في سياق التطورات المتسارعة التي تشهدها مدينة الحسكة منذ نحو أسبوع والمتعلقة بتنفيذ اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) 2026، شهدت ساحة الحرية وسط مدينة الحسكة، اليوم الخميس، رفع العلم الوطني السوري على أعلى سارية، بحضور شعبي ورسمي غفير، بالتزامن مع قيام مسؤولين حكوميين بتفقد القصر العدلي من أجل «تهيئة الظروف الملائمة لتفعيل منظومة القضاء».
وأوضح نائب المحافظ أحمد الهلالي في تصريح مقتضب لـ«الشرق الأوسط»، أنه تم رفع العلم الوطني في الساحة الرئيسية للمدينة وسط مشاركة رسمية وجماهيرية واسعة، مبيناً أنه شارك في الفعالية محافظ الحسكة نور الدين أحمد وأعضاء في مجلس الشعب عن المحافظة وقادة عسكريون وأمنيون.
في هذه الأجواء، توافد الأهالي من أحياء المدينة إلى وسطها وتجمهروا في الساحة الرئيسية وأطلقوا هتافات تطالب ببسط الدولة سيطرتها الكاملة على المحافظة.
وجرت الفعالية وسط انتشار واسع لقوى الأمن الداخلي في المدينة ومكثف في وسطها، للحفاظ على سلامة المشاركين والأهالي والممتلكات العامة والخاصة. كما أصدرت قوى الأمن الداخلي في الحسكة قبيل الفعالية بياناً أكدت فيه منع حمل السلاح أو إطلاق الألعاب النارية خلال التجمعات، وضرورة الامتناع عن أي تصرف من شأنه الإخلال بالأمن أو تعريض سلامة المواطنين للخطر، وذلك حرصاً على الأمن والسلامة العامة. وشددت على أنها لن تتهاون مع أي تجاوزات أو مخالفات، وستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين.

بالتزامن مع فعالية رفع العلم الوطني في وسط مدينة الحسكة، أجرى الهلالي جولة تفقدية لمبنى القصر العدلي مع المحامي العام في المحافظة، القاضي غازي الشيخ إبراهيم. وأوضح الهلالي في تصريحه أن الجولة تهدف إلى «تهيئة الظروف الملائمة لتفعيل منظومة القضاء».
وسبق هذه الفعاليات انتشار عناصر من قوى الأمن الداخلي، الأربعاء، في محيط القصر العدلي عقب إخلاء عناصر من «قسد» المنحلة أماكنها هناك وتعزيز الانتشار الأمني للحكومة في كافة أرجاء المدينة، بعد أن قامت ما تعرف بـ«قوات مكافحة الإرهاب» (HAT)، التابعة لـ«قسد»، الثلاثاء، بتسليم مواقعها لقوى الأمن الداخلي.
وبحسب نشطاء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، تبع ذلك وصول رئيس جهاز الاستخبارات العامة السورية، اللواء عبد القادر طحان، ورئيس الاستخبارات الخارجية، العميد عبد الرحمن الدباغ، إلى مدينة الحسكة برفقة وفد أمني كبير.
يشار إلى أن هذه التطورات جاءت بعد أن شهدت عدة مدن وبلدات في محافظة الحسكة خروج مظاهرات سلمية حاشدة عقب صلاة الجمعة الماضية، طالبت بفرض سلطة الدولة وتعزيز حضور مؤسساتها في جميع مناطق المحافظة، وذلك بعد الإعلان عن حل «قسد» أواخر أغسطس (آب) الماضي بموجب اتفاق 29 يناير (كانون الثاني) الموقع مع الحكومة السورية، والذي نص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» السابقة المدنية والأمنية والعسكرية في هياكل الدولة، في حين يشكو «المكون العربي» من غياب السيطرة الفعلية للدولة السورية على أجزاء واسعة من المحافظة، على الرغم من استمرار عملية الدمج واستمرار هيمنة «قسد».

صهيب اليعربي، وهو من أبناء «المكون العربي» في شمال سوريا الناشطين على مواقع التواصل، عرض مقاطع فيديو تظهر فرحة شعبية عارمة. وأظهر أحد المقاطع رجلاً مسناً يطلق صيحات «الله أكبر» في أثناء رفع العلم وسط المدينة، بينما أرفق الناشط المقطع بتعليق قال فيه: «من يرى حالة الفرح التي يعيشها أبناء الحسكة اليوم يدرك حجم الضغوط والمعاناة التي عاشوها طوال السنوات الماضية»، مضيفاً: «هل هناك أقسى من أن تُحرم من فرحة سقوط النظام لعامين كاملين؟».
الناشط إبراهيم الحلبي، وهو من أبناء القبائل العربية في الحسكة وكان من الداعين أيضاً إلى خروج مظاهرات يوم الجمعة، عدّ أن هذه التطورات المتسارعة في الحسكة هي استجابة من قبل الحكومة السورية لمطالب الحراك الشعبي.
وقال الحلبي لـ«الشرق الأوسط» إن «(قسد) المنحلة ماطلت كثيراً بتطبيق بنود اتفاق الدمج والذي على كان على رأسها فرض سيادة الدولة وإطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين، الأمر الذي أدى إلى ازدياد الاحتقان الشعبي، إضافة إلى أن هناك جهات أمنية وسياسية داخل (قسد) تتبع لحزب (العمال الكردستاني) ترفض عملية الدمج، وكانت تصعّد وتستفز الشارع الحسكاوي بكل مكوناته».

وأوضح أنه في ظل هذا الوضع «ارتأينا استحالة أن يكون هناك عمل عسكري لضبط الأمن ودخول مؤسسات الدولة، وبالتالي دعونا لخروج مظاهرات عارمة في المحافظة وتحديداً في قلب مدينة الحسكة من أجل إرسال رسالة للدولة ولكل الأطراف، بأن الحسكة قلب سوريا، وأنها مدينة سورية، وقد كانت الصرخة واضحة غير موجهة لأي فئة أو طائفة أو قومية من أبناء الشعب السوري، مطالبنا كانت بدخول مؤسسات الدولة إلى المنطقة وبسط الأمن وإطلاق سراح المعتقلين وعودة المهجرين».
ورأى الحلبي أن المظاهرات «جاءت بنتائج كبيرة؛ إذ قدم إلى المحافظة رئيس الاستخبارات العامة ومساعده ووفد أمني كبير من أجل ترميم البيت الأمني الداخلي في الحسكة وعلى أثرها تم تسليم القصر العدلي ورفع العلم الوطني على أعلى سارية في ساحة الحرية، وتجمهر الآلاف وهتفوا" (واحد واحد الشعب السوري واحد)».
وأعرب الحلبي عن تفاؤله من هذا الحراك «الذي سيستمر حتى تفرض الدولة السورية سيادتها الكاملة على محافظة الحسكة»، مشدداً على أن «هذا ليس انتصاراً لفئة على فئة أخرى أو قومية على قومية أو طائفة على طائفة، بل هو انتصار لإرادة الشعب السوري، وإيذاناً بدخول دوائر الدولة والخدمات والأمن والأمان، وإيذاناً بكسر أبواب الزنازين لإطلاق سراح المعتقلين المغيبين قسراً حتى هذه اللحظة وإيذاناً بعودة المهجرين».
ويجري حالياً استكمال التحضيرات لخروج مظاهرات في المحافظة يوم غد الجمعة، تحت شعار «لا علم إلا علم الوطن»، يتم خلالها رفع علم سوريا الوطني الجامع لجميع المكونات، وذلك بدعوة من نشطاء في شمال سوريا بينهم الحلبي واليعربي.









