«صندوق النقد» يتوقع رفع الفائدة اليابانية تدريجياً

«نمو الاقتصاد» يتباطأ إلى 0.7 % وتحذيرات من تقلبات الين وضغوط الطاقة

«البنك المركزي» في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
«البنك المركزي» في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

«صندوق النقد» يتوقع رفع الفائدة اليابانية تدريجياً

«البنك المركزي» في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
«البنك المركزي» في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

توقع «صندوق النقد الدولي» أن يواصل «بنك اليابان» رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو المستوى المحايد، رغم تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع تكاليف الطاقة، في وقت حذر فيه من استمرار تقلبات أسواق الصرف، خصوصاً في آسيا، مؤكداً أن التدخل في سوق العملات قد يكون مبرراً عندما تصبح التحركات غير منتظمة وتهدد الاستقرار المالي.

وقال «الصندوق»، في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، الصادر الثلاثاء، إن الاقتصاد الياباني مرشح للنمو بنسبة 0.7 في المائة خلال عام 2026، مقارنة بنمو بلغ 1.2 في المائة العام الماضي، على أن يستقر معدل النمو عند 0.7 في المائة أيضاً خلال عام 2027.

وأوضح أن إجراءات الدعم المالي الحكومية ستساعد جزئياً على تخفيف تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، بينما يُتوقع أن تتراجع آثار صدمة الطاقة تدريجياً خلال العام المقبل، بالتزامن مع استمرار تطبيع السياسة النقدية.

وتعكس هذه التوقعات التحدي الذي يواجهه الاقتصاد الياباني؛ إذ يتعين على السلطات تحقيق توازن بين احتواء التضخم والمحافظة على النشاط الاقتصادي، في ظل اعتماد البلاد الكبير على واردات الوقود والمواد الخام، واستمرار حساسية الأسعار لتحركات الين.

الفائدة تتجه نحو المستوى المحايد

ويرى «صندوق النقد» أن «بنك اليابان» سيواصل تشديد سياسته النقدية بصورة تدريجية، وصولاً إلى مستوى للفائدة لا يحفز النشاط الاقتصادي ولا يقيده بصورة مفرطة.

وكان «البنك المركزي» قد رفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول) الماضي إلى 1.25 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 31 عاماً، مع تأكيد استعداده لمواصلة التشديد إذا استمرت المخاطر المرتبطة بتجاوز التضخم مستهدفه البالغ اثنين في المائة.

ويأتي موقف «الصندوق» متسقاً مع توجه عدد من البنوك المركزية العالمية التي تواجه ضغوطاً تضخمية ناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.

لكن مسار الفائدة اليابانية يظل أعقد بسبب تباطؤ النمو، إذ قد يؤدي التشديد النقدي السريع إلى زيادة تكاليف الاقتراض على الشركات والأسر، والحد من الاستثمارات والإنفاق الاستهلاكي.

وفي المقابل، فإن الإبقاء على سياسة نقدية شديدة التيسير قد يسمح باستمرار انتقال ارتفاع تكاليف الواردات إلى الأسعار المحلية، خصوصاً إذا ظل الين ضعيفاً.

ويشير مفهوم «الفائدة المحايدة» إلى المستوى الذي يساعد على استقرار التضخم والنمو دون تقديم تحفيز إضافي للاقتصاد أو فرض قيود كبيرة عليه، وهو مستوى يصعب تحديده بدقة ويتغير وفق الظروف الاقتصادية.

صدمة الطاقة تعيد تشكيل التضخم

وتواجه اليابان ضغوطاً متصاعدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والطاقة، في ظل الاضطرابات الجيوسياسية التي أثرت على أسواق الإمدادات العالمية.

ويجعل اعتماد الاقتصاد الياباني على استيراد الوقود والمواد الخام ارتفاع الأسعار العالمية أكبر تأثيراً في تكاليف الإنتاج والنقل والكهرباء؛ مما يزيد احتمالات انتقال الضغوط إلى المستهلكين.

كما يؤدي ضعف الين إلى مضاعفة تكلفة الواردات المقيّمة بالدولار؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام مخاطر استمرار التضخم حتى مع تباطؤ النشاط الاقتصادي.

وأوضح «صندوق النقد» أن البنوك المركزية تستطيع تجاهل التأثيرات المباشرة وبعض الآثار غير المباشرة قصيرة الأجل لصدمات الأسعار عند تحديد سياستها النقدية، ولكن بشرط أن تكون الصدمة مؤقتة.

وحذر بأن ارتفاع توقعات التضخم قد يستدعي زيادة أسعار الفائدة الاسمية، حتى عندما يكون من المناسب عدم الاستجابة المباشرة لصدمة الطاقة، وذلك للحفاظ على استقرار تكاليف الاقتراض الحقيقية.

وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة بالنسبة إلى اليابان، حيث يسعى «بنك اليابان» إلى ضمان استقرار التضخم حول مستوى اثنين في المائة، دون السماح بتحوله إلى موجة ارتفاع مستمرة يصعب احتواؤها.

