قبل أسبوعين فقط من انتخابات التجديد النصفي للكونغرس انتقلت أزمة الحزب «الجمهوري» إلى الدائرة الضيقة للرئيس دونالد ترمب، الذي بدأ يحمّل كبار مساعديه ومستشاريه السياسيين مسؤولية تراجع حظوظ الحزب في الاحتفاظ بأغلبيته، وسط خلافات بشأن إنفاق مئات الملايين من الدولارات، وإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، واختيار المرشحين.
وبينما كثّف ترمب تحركاته الانتخابية، محاولاً تعبئة أنصاره في مواجهة صعود الديمقراطيين، يسعى مرشحون جمهوريون في ولايات حاسمة إلى الابتعاد عن سياساته، خصوصاً الحرب مع إيران والرسوم الجمركية، خشية أن تتحول شعبيته المتراجعة إلى عبء يطيح بمقاعدهم.
وقالت وكالة «رويترز» إن ترمب أبدى استياءه من أداء مساعده القديم جيمس بلير، الذي يدير لجنة العمل السياسي «ماغا إنك»، متسائلاً عن أسباب عدم تحسن استطلاعات الرأي رغم إنفاق نحو 200 مليون دولار لدعم المرشحين الجمهوريين. وامتدت الانتقادات إلى رئيسة موظفي البيت الأبيض، سوزي وايلز، التي كانت حتى وقت قريب بعيدة عن الصراعات الداخلية.
ووصف أحد المطلعين المشهد بأنه أشبه بحلقة يتبادل فيها الجميع إطلاق النار، فيما رفض البيت الأبيض الروايات المتعلقة بالخلافات، ووصفها بأنها تكهنات لا أساس لها.
ترمب يستنجد بقاعدته في كنتاكي

وفي محاولة لنقل المعركة من خلافات مستشاريه إلى تعبئة الناخبين، ظهر ترمب مساء السبت أمام آلاف من أنصاره في مدينة هايلاند هايتس بولاية كنتاكي؛ حيث وصف انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) بأنها «الأهم في تاريخ انتخابات التجديد النصفي»، داعياً الجمهوريين إلى التصويت بكثافة للحفاظ على سيطرتهم على الكونغرس.
وتباهى الرئيس بنفوذه الواسع خلال ولايته الثانية، قائلاً إنه يستطيع القيام بأمور لا يمكن تصديقها، وكرر هجومه على الديمقراطيين، محذراً من تداعيات عودتهم إلى السلطة التشريعية، واعداً باستثمار 100 مليون دولار في صناعة الأدوية في كنتاكي إذا فاز الجمهوريون، كما جدّد وعده بمنح 5 آلاف دولار لكل أميركي بالغ إذا احتفظ الجمهوريون بالأغلبية في مجلسَي النواب والشيوخ، في محاولة لإعادة توجيه اهتمام الناخبين نحو المكاسب الاقتصادية التي يعد بها.
وجاء التجمع لدعم المرشحين الجمهوريين، وفي مقدمتهم إد غالرين، الذي حظي بتأييد ترمب في مواجهته النائب السابق توماس ماسي، أحد أبرز الأصوات المحافظة المنتقدة لتدخلات الرئيس العسكرية. ويعكس دعم غالرين حرص ترمب على تعزيز نفوذه داخل الحزب، حتى مع تزايد مخاوف بعض الجمهوريين من أن يصبح الولاء للرئيس عبئاً في الدوائر المتأرجحة.
غير أن الحشود التي يستقطبها ترمب لا تضمن بالضرورة نجاح الجمهوريين في انتخابات الكونغرس، التي تعتمد على مشاركة الناخبين المستقلين وقدرة المرشحين على تجاوز الاستقطاب الحزبي. وتُظهر الاستطلاعات أن الديمقراطيين يمتلكون فرصة لاستعادة مجلس النواب، في حين تبقى المنافسة على مجلس الشيوخ أكثر تقارباً.
الجمهوريون يبتعدون عن الرئيس

