بريطانيا: تهديدات موسكو وطهران تضاعفت 4 مرات خلال عقد

«إم آي 5» حذّر من «حقبة أمنية جديدة» تشهد تحولات بحجم 11 سبتمبر

الجنرال كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
الجنرال كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
TT

بريطانيا: تهديدات موسكو وطهران تضاعفت 4 مرات خلال عقد

الجنرال كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)
الجنرال كين ماكالوم يدلي بتصريحات بمقرّ «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (د.ب.أ)

قال رئيس جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني (MI5)، كين ماكالوم، الثلاثاء، إن إيران تكثّف محاولاتها لاستهداف مواقع محصّنة؛ مثل المنشآت العسكرية، فيما تُصعّد روسيا حربها الهجينة ضد حلفاء أوكرانيا. وأشار إلى أن طهران تسعى إلى توسيع نطاق عملياتها في بريطانيا، لتتجاوز أهدافها التقليدية من المعارضين الإيرانيين، بعدما اتهمتها السلطات البريطانية بالوقوف، عبر وكلاء لها، وراء هجمات حرق متعمّد وتخريب استهدفت مواقع يهودية، وفق ما نقلت وكالة «أسوشييتد برس».

وفي خطابه السنوي الذي تناول فيه مجموعة واسعة من التهديدات التي تواجه بريطانيا، حذّر ماكالوم من أن أكثر ما يثير القلق بشأن إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي هو احتمال تمكّن الإرهابيين من تطوير أسلحة بيولوجية، أو حتى استحداث مسبّبات أمراض جديدة. وعدّ أن بريطانيا تواجه «حقبة جديدة من الأمن القومي»، تشهد تحوّلاً بحجم التغيير الذي أحدثته هجمات 11 سبتمبر (أيلول) قبل ربع قرن. وقال إن التهديدات باتت تتراوح بين «الحرق المتعمّد والتخريب والهجمات السيبرانية والإكراه والعنف»، وصولاً إلى «ما تغذّي به الخوارزميات الإلكترونية المراهقين داخل غرف نومهم».

تضاعف التهديدات

أوضح ماكالوم أن التهديدات المرتبطة بدول أجنبية تضاعفت أربع مرات خلال العقد الماضي، مشيراً إلى أن جهود جهازه لمواجهة هذه التهديدات، وفي مقدمتها تلك المرتبطة بروسيا وإيران والصين. وقال إن جهازه يُخصّص حالياً موارد للتصدي لهذه التهديدات تفوق ما كان يخصّصه خلال الحرب الباردة. وكان رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام قال، الاثنين، إنه من «المرجّح للغاية» أن تكون طهران وراء مخطط يُشتبه في أنه استهدف قاعدة «فيرفورد» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، التي تستخدمها القاذفات الأميركية لتنفيذ ضربات ضد إيران. وأثار الحادث استنفاراً أمنياً، ودفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سحب طائرات من القاعدة.

حذّر رئيس جهاز «إم آي 5» للاستخبارات الداخلية من تضاعف التهديدات الإيرانية والروسية في مؤتمر صحافي يوم 13 أكتوبر (رويترز)

وذكر بيرنهام أن المخطط كان «بشكل شبه مؤكد» بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني، في إشارة إلى الحادثة التي وقعت في 27 سبتمبر، عندما أُجلي عشرات السكان من منازلهم قرب القاعدة الواقعة في غرب إنجلترا، وانتشرت قوات من الشرطة المسلحة مع خبراء تفكيك متفجرات تابعين للجيش في المنطقة. وأعلنت الشرطة لاحقاً العثور على كمية من البنزين داخل ثلاث شاحنات صغيرة في الموقع، من دون العثور على متفجرات. وأُوقف سبعة رجال في العشرينات من أعمارهم، قبل الإفراج عنهم بكفالة مع استمرار التحقيقات.

وذكرت وكالة «أسوشييتد برس» أن إدارة ترمب «تعتقد أن القاعدة واجهت تهديدات إيرانية تستهدف قتل أكبر عدد ممكن من العسكريين الأميركيين، وتدمير أكبر عدد من الطائرات الأميركية»، لكنّ المسؤولين البريطانيين لم يؤكدوا هذه التقديرات.

ونفت طهران الاتهامات بتورّطها في حادثة «فيرفورد»، كما رفضت اتهامات أخرى بممارسة أنشطة عدائية في بريطانيا، حيث تتهمها السلطات منذ سنوات بالضلوع في مخططات ومحاولات اغتيال تستهدف معارضين إيرانيين، فضلاً عن أهداف إسرائيلية ويهودية. وكانت إيران قد أعلنت سابقاً أنها تعد أي قاعدة عسكرية تُستخدم لشن هجمات على أراضيها هدفاً مشروعاً. وتنفي روسيا بدورها ضلوعها في أعمال عدائية داخل بريطانيا ودول غربية أخرى، لكن ماكالوم وصفها بأنها لا تزال «المعتدي الأول».

عشرات الاعتقالات المرتبطة بإيران

قال ماكالوم إنه لا يستطيع التعليق على حادثة «فيرفورد» بسبب التحقيقات الجارية، لكنه أشار إلى تحوّل كبير شهدته السنة الحالية في «طموحات إيران لاستهداف مواقع أكثر صعوبة، مثل المنشآت العسكرية». وأضاف: «حادثة قاعدة فيرفورد ليست فريدة من نوعها... فقد شهدنا أمثلة أخرى، ليس في المملكة المتحدة فحسب، بل في أنحاء العالم».

