولايات المتحدة، الذين يشعرون بانتمائهم إلى الولايات المتحدة بقدر انتمائهم إلى ثقافة أهلهم الناطقين بالإسبانية، يقول كثيرون إنّهم شعروا بالغضب من حملة إدارة الهجرة والجمارك في أنحاء البلاد.

وبدفع من ترمب، كثّفت الإدارة عملياتها الهادفة إلى ترحيل ملايين الأشخاص.

مشاركون يردّدون الأغاني خلال حفل لفرقة «لوس تيغريس ديل نورتي» والمغني بوبي بوليدو ضمن تجمع انتخابي لمنظمة «فوتو لاتينو» في ويسلاكو بولاية تكساس الأميركية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«أنا أصوّت»

ينتمي فيكتور بوسيو، وهو من تكساس ويبلغ 34 عاماً ووُلد لأبوين مكسيكيين، إلى فئة يُطلق عليها اسم «نو سابو» (no sabo)، وهو لقب يُطلق على الشباب الأميركيين من أصول أميركية لاتينية لا يتحدثون لغة أهلهم أو لا يجيدونها إلا بالكاد.

والتعبير مشتقّ من تصريف خاطئ للفعل الإسباني «سابير» (saber) أي «عرف»، ويشير إلى جيل يتزايد وزنه بين الناخبين الجدد، خصوصا في تكساس، ويسهم في تغيير ملامح النفوذ السياسي للأميركيين من أصول لاتينية.

وقال بوسيو لوكالة الصحافة الفرنسية، في إشارة إلى مداهمات شرطة الهجرة في الولايات المتحدة: «من المحزن أن يتطلّب الأمر حدثاً بهذا الحجم وأن يمسّهم شخصياً كي يذهبوا أخيراً إلى صناديق الاقتراع».

وبحسب استطلاع رأي أجرته شبكة «إن بي سي نيوز» لدى خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، تقدّم الديمقراطيون على الجمهوريين بنحو 30 نقطة مئوية بين الناخبين اللاتينيين الثلاثاء، بعدما لم يتجاوز تقدّم كامالا هاريس بين هؤلاء 5 نقاط عام 2024.

في كاليفورنيا، ساهم ناخبون لاتينيون في فوز الديمقراطي خافيير بيسيرا بمنصب الحاكم. وفي تكساس، ساعدوا جينا هينوهوسا، ابنة مهاجرين مكسيكيين، على الفوز بمنصب الحاكمة، لتُنهي بذلك 3 عقود من هيمنة الجمهوريين في الولاية.

وأشادت هينوهوسا بجدّتها التي كانت تردّد على مسامعها بالإسبانية «نو تي ديخيس» (no te dejes)، أي «لا تسمحي لأحد بأن يتسلّط عليك». وقالت بعد فوزها: «هذا العام أخذنا بنصيحتها...».

وبحسب مركز «سيركل» للأبحاث في جامعة تافتس في بوسطن، صوّت 70 في المائة من الناخبين اللاتينيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً لمرشّحين ديمقراطيين لمجلس النواب.

في فلوريدا، تمكّن الجمهوريون بصعوبة من صدّ الموجة الديمقراطية.

وقالت فيفيانا كاسترو، وهي متقاعدة من أصل فنزويلي تبلغ 67 عاماً وتقيم في ميامي، إنها «فخورة» بأنها صوّتت ضدّ ترمب.

وأضافت: «الطريقة التي يعامل بها المهاجرين تفتقر إلى الأخلاق والقيم ولا تليق بإنسان».


مقالات ذات صلة

كيف تؤثر خسارة معسكر ترمب الانتخابات في العلاقات الأميركية - الصينية؟

العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الرئيس الصيني شي جينبينغ أثناء استقباله عند المدخل الشمالي للبيت الأبيض في العاصمة واشنطن يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

كيف تؤثر خسارة معسكر ترمب الانتخابات في العلاقات الأميركية - الصينية؟

تترقب بكين تداعيات خسارة معسكر ترمب انتخابات التجديد النصفي على العلاقات مع واشنطن، وسط تساؤلات بشأن مستقبل الهدنة التجارية، ودعم تايوان، وحدود التحرك الرئاسي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
شمال افريقيا اجتماع اللجنة السياسية بـ«المجلس الأعلى للدولة» (المجلس)