الين تحت مراقبة الأسواق

وخصص «صندوق النقد» جانباً من تقريره لتقلبات أسعار الصرف، مشيراً إلى أن أسواق العملات شهدت تحركات حادة، خصوصاً في آسيا؛ مما دفع بعض الدول إلى التدخل للحد من الاضطرابات.

وأشار التقرير إلى عملية تدخل مشتركة بين اليابان والولايات المتحدة لدعم الين، في ظل الضغوط التي تعرضت لها العملة اليابانية.

وأكد «الصندوق» أن الحفاظ على انتظام حركة الأسواق والاستقرار المالي يصبح أمراً بالغ الأهمية خلال فترات الصدمات الاقتصادية الكبيرة.

ورغم تأييده مرونة أسعار الصرف بوصفها وسيلة لامتصاص الصدمات الخارجية، فإنه أوضح أن التدخل المؤقت قد يكون مناسباً عندما تصبح تحركات العملات غير منتظمة.

وحدد التقرير حالات يمكن أن تبرر التدخل، من بينها تسارع انخفاض العملة بصورة تغذي مزيداً من التراجع، وتدهور السيولة في سوق الصرف، وتهديد استقرار الأسعار نتيجة الانتقال الحاد لتغيرات سعر العملة إلى التضخم.

كما يمكن النظر في التدخل إذا أدت تحركات العملة إلى ضغوط كبيرة على المراكز المالية للشركات والمؤسسات التي تتحمل التزامات بعملات أجنبية.

ويعكس هذا الموقف اعترافاً بأن مرونة سعر الصرف تظل القاعدة الأساسية، لكن الظروف الاستثنائية قد تتطلب إجراءات مؤقتة لمنع اضطرابات مالية أوسع.

اختبار السياسة الاقتصادية اليابانية

تأتي توقعات «صندوق النقد» في وقت تحاول فيه الحكومة اليابانية إعادة ضبط سياستها الاقتصادية، مع التركيز على احتواء التضخم والحفاظ على استدامة المالية العامة.

وكانت رئيسة الوزراء، ساناي تاكايتشي، قد أكدت أخيراً أن الاقتصاد لم يعد بحاجة إلى سياسات تستهدف إعادة تنشيط التضخم، مشددة على احترام استقلالية «بنك اليابان» في تحديد أسعار الفائدة.

كما تعهدت الحكومة بمراقبة تحركات الين والأسعار بعناية، واتخاذ الإجراءات المناسبة عند الضرورة.

ويعزز تقرير «صندوق النقد» أهمية التنسيق بين السياستين المالية والنقدية، دون المساس باستقلالية «البنك المركزي»، خصوصاً أن زيادة الإنفاق الحكومي بصورة واسعة قد تُعقّد جهود السيطرة على التضخم.

وفي الوقت نفسه، قد يساعد توجيه الدعم المالي إلى الفئات الأكبر تأثراً بارتفاع أسعار الطاقة في تخفيف الأعباء المعيشية دون خلق ضغوط إضافية كبيرة على الطلب.

وسيكون على «بنك اليابان» تقييم مدى استمرار صدمة الطاقة، وتأثير ضعف الين في الأسعار، واتجاه توقعات التضخم، قبل تحديد وتيرة الزيادات المقبلة في الفائدة.

وتشير تقديرات «الصندوق» إلى أن اليابان تتجه نحو مرحلة من النمو المحدود والسياسة النقدية الأكبر تشدداً، حيث تصبح إدارة المخاطر أكبر أهمية من الاعتماد على التحفيز الاقتصادي التقليدي.

ومع توقع نمو لا يتجاوز 0.7 في المائة خلال العامين الحالي والمقبل، فستظل قدرة السلطات على احتواء التضخم واستقرار الين، دون إضعاف النشاط الاقتصادي، الاختبار الرئيسي للسياسة الاقتصادية اليابانية خلال المرحلة المقبلة.


مقالات ذات صلة

الأسهم اليابانية تتراجع مع تصاعد مخاوف التكنولوجيا

الاقتصاد رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

الأسهم اليابانية تتراجع مع تصاعد مخاوف التكنولوجيا

تراجعت الأسهم اليابانية بقوة، الثلاثاء، تحت ضغط موجة بيع جديدة في شركات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد زوار يتفاعلون مع روبوت ذكي في معرض للتكنولوجيا المتقدمة بمدينة تشيبا اليابانية (إ.ب.أ)

طفرة الذكاء الاصطناعي تنعش التجارة العالمية

أصبحت طفرة الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لنمو التجارة العالمية بعدما أدى الطلب المتسارع على الرقائق إلى تعزيز الصادرات والاستثمارات الآسيوية

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد رجل على دراجة في أحد شوارع العاصمة الصينية بكين (أ.ب)

صندوق النقد يخفض توقعات نمو الصين إلى 4.5 %

خفَّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني خلال عام 2026 إلى 4.5 في المائة، متأثراً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجع عوائد السندات في منطقة اليورو وسط موجة بيع أسهم التكنولوجيا