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وكشف أن العمليات المرتبطة بإيران أدت إلى اعتقال أكثر من 50 شخصاً خلال العام الماضي. ورداً على سؤال عمّا إذا كانت إيران تمتلك القدرة على تنفيذ هجمات معقّدة، ربما باستخدام طائرات مسيّرة محمّلة بالمتفجرات، قال ماكالوم إن قدراتها في هذا المجال مقيّدة بمستوى تطوّر المجرمين والوكلاء الذين تعتمد عليهم لتنفيذ عملياتها داخل بريطانيا. وأوضح أنه «استناداً إلى ما شهدناه فعلياً في المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة، فإن مستوى قدراتهم لم يقترب إطلاقاً من هذا المستوى». واستدرك: «مع ذلك، من الواضح أن (الحرس الثوري) الإيراني يمتلك خبرة واسعة نسبياً في استخدام التقنيات التقليدية والهجينة بأساليب أكثر عدوانية وتطوّراً في البلدان الأقرب إلى الأراضي الإيرانية».

هجمات روسيا «الهجينة»

ردّد ماكالوم تحذيرات أطلقتها أجهزة استخبارات أوروبية أخرى من لجوء روسيا إلى تكتيكات تبقى دون عتبة النزاع العسكري التقليدي، مستشهداً بمحاولة استهداف طائرة شحن بمسيّرة محمّلة بالمتفجرات، في مطار لايبزيغ الألماني، وهجوم سيبراني على البنية التحتية للطاقة في بولندا. وقال إن روسيا تستخدم تكتيكات «تبقى دون مستوى النزاع التقليدي، وإن كانت تقترب منه أحياناً إلى حد كبير». وقال إنه «ليس من قبيل المصادفة أن يسعى المعتدون الروس إلى زعزعة الاستقرار في دول أوروبية أخرى، في وقت يظل فيه تقدّمهم العسكري في أوكرانيا محدوداً ومكلفاً بصورة مروّعة». وكانت روسيا قد رفضت الاتهامات الألمانية بشأن الحادثة التي شهدها مطار لايبزيغ في أغسطس (آب)، ووصفتها بأنها «مختلقة بالكامل».

الذكاء الاصطناعي يفاقم التهديدات

فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، حذّر ماكالوم من أن هذه التكنولوجيا «تزيد بصورة هائلة من حدّة التنافس في مجال الأمن السيبراني بين المهاجمين والمدافعين»، مشيراً إلى أن الجماعات الإرهابية تستغلها لتحسين أساليب الاستطلاع والتخطيط للهجمات وتنفيذها، بما في ذلك استخدام طائرات مسيّرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وأضاف: «أما الخطر الذي لم يتحقق بعد، والذي أعدّه الأكثر إثارة للقلق بين سيناريوهات إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، فيتمثل في قدرته على تغيير طبيعة المخاطر المرتبطة بالأسلحة البيولوجية القائمة، أو حتى تطوير أسلحة بيولوجية جديدة». وأوضح أن هذا المجال يحظى «باهتمام خاص» منه ومن زملائه، مؤكداً أن «هذه المخاطر حقيقية».

جانب من المؤتمر الصحافي السنوي لرئيس جهاز «إم آي 5» في لندن يوم 13 أكتوبر (أ.ب)

وفي تصريحات للصحافيين عقب خطابه في مقر الجهاز بلندن، قال ماكالوم إن الجماعات الإرهابية «تتوق بشدة» إلى امتلاك أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو إشعاعية، لكنها تواجه صعوبات كبيرة في الحصول عليها. وحذّر من خطرين رئيسيين مرتبطين بالذكاء الاصطناعي، موضحاً أن «الخطر الأول يتمثل في احتمال أن يتيح الذكاء الاصطناعي وصول معرفة خطيرة إلى أيدي أشخاص نفضّل جميعاً ألا يمتلكوا هذه المعرفة». وأضاف أن «خطراً ثانياً ومختلفاً يتمثل في احتمال أن يتمكّن الذكاء الاصطناعي من استحداث مسبّبات أمراض جديدة لم تُعرف من قبل»، وفق «أسوشييتد برس». وكشف ماكالوم أن جهاز الاستخبارات الداخلية أنشأ «مركزاً جديداً لتقييم تهديدات الذكاء الاصطناعي»، بهدف استباق المخاطر الناشئة عن التطوّر السريع لهذه التكنولوجيا. وقال إنه «لم يسبق للبشرية في تاريخها أن واجهت كياناً أكثر ذكاءً منها، قادراً على التفوّق عليها في التفكير. هذا أمر غير مسبوق بالفعل، ويستحق الاهتمام الجاد الذي يحظى به، بما في ذلك داخل جهاز الاستخبارات الداخلية».


مقالات ذات صلة

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

ترمب: الحوثيون يتصرفون بشكل سيئ للغاية

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم الثلاثاء، ​إن مسلحي جماعة الحوثي «يتصرفون بشكل سيئ للغاية».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية مَن يفاوض ترمب في إيران؟ (رويترز) p-circle

ترمب لا يعرف مع من يتفاوض... مَن قُتل من قادة إيران ومَن بقي؟

مَن أبرز القادة الإيرانيين الذين قُتلوا في الضربات الأميركية والإسرائيلية، ومَن بقيَ على قيد الحياة، وما حجم نفوذه في مراكز القرار بطهران؟

«الشرق الأوسط» (طهران)
المشرق العربي المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك يتحدث إلى وسائل الإعلام في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

براك والزيدي يبحثان «الطريق الصعب نحو الاستقرار»

رجحت مصادر عراقية أن يكون سلاح الفصائل ضمن نقاشات أجريت في بغداد بين المبعوث الأميركي توم براك ورئيسي الحكومة والقضاء العراقيين.

