فرنسا تُقدم مشروع موازنة 2027 بإجراءات تقشفية لخفض العجز وطمأنة المستثمرين

الدين العام يرتفع إلى مستوى قياسي عند 119 % من الناتج المحلي

منظر عام لبرج إيفل في باريس (رويترز)
منظر عام لبرج إيفل في باريس (رويترز)
TT

فرنسا تُقدم مشروع موازنة 2027 بإجراءات تقشفية لخفض العجز وطمأنة المستثمرين

منظر عام لبرج إيفل في باريس (رويترز)
منظر عام لبرج إيفل في باريس (رويترز)

قدّمت فرنسا، الخميس، مشروع موازنة عام 2027، ساعيةً إلى تطبيق إجراءات تقشفية غير شعبية تهدف إلى خفض العجز وطمأنة مستثمري السندات الذين تتزايد مخاوفهم، وذلك قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

ويواجه مشروع الموازنة مساراً صعباً في برلمان منقسم بشدة، في وقت تستعد فيه التيارات السياسية لخوض واحدة من أكثر الانتخابات أهمية في تاريخ البلاد الحديث، علماً بأن رئيسي وزراء سابقين في فرنسا أُطيح بهما بسبب خطط تقشفية طرحاها، وفق «رويترز».

ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية بين 18 أبريل (نيسان) و2 مايو (أيار)؛ حيث تتصدّر زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان استطلاعات الرأي، وسط ردّ فعل متزايد على إرث الرئيس إيمانويل ماكرون الوسطي.

وتشمل إجراءات خفض الإنفاق تجميد أجور العاملين في القطاع العام ومعاشات التقاعد، باستثناء المعاشات الأدنى، وفرض قيود على موازنات الحكومات المحلية وتكاليف الرعاية الصحية، إلى جانب تقليص الإعفاءات الضريبية المتعلقة بإسهامات أصحاب العمل في الرواتب.

ومع ذلك، لا تتضمن الخطة زيادة شاملة في الضرائب على الأسر والشركات، في حين سيتم خفض ضريبة إضافية استثنائية، كانت مفروضة على كبرى الشركات الفرنسية خلال العامين الماضيين، بنسبة 30 في المائة.

وقال وزير المالية، رولان ليسكور، للصحافيين: «تتيح لنا هذه الموازنة العودة إلى المسار الصحيح نحو ضبط الأوضاع المالية من خلال جهود كبيرة»، مضيفاً أن إجمالي الوفورات يبلغ 54 مليار يورو، منها 43 مليار يورو تُمثل وفورات جديدة لعام 2027.

مخاوف في سوق السندات

ويواجه رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو ضغوطاً متزايدة من مستثمري السندات القلقين، ومن حالة عدم الاستقرار السياسي قبيل الانتخابات، ومن ناخبين يتزايد استياؤهم، ويتساءلون عن كيفية تأثير إجراءات خفض الإنفاق المقررة عليهم.

وارتفعت تكلفة الاقتراض القياسية لفرنسا لأجل 10 سنوات إلى 4.96 في المائة يوم الخميس، وهو أعلى مستوى منذ يوليو (تموز) 2002، واقتربت بذلك من حاجز 5 في المائة، وسط تشكيك المستثمرين في قدرة الحكومة على كبح العجز المالي ومخاوفهم بشأن حالة عدم اليقين السياسي قبيل الانتخابات.

وأعرب المستثمرون مراراً عن قلقهم إزاء وعود الإنفاق غير الممولة بالكامل التي أطلقتها كل من مارين لوبان ومنافسها من أقصى اليسار جان لوك ميلونشون.

وفي حال فوز مارين لوبان، وهي شخصية شعبوية تشكك في جدوى اليورو، فإن من أبرز التحديات التي ستواجهها سيكون إقناع الأسواق المالية بتمويل وعودها الانتخابية، في ظل ضعف النمو الاقتصادي وسجل فرنسا الطويل في عدم تحقيق أهداف خفض العجز.

وأشار ليسكور إلى أن تكاليف مدفوعات الفائدة المتزايدة ستُشكل أكثر من نصف عجز الموازنة في العام المقبل، وأنها تتجه إلى بلوغ 100 مليار يورو بحلول نهاية العقد، لكنه شدد على أن فرنسا لا تزال تتمتع بجدارة ائتمانية قوية.

وقال ليسكور: «أسمع هنا وهناك أصوات المتشائمين الذين يتنبأون بأوقات عصيبة مقبلة، وأود أن أؤكد مجدداً أن الوضع المالي لفرنسا متين وموثوق».

ردّ فعل غاضب ضد سياسات التقشف

وأدّى الاستياء العام من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة، بالتزامن مع تصاعد معدلات التضخم، إلى زيادة الضغوط على حكومة لا تملك سوى حيّز مالي ضيق لتخفيف وطأة هذه الأعباء.

ونظّم العاملون في القطاع العام إضراباً، يوم الثلاثاء، احتجاجاً على تجميد الأجور الوارد في الموازنة، في حين تتسع نطاقاً مظاهرات طلاب المدارس الثانوية، التي تتسم بطابع متزايد من التوتر، احتجاجاً على نقص الموارد الذي أدى، حسب قولهم، إلى اكتظاظ الفصول الدراسية، وتهالك المباني ونقص أعداد المعلمين.

وصرح ليكورنو بأن إجراءات خفض الإنفاق ضرورية لإعادة العجز المالي إلى المسار الصحيح، بعد أن أخفقت الحكومات السابقة في إحراز تقدم ملموس، في ظل غياب أغلبية برلمانية منذ أن دعا ماكرون إلى انتخابات تشريعية مبكرة في عام 2024.

وتهدف الحكومة إلى خفض عجز الموازنة من 5.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام إلى 5 في المائة في عام 2027، وهو ما عدّه ليسكور مؤشراً على إمكانية الوصول إلى سقف العجز الذي حدده الاتحاد الأوروبي عند 3 في المائة بحلول عام 2029، رغم تشكيك عدد من الاقتصاديين في ذلك.

وأعلن مكتب الإحصاء الفرنسي (إنسي) يوم الثلاثاء أن العجز المرتفع والمستمر في فرنسا