في العلا السعودية، حيث تحمل الصخور والواحات طبقات من الحكايات، تفتح السينما نافذة أخرى تطل على المكان، وتجمع الجمهور بصنّاع الأفلام حول قصصهم وتجاربهم. ومن هذا الالتقاء، يعود برنامج «السينما عن قرب» إلى العلا في دورته الثانية، ابتداءً من 14 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي حتى 18 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، عبر عروض سينمائية وجلسات حوارية وورشات عمل تستكشف مسارات صناعة الفيلم؛ من كتابة السيناريو إلى التمثيل والرسوم المتحركة.
وداخل «فيلا الحجر»، تتحول هذه الحكايات لقاءاتٍ مباشرةً مع صنّاعها؛ إذ يجمع «البرنامج» عروضاً لأفلام سعودية وعالمية، بمشاركة مخرجين وممثلين ونقاد وفنانين، تتيح للجمهور التعرف على جوانب من صناعة الفيلم. ويقام برعاية «فيلم العلا»، وبالتعاون مع «الوكالة الفرنسية لتطوير العلا»، وتتولى شركة «ميم الإبداعية للفنون» تشغيله.
وقالت مها سلطان، مؤسِّسة شركة «ميم الإبداعية للفنون»، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يميز الدورة الثانية هو التوسع في نطاق البرنامج ومحتواه، مع تنوع أكبر في الأفلام المحلية والعالمية، وفي الجلسات والموضوعات المرتبطة باهتمامات الجمهور واحتياجاته السينمائية». وتضيف أن «تجربة العام الماضي منحت فريق (البرنامج) فهماً أعمق لطبيعة الجمهور وما يبحث عنه، وساعدت على تطويره ليكون أقرب إلى المجتمع السينمائي في العلا وأكبر تفاعلاً معه».

تعزيز المجتمع السينمائي
وبالسؤال عن الأثر الذي تتطلع إليه من «البرنامج»، تقول سلطان: «لطالما كان تعزيز المجتمعات السينمائية في مقدمة الأهداف التي نعمل عليها». وأضافت: «نتطلع من خلال (السينما عن قرب) إلى الإسهام في بناء مجتمع سينمائي فاعل في مختلف مناطق المملكة، وخلق مساحة حقيقية للسينما خارج نطاق المدن الرئيسية».
كما تطمح، وفق ردها لـ«الشرق الأوسط»، إلى «أن تكون مثل هذه البرامج نقطة انطلاق لمواهب جديدة، وأن تسهم في تطوير شغفها ومعرفتها بالسينما؛ مما يعزز مستقبلاً حضور السينما السعودية محلياً ودولياً». وترى أن «العروض والحوارات والتجارب التفاعلية تتيح التقاء الرؤى العالمية بالأصوات المحلية، وتفتح (البرنامج) أمام جمهور جديد من المهتمين بالفن السابع، إلى جانب عشاق السينما».
ويمتد هذا الطموح إلى «ترسيخ فضول مستدام تجاه السينما، وبناء ثقافة سينمائية نابضة بالحياة في العلا». وفي هذا السياق، «تتيح جلسات (البرنامج) وعروضه أكثر من مدخل إلى الفيلم، ومن مشاهدة العمل ومناقشته، إلى التعرف على التجارب والاختيارات التي تقف وراء صناعته».
محاور... وتجارب متنوعة
يتوزع «البرنامج» على 6 محاور: السرد وكتابة السيناريو، والكوميديا، والسينما المستقلة، والنقد السينمائي، والرسوم المتحركة، والتمثيل. وتجمع هذه المحاور بين عناصر بناء الحكاية وقراءة الفيلم والخيارات الفنية التي تشكل أسلوبه، مع إتاحة المجال للتفاعل بين الجمهور وضيوف «البرنامج».
ويشارك في الدورة الممثل إبراهيم الخير الله، والمخرج وائل أبو منصور، والممثلة سارة طيبة، والمخرج أيمن جمال، والناقد السينمائي والإعلامي راكان الشايع، وصانعة الرسوم المتحركة ولاء سندي. ويستعرض المشاركون أعمالهم انطلاقاً من تجاربهم ورؤاهم، ويقدمون جلسات عملية ويناقشون أساليب مختلفة لصناعة الأفلام وفهمها.
وتشمل عروض «البرنامج» فيلمي «الزرقة» و«سطار». ويرافق عرض «سطار» لقاء تفاعلي يسلط الضوء على مراحل صناعته وقصة نجاحه، فيما يشارك المخرج وائل أبو منصور الجمهور رؤى من وراء الكواليس بشأن مجموعة مختارة من أعماله. كما تشكل مختارات من العروض العالمية نقطة انطلاق للنقاش بشأن السرد والخيارات الإبداعية التي تسهم في تشكيل العمل السينمائي.
ويأخذ عرض فيلم «بلال: سلالة بطل جديد» الأطفال والعائلات إلى عوالم الرسوم المتحركة، حيث يلتقي الموروث والخيال. كما تقود سارة طيبة جلسات عن التمثيل وبناء الشخصية، تتضمن عرض فيلمين من أبرز أعمالها: «حوجن» و«مسألة حياة أو موت».

سينما نابضة في العلا
تضع هذه الأنشطة تجربة المشاهدة في سياق أوسع؛ فالفيلم الذي يصل إلى الجمهور يمر بمراحل تبدأ من بناء الفكرة والشخصيات، وتمتد إلى التصوير والأداء والمونتاج وسائر تفاصيل الإنتاج. ومن خلال الجلسات والعروض، يتيح «البرنامج» للمشاركين التعرف على هذه المسارات ومناقشتها، إلى جانب استكشاف الأفلام من زوايا نقدية وفنية متعددة.
وفي البيان الصحافي، قال زيد شاكري، المدير التنفيذي المكلف لـ«فيلم العلا»: «يجسد برنامج (السينما عن قرب) التزام فيلم العلا تعزيز ثقافة سينمائية نابضة بالحياة في العلا». وأضاف أن «البرنامج يدعو الجمهور إلى التفاعل من قرب مع الأفلام التي يعتزون بها وصنّاعها، ويسعى إلى تشجيع الحوار الهادف وإثارة الفضول وتقديم طرق جديدة لرؤية العالم من خلال السينما». ويأتي البرنامج، وفق البيان، ضمن التزام «فيلم العلا» ترسيخ «موطن دائم للسينما في العلا، يدعم السرد السعودي الأصيل، ويربط الأصوات المحلية بصناعة السينما العالمية».
وبين العروض والحوارات وورشات العمل، يقدم «السينما عن قرب» تجربة تجمع مشاهدة الأفلام بالتعرف إلى صناعتها، وتصل الجمهور بصنّاعها عبر نقاشات وجلسات عملية. ويستهدف البرنامج أهالي العلا وزوارها، ضمن مسعى لإثراء المشهد الثقافي في المنطقة، وإيجاد مساحة يلتقي فيها جمهورُ السينما أصحابَ التجارب المحلية والعالمية.