فاضل النشمي (بغداد)
الاقتصاد المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورئيس البنك الدولي أجاي باغنا يشاركان في إحدى الجلسات بالاجتماعات السنوية ببانكوك (إ.ب.أ)

صندوق النقد يحذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي والحرب والديون

حذّر صندوق النقد الدولي من أن الاقتصاد العالمي يواجه مخاطر متنامية تهدد النمو والاستقرار المالي في ظل الحرب بالشرق الأوسط وارتفاع الديون.

«الشرق الأوسط» (بانكوك)
شمال افريقيا محادثات وزير الخارجية المصري مع الرئيس التنفيذي للصندوق السعودي للتنمية (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

تأكيد مصري على مساندة السعودية... وتحذير من تداعيات التصعيد الحوثي

أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي «الاستعداد لتقديم جميع أشكال الدعم والاستجابة لأي طلبات من الجانب السعودي، بما يعكس عمق العلاقات الأخوية»

«الشرق الأوسط» (القاهرة )

الحراك الطلابي يتواصل في فرنسا... والأنظار تتجه إلى «سبت الغضب»

جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
TT

الحراك الطلابي يتواصل في فرنسا... والأنظار تتجه إلى «سبت الغضب»

جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)
جانب من الاشتباكات بين المتظاهرين وشرطة مكافحة الشغب في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)

شهدت فرنسا، الثلاثاء، خامس يوم من التعبئة الطلابية، مصحوباً بعدد من المظاهرات في باريس ومرسيليا وليون ورين وبوردو ونانت وستراسبورغ وكليرمون فيران.

وقال بيان صادر عن اتحاد نقابات التلامذة والطلاب إن 480 ألف شخص شاركوا في المظاهرات التي عمت المدن الفرنسية، أي أن أعدادهم زادت عما عرفته فرنسا، الثلاثاء، الماضي. وتدحض هذه الأرقام، رغم اختلافها عن تقديرات وزارة الداخلية، نظرية تراجع التعبئة الطلابية بنظر المتظاهرين.

وكما في الأيام السابقة، لم يغب العنف عن هذه المظاهرات، وما يشوبها من عمليات كر وفر بين المحتجين ورجال الأمن وإطلاق الغاز المسيل للدموع، بكثافة كما حصل في باريس وستراسبورغ ونانت وليون وفيل أوربان.

وشهدت العاصمة باريس مناوشات بين الشرطة وعناصر ممن يسمون «بلاك بلوكس» المنتمين إلى اليسار الأكثر تطرفاً، والذين يرتدون الثياب السوداء، ويستغلون كل أنواع المظاهرات والتجمعات للاشتباك مع الشرطة. وحصلت الاشتباكات في حي سان ميشال (الحي اللاتيني)، كما شهد حي الأنفاليد عمليات كر وفر واشتباكات.

القوى الأمنية تستخدم خراطيم المياه لتفريق المتظاهرين في باريس يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

وكانت وزارة الداخلية قد منعت اللجوء إلى القنابل الصوتية بعد أن تسببت في بتر اليد اليسرى لمراهق، مُفضّلةً استخدام خراطيم المياه. وتريد الحكومة أن ترى تراجعاً في التعبئة، وفق ما ذكر وزير التربية إدوار جيفراي، في حديث صباحي لإذاعة «فرانس أنتير»، مستنداً إلى أن تناقص عدد الثانويات التي لم تستأنف فيها الدراسة أو بقيت مغلقة. وجاء في بيان صادر عن وزارته أن 214 ثانوية فقط بقيت مغلقة، مقارنة بـ880 مدرسة، الثلاثاء الماضي، وبالعدد الإجمالي للثانويات الذي يناهز 3600 ثانوية.

وليس سراً أن الحكومة تراهن على انطلاق العطلة المدرسية، مساء الجمعة، لمدة أسبوعين، لتراجع الحراك المدرسي وربما انطفائه. لكن ما جاء على لسان ممثلي التلامذة يدل على عكس ذلك، بل تمددت المظاهرات بقوة في الوسط الطلابي؛ إذ أفاد بيان لـ«الاتحاد الطلابي»، الثلاثاء، بأن 90 في المائة من الكليات الجامعية أصبح اليوم مغلقاً أو محظوراً الدخول إليها، إلا أن وزارة التعليم العالي أفادت من جانبها بأن الاضطرابات طالت «فقط» 35 في المائة من مؤسسات التعليم العالي.

ترقّب لحراك السبت

بيد أن اختلاف الأرقام الخاصة بأعداد المتظاهرين والمدارس والكليات المعطلة لا يكشف حالة عامة من الرغبة في دمج الحراك الطلابي مع المطالب الاجتماعية الأخرى التي ترفعها العديد من النقابات.

الشرطة تطلق الغاز المسيل للدموع خلال مظاهرة لطلاب المدارس الثانوية في باريس يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

ومن المرتقب أن يتّضح يبرز ذلك يوم السبت 17 أكتوبر (تشرين الأول)، وهو اليوم الذي حُدّد للإضراب العام وللنزول بقوة إلى الشوارع، والذي دعت إليه العديد من النقابات للتعبير عن الاحتجاج على تدهور القوة الشرائية وغلاء المعيشة؛ وعلى رأسها الغاز المنزلي والمشتقات النفطية.

