مساء الأربعاء الماضي، توجهت الثلاثينية بسمة أحمد، إلى منطقة العتبة وسط القاهرة، لشراء مكواة كهربائية وكشاف، لتتفاجأ بالأسعار المتباينة بين التجار، تقول لـ«الشرق الأوسط»، إنها لجأت إلى هذه المنطقة لشراء ما تريد بأسعار مخفضة، لكن كل التجار في المحال وحتى المتراصين على الأرصفة يشكون من زيادة الأسعار عليهم بسبب ارتفاع الدولار؛ ما يجبرهم على زيادتها على المستهلك، وعلقت «الأسعار هتولع».
خلال جولة بسمة، كان الدولار دون الـ55 جنيهاً، وفي غضون ساعات، واصلت العملة الأجنبيه الزيادة، ليتجاوز الدولار الـ55 جنيهاً، صباح الخميس، ليبلغ مستوى قياسياً جديداً، وسط مخاوف من ارتفاعه إلى مستويات أعلى؛ ما يعني تآكل القوة الشرائية للمواطنين على نحو أكبر، وفق الخبراء.
اشترت بسمة الكشاف الكهربائي فقط، وأجلت المكواة لوقت آخر تتوفر فيه السيولة لديها، إذ إنها ربة منزل، تسكن في الجمالية (وسط القاهرة)، ولديها طفلان في الدراسة، وتعاني ميزانيتها بالفعل من مصاريف المدارس، وزيادة أسعار المأكولات والمشروبات والمواصلات. ولا تعد معضلة هذه الأسرة الكبرى، مقارنة بالمقبلين على الزواج الذين يحتاجون إلى شراء العديد من الأجهزة الكهربائية، أو من يخططون لشراء سيارة، ثم جاءت ارتفاعات الدولار لتربك خطتهم.
ويُعد ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل العملة المحلية محركاً رئيسياً للتضخم وارتفاع الأسعار في الاقتصاد المصري؛ نظراً للارتباط الهيكلي الوثيق بين القوة الشرائية للدولار وفاتورة الاستيراد الكلية، حسب الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تحرك سعر الصرف ينعكس بشكل مباشر وسريع على السلع المستوردة والأنشطة الصناعية والتجارية، وهو ما يتضح تفصيلياً عبر حركة القطاعات وقدرة الاقتصاد والمواطن على امتصاص هذه الصدمات السعرية.
وبلغ معدل التضخم على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول) الماضي، 13.9 في المائة مقارنة بـ14.5 في المائة في أغسطس (آب) الماضي.
وتوقع رئيس شعبة الاتصالات والمحمول باتحاد الغرف التجارية، محمد طلعت، أن ترتفع أسعار الهواتف في مصر من 5 إلى 7 في المائة نتيجة ارتفاع سعر الدولار، لافتاً إلى أن سعر الصرف يؤثر أيضاً في قيمة الجمارك، وفق تصريحه على إحدى القنوات الفضائية، مساء الأربعاء.

ومن الهواتف المحمولة إلى سوق السيارات التي شهدت ارتفاعات مباشرة بعد تحرك الدولار، وفق ما نقلته وسائل إعلام محلية، بما في ذلك السيارات المُجمعة محلياً. وتراوحت الزيادات في أسعار السيارات بين 15 إلى 80 ألف جنيه.
وقال عضو شعبة السيارات في اتحاد الغرف التجارية علاء السبع، لـ«الشرق الأوسط» إن أسعار السيارات لم تعكس حتى الآن التكلفة الكاملة لزيادة سعر الصرف، والذي ارتفع منذ الحرب الإيرانية بأكثر من 10 في المائة، من نحو 47 جنيهاً ليتجاوز مؤخراً الـ55 جنيهاً، لافتاً إلى أن التجار يضطرون لتقليص أرباحهم في ظل المنافسة الشديدة في السوق، ووفرة وتنوع المعروض، «التجار يفضلون المكاسب الضئيلة على الخسائر لو أصاب السوق ركود».
وأضاف السبع أن الأسعار لم ترتفع حتى الآن إلا بنحو 2 إلى 3 في المائة، وفق تقديره، متوقعاً أن تصل هذه النسبة إلى 10 في المائة إذا استمر الدولار في الصعود. وشكك مراقبون في هذه النسب، مشيرين إلى زيادات أكبر شهدتها السوق، الأيام الماضية.
وتوقع الباحث الاقتصادي المتخصص في أسواق المال محمد مهدي عبد النبي، أن يتجاوز الدولار الـ60 جنيهاً ليصل إلى 62 جنيهاً في الربع الأول من عام 2027، حال استمرار الأوضاع الإقليمية كما هي؛ ما سينعكس على ارتفاع الأسعار، خصوصاً في السلع المستوردة أو التي يدخل في مكوناتها خامات مستوردة. ولم يستبعد عبد النبي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن تشهد بعض الأسواق أزمات نقص في المعروض، مثلما حدث في فترات سابقة، وقد تعاود السوق السوداء الظهور.
وكان محافظ البنك المركزي حسن عبد الله، قد أرجع ارتفاع سعر صرف الدولار أمام الجنيه إلى الأوضاع الإقليمية، قائلاً خلال مشاركته في «منتدى مصر»، الخميس، إن «سعر الصرف يتحرك استجابة للظروف المتغيرة المحيطة بمصر، وهذه التحركات طبيعية في ظل الأوضاع الراهنة»، مؤكداً في الوقت نفسه قدرة الجهاز المصرفي المصري على التعامل مع المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة.
بينما ذهب الخبير الاقتصادي مدحت نافع، في تدوينة له على منصة «إكس»، لتأكيد أنه «لا جديد يقال في مسألة الدولار. هو قطار يمشي في اتجاه واحد تخف سرعته أحياناً مع التدخلات والصدمات الإيجابية والصفقات مثل (رأس الحكمة)... لكن الجنيه سيظل يفقد جزءاً معلوماً من قيمته سنوياً ما لم نتمكن من زيادة مواردنا الدولارية، ونخفّض من فاتورتي الاستيراد والدين الخارجي».

ويحدد الخبير الاقتصادي خالد الشافعي، القطاعات الأكثر تأثراً بتحرك الأسعار في «سوق السيارات» ثم «سوق الأجهزة الكهربائية» تليها السلع المستوردة الاستهلاكية والغذائية والمدخلات الزراعية.
وفصّل الشافعي أنه «بالنسبة لقطاع السيارات، يُعد التأثر مباشراً وحاداً في حالة السيارات كاملة الصنع المجلوبة من الخارج؛ ما يرفع أسعارها بنفس نسبة صعود الدولار تقريباً إلى جانب تكاليف الشحن الدولي والتأمين. أما السيارات المجمعة محلياً، فتتراوح نسبة المكون الأجنبي والمستلزمات المظلية المستوردة فيها بين 45 في المائة و60 في المائة؛ ما يجعل ارتفاع قيمتها النهائية يسجل زيادة تتراوح بين 15 في المائة و25 في المائة مع كل تحرك ملحوظ للعملة الصعبة».
وسبق أن شهدت سوق السيارات في مصر أزمة لافتة تمثلت في نقص المعروض وزيادة الأسعار خلال عام 2022، إبان أزمة العملة الأجنبية التي شهدتها مصر عقب الحرب الأوكرانية.
وأضاف الشافعي: «أما قطاع الأجهزة الكهربائية، فيمتاز بوجود قاعدة تصنيع وتجميع محلية؛ حيث تبلغ نسبة المكون المحلي في الأجهزة المنزلية ما بين 40 في المائة إلى 70 في المائة بحسب نوع الجهاز»، موضحاً أنه «رغم ذلك، فإن المصانع تعتمد بشكل كامل على استيراد خامات حيوية ومكونات رئيسية كالمحركات، والشرائح الإلكترونية، وضواغط التبريد، والصاج المدرفل المطبق عليه رسوم وقائية».
ونتيجة هذا الاعتماد المستورد، أدت تحركات سعر الصرف وتغير أسعار المدخلات إلى رفع تكاليف إنتاج الأجهزة الكهربائية بزيادات متدرجة تبدأ من 5 في المائة للسلع ذات المكون المحلي المرتفع، وتصل إلى 15 في المائة للأجهزة المعتمِدة بشكل أكبر على الأجزاء المستوردة، بحسب الشافعي.