وتكشف المنافسات في الولايات المتأرجحة عن مفارقة تواجه الحزب «الجمهوري»؛ فبينما يُطالب ترمب أنصاره بالتعامل مع الانتخابات كما لو كان مرشحاً فيها، يسعى بعض المرشحين إلى إثبات استقلاليتهم عنه.
وتبرز السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز في ولاية ماين بوصفها نموذجاً لهذه المعضلة. ففي مناظراتها مع منافسها الديمقراطي تروي جاكسون، شددت على معارضتها الحرب مع إيران، وانتقدت غياب التخطيط الكافي للعمليات العسكرية، معتبرة أن ترمب كان ينبغي أن يتشاور مع الكونغرس قبل شنّ الهجمات. كما سعت سوزان كولينز إلى تأكيد أنها ليست من الجمهوريين الذين يصوتون تلقائياً لمصلحة الرئيس، مستشهدة بمعارضتها تعيين بيت هيغسيث وزيراً للدفاع، وخلافاتها مع الإدارة بشأن ملفات أخرى.
لكن منافسها الديمقراطي، جاكسون، اتهمها باتباع نهج انتقائي في معارضة ترمب، مشيراً إلى أنها تعارضه عندما تكون نتيجة التصويت محسومة سلفاً، بينما تؤيد سياساته في اللحظات الحاسمة. وبلغ التوتر بينهما ذروته خلال المناظرة الأخيرة، التي شهدت مشادة كلامية حادة عكست حجم الضغوط المحيطة بالمنافسة على أحد المقاعد التي قد ترجّح كفة أحد الحزبين في السيطرة على مجلس الشيوخ.
وأظهر استطلاع لصحيفة «واشنطن بوست» بالتعاون مع كلية «شار» للسياسة والحوكمة، تقدم المرشح الديمقراطي جاكسون بنسبة 50 في المائة، مقابل 46 في المائة لسوزان كولينز، بفارق يقع ضمن هامش الخطأ، لكنه يكشف عن هشاشة موقع السيناتورة الجمهورية التي تسعى إلى فترة سادسة في ولاية تميل إلى الديمقراطيين.
أوباما يدخل معركة ميشيغان

في مقابل محاولات الجمهوريين الابتعاد عن ترمب، بدأ الديمقراطيون استدعاء أبرز رموزهم السياسية لتعزيز فرصهم في انتزاع السيطرة على مجلس الشيوخ، وفي مقدمتهم الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي أعلن دعمه للمرشح الديمقراطي عبد الرحمن السيد في ميشيغان، في مواجهة الجمهوري مايك روجرز. ومن المقرر أن يشارك أوباما في تجمع انتخابي بمدينة ديترويت في 24 أكتوبر (تشرين الأول)، إلى جانب السيد ومرشحين ديمقراطيين آخرين، في محاولة لتوحيد القاعدة الحزبية وزيادة مشاركة الناخبين السود والشباب والأقليات. كما ظهر أوباما في إعلان انتخابي لدعم السيد.
وتكتسب الانتخابات في ولاية ميشيغان أهمية استثنائية، ليس فقط لأن مقعدها قد يُحدد توازن القوى في مجلس الشيوخ، بل لأن المنافسة تعكس الانقسامات الأميركية بشأن الحرب في غزة وإيران، والعلاقات مع إسرائيل، ودور الناخبين العرب والمسلمين في الانتخابات. فقد تحوّلت المناظرة بين السيد وروجرز إلى مواجهة حادة بشأن السياسة الخارجية، بعدما اتهم المرشح الجمهوري منافسه بالتساهل مع جماعات متطرفة، وهي اتهامات نفاها السيد، الذي انتقد الدعم العسكري الأميركي غير المشروط لإسرائيل، ودعا إلى إعطاء الأولوية للإنفاق على التعليم والصحة بدلاً من الحروب الخارجية.
ويعكس تدخل أوباما إدراك الديمقراطيين أن الفوز بميشيغان يتطلب إعادة بناء تحالف انتخابي واسع، يضم الناخبين السود في ديترويت، والعرب الأميركيين في ديربورن، والمستقلين في ضواحي المدن، بعدما أدّت حرب غزة إلى انقسامات داخل الحزب خلال الانتخابات الرئاسية الماضية.
وكشف تقرير لوكالة «أسوشييتد برس»، أن المنافسة الملتهبة بين السيد وروجرز، أحدثت انقسامات داخل الأوساط اليهودية والعربية في ميشيغان. فبينما يشعر بعض الناخبين اليهود بالقلق من مواقف السيد تجاه إسرائيل، يتزايد استياء ناخبين عرب دعموا ترمب في 2024 من الخطاب الجمهوري الذي يربط المرشح الديمقراطي بالتطرف بسبب خلفيته الدينية.
معارك قد تقلب موازين الكونغرس

إلى جانب ميشيغان وماين، تتجه الأنظار إلى عدد من الولايات التي قد تُحدد مستقبل الأغلبية الجمهورية. ففي جورجيا، يحاول السيناتور الديمقراطي جون أوسوف الاحتفاظ بمقعده أمام الجمهوري مايك كولينز، في ولاية فاز بها ترمب في انتخابات 2024، لكن استطلاعات الرأي تمنح أوسوف تقدماً ملحوظاً.
أما في كانساس، فقد تحوّلت المنافسة التي كانت تُعد محسومة للجمهوريين إلى واحدة من مفاجآت الموسم الانتخابي. ويواجه السيناتور الجمهوري روجر مارشال تحدياً قوياً من الديمقراطي آدم هاميلتون، الذي يُقدم نفسه مرشحاً وسطياً قادراً على استقطاب المحافظين والمستقلين. وقد اضطر الجمهوريون إلى تخصيص موارد مالية إضافية، بعدما أظهرت الاستطلاعات تقارباً غير متوقع بين المرشحين. وقدمت لجنة صندوق قيادة مجلس الشيوخ 14 مليون دولار لدعم مارشال، في حين تفوق هاميلتون في جمع التبرعات الانتخابية.
وتبرز ولايات أوهايو وآيوا وألاسكا ضمن خريطة المنافسات التي يراقبها الحزبان، لأن أي اختراق ديمقراطي فيها قد يفتح مساراً جديداً للسيطرة على مجلس الشيوخ، لكن المهمة تبقى صعبة، إذ يحتاج الديمقراطيون إلى تحقيق مكاسب في ولايات محافظة، إلى جانب حماية المقاعد التي يشغلونها حالياً.
وفي مجلس النواب، تتركز المخاوف الجمهورية على الدوائر المتأرجحة، ولا سيما في تكساس؛ حيث قد تؤدي إعادة ترسيم الحدود الانتخابية إلى نتائج عكسية إذا تراجع إقبال الناخبين اللاتينيين المؤيدين لترمب. ويزيد ذلك الضغوط على الاستراتيجية التي اعتمدها الرئيس شخصياً لتعزيز أغلبية حزبه.
إيران والاقتصاد يثقلان كفة الجمهوريين

وتبقى الحرب مع إيران أحد العوامل المشتركة بين هذه المعارك، بعدما أصبحت تداعياتها الاقتصادية جزءاً من الجدل الانتخابي. فارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة يمنح الديمقراطيين فرصة لربط السياسات الخارجية لترمب بالمشكلات اليومية للأميركيين، فيما يسعى الجمهوريون إلى إبراز القوة العسكرية الأميركية باعتبارها ضمانة للأمن القومي. وتزداد حساسية هذه المعادلة مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، إذ يخشى البيت الأبيض أن يؤدي أي تصعيد عسكري جديد إلى اضطراب أسواق النفط قبل الاقتراع. وفي المقابل، قد يؤدي استمرار التهديدات الإيرانية للملاحة إلى تقويض رواية الإدارة بشأن نجاحها في فرض السيطرة العسكرية.
وهكذا يجد ترمب نفسه أمام معضلة مزدوجة، فهو يحتاج إلى تعبئة قاعدته المحافظة من خلال الدفاع عن سياساته، لكنه يخشى أن تتحول هذه السياسات نفسها إلى سبب لخسارة المرشحين الجمهوريين في الولايات المتأرجحة. وإذا كان الرئيس يحمّل مساعديه مسؤولية تعثر الاستراتيجية الانتخابية، فإن نتائج الثالث من نوفمبر ستكشف عن مدى تأثير قراراته الشخصية في مستقبل الأغلبية الجمهورية، خصوصاً في ظل ارتباط الحملة الانتخابية بملفات الحرب والاقتصاد والهجرة.
وقد تكون خسارة مجلس النواب كافية لتغيير طبيعة العامين الأخيرين من ولاية ترمب، عبر منح الديمقراطيين سلطة فتح تحقيقات وعرقلة مشروعاته التشريعية. أما خسارة مجلس الشيوخ أيضاً فستُشكل ضربة أكبر لقدرة البيت الأبيض على تمرير التعيينات والتشريعات، وتُعيد رسم موازين القوى في واشنطن.