وسيشهد، السبت، عودة «السترات الصفراء» الى مستديرات الطرق وإلى الشوارع. ويستذكر الفرنسيون حراكهم في عاميْ 2018 و2019، والعنف الذي رافقه، ولم يتراجع إلا بعد أن لبّت السلطات العديد من مطالبهم.

وإلى جانبهم، ستنزل نقابات التعليم ونقابات الوظائف العمومية، وستليهم في التظاهر نقابات الطيارين يوم 21 من الشهر الحالي. وتحظى هذه النقابات بدعم سياسي، خصوصاً من أحزاب اليسار والنقابات المرتبطة بها؛ وأوّلها النقابة العامة للشغل التي تترأسها صوفي بينيت.

خلاصة ما سبق هي أن «سبتاً أسود» قد ينتظر الفرنسيين، نهاية الأسبوع. وفي بادرة غرضها طمأنة تلامذة التعليم الثانوي، قرر وزير التربية استقبال ممثلين عنهم، يوم الخميس.

وزير الداخلية لوران نونيز (وسط) وإلى يمينه وزير التربية إدوار جيفراي خلال جلسة استماع الثلاثاء في مجلس الشيوخ يوم 13 أكتوبر (أ.ف.ب)

وبحسب إدوار جيفراي، فإن وزارته نجحت في «العثور» على 3000 أستاذ بديل لسد الفراغ المتأتي عن غياب الأساتذة الأصيلين. وكانت المطالبة بإيجاد بدلاء عن غياب الأساتذة على رأس لائحة مطالب التلامذة الثانويين؛ خصوصاً في مدارس ضواحي المدن الفقيرة التي تعاني من اكتظاظ الصفوف وتهالك المباني المدرسية.

ويركز التلامذة اليوم على مطلب إلغاء آلية تعيين الاختصاصات الجامعية المفتوحة أمامهم، ويرون فيها عائقاً غير منصف. وثمة تساؤلات عن كيفية تمكن وزارة التربية من تعبئة 3 آلاف أستاذ ثانوي بسرعة فائقة لمعالجة مشكلة مزمنة لم تتحرك من قبل لمواجهتها.

كذلك، يشكو الطلاب والتلامذة من ضعف زيادة ميزانية وزارة التربية للعام 2027 المتوقفة عند حاجز 1.5 مليار يورو، بينما يصرون على زيادة لا تقل عن 10 مليارات يورو لدعم التعليم الثانوي وليس لأغراض تربوية أخرى.

دور اليسار

شهدت باريس، الثلاثاء، مظاهرتين اثنيتين؛ الأولى كانت حاشدة، وانطلقت من «ساحة إيطاليا» الواقعة في دائرة باريس 13 متجهة إلى ساحة الأنفاليد، قريباً من مبنى المجلس النواب ومقر رئاسة الحكومة. وشارك فيها شخصياً جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي وزعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري المتشدد، وإلى جانبه نواب آخرون من حزبه وقادة نقابيون. ويُتّهم ميلونشون بـ«تسييس» الحراك الطلابي و«استغلاله» في الجدل السياسي وفي معركة الرئاسة المقبلة. أما المظاهرة الثانية فانطلقت من ساحة بلدية باريس، وصولاً إلى حي مونبارناس.

شرطة مكافحة الشغب تطلق الغاز المسيل للدموع في مواجهة المتظاهرين في باريس يوم 13 أكتوبر (رويترز)

وبات واضحاً اليوم أن حراك التلامذة الثانويين والطلاب يحظى بدعم جميع أحزاب اليسار والنقابات اليسارية، بينما أحزاب اليمين تركز على ضرورة المحافظة على الأمن، والتنديد بالعنف والمشاغبين، وتقف إلى جانب قوى الأمن.

ولعلّ أبز دليل على «قسوة» تعامل الشرطة مع التلامذة والطلاب أنها ألقت القبض على 6877 شخصاً، بينهم 86 في المائة من القاصرين. وهذا الوضع يدفع بعدد متزايد من الأهالي لمرافقة أبنائهم إلى المظاهرات لغرض «حمايتهم»، بينما تؤكد وزارة الداخلية أن القوى الأمنية لا تمارس العنف على المتظاهرين بل على المشاغبين.

وأعلنت وزارة التربية الوطنية، الثلاثاء، أن عدد الجرحى من العاملين فيها إلى اليوم جرّاء الاحتجاجات بلغ 147، بعد تسجيل إصابة 20 شخصاً جديداً، الاثنين، بينهم خمسة من مديري المؤسسات التعليمية. كذلك أصيب بجروح، في أيام التظاهر الماضية، ما لا يقل عن 700 رجل أمن. بالمقابل، فتحت الشرطة تحقيقات داخلية في 36 ادعاءً باستخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين.


«ديزل بوتين» يربك الجمهوريين... وترمب يضغط على كييف لإنقاذ رهانه الانتخابي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«ديزل بوتين» يربك الجمهوريين... وترمب يضغط على كييف لإنقاذ رهانه الانتخابي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة محاطاً بعدد من المرشحين الجمهوريين خلال تجمع انتخابي في ولاية تينيسي يوم 10 أكتوبر 2026 (رويترز)

تحول اتفاق الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع موسكو لتوفير الديزل إلى أزمة تتجاوز أسعار الوقود، وتجمع بين حسابات انتخابات التجديد النصفي ومستقبل الحرب الروسية على أوكرانيا.