تراجعت عوائد السندات في منطقة اليورو، الثلاثاء، بالتوازي مع عوائد سندات الخزانة الأميركية، ولا سيما السندات طويلة الأجل، مع دفع موجة بيع أسهم التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رسم بياني لمؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسواق الأوروبية ترتفع بدعم من تراجع أسعار النفط

ارتفعت الأسهم الأوروبية، الثلاثاء، بدعم من تراجع أسعار النفط، الذي عزز شهية المستثمرين للمخاطرة، في حين تعرضت أسهم التكنولوجيا لضغوط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الأسهم اليابانية تتراجع مع تصاعد مخاوف التكنولوجيا

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

الأسهم اليابانية تتراجع مع تصاعد مخاوف التكنولوجيا

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم بالعاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

تراجعت الأسهم اليابانية بقوة، الثلاثاء، تحت ضغط موجة بيع جديدة في شركات أشباه الموصلات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع تصاعد المخاوف الجيوسياسية واستمرار الضغوط التضخمية.

في المقابل، شهدت سوق السندات الحكومية تحركات متباينة، مع ارتفاع العوائد قصيرة الأجل وتراجع نظيرتها طويلة الأجل، وسط ترقب المستثمرين الخطوة المقبلة لبنك اليابان.

وأغلق مؤشر «نيكي 225» منخفضاً بنسبة 1.82 في المائة عند 67 ألفاً و777.52 نقطة، مسجلاً خسارته، للجلسة الرابعة على التوالي، بينما ارتفع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً بنسبة 0.14 في المائة إلى 4110.67 نقطة.

وجاء التراجع بعد انخفاض مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات في الولايات المتحدة بنسبة 1.2 في المائة، خلال الجلسة السابقة، ما أثار موجة بيع في أسهم الشركات اليابانية المرتبطة بسلاسل توريد الرقائق الإلكترونية.

وتزامنت الضغوط مع بيانات أظهرت استمرار ارتفاع أسعار الجملة في اليابان، رغم تباطؤ وتيرة زيادتها، وهو ما عزَّز التوقعات بإمكانية إقدام البنك المركزي على رفع أسعار الفائدة مجدداً قبل نهاية العام.

وازدادت شكوك المستثمرين بشأن قدرة الاستثمارات الضخمة التي تضخها شركات التكنولوجيا العالمية في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد تتناسب مع تكلفتها.

وقالت ماكي ساوادا، استراتيجية الأسهم لدى «نومورا سيكيوريتيز»، إن الاتجاه الهبوطي لأسهم أشباه الموصلات الأميركية انعكس مباشرة على السوق اليابانية.

وأضافت أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً تجاه جدوى الإنفاق الرأسمالي الهائل لشركات الحوسبة السحابية الكبرى، إلى جانب المخاوف المرتبطة بتأثير التوترات الدولية على أسعار الطاقة.

وتعرضت أسهم شركات الرقائق اليابانية لخسائر حادة، إذ هبط سهم «كيوكسيا هولدينغز» بنسبة 13.28 في المائة، بينما انخفض سهم «كوكوساي إلكتريك» بنسبة 9.53 في المائة، وتراجع سهم «سومكو» بنسبة 8.64 في المائة.

وتعكس هذه الخسائر حساسية السوق اليابانية للتغيرات في توقعات قطاع التكنولوجيا الأميركي؛ بالنظر إلى الدور المهم الذي تؤديه الشركات اليابانية في إنتاج مُعدات تصنيع الرقائق والمواد المستخدمة في صناعتها.

ورغم انخفاض المؤشر الرئيسي، ارتفع 156 سهماً من مكوناته، مقابل تراجع 68 سهماً، ما يشير إلى أن الخسائر تركزت في عدد محدود من الأسهم ذات الأوزان الكبيرة.

وتصدّر قطاع النقل البحري مكاسب القطاعات المُدرَجة ضِمن «توبكس»، مرتفعاً بنسبة 3.35 في المائة، بينما سجل قطاع المعادن غير الحديدية أكبر الخسائر، بانخفاض بلغ 4.79 في المائة.

وكان سهم «بان باسيفيك إنترناشونال» أكبر الرابحين بارتفاع 4.01 في المائة، تلاه «سوميتومو للصناعات الثقيلة» بنسبة 3.79 في المائة، ثم «كاواساكي كيسن كايشا» بنسبة 3.53 في المائة.

وأسهمت التطورات الجيوسياسية في زيادة الضغوط على شهية المستثمرين للمخاطرة، خصوصاً مع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وأوكرانيا.

وأشارت ساوادا إلى أن المخاوف بشأن الهجوم على مطار سعودي، إلى جانب الشكوك حول إمكانية استمرار اتفاق وقف إطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا، أثّرت في معنويات الأسواق.

وتتركز المخاوف الاقتصادية على احتمال انعكاس هذه التطورات على أسعار النفط والطاقة، بما قد يزيد تكاليف الإنتاج والاستيراد في اليابان.

وتُعدّ اليابان من الاقتصادات الأكثر حساسية لتقلبات أسعار الطاقة العالمية، نظراً إلى اعتمادها الكبير على الواردات لتلبية احتياجاتها.

ومِن شأن استمرار ارتفاع أسعار النفط، بالتزامن مع ضعف الين، أن يزيد الضغوط على أسعار السلع المستوردة ويحدّ من قدرة الشركات والأُسر على استيعاب التكاليف الإضافية.

• عوائد السندات تتحرك في اتجاهين

في سوق الدَّين، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية قصيرة الأجل، بينما تراجعت عوائد السندات الأطول أجلاً، في انعكاس لاختلاف توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية وآفاق التضخم والنمو.

وارتفع عائد السندات لأجَل عامين، الأكثر حساسية لتحركات أسعار الفائدة، بمقدار نقطة أساس واحدة إلى 1.915 في المائة.

كما صعد عائد السندات لأجل خمس سنوات بمقدار 1.5 نقطة أساس إلى 2.350 في المائة، بينما استقر العائد القياسي لأجل عشر سنوات عند 3.01 في المائة.

في المقابل، انخفض عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار نقطة أساس واحدة إلى 4.045 في المائة، مسجلاً تراجعه، للجلسة الرابعة على التوالي، في حين استقرت عوائد السندات لأجليْ 20 و40 عاماً.

ويعكس ارتفاع العوائد قصيرة الأجل استمرار توقعات تشديد السياسة النقدية، بينما قد يشير تراجع العوائد طويلة الأجل إلى عمليات شراء بعد موجة ارتفاع سابقة، فضلاً عن الحذر تجاه آفاق النمو.

وقال كيسوكي تسوروتا، كبير استراتيجيّي السندات لدى «ميتسوبيشي يو إف جي مورغان ستانلي سيكيوريتيز»، إن الانخفاض الملحوظ في العوائد الطويلة والأطول أجلاً، أواخر الأسبوع الماضي، لا يتجاوز، حتى الآن، كونه تصحيحاً للتحركات السابقة.

وأضاف أن استمرار هذا الاتجاه لا يزال غير مؤكَّد، ما يستدعي الحذر في تقييم مسار السوق.

التضخم يعزز احتمالات رفع الفائدة

أظهرت بيانات الثلاثاء ارتفاع أسعار الجملة اليابانية بنسبة 6.8 في المائة، خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، على أساس سنوي، مقارنة بزيادة بلغت 7.6 في المائة خلال أغسطس (آب).

ورغم أن القراءة جاءت أقل من التوقعات، فإنها أكدت استمرار ضغوط الأسعار عند مستويات مرتفعة.

وكانت أسعار الواردات قد قفزت بنسبة 24.5 في المائة، متأثرة بضعف الين، ما يثير مخاوف بشأن انتقال التكاليف المرتفعة إلى الشركات والمستهلكين.

تأتي هذه البيانات بعد قرار بنك اليابان رفع أسعار الفائدة في سبتمبر، وسط إشارات من مسؤوليه إلى أن مزيداً من التشديد النقدي قد يكون ضرورياً لضمان استقرار التضخم.

وتميل توقعات الأسواق إلى زيادة إضافية قدرها 25 نقطة أساس قبل نهاية العام، رغم استمرار حالة عدم اليقين بشأن توقيتها.

وفي الأسواق العالمية، كان تأثير السندات الأميركية محدوداً بسبب إغلاق تداولات سندات الخزانة، الاثنين، بمناسبة عطلة يوم كولومبوس، بينما تراجعت عوائد السندات الأوروبية بصورة طفيفة.

وتشير التحركات الأخيرة إلى أن الأسواق اليابانية تواجه ضغوطاً متزامنة من تراجع أسهم التكنولوجيا وارتفاع تكاليف الاستيراد واحتمال استمرار تشديد السياسة النقدية.

وسيظل اتجاه الأسهم والسندات، خلال الفترة المقبلة، مرتبطاً بأداء قطاع أشباه الموصلات الأميركي، وتطورات أسعار الطاقة، ومدى استعداد بنك اليابان لمواصلة رفع الفائدة.

وفي ظل هذه العوامل، يتوقع أن تستمر التقلبات، مع محاولة المستثمرين الموازنة بين فرص النمو التي يوفرها الذكاء الاصطناعي والمخاطر المرتبطة بالتضخم وارتفاع تكاليف التمويل.


تنوع مسارات تصدير النفط يمهّد لتعافٍ قوي لاقتصاد السعودية في 2027

أحد شوارع العاصمة السعودية (أ.ف.ب)
أحد شوارع العاصمة السعودية (أ.ف.ب)
TT

تنوع مسارات تصدير النفط يمهّد لتعافٍ قوي لاقتصاد السعودية في 2027

أحد شوارع العاصمة السعودية (أ.ف.ب)
أحد شوارع العاصمة السعودية (أ.ف.ب)

في وقت تعيد فيه الحرب رسم خريطة تدفقات الطاقة في المنطقة، يراهن صندوق النقد الدولي على تعافٍ قوي للاقتصاد السعودي في 2027، مع نمو متوقع يبلغ 7.9 في المائة، مدفوعاً باستعادة الإنتاج والصادرات زخمهما مع انحسار اضطرابات الملاحة. ويستند هذا التقدير، مقارنة باقتصادات خليجية أكثر تعرضاً لتعطل المرور عبر مضيق هرمز، إلى تنوع مسارات تصدير النفط السعودية، الذي يخفّف أثر الصدمة. ويأتي ذلك فيما عدّل الصندوق توقعاته للاقتصاد السعودي في 2026، مع تقلص الانكماش المقدّر مقارنة بتوقعاته السابقة، ما يجعل مسار التعافي مرتبطاً بمدة الاضطرابات وسرعة عودة تدفقات الطاقة والتجارة إلى طبيعتها.

وتعكس توقعات الصندوق حجم الصدمة التي تواجه اقتصادات المنطقة، وكذلك التعافي المتوقع مع انحسارها. ففي تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي»، الصادر بعنوان «المرونة تحت الضغط: خيارات عاجلة»، يتوقع الصندوق انكماش اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بنسبة 0.3 في المائة في 2026، يعقبه نمو بنسبة 6.3 في المائة في 2027. وبالمقارنة مع تقديراته في أبريل (نيسان)، خفّض الصندوق توقعاته لعام 2026 بمقدار 2.2 نقطة مئوية، في حين رفع توقعات 2027 بمقدار 1.7 نقطة. ويعكس هذا التعديل افتراض استمرار إغلاق مضيق هرمز فترة أطول مما كان متوقعاً سابقاً، بما يزيد الضغوط على اقتصادات المنطقة في العام الحالي، لكنه يجعل التعافي المتوقع أكبر عند إعادة فتحه واستعادة الإنتاج والصادرات وحركة النقل.

وفي هذا السيناريو، يتوقع الصندوق انكماش الناتج المحلي الإجمالي للكويت بنسبة 16.7 في المائة في 2026، والعراق بنسبة 16 في المائة، وقطر بنسبة 15.6 في المائة، والبحرين بنسبة 11.3 في المائة. وفي 2027، يُرجّح أن ترتد الاقتصادات الأربعة بقوة، ليسجل العراق نمواً بنسبة 19 في المائة، وقطر 18.8 في المائة، والكويت 17.1 في المائة، والبحرين 13.9 في المائة، مع استعادة الإنتاج والصادرات والخدمات اللوجستية نشاطها المعتاد.

صورة أرشيفية لمرافق التخزين والأرصفة في ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)

تقديرات السعودية

في المقابل، يتوقع الصندوق أن يكون أثر الاضطرابات على السعودية أقل حدة نسبياً، إذ خفّض تقديراته لانكماش الاقتصاد في 2026 إلى 3.3 في المائة، مقارنة بـ5 في المائة في توقعات يوليو (تموز)، و6.4 في المائة في توقعات أبريل. وفي المقابل، رفع توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في 2027 إلى 7.9 في المائة، من 2.4 في المائة في تحديث يوليو، و3.4 في المائة في أبريل، فيما تتوقع وزارة المالية نمواً أقوى يبلغ 12.8 في المائة، وفق البيان التمهيدي للميزانية. وتعكس التقديرات تفاؤلاً بمسار التعافي في العام المقبل، وإن اختلفت في حجمه، في ظل آمال باستعادة الإنتاج والصادرات وحركة التجارة زخمها مع انحسار اضطرابات الملاحة.

ويتقاطع هذا المسار مع توقعات البنك الدولي، الذي رجّح في تقريره عن الآفاق الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان، الصادر في أكتوبر (تشرين الأول)، ارتداداً قوياً للنمو الإقليمي في 2027، مع توقع نمو اقتصادات المنطقة، باستثناء إيران، بنسبة 7.8 في المائة، إذا انحسر الصراع بحلول نهاية 2026. وعزا البنك هذا التعافي أساساً إلى استعادة إنتاج المحروقات وصادراتها مع إعادة فتح طرق التجارة وتطبيع تدفقات الطاقة تدريجياً. وفي السعودية، أشار إلى أن خط أنابيب «شرق-غرب» أتاح تحويل مسارات الصادرات إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ما ساعد المملكة على الحد من أثر تعطُّل الملاحة عبر مضيق هرمز.

ويقلّ انكماش الاقتصاد السعودي المتوقع لهذا العام في تقديرات الصندوق عن تقديرات وزارة المالية، التي رجّحت انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 3.6 في المائة في 2026. وتنسجم توقعات التعافي مع ما أكده الصندوق في مشاورات المادة الرابعة مع السعودية في يوليو بشأن مرونة الاقتصاد في مواجهة اضطرابات تدفقات النفط والتجارة، مدعوماً بتنوع البنية التحتية للطاقة والخدمات اللوجستية والقدرة على إعادة توجيه الشحنات.

الأمير عبد العزيز بن سلمان يتحدث في مؤتمر البترول العالمي (رويترز)

مسارات تصدير النفط

وفي هذا السياق، تستفيد المملكة من تعدّد مسارات تصدير النفط، وتعمل على تعزيز قدرتها على إيصال الإمدادات إلى الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر. فقد أعلن وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية، الأمير عبد العزيز بن سلمان، استهداف رفع قدرة تصدير النفط إلى نحو 10 ملايين برميل يومياً خلال عامَين إلى ثلاثة أعوام، من خلال تطوير خط أنابيب «شرق-غرب» وتعزيز البنية التحتية المرتبطة به. وأشار إلى إمكان تحويل خط مخصص لنقل الغاز إلى نقل النفط بصورة مؤقتة، بما يضيف نحو 1.2 مليون برميل يومياً خلال سبعة إلى ثمانية أسابيع، قبل إعادته إلى استخدامه الأصلي لتلبية احتياجات الصيف.

وتعزّز هذه الخطوات قدرة المملكة على تنويع منافذ التصدير، فيما تستند توقعات الصندوق لعام 2027 إلى عودة الإنتاج والصادرات وحركة التجارة إلى طبيعتها مع انحسار اضطرابات الملاحة.

وفي هذا الإطار، أظهرت بيانات شركة «كبلر» أن صادرات السعودية من النفط الخام ارتفعت إلى 6.67 مليون برميل يومياً في سبتمبر (أيلول)، مسجلة أعلى مستوى في سبعة أشهر، وعادت إلى مستويات ما قبل الحرب. ويعكس ذلك استعادة المملكة زخماً في تدفقات النفط، مع تعزيز الصادرات عبر مضيق هرمز منذ سبتمبر، إلى جانب الاستفادة من تنوع منافذ التصدير.

وفي موازاة التعافي المتوقع، كانت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني توقعت أن يدعم ضبط الإنفاق وإعادة ترتيب أولويات الاستثمارات الحكومية التعافي المالي في 2027، وأن يساعدا المملكة على الحفاظ على حيز مالي لمواصلة مشاريع التنويع الاقتصادي. وأشارت الوكالة إلى أن الاضطرابات التجارية المطوّلة والإنفاق الإضافي حدّا من التحسن المالي الذي كانت تتوقعه سابقاً، فيما قد تستمر اضطرابات طرق الشحن البحري الاستراتيجية حتى منتصف 2027، بما قد يؤثر في إنتاج النفط.

وعلى صعيد المؤشرات الاقتصادية، يتوقع الصندوق أن يبلغ التضخم في السعودية 1.9 في المائة في 2026، ويرتفع إلى 2.2 في المائة في 2027. كما يرجح أن يسجل الحساب الجاري عجزاً يعادل 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، قبل تقلصه إلى 1.3 في المائة في العام المقبل.

الجدعان متحدثاً في مؤتمر صحافي عقب اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية خلال اجتماعات الربيع في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

اجتماع لجنة الشؤون النقدية

وتأتي هذه التوقعات في وقت تتصدّر فيه تداعيات الحرب وآثارها على النمو والتجارة وتدفقات الطاقة أجندة الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي، المنعقدة في بانكوك من 12 إلى 17 أكتوبر (تشرين الأول). ويرأس وزير المالية السعودي محمد الجدعان وفد المملكة المشارك في الاجتماعات، كما يرأس اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية التابعة للصندوق، التي تناقش آفاق الاقتصاد العالمي ومخاطر النمو وأولويات السياسات الاقتصادية، ودور الصندوق في مساعدة الدول الأعضاء على مواجهة التحديات الراهنة. وتكتسب هذه المناقشات أهمية في ظل تباين تداعيات الصراع على اقتصادات المنطقة، بين ضغوط تعطّل الإنتاج والتجارة من جهة، وفرص التعافي مع استعادة تدفقات الطاقة والصادرات من جهة أخرى.

وفي المحصلة، يظل مسار التعافي السعودي في 2027 مرتبطاً بسرعة استعادة تدفقات الطاقة والتجارة، فيما يوفر تنوع منافذ التصدير والأنشطة غير النفطية، إلى جانب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق والاستثمار، عوامل مساندة لقدرة الاقتصاد على تجاوز تداعيات الاضطرابات الإقليمية.


جهات رقابة مصرفية في أميركا وأوروبا تكثف التدقيق بشأن الذكاء الاصطناعي

مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن حيث يقوم بالتدقيق مع بنوك أميركية بشأن الذكاء الاصطناعي (رويترز)
مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن حيث يقوم بالتدقيق مع بنوك أميركية بشأن الذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

جهات رقابة مصرفية في أميركا وأوروبا تكثف التدقيق بشأن الذكاء الاصطناعي

مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن حيث يقوم بالتدقيق مع بنوك أميركية بشأن الذكاء الاصطناعي (رويترز)
مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن حيث يقوم بالتدقيق مع بنوك أميركية بشأن الذكاء الاصطناعي (رويترز)

تكثف الجهات التنظيمية للخدمات المصرفية في أميركا وأوروبا، جهودها لاحتواء المخاطر المتزايدة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ أشار البعض إلى احتمال وقوع هجمات إلكترونية على البنوك أو قيام وكلاء مارقين بتقويض الاستقرار المالي العالمي. حسبما نقلت وكالة «رويترز» عن ستة أشخاص مطلعين على الأمر.

وأضافت المصادر أن الرقابة التنظيمية، التي يتم الكشف عن تفاصيل جديدة عنها هنا لأول مرة، تعكس تنامي الإدراك بأن التقدم في مجال الذكاء الاصطناعي المتطور قد يتطلب استثمارات باهظة في مجال التعافي من الهجمات السيبرانية، ومزيداً من الاهتمام بالاعتماد على مزودي التكنولوجيا الخارجيين، وفي بعض الولايات القضائية توجيهات تنظيمية أكثر رسمية.

وقال اثنان من هؤلاء الأشخاص، وفقاً لـ«رويترز»، إن ثلاث هيئات تنظيمية كبرى في الولايات المتحدة، بما في ذلك مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي)، تسأل البنوك بشأن استخدامها نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وهو ما يضاف إلى الرقابة السابقة.

وذكر ثلاثة منهم أن الأسئلة تشمل ما إذا كانت البنوك تستخدم تكنولوجيا مطورة في الصين، وتستخدم وكلاء الذكاء الاصطناعي في الدفاع الإلكتروني، وما إذا كانت قادرة على التحكم في الأنظمة التي تزداد استقلالية.

وقال ثلاثة أشخاص على دراية بنهج التفكير في أوروبا إن الجهات الرقابية في أوروبا، بما في ذلك بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي، تضغط على البنوك لتحسين خطط التعافي، خوفاً من أن يؤدي التقدم السريع في مجال الذكاء الاصطناعي إلى إلحاق ضرر جسيم واضطراب بالأسواق المالية في وقت أقرب مما كان يُخشى سابقاً.

وأوضح مسؤول تنفيذي رفيع المستوى في أحد البنوك الأوروبية الكبرى أنهم قلقون أيضاً من احتمال وقوع أضرار جسيمة في الأسواق المصرفية والمالية خلال ستة أشهر.

واشتد الجدل حول الرقابة على الذكاء الاصطناعي وسط تحذيرات من القطاع في أعقاب الحوادث الأخيرة، إذ ذكرت «رويترز» أن جيمي ديمون الرئيس التنفيذي لـ«جي.بي مورغان»، حثّ قادة الشركات على الانضمام إلى مجموعة صناعية تركز على الولايات المتحدة لمعالجة مخاطر الذكاء الاصطناعي.

وقالت شركة «كراود سترايك» الأميركية للأمن السيبراني هذا الشهر، إن شخصاً في الصين على الأرجح استخدم وكيلاً للذكاء الاصطناعي مطوراً في الصين، وأداة «كلود كود» التابعة لشركة «أنثروبيك» في هجوم إلكتروني على بنوك كورية جنوبية.

وذكرت «رويترز» أن وكلاء ذكاء اصطناعي مارقين طوّرتهم «أوبن إيه آي» شاركوا في اختراق لمنصة الذكاء الاصطناعي «هاجينغ فيس».

وحذر باحثون في «أنثروبيك» من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي متزايدة القوة قد تفلت في نهاية المطاف من السيطرة البشرية، بل قد تشكل تهديداً وجودياً، مما أثار دعوات إلى تشديد التنظيم.

تحذيرات من صندوق النقد

حذّر صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، من «التراخي» في الأسواق المالية العالمية، مشيراً إلى مخاطر مختلفة من بينها احتمال وقوع هجوم إلكتروني. وقال الصندوق إن هجوماً كبيراً يؤثر على خدمة حيوية أو مؤسسة مالية قد يقوّض الثقة، ودعا صناع السياسات إلى تعزيز القدرات في مجال الأمن السيبراني.

وتتنافس البنوك على تبني الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء، القادر على إنجاز المهام بأقل قدر من الإشراف البشري، بينما تتعامل أيضاً مع تحديات النماذج الجديدة، بما في ذلك نقاط الضعف في تكنولوجيا المعلومات التي رصدتها أداة «ميثوس» التابعة لـ«أنثروبيك».

وقال مايكل وودبريدغ، الشريك المتخصص في الأمن السيبراني لدى «غرانت ثورنتون» ومقره لندن: «غالباً ما يسبق تبني الذكاء الاصطناعي القدرة على وضع الضوابط اللازمة».

مخاوف أميركية

تتركز استفسارات الجهات التنظيمية الأميركية على كيفية استخدام البنوك للذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء في مجالات مثل الأمن السيبراني، مع التركيز على ما إذا كانت تستخدم وكلاء الذكاء الاصطناعي لتحديد التهديدات وترتيب أولوياتها والاستجابة لها.

وقال اثنان من هؤلاء الأشخاص إن أسئلة مكتب المراقب المالي للعملة والمؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع ومجلس الاحتياطي الاتحادي تركز على القيود المفروضة على الأنظمة، وكيفية مراقبة أفعالها والموافقة عليها، وما إذا كانت البنوك قادرة على تتبع قرارات وكلاء الذكاء الاصطناعي ومراجعتها بوضوح.

وأضافوا أن الجهات التنظيمية تسأل أيضاً عن الضمانات القائمة لمنع الوكلاء من تجاوز صلاحياتهم، وما إذا كان البشر يظلون مشاركين في القرارات الرئيسية، وكيف يمكن للبنوك وقف الأنظمة المستقلة.

وامتنع مكتب المراقب المالي للعملة ومجلس الاحتياطي الاتحادي والمؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع، عن التعليق.

وقال الأشخاص الثلاثة المطلعون، وفقاً لـ«رويترز»، على نهج تفكير الجهات التنظيمية إن هذه الجهات تستكشف عبر أسئلتها عن قضايا أكثر تحديداً مرتبطة بنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، منها استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين والنماذج المطورة في الخارج ومخاطر إلكترونية جديدة.

وأضافوا أن الاستفسارات المكتوبة والشفهية الموجهة إلى البنوك الكبيرة والمتوسطة والصغيرة تُظهر أن الجهات التنظيمية تركز على مَواطن الضعف الناتجة عن استخدام البنوك للذكاء الاصطناعي ومدى استعدادها للتحرك.

وقالوا إن الجهات التنظيمية لا تزال تجمع المعلومات ولم تبدأ بعد في فرض تعليمات محددة بشأن ما ينبغي للمقرضين القيام به.

الأوروبيون قلقون بشأن التعافي

وقال اثنان من الأشخاص المطلعين على نهج تفكير الجهات التنظيمية إن المشرفين في بريطانيا يشجعون بشكل منفصل أكبر البنوك على دراسة ما تُعرف بخطط التعافي من الأنظمة المجردة. وهذه الأنظمة مستقلة تماماً عن البنية التكنولوجية الرئيسية للبنك ويمكن أن تبدأ العمل إذا تعرضت أنظمة التشغيل الأساسية للاختراق.

لكنَّ هؤلاء الأشخاص قالوا إن إنشاء هذا النوع المتطور من أنظمة التعافي وصيانته مكلف.

وأضافوا أنه بدلاً من استحداث متطلبات جديدة، تعتزم السلطات البريطانية العمل بصورة تعاونية مع القطاع.

وأمهل البنك المركزي الأوروبي في يوليو (تموز) المقرضين حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) لتقديم خطط لمواجهة التهديدات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تشمل تحسين النسخ الاحتياطية وعمليات التعافي.

وعندما سئل البنك المركزي الأوروبي عن استراتيجيته لتنظيم الذكاء الاصطناعي، أحال إلى رسالته الصادرة في يوليو، وإلى خطاب ألقاه عضو مجلس الإدارة فرانك إلدرسون في يونيو (حزيران)، شدد فيه على ضرورة خلق شعور بالإلحاح لا الذعر بشأن التهديدات.

واكتسبت الحاجة إلى تحرك رقابي مزيداً من الإلحاح بعد أن عبّرت بنوك وجهات تنظيمية أوروبية عن إحباطها من محدودية الوصول إلى أداة «ميثوس» هذا العام، وسط مخاوف من أن البنوك الأميركية ستحصل على الأولوية في اختبار النماذج المتقدمة.

وقال شخصان إنه، مثل نظرائهم الأميركيين، يطلب المشرفون البريطانيون أيضاً من البنوك استخدام الذكاء الاصطناعي المتطور لتحديد مواطن الضعف وتسريع معالجة الثغرات، وأضاف أحدهما أن المقرضين يؤدون عملاً جيداً حتى الآن.

وقال الشخص الثالث إن بنوك منطقة اليورو مطالَبة أيضاً برسم خريطة لكيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف أعمالها ولدى مقدمي الخدمات من الأطراف الثالثة، لفهم أوجه الاعتماد الرئيسية وضمان قدرتها على وقف الأنظمة وإعادة تشغيلها بصورة منظمة. وأضاف أن فجوات كبيرة لا تزال قائمة لدى بعض الشركات.

وقال سوكاند راماشاندران، العضو المنتدب والشريك الأول لدى «بي سي جي»: «للحماية من الهجمات، لا تقل سرعة التعافي أهمية عن الوقاية».

وذكر راماشاندران، وفقاً لـ«رويترز»، أنه من دون نسخ نظيفة وآمنة محفوظة بشكل منفصل من البيانات المهمة «قد يؤدي هجوم خطير إلى حرمان العملاء من الوصول إلى حساباتهم وتعطيل المدفوعات في أنحاء الاقتصاد الأوسع».