جاءت تطمينات رئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان الفريق أول عبد الفتاح البرهان بشأن أوضاع المصريين المقيمين في السودان، وتأكيده «عدم تعرضهم لأي مشكلات» إلى جانب حثه على «انتظام حركة التجارة ومشروعات تبادل الكهرباء بين البلدين» لتمنح الآمال في عودة دخول الشاحنات إلى الأراضي السودانية، خصوصاً الولاية الشمالية بعد أن تأثرت سلباً على خلفية التوترات الحدودية الأخيرة.
وكانت السلطات المصرية علقت عبور الشاحنات المتجهة إلى السودان عبر ميناء قسطل البري، في 15 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، على خلفية تعرض عدد من سائقي الشاحنات المصريين لإطلاق نار من أحد المسلحين ما أسفر عن مقتل اثنين وإصابة ثالث، وكذلك مع احتجاجات نظمها عاملون في قطاع النقل السوداني رفضاً لقيود فرضتها الحكومة السودانية بشأن الاستيراد والرسوم المفروضة على الأنشطة التجارية. وأعرب البرهان في خطابه الثلاثاء، في مدينة حلفا، بأقصى شمال السودان، عن أمله في استمرار حركة التجارة مع مصر، واستمرار إمدادات الكهرباء الآتية من مصر إلى السودان.
وسبقت زيارة البرهان، إلى حلفا تحركات مصرية وسودانية متصلة بملف الحدود والتجارة؛ إذ شارك القنصل العام المصري في حلفا، باسل طمان، في 17 أكتوبر الحالي بجولة في معبر أشكيت للوقوف على أوضاع حركة الشاحنات والعمل على معالجة مشكلة التكدس وتسهيل التبادل التجاري. وأكدت محلية حلفا، قبل زيارة البرهان، وجود مساعٍ لحل أزمة السلع المحتجزة بسبب قرارات حظر استيراد بعض السلع، مع الدعوة إلى تفعيل تجارة الحدود بين السودان ومصر بوصفها إحدى الوسائل لتسهيل الحركة التجارية وتجاوز التحديات القائمة. وتتمتع حلفا بموقع استراتيجي بحكم قربها من الحدود المصرية وارتباطها بمعبر أشكيت، الذي يمثل أحد أهم مسارات حركة البضائع والأفراد بين البلدين، ويتجاوز حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان الـ1.2 مليار دولار، وفق أرقام رسمية.

وقال وزير الخارجية السوداني السابق، علي يوسف الشريف، إن أهمية تصريحات البرهان الأخيرة كونها «تسهم في إزالة أي غيوم يمكن أن تغطي على العلاقات المصرية السودانية في إطار التوترات الحدودية، خصوصاً بعد حادث مقتل عدد من (الدهابة) السودانيين وكذلك مقتل سائقين مصريين اثنين في الخرطوم»، مشيراً إلى أن رئيس مجلس السيادة هدف للتأكيد أن «الأوضاع هدأت والتحقيقات ما زالت جارية، لكن هذا لا يؤثر على العلاقات بين البلدين، ولا يجب أن يؤثر كذلك على حركة التجارة».
وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاحتجاجات في السودان وكذلك قرارات وقف عبور الشاحنات من الجانب المصري يبقى لها تأثير على الأوضاع المعيشية في الولايات المتاخمة للحدود مع مصر، وبالتالي فإن التهدئة السياسية تسهم في أن تعود مسارات التجارة بشكل منتظم في الاتجاهين، سواء ما يتعلق بوصول الصادرات المصرية إلى السودان والعكس. وتابع: «مرحلة الغضب الشعبي التي صاحبت الأحداث الحدودية تم احتواؤها، والآن يجب الاتجاه نحو عودة الأوضاع إلى طبيعتها على المستويات التجارية، خصوصاً وأن التعاون الرسمي على مستوى إمدادات الكهرباء المصرية يمضي بشكل مستمر، وأن الولاية الشمالية في طريقها لأن تعتمد على الكهرباء المصرية بشكل كامل، وهناك عمل مستمر لتركيب خطوط الإمداد وغيرها من الاحتياجات الفنية».
وعود بعودة الكهرباء
وتربط مصر والسودان شبكة كهربائية عبر مشروع الربط المصري السوداني، فيما أعلنت وزارة الكهرباء والطاقة المصرية في ديسمبر (كانون الأول) 2024 العمل على استكمال المرحلة الثانية من مشروع خط الربط المزدوج «توشكى 2/ حلفا» بقدرة تصل إلى 300 ميغاواط، إلى جانب التعاون في مجالات التدريب والدعم الفني والطاقة المتجددة.
وأكد السفير المصري الأسبق لدى السودان، السفير حسام عيسى، أن تصريحات البرهان تحمل أهمية كبيرة بما يفوت الفرصة على محاولات استغلال حوادث فردية للوقيعة بين الجيش السوداني وأهم حلفائه، مشيراً إلى أن الأزمة التجارية كانت بالأساس جراء قرارات اتخذتها الحكومة السودانية قيدت استيراد بعض السلع، وأن المظاهرات تطالب بانتظام التجارة مع مصر بما لا يؤدي لارتفاع أسعار السلع، خصوصاً في وادي حلفا والمناطق المجاورة للحدود المصرية.
وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن القرارات المصرية بشأن منع دخول الشاحنات مؤقتة، وبعد التصريحات الأخيرة لرئيس مجلس السيادة الانتقالي في السودان من المأمول أن تسهم في عودة انتظام حركة الشاحنات، مشيراً إلى أن «ما تعرض له السائقون المصريون يأتي في إطار رد فعل إجرامي على مساعي ضبط حدود البلدين، وأن الحكومة السودانية تحركت بشكل إيجابي لمجابهة أي تداعيات سلبية للحملات التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي».

وبموجب قرار ميناء معبر قسطل البري في مصر يتعين إبقاء الشاحنات المتجهة إلى قسطل في موقف تابع لمجلس المدينة، ومنع نقلها عبر العبارات إلى حين صدور تعليمات جديدة. ويستثني الإجراء الحافلات والسيارات الخاصة والميكروباصات والمسافرين الأفراد، الذين يُسمح لهم بالعبور.
كما حذَّرت «النقابة العامة للنقل البري» في مصر، الأسبوع الماضي، السائقين المصريين من التوجه إلى مناطق التوترات في السودان، مُذكّرة في بيان لها بالقرار السابق الذي صدر عن وزارة النقل بتاريخ 11 مايو (أيار) 2025، بحظر دخولهم إلى مناطق الصراع، والاكتفاء بتفريغ البضائع في حلفا وأرقين ودنقلا.
وأكدت مديرة البرنامج الأفريقي في «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتورة أماني الطويل، أن حجم التبادل التجاري بين مصر والسودان بالرغم من محدوديته ينمو مع الحرب الدائرة حالياً في السودان، وبالتالي فإن عدم دخول الشاحنات المصرية يؤثر على مستوى الأسعار وتوفر السلع في السودان. كما أكدت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر والسودان يحاولان تطويق الأثر السلبي لأي تفاعلات سابقة ومعالجتها، مع الإدراك بأن مصالح البلدين أكبر من أي حوادث، وأن المسار التاريخي لعلاقات البلدين به كثير من المطبات التي يتم تجاوزها بشكل أو بآخر، وأن الحادث الذي وقع في الخرطوم كان «عصبياً ووقتياً» ولا يعبّر عن السلوك السوداني الطبيعي، كما لا يعبّر عن الموقف المصري الداعم للسودان.