فبينما يدافع البيت الأبيض عن تخفيف العقوبات بعدّه استجابة لمعاناة الأميركيين، تتصاعد اعتراضات ديمقراطية وجمهورية ترى فيه إنقاذاً للاقتصاد الحربي الروسي، مقابل مكاسب سعرية محدودة. ويتعمق الخلاف مع ضغط واشنطن لوقف الهجمات الأوكرانية على المصافي الروسية، فيما تستمر ضربات موسكو للبنية التحتية الأوكرانية، كاشفة هشاشة «هدنة الطاقة» التي أعلنتها ترمب من دون تأكيد اتفاق الطرفين عليها.

وقبل ثلاثة أسابيع من انتخابات الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، يجد الجمهوريون أنفسهم أمام مفارقة: الإجراء الذي يُفترض أن يخفف أعباءهم الانتخابية يفتح مواجهة داخلية بشأن روسيا، ويضع صدقية السياسة الأميركية تجاه حلفائها موضع اختبار.

النائب الديمقراطي آل غرين يدعو لعزل ترمب أمام الكونغرس في 14 سبتمبر 2026 (د.ب.أ)

تمرد على «ديزل بوتين»

لم تعد الاعتراضات محصورة بالديمقراطيين، فقد طالب سبعة أعضاء في مجلس الشيوخ، بينهم أربعة جمهوريين، الإدارة بالتراجع، معتبرين أن السماح بواردات الطاقة الروسية يتعارض مع حظر أقرّه الكونغرس عام 2022 لمنع تمويل حرب موسكو. واعترضوا أيضاً على عدم التشاور مع المشرعين وتقديم التفسير المطلوب للقرار. في المقابل، أكد وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الإدارة تملك الصلاحيات القانونية لتنفيذه، ما يجعل قانونية الاتفاق موضع نزاع سياسي وتشريعي، لا مسألة محسومة قضائياً.

واتسعت جبهة الانتقاد لتشمل السيناتور الجمهوري جيري موران، الذي دعا إلى تشديد العقوبات، والنائب دون بيكون، الذي اتهم ترمب بالضعف تجاه بوتين، فيما تعهد النائب برايان فيتزباتريك بطرح تشريع يمنع مشتريات النفط الروسي. ووصف نائب الرئيس السابق مايك بنس رفع العقوبات بأنه طوق نجاة لآلة الحرب الروسية.

لكن الحزب لم يتوحد ضد الرئيس، إذ دافع السيناتور جون بارسو عن موازنته بين خفض تكاليف الطاقة وإنهاء الحرب، وأيدت النائبة آنا بولينا لونا الاتفاق. أما ترمب، فرفض انتقادات الجمهوريين وشدد على منفعة المزارعين ومربي الماشية.

وتكمن المعضلة الانتخابية في أن هؤلاء يشكلون جزءاً مهماً من القاعدة الجمهورية، بينما تنتقل كلفة الديزل عبر النقل والزراعة إلى أسعار الغذاء والسلع. وبحسب «وول ستريت جورنال»، بلغ متوسط سعر الغالون نحو 6.27 دولار الاثنين، بزيادة 71 في المائة على أساس سنوي. غير أن محللين نقلت عنهم الصحيفة، شككوا في قدرة الكميات المعلنة على إحداث انخفاض ملموس. وهنا يكمن الخطر على مرشحي الحزب، فالدفاع عن تقارب مثير للجدل مع بوتين، لا يضمن وصول منفعة اقتصادية إلى الناخبين قبل الاقتراع. ولا يعني ذلك أن الاتفاق سيحسم الانتخابات، لكنه يضيف عبئاً إلى الدفاع عن تداعيات حرب إيران، ويمنح الديمقراطيين مادة تربط الغلاء بتناقضات السياسة الخارجية.

هدنة بلا ضمانات

في صلب الأزمة خلاف على أسباب ارتفاع الأسعار وعلى توزيع كلفة معالجتها. فترمب يحمّل ضربات المصافي الروسية مسؤولية كبيرة، بينما تشير التقارير الاقتصادية إلى أن حرب إيران واضطراب إمدادات الشرق الأوسط وملاحة مضيق هرمز، يمثلان العامل الأساسي، مع مساهمة الهجمات الأوكرانية في تقليص المعروض.

وأعلن ترمب الأحد بدء «هدنة للطاقة» فوراً، لكن موسكو وكييف لم تؤكدا التوصل إلى اتفاق. وتبادل الجانبان الاتهامات عن خرق الاتفاق غير المؤكد. لذلك فإن وصف ما حدث بأنه انهيار لاتفاق مكتمل، يتجاوز الوقائع المتاحة. ويتضاعف الإشكال مع تقارير تفيد بأن المقصود أميركياً ربما وقف ضرب المصافي تحديداً، بينما تطالب كييف بحماية منظومتها الأوسع للطاقة والبنية التحتية. وهذا الفارق أثار انتقادات عَبّرت عنها صحف أميركية، متهمة ترمب بأنه «يضغط على الطرف الخطأ» بحسب «واشنطن بوست»، عبر مطالبة أوكرانيا بتعطيل أداة ردع، بينما تحصل روسيا على تخفيف للعقوبات. وزادت دعوة ترمب إلى تغيير الرئيس الأوكراني التوتر، حيث رد زيلينسكي بأن اختيار الرئيس شأن أوكراني، وعرض تنظيم انتخابات إذا وافقت روسيا على وقف شامل للنار لمدة 60 يوماً.

ترمب يتحدث خلال تجمع انتخابي في مركز كوفيلي في أوهايو (أ.ف.ب)

ردع موسكو وتقييد كييف

وتظهر ازدواجية الرسالة الأميركية في موقف القائد الأعلى لقوات حلف الناتو في أوروبا، الجنرال الأميركي أليكس غرينكويتش. ففي خطاب بوارسو، تعهد بإحباط أي هجوم روسي على دول «الناتو»، مستعرضاً تصوراً يقوم على صد الهجوم وإضعاف اندفاعه، ثم تحطيم القوات المهاجمة إذا واصلت عدوانها. لكنه نقل أيضاً مطالب أميركية إلى كييف بوقف ضرب المصافي.