«الأعلى للدولة» الليبي يُصعّد مجدداً برفض اتفاق الانتخابات

تجدد الخلاف فى ليبيا بشأن آليات إدارة العملية السياسية و«خريطة الطريق» الأممية بعدما أعلنت اللجنة السياسية بـ«المجلس الأعلى للدولة» رفضها الاعتداد بمخرجات «4+4»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) يتحدث إلى نائبه جي دي فانس (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: فانس يسعى إلى استمالة ناخبي ترمب الساخطين لتشكيل تحالف «يميني جديد»

كشف تقرير جديد عن أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يسعى إلى تشكيل تحالف جديد يضم ناخبين سبق أن أيدوا الرئيس دونالد ترمب، لكنهم باتوا يشعرون بخيبة أمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ) p-circle

بعد نجاح الديمقراطيين... ترمب يواجه «خيارات سيئة» بشأن إيران

أقر ترمب بأن الحرب مع إيران كلفت الجمهوريين ثمناً باهظاً في انتخابات التجديد النصفي الأميركية. والآن، يتعين عليه أن يقرر ما إذا كان سيضع حداً لخسائره؟

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ردود فعل الحضور أثناء متابعتهم لنتائج الانتخابات للمرشحة الديمقراطية لمنصب حاكم تكساس جينا هينوجوسا في أوستن - تكساس (أ.ب)

الانقلاب الكبير... الكونغرس في قبضة الديمقراطيين

مُني الجمهوريون بهزيمة مدوّية في الانتخابات النصفية الأميركية، بعدما اجتاحت «موجة زرقاء» مجلسَي النواب والشيوخ، وأسقطت معاقل جمهورية تاريخية، من تكساس.

علي بردى (واشنطن) رنا أبتر (واشنطن) إيلي يوسف (واشنطن)

ترمب بعد «الموجة الزرقاء»... سلطة باقية وهوامش أضيق

ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)
ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)
TT

ترمب بعد «الموجة الزرقاء»... سلطة باقية وهوامش أضيق

ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)
ترمب خلال جولة يوم 4 نوفمبر 2026 في الجناح الشرقي من البيت الأبيض حيث يبنى «قاعة الحفلات» (أ.ف.ب)

لم تكن مفاجأة انتخابات التجديد النصفي أن الاستطلاعات أخطأت في توقع تقدم الديمقراطيين، بل إنها، رغم ما أثارته من آمال ومخاوف في صفوفهم، قللت من الحجم الحقيقي لـ«الموجة الزرقاء» التي اجتاحت مجلسَي الكونغرس. فالنتائج تجاوزت الولايات المتأرجحة إلى معاقل جمهورية، ووضعت الرئيس دونالد ترمب أمام واقع مختلف قد يكون عنوانه «عامان أخيران يستطيع خلالهما ممارسة سلطاته، لكنه فقد الغالبية التي حمت قراراته ومرّرت أولوياته».

بحلول صباح الخميس بالتوقيت المحلي للولايات المتحدة، كان الديمقراطيون سيطروا على 54 مقعداً في مجلس الشيوخ، وحصدوا غالبية كبيرة في مجلس النواب. ولم تُحسم بعدُ نتيجة السباق على مجلس الشيوخ في ولايتي ميسيسيبي وألاسكا اللتين تشهدان منافسة محتدمة، علماً بأن غالبية الأصوات في الولايتين كانت تصب تقليدياً في مصلحة الحزب الجمهوري.

ويتجاوز مغزى هذه الخسارة الحساب العددي؛ إلى تقويض حجة ترمب الأساسية داخل حزبه من أن الولاء له هو أقصر الطرق إلى الفوز. لكن هزيمةَ الحزب لا تعني انتهاءَ الرئاسة، مثلما لا تعني غالبيةٌ ديمقراطيةٌ واسعةٌ امتلاكَ السلطة كاملة. فالمرحلة المقبلة ستختبر قدرةَ ترمب على حماية إرثه، وقدرةَ خصومه على تحويل رفض الناخبين سياساته نتائجَ ملموسة، بعدما أصبحت تكلفة المعيشة معياراً للحكم على الطرفين.

معركة تفسير الهزيمة

سارع ترمب إلى إبعاد المسؤولية عنه، قائلاً لـ«نيويورك تايمز» إن غيابه عن بطاقة الاقتراع حال دون تعبئة عدد كاف من الناخبين. لكن هذه الرواية تصطدم بحملة دعا خلالها الأميركيين مراراً إلى التصويت كأن اسمه مطروح على أوراق الاقتراع، كما تصطدم بخسارة شخصيات اختارها أو دعمها في ولايات محافظة.

ونقلت الصحيفة عن النائب الجمهوري، دون بيكون، رفضه هذا التفسير، محمّلاً الرئيس مسؤولية تراجع الشعبية وسوء اختيار بعض المرشحين. في حين ربط جمهوريون آخرون الهزيمة بالرسوم الجمركية، وارتفاع أسعار الطاقة، والحرب مع إيران، وحتى طبيعة العلاقة بإسرائيل، وهو ما لمّح إليه جي دي فانس، نائب الرئيس، في منشور على «إكس».

من الناحية السياسية؛ تشير هذه التصريحات إلى أن ترمب لم يعد يحتكر تفسير ما يريده الناخب الجمهوري. وقد يجد المشرّعون الذين يستعدون لانتخابات 2028 مصلحة في إظهار استقلال أكبر عنه، خصوصاً في الملفات الاقتصادية. غير أن تحوّل الانتقادات الجمهورية إلى تمرّد منظم ضد الرئيس ليس مضموناً، فالقيادة الجمهورية ما زالت تتمسّك بترمب، وقد تعيد المواجهةُ مع الديمقراطيين توحيدَ صفوف الحزب.

وتلفت «نيويورك تايمز» إلى ضرورة الحذر من عَدِّ كل موجة انتخابية تحوّلاً آيديولوجياً دائماً. فقد يكون الناخب عاقب الغلاء وسوء الإدارة أكثر مما تبنّى البرنامج الديمقراطي.

ولذلك؛ لا تُثبت خسارةُ الجمهوريين الشبابَ والناخبين اللاتينيين، مهما اتسعت، أن التحالف الذي حمل ترمب إلى الحكم تفكّك نهائياً. وتضع النتيجة أيضاً ورثته السياسيين، وفي مقدمهم جي دي فانس، أمام معضلة تتمثل في أن الدفاع عن سجل الإدارة قد يحمّلهم تكلفته، والابتعاد عنه قد يستفز القاعدة التي يحتاجون إليها. وهكذا؛ تبدأ معركة ما بعد ترمب بينما لا يزال يملك أدوات التأثير فيها.

كونغرس يغيّر القواعد

التحول العملي الأكبر يبدأ مع تولّي الكونغرس الجديد في يناير (كانون الثاني) المقبل مهامه. فوفق «وول ستريت جورنال»، فإن الديمقراطيين يستهدفون تعديلَ أجزاء من قانون الضرائب وقانون الإنفاق «الكبير والجميل» الذي أقرّه الجمهوريون، ومراجعةَ قيود «ميديكيد» الخاصّة بالصحة والمساعدات الغذائية، واستعادةَ دعم التأمين الصحي الذي انتهى العمل به.

لكن الفارق كبير بين تمرير هذه الأولويات في المجلسَين وتحويلها إلى قوانين. فقد أعلن ترمب استعداده لاستخدام الـ«فيتو»، فيما لا تعني الغالبية الجديدة امتلاك ثلثي الأصوات اللازمَين لتجاوزه. وفي المقابل، يستطيع الديمقراطيون منع تشريعات جمهورية جديدة، لتنتقل العلاقة من تمرير أجندة الرئيس إلى تفاوض بين طرفين يستطيع كل منهما تعطيل الآخر.

وتبرز «الموازنة» و«سقف الدين» بوصفهما موضعَي ضغط أساسيين، حيث تشير «وول ستريت جورنال» إلى انتهاء التمويل الحكومي في منتصف ديسمبر (كانون الأول)، والحاجة إلى رفع سقف الدين خلال 2027. وما لا يحسمه الكونغرس الحالي قبل انتهاء ولايته، فسينتقل إلى مساومات قد تشمل الإنفاق الاجتماعي وحدود تصرّف الإدارة في الأموال التي يقرّها المشرّعون.

أما السيطرة على مجلس الشيوخ، فتمنح الديمقراطيين نفوذاً إضافياً على التعيينات التنفيذية والقضائية، بما فيها أي ترشيح محتمل للمحكمة العليا. وهذا قد يدفع بالجمهوريين إلى تسريع المصادقات قبل فقدان غالبيتهم، ثم يفرض على ترمب لاحقاً اختيار مرشحين قابلين للتسوية أو مواجهة استمرار الشواغر.

بيد أن التحقيقات التي يريد الديمقراطيون إطلاقها بعد تسلمهم رئاسة اللجان النيابية، هي الأداة التي لا تحتاج توقيع الرئيس كي تبدأ. فمصالح عائلته التجارية والعملات المشفّرة وعلاقاته بالمليارديرات مرشحة لتدقيق أوسع، وفق الصحيفة. لكنها لا تعني تلقائياً إدانةً أو عزلاً؛ لأن تأثيرها المباشر سيكون استنزاف وقت الإدارة، والكشف عن معلومات، ورفع التكلفة السياسية لقراراتها. وقد يكون الأخطر هو التداعيات المتوقعة من هذه المواجهات على الديمقراطية الأميركية نفسها.

سلطة باقية ومساومات

ومع ذلك، فلن يتحول ترمب رئيساً دون أدوات وصلاحيات، فهو يستطيع مواصلة استخدام سلطاته التنفيذية القائمة في الهجرة، والتنظيم الإداري، والتجارة، ضمن القيود القانونية والقضائية. غير أن «الأمر التنفيذي» لا يعوّض «قانوناً جديداً»، ولا يخلق «تمويلاً» لم يقرّه الكونغرس، وقد يواجه طعوناً أو قيوداً تشريعية.

وحتى في قضية الذكاء الاصطناعي، التي استحوذت في الآونة الأخيرة على كثير من المناقشات وأثارت المخاوف، يكشف التصويت عن أن العقبات لن تأتي من واشنطن وحدها. فقد رصد «أكسيوس» فوز مرشحين يؤيدون تقييد توسع مراكز البيانات، وإقرار تدابير محلية تستهدف أعباء الكهرباء والمياه. وهذا يضع أجندة ترمب الداعمة للتوسع التكنولوجي أمام مقاومة على مستوى الولايات والمجتمعات، حتى إذا تعثّر تشريع اتحادي شامل.

ويبقى ملف السياسة الخارجية، حيث إن هامش الرئيس أوسع في التفاوض، وفي الانتشار العسكري، وفي أدوات تجارية مفوّضة إليه. وقد يلجأ إلى هذه الساحات لإظهار استمرار قدرته على المبادرة. لكن ملفات إيران والصين وأوكرانيا لن تنفصل عن تكلفة الطاقة والتمويل والرقابة، من دون أن يفرض تبدّلُ الكونغرس انقلاباً تلقائياً في سياسته.

وتظل التسويات ممكنة، خصوصاً في ملفات دعم المزارعين، والإسكان، وتسهيل تراخيص المشروعات. فالديمقراطيون يحتاجون إنجازات تتجاوز التحقيق في سياسات الإدارة، وترمب يحتاج ما يثبت أنه ما زال قادراً على الحكم، وهو ما عبر عنه بتغريداته على منصته «تروث سوشال». لكن حجم الهزيمة قد يدفعه أيضاً إلى المواجهة واستخدام الـ«فيتو» لتعبئة أنصاره.

لذلك؛ يتوقف مصير العامين المقبلين على سؤال عملي: هل يقبل الرئيس تقاسم القرار، أم يحاول تعويض خسارة الغالبية بتوسيع استخدام سلطاته؟ وفي الحالتين، انتهت مرحلة تمتّعه بكونغرس مُوالٍ، أما قدرته على فرض إيقاع السياسة الأميركية؛ فلم تنته.


لماذا صوّت ناخبون لاتينيون للحزب الديمقراطي بعد إسهامهم في فوز ترمب بالرئاسة؟

المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

لماذا صوّت ناخبون لاتينيون للحزب الديمقراطي بعد إسهامهم في فوز ترمب بالرئاسة؟

المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)
المرشحة الديمقراطية لرئاسة بلدية لوس أنجليس نيثيا رامان تلتقي ناخبين من أصول لاتينية في المدينة الأميركية يوم 29 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

انقلب ناخبون من أصول أميركية لاتينية، ساهموا في إعادة انتخاب دونالد ترمب، على الرئيس الأميركي في انتخابات التجديد النصفي، لأنهم لم يلمسوا انخفاضاً في الأسعار كما وعدهم، وكذلك بسبب سياسته المتشدّدة حيال المهاجرين، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

من تكساس إلى كاليفورنيا، صوّت ناخبون من أصول لاتينية بكثافة للديمقراطيين الثلاثاء، ما أتاح للحزب السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، وبالتالي تقييد قدرة ترمب على تمرير مشاريع قوانينه خلال العامين المتبقيين له في البيت الأبيض.

وقالت جانيت مورغيا، رئيسة منظمة «أونيدوس يو إس» (UnidosUS) المدافعة عن حقوق المتحدرين من أميركا اللاتينية، في مؤتمر صحافي، إن مشاركتهم في الاقتراع بلغت على الأرجح مستوى قياسياً بالنسبة إلى انتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة.

متطوعون يوزّعون منشورات توعوية خلال فعالية لحثّ الناخبين على التصويت المبكر في ماكالين بولاية تكساس الأميركية يوم 24 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وأوضحت أن كثيرين منهم أيّدوا ترمب عام 2024 لوعوده بمكافحة التضخّم، لكنهم لم يلمسوا النتائج التي انتظروها.

وأضافت أنهم يرفضون أيضاً «حملته للترحيل الجماعي التي خرجت عن السيطرة، والأساليب التعسّفية والعنيفة والقاسية التي تطبقها إدارة الهجرة والجمارك الأميركية».

وقالت: «عبّر الناخبون عن غضبهم وقلقهم إزاء المسار الذي تسلكه بلادنا».

حتى بين الشباب من أصول أميركية لاتينية المولودين في الولايات المتحدة، الذين يشعرون بانتمائهم إلى الولايات المتحدة بقدر انتمائهم إلى ثقافة أهلهم الناطقين بالإسبانية، يقول كثيرون إنّهم شعروا بالغضب من حملة إدارة الهجرة والجمارك في أنحاء البلاد.

وبدفع من ترمب، كثّفت الإدارة عملياتها الهادفة إلى ترحيل ملايين الأشخاص.

مشاركون يردّدون الأغاني خلال حفل لفرقة «لوس تيغريس ديل نورتي» والمغني بوبي بوليدو ضمن تجمع انتخابي لمنظمة «فوتو لاتينو» في ويسلاكو بولاية تكساس الأميركية يوم 25 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

«أنا أصوّت»

ينتمي فيكتور بوسيو، وهو من تكساس ويبلغ 34 عاماً ووُلد لأبوين مكسيكيين، إلى فئة يُطلق عليها اسم «نو سابو» (no sabo)، وهو لقب يُطلق على الشباب الأميركيين من أصول أميركية لاتينية لا يتحدثون لغة أهلهم أو لا يجيدونها إلا بالكاد.

والتعبير مشتقّ من تصريف خاطئ للفعل الإسباني «سابير» (saber) أي «عرف»، ويشير إلى جيل يتزايد وزنه بين الناخبين الجدد، خصوصا في تكساس، ويسهم في تغيير ملامح النفوذ السياسي للأميركيين من أصول لاتينية.

وقال بوسيو لوكالة الصحافة الفرنسية، في إشارة إلى مداهمات شرطة الهجرة في الولايات المتحدة: «من المحزن أن يتطلّب الأمر حدثاً بهذا الحجم وأن يمسّهم شخصياً كي يذهبوا أخيراً إلى صناديق الاقتراع».

وبحسب استطلاع رأي أجرته شبكة «إن بي سي نيوز» لدى خروج الناخبين من مراكز الاقتراع، تقدّم الديمقراطيون على الجمهوريين بنحو 30 نقطة مئوية بين الناخبين اللاتينيين الثلاثاء، بعدما لم يتجاوز تقدّم كامالا هاريس بين هؤلاء 5 نقاط عام 2024.

في كاليفورنيا، ساهم ناخبون لاتينيون في فوز الديمقراطي خافيير بيسيرا بمنصب الحاكم. وفي تكساس، ساعدوا جينا هينوهوسا، ابنة مهاجرين مكسيكيين، على الفوز بمنصب الحاكمة، لتُنهي بذلك 3 عقود من هيمنة الجمهوريين في الولاية.

وأشادت هينوهوسا بجدّتها التي كانت تردّد على مسامعها بالإسبانية «نو تي ديخيس» (no te dejes)، أي «لا تسمحي لأحد بأن يتسلّط عليك». وقالت بعد فوزها: «هذا العام أخذنا بنصيحتها...».

وبحسب مركز «سيركل» للأبحاث في جامعة تافتس في بوسطن، صوّت 70 في المائة من الناخبين اللاتينيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً لمرشّحين ديمقراطيين لمجلس النواب.

في فلوريدا، تمكّن الجمهوريون بصعوبة من صدّ الموجة الديمقراطية.

وقالت فيفيانا كاسترو، وهي متقاعدة من أصل فنزويلي تبلغ 67 عاماً وتقيم في ميامي، إنها «فخورة» بأنها صوّتت ضدّ ترمب.

وأضافت: «الطريقة التي يعامل بها المهاجرين تفتقر إلى الأخلاق والقيم ولا تليق بإنسان».


هزيمة ترمب في الانتخابات النصفية تقلص آمال عقد لقاء مع كيم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
TT

هزيمة ترمب في الانتخابات النصفية تقلص آمال عقد لقاء مع كيم

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافة داخل موقع بناء قاعة الاحتفالات في البيت الأبيض بواشنطن (إ.ب.أ)

يرى محللون أن احتمال عقد لقاء بين دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، خلال جولة آسيوية مرتقبة للرئيس الأميركي هذا الشهر، بات أكثر ضآلة، بعد الهزيمة القاسية التي مُني بها في انتخابات منتصف الولاية.

قال ترمب في وقت سابق إنه «قد» يلتقي كيم جونغ أون الشهر الحالي، وإن ذلك «سيكون مثيراً»، لكنه بدا وكأنه يتراجع في أكتوبر (تشرين الأول) حين قال: «لا أعلم، لست متأكداً من أن أحداً يطلب عقد اجتماع»، مضيفاً أن «العلاقة مع كيم جونغ أون جيدة جداً».

وأثار تركيز ترمب على زعيم كوريا الشمالية، وتقليصه حجم المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، قلق حلفاء واشنطن في آسيا، في ظلِّ التكهنات بشأن سعيه لتحقيق إنجاز على صعيد السياسة الخارجية مع تعثر الحرب مع إيران.

لكن كيم يو جونغ، الشقيقة النافذة للزعيم الكوري الشمالي، أشارت الأربعاء إلى أن بيونغ يانغ غير مهتمة لاستئناف الحوار مع واشنطن، مؤكدة أن بلادها «ليست بحاجة إلى الجلوس وجهاً لوجه مع أشخاص غير موثوق بهم وعدائيِّين إلى هذا الحد».

وأضافت أن «خيار السلام يشمل الحوار بطبيعة الحال، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه يتوافق مع مصالحنا الوطنية».

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون خلال تفقده حوض نامفو لبناء السفن (أ.ف.ب)

وجاءت تصريحاتها بعد اتهام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) كوريا الشمالية بالوقوف وراء سرقة نحو 6 مليارات دولار من منصة العملات الرقمية «بينانس»، وهي اتهامات وصفتها سابقاً بأنها «استفزاز سياسي خطير».

ويرى ليم أول تشول، الأستاذ في معهد الدراسات الشرق آسيوية بجامعة كيونغنام في كوريا الجنوبية، أن تصريحات كيم يو جونغ تمثل «تحولاً من موقع الدفاع إلى الهجوم».

وقال: «البيان الأخير يستغل قضية (الهجوم الإلكتروني) لإدانة مجمل سياسة الضغط الأميركية تجاه كوريا الشمالية».

في عام 2019 عاد كيم جونغ أون إلى بلاده بعد رحلة قطار استغرقت 60 ساعة من هانوي دون تحقيق أي مكاسب، عقب انهيار قمته مع ترمب.

أما اليوم، فقد انعكست المعادلة، إذ يوجه ترمب مبادرات متكرِّرة نحو بيونغ يانغ، بينما تستقبلها الأخيرة بفتور.

ويقول ليم أول تشول: «بالنسبة لكيم جونغ أون، فإن الحفاظ على الوضع القائم هو أفضل خيار حالياً».

ويقول محللون إن الزعيم الكوري الشمالي باتت لديه دوافع أقل تحفِّزه للقاء ترمب بعد الخسارة الكبيرة التي مُني بها الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني).

منح الناخبون الديمقراطيين السيطرة على الكونغرس في انتكاسة كبيرة لترمب ستجعله رئيساً محدود النفوذ خلال العامين المتبقيين من ولايته.

وتوقَّع يانغ مو جين، الرئيس السابق لجامعة الدراسات الكورية الشمالية في سيول، أن «يواصل ترمب السعي إلى حوار مباشر على مستوى القادة مع كوريا الشمالية».

لكنه رأى أن «الانقسام السياسي في واشنطن وتحول ترمب إلى رئيس ضعيف النفوذ سيكونان عاملين مهمَّين في حسابات بيونغ يانغ».

من جهته، رأى مايكل بوساك، المدير المؤسس لمعهد «بارلي» للسياسات والمسؤول السابق في الأمم المتحدة، أن كوريا الشمالية ستشكك في قدرة واشنطن على تقديم تنازلات دائمة.

وقال إن «النظام الكوري الشمالي يبحث عن تغييرات جوهرية ومستدامة في السياسة الأميركية تجاهه. في الوقت الراهن، لا يستطيع ترمب أن يقدِّم ضمانات بأن أي عرض سيتجاوز يناير (كانون الثاني) 2029»، في إشارة إلى نهاية ولايته الثانية.

كما أن تقارب بيونغ يانغ بشكل متزايد مع كل من روسيا والصين عزَّز موقعها التفاوضي وخفَّف حاجتها إلى الانخراط مع الولايات المتحدة.

وقدَّر البنك المركزي الكوري الجنوبي في يوليو (تموز) أن اقتصاد كوريا الشمالية نما بأكثر من 3 في المائة للعام الثالث على التوالي في 2025، مرجعاً ذلك أساساً إلى «توسيع التعاون الاقتصادي مع روسيا».

حتى وإن اتفق ترمب وكيم على عقد لقاء، فإن خلافاتهما بشأن البرنامج النووي الكوري الشمالي ستظل عقبة رئيسية أمام أي اختراق دبلوماسي.

وأكدت بيونغ يانغ مراراً أنها لم تعد مستعدة لمناقشة نزع سلاحها النووي.

وفي سبتمبر (أيلول)، أعلنت كيم يو جونغ أن وضع بلادها دولةً نوويةً أصبح «مطلقاً»، ووصفت الذين ما زالوا يأملون في نزع السلاح النووي بأنهم «حمقى».

وجاء ذلك في وقت اقترح فيه الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، المعروف بمواقفه التصالحية، أن تسعى واشنطن إلى تجميد البرنامج النووي الكوري الشمالي بدلاً من السعي لإزالته فوراً، مقابل تخفيف العقوبات.

لكن هذا الخيار سيواجه عقبات كبيرة بعد هزيمة ترمب الانتخابية، إذ يتمسَّك الديمقراطيون بهدف نزع السلاح النووي، كما أن الكونغرس يمتلك صلاحيات مؤثرة بخصوص رفع العقوبات.

وقال ليم أول تشول إن بيونغ يانغ «لا تزال تحمل ذكريات سلبية عن فشل المفاوضات في تحقيق تقدم خلال إدارة جو بايدن، بسبب الإصرار الأميركي على عدم تخفيف العقوبات أو الدخول في حوار قبل اتخاذ خطوات نحو نزع السلاح النووي».

وأضاف أن عدم ثقة كوريا الشمالية بواشنطن، إلى جانب الغموض الذي يحيط بأي اتفاق محتمل مع ترمب، قد يدفعها إلى تعزيز طموحاتها النووية.

وتابع: «سيترسَّخ أكثر فأكثر اعتقاد كوريا الشمالية بأن مواصلة تطوير ترسانتها النووية بشكل مستقل، وبغض النظر عن تغير الإدارات أو الأحزاب الأميركية، هو الخيار الصحيح والاستراتيجي».

وأجرت بيونغ يانغ في الأسابيع الأخيرة سلسلة اختبارات على أسلحة جديدة شملت رؤوساً حربية عنقودية، وطائرات هجومية مسيّرة ونظام طوربيدات موجهة عالية الدقة، وصاروخاً فرط صوتي متوسط المدى.

ويرى ليم أول تشول أن «تطوير الأسلحة الجديدة واختبارها والتدريب عليها ستصبح أنشطة منتظمة وروتينية».