ووفق مصادر أوكرانية وغربية، اقترنت الرسائل بتذكير بأهمية السلاح والمعلومات الاستخباراتية الأميركية. وفيما نفى مسؤول أميركي رواية «نيويورك تايمز» عن التلويح بحجب المساعدة الاستخباراتية، أكدت مصادر أوكرانية وقف تلقيها خلال هجمات على كييف أخيراً.

وبحسب تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز»، هددت إدارة ترمب منذ ذلك الحين بتعليق برنامج يتيح للأوروبيين شراء الأسلحة ثم نقلها إلى أوكرانيا. وفي مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» على هامش منتدى وارسو للأمن الاثنين، قال السفير الأميركي لدى حلف شمال الأطلسي ماثيو ويتاكر إنه لا يريد التعليق على «تقارير غير مؤكدة». لكنه أضاف: «لا أعتقد أن ذلك يتوافق مع ما أعرفه اليوم، وهو أن الولايات المتحدة تواصل بيع معداتنا وذخائرنا إلى حلفائنا الأوروبيين والكنديين الذين يقدمونها بدورهم إلى أوكرانيا». وتابع: «لا علم لي بأي تغيير في هذا البرنامج».

في المقابل، أكد «الناتو» استمرار تدفق السلاح عبر البرنامج الذي تموله الدول الأوروبية.

إقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعفاءً مؤقتاً لصادرات مشتقات نفطية روسية يثير قلقاً عميقاً في أوروبا (د.ب.أ)

وتوضح «نيويورك تايمز» أن هذا يظهر تناقضاً سياسياً واستراتيجياً. فواشنطن تستعد لردع موسكو عن مهاجمة الحلف، لكنها تضغط لتقييد وسيلة تستخدمها أوكرانيا لرفع كلفة الحرب على روسيا. فاستهداف المصافي اكتسب أهمية مع تحول النزاع إلى حرب استنزاف اقتصادي. وبذلك، قد تتجاوز قيمة وقف الهجمات بالنسبة إلى الكرملين عائدات شحنات الديزل نفسها. وهذه هي حجة المنتقدين: الجمع بين تخفيف العقوبات وحماية المصافي يمنح بوتين أفضلية في حرب الاقتصاد، من دون انتزاع تنازل روسي مقابل يمكن التحقق منه.

تسوية أم استنزاف؟

ومع ذلك، لا يعني التصعيد أن المسار الدبلوماسي انتهى. فقد كشفت «واشنطن بوست»، نقلاً عن مسؤول أميركي، عن بحث حزمة أميركية أوروبية أوسع خلال اجتماعات فلوريدا بين ستيف ويتكون وجاريد كوشنر مع ممثلين أوكرانيين وأوروبيين. وتشمل الأفكار إعادة إعمار أوكرانيا، وضمانات أمنية أميركية وأوروبية، وترتيبات للطاقة وإعادة دمج روسيا اقتصادياً مقابل تسوية، وصولاً إلى وقف للنار على خطوط السيطرة. لكنها تظل مقترحات منقولة عن مسؤول، وليست اتفاقاً أقرّه الأطراف، خصوصاً في قضايا الأراضي والضمانات ورفع العقوبات.

وبحسب الصحيفة، منطق المبادرة هو توسيع مكاسب السلام لتعويض تنازلات مؤلمة للطرفين. لكن منح موسكو فوائد مسبقة قد يضعف الحافز الذي يُفترض أن يدفعها إلى التسوية، فيما يصعب إقناع كييف بالتخلي عن ورقة المصافي إذا بقيت مدنها واقتصادها عرضة للقصف.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يؤدي التحية لدى نزوله من الطائرة «مارين 1» في عودته للبيت الأبيض السبت الماضي (أ.ب)

وتشير المعطيات إلى ثلاثة مسارات: هدنة متبادلة قابلة للمراقبة تمهد لمفاوضات أوسع؛ أو استمرار استنزاف البنى الاقتصادية خلال الشتاء؛ أو اتساع الخلاف الأميركي الأوكراني بما يضعف موقف كييف. ويتوقف الترجيح بينها على استعداد موسكو لتقديم التزامات فعلية، وقدرة واشنطن وأوروبا على ربط الحوافز بتنفيذها. أما انتخابياً، فالوقت أضيق من تعقيدات التسوية، وإذا لم تنخفض الأسعار ولم تتوقف الهجمات الروسية، فقد يجد الجمهوريون أنفسهم أمام اتفاق لم يمنح ناخبيهم الإغاثة الموعودة، لكنه منح خصومهم ورقة ضغط أكبر.


الكرملين يناقش «هدنة الطاقة» مع واشنطن... وزيلينسكي يوقف الهجمات على مصافي النفط

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

الكرملين يناقش «هدنة الطاقة» مع واشنطن... وزيلينسكي يوقف الهجمات على مصافي النفط

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

تمسكت موسكو بمواقفها حيال عملية التسوية في أوكرانيا، مستفيدة من تصاعد الضغوط الأميركية على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وأعلن الأخير التزامه المبادرة الأميركية لوقف استهداف منشآت الطاقة، لكنه اشتكى من استمرار الهجمات الروسية على البنى التحتية في بلاده، وتراجع مستوى الدعم الاستخباراتي الغربي، فيما أعلن الكرملين أنه «يبحث موضوع الهدنة مع الشركاء الأميركيين».

وتواصلت تداعيات «صفقة الديزل» التي توصل إليها الرئيسان؛ الأميركي دونالد ترمب، والروسي فلاديمير بوتين، قبل أيام، مع ما تبعها من تباعد جديد في العلاقة الأميركية بالرئيس الأوكراني، ومسعى ترمب لفرض هدنة في مجال الطاقة لتسهيل إمدادات الديزل من روسيا إلى الولايات المتحدة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

وبدا أن الكرملين يسعى سريعاً لتوظيف اتساع الهوة بين ترمب وزيلينسكي، وأعلن الناطق الرئاسي الروسي؛ ديمتري بيسكوف، الثلاثاء، تمسك بلاده بشروطها لدفع عملية سلام، مجدداً التشديد على ضرورة أن تلتزم كييف جدياً إجراء انتخابات رئاسية لتجديد شرعية قيادتها. وقال الناطق في إفادة يومية إن «موقف موسكو من إمكانية عقد اجتماع بين بوتين وزيلينسكي وضرورة إجراء انتخابات في أوكرانيا معروفٌ جيداً».

وجاء الحديث رداً على سؤال عما إذا كانت فكرة ترتيب لقاء يجمع الرئيسين الروسي والأوكراني قد نوقشت مع ترمب خلال المكالمة الهاتفية التي أسفرت عن «اتفاق الديزل». وأعلن ترمب بعد المكالمة عن ضرورة عقد اجتماع مباشر بين بوتين وزيلينسكي لإنهاء الصراع في أوكرانيا. وكان الرئيس الروسي قد صرح سابقاً بأن زيلينسكي يمكنه القدوم إلى موسكو إذا كان منفتحاً على الحوار، وأنه ستوفَّر ضمانات أمنية له.

لكن الموقف الروسي تشدد أكثر، كما أظهرت التصريحات الرسمية في اليومين الماضيين، بعدما أعلن ترمب، الأحد، أن على زيلينسكي إجراء انتخابات في أوكرانيا. ورأى أن أوكرانيا بحاجة إلى زعيم جديد قادر على التفاوض مع روسيا.

من جانبه، وفي مقابل دعوة الرئيس الأوكراني إلى هدنة شاملة لمدة شهرين لترتيب إجراء الانتخابات، أعلن الكرملين استعداده لوقف النار ليوم واحد لتسهيل عمليات التصويت في حال أبدت كييف جدية في إجراء انتخابات.

وقال بيسكوف إنه «من الواضح تماماً أن كييف لا ترغب في إجراء انتخابات، وأنها تحتاج إلى وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً ليس لإجراء الانتخابات، بل لإعادة بناء قوتها، ومعالجة جراحها، ومواصلة الحرب».

إلى ذلك، أعلنت موسكو أنها تبحث مع واشنطن تفاصيل تنفيذ «صفقة الديزل»، وقال نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، إن وزارتَي الطاقة في روسيا والولايات المتحدة، وكذلك شركات، تُجري مفاوضات بشأن تصدير وقود الديزل.

وأوضح نوفاك، في مقابلة مع وكالة «فيستي»: «تجري اليوم بالفعل مفاوضات بين شركاتنا ومشتري المواد الخام الروسية، وكذلك بين وزارة الطاقة الروسية ووزارة الطاقة في الولايات المتحدة الأميركية».

لكن عنصراً جديداً دخل الثلاثاء على خط تداعيات «صفقة الديزل» ودعوة ترمب إلى هدنة في قطاع الطاقة؛ اذ حملت تصريحات زيلينسكي وقادة جيشه؛ بشأن عدم تلقي كييف معلومات استخباراتية غربية عن الضربات الصاروخية الروسية في الأيام الأخيرة، بُعداً لافتاً، بعدما كانت معطيات إعلامية قد تحدثت سابقاً عن تهديد واشنطن بوقف الدعم الاستخباراتي لكييف لحملها على الرضوخ لخطط ترمب.

وقد قال وزير الخارجية الأوكراني آندريه سيبيها، الثلاثاء، إن بلاده لا تزال تتلقى معلومات استخباراتية من الولايات المتحدة؛ في محاولة منه لتهدئة المخاوف بعدما لم تتلقَّ بلاده أي تحذيرات قبل أن تطلق روسيا صواريخ باليستية على كييف. وفي كلمة ألقاها خلال «منتدى وارسو للأمن»، قال سيبيها إن كييف وواشنطن تواصلان تعاونهما. وكرر دعوته إلى توفير مزيد من أنظمة الدفاع الجوي وإمدادات معدات الطاقة، في الوقت الذي تستعد فيه أوكرانيا لشتاء جديد في ظل الحرب التي تشنها روسيا على البلاد.

بوتين مستقبلاً مبعوثَي ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين يوم 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

وأعلن سلاح الجو الأوكراني، الثلاثاء، أنه لم يتلقَّ أي إشعار مسبق بعمليات إطلاق الصواريخ الأخيرة، وأنه رصدها فوق كييف مباشرة. وكانت شبكة «سي إن إن» أفادت في اليوم السابق بأن البنتاغون ووزارة الخارجية الأميركية وجّها تحذيرات إلى أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين خلال عطلة نهاية الأسبوع بشأن استعداد واشنطن لوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع كييف وتعليق مشاركتها في برنامج شراء الأسلحة لكييف. إلا إنه لم يَصدر أي تأكيد رسمي لهذه المعلومات.

وقال بيسكوف إن الكرملين «لا علم له» بخطط الرئيس الأميركي لإنهاء تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. في حين قال زيلينسكي إن الرادارات الأوكرانية رصدت أهدافاً فوق مدينة كييف مباشرة، في إشارة إلى أنه لم يتلقَّ أي تحذير مسبق بوقف الدعم الاستخباراتي. ونقل عنه موقع «سترانا رو» قوله: «فيما يتعلق بهذه الضربات؛ للأسف، لم نتلقَّ أي تحذير من شركائنا».

وقال الرئيس الأوكراني إن أوكرانيا أوقفت هجماتها بالفعل على مصافي النفط الروسية وبنيتها التحتية الأخرى في مجال الطاقة منذ يومين. لكنه أشار إلى أن روسيا لم تمتنع عن شن الهجمات.

وأضاف زيلينسكي عبر منصة «إكس»: «خلال هذه الفترة، هاجم الروس منشآتنا في قطاع الطاقة وبنيتنا التحتية الحيوية؛ مما أرسل إشارات واضحة تماماً بأنهم لا ينوون الكف عن شن هجمات على أوكرانيا».

على صعيد متصل، علق الكرملين على قرار «الاتحاد الاوروبي» فرض رزمة عقوبات جديدة على روسيا رداً على «صفقة الديزل»، وقال بيسكوف إن «نية (الاتحاد الأوروبي) فرض عقوبات على روسيا؛ رداً على قرار الولايات المتحدة بشأن وقود الديزل، قد تعرقل تنفيذ الاتفاق بين البلدين».

وبدا أن مواقف موسكو وواشنطن متطابقة حيال النية الأوروبية المعلنة. وكان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، قد وصف الانتقادات الأوروبية للاتفاق بين موسكو وواشنطن بشأن إمدادات وقود الديزل الروسي بأنها «نفاق».

وفي انتظار استئناف المحادثات الأميركية - الأوروبية؛ التي عُلّقت الأسبوع الماضي بعد إعلان «صفقة الديزل»، أكد الكرملين أن موسكو لم تطلع إلا على «بعض التقارير الإعلامية المتعلقة بخطة سلام أميركية - أوروبية يجري نقاشها لتسوية النزاع في أوكرانيا».

وكان الطرفان عقدا جولة مباحثات في ميامي قبل أيام، هدفت إلى بلورة خطة مشتركة للسلام، ورجحت أوساطٌ استئنافَ المحادثات قريباً، وعَلّق مبعوثا الرئيس الأميركي؛ ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، زيارة منتظرة إلى موسكو؛ في انتظار ما قد تسفر عنه المباحثات الأميركية - الأوروبية.

المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف (د.ب.أ)

وكانت صحيفة «واشنطن بوست» نقلت عن مسؤول أميركي أن الولايات المتحدة وأوروبا تعملان على خطة جديدة لحل النزاع في أوكرانيا، تتضمن رفع العقوبات المفروضة على روسيا، والاستثمار في إعادة إعمار أوكرانيا، ووقف إطلاق النار على طول خط التماس. لكن الإعلان عن «صفقة الديزل» وما تبعها من تداعيات أوقفا مؤقتاً هذه النقاشات.

وفي هذا السياق، أكد الكرملين أنه «لا يرى أي صلة مباشرة بين قرار الولايات المتحدة بشأن وقود الديزل الروسي وموقف روسيا من المفاوضات».

وقال بيسكوف للصحافيين، الثلاثاء، رداً على سؤال عمّا إذا كانت صادرات وقود الديزل قد تدفع روسيا إلى اتخاذ موقف أعلى مرونة في مفاوضات تسوية الأزمة الأوكرانية: «لا أرى أي صلة مباشرة هنا».

وأكد الناطق أن الاتفاق بين روسيا والولايات المتحدة بشأن إمدادات وقود الديزل يصب في مصلحة البلدين وأسواق الطاقة العالمية. وأضاف: «هذا في الواقع جانبٌ ذو منفعة متبادلة للغاية في التعاون الروسي - الأميركي. فهو يلبي مصالح الولايات المتحدة، ومصالح أسواق الطاقة العالمية، ومصالح روسيا الاتحادية، ولذلك تم إبرامه».

على صعيد آخر، تصاعدت حدة السجالات الروسية - الغربية مجدداً بشأن الوضع في البحر الأسود، وأقرّ الأمين العام لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، مارك روته، بتعزيز إجراءات الردع والدفاع لـ«الحلف» في البحر الأسود.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع في الكرملين الاثنين (إ.ب.أ)

وأفادت السلطات البلغارية، الثلاثاء، بوقوع هجوم بطائرة مسيّرة على سفينتين تجاريتين قبالة سواحل البلاد على البحر الأسود؛ مما أدى إلى غرق إحداهما. وقال رئيس الوزراء البلغاري، رومين راديف، الثلاثاء، إن سفينتين تعرضتا لضربات بالطيران المسيّر قبالة السواحل البلغارية. وقال راديف، خلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن البلغاري، إن سلطات صوفيا تلقت إشارة استغاثة أولى من إحدى السفينتين، مشيراً إلى أن أفراد الطاقم الذين أمكن إنقاذهم جميعاً أفادوا بأن السفينة التي ترفع العلم المالطي والمملوكة لأوكرانيا «تعرّضت لضربات بـ3 طائرات مسيّرة». وأضاف أن «سفينة أخرى تعرضت للإصابة» و«غرقت» بعد ذلك بقليل، و«أمكنَ إنقاذ أحد أفراد طاقمها». في المقابل، قال بيسكوف إن البحر الأسود غير صالح حالياً للملاحة الآمنة بسبب «أنشطة كييف الإرهابية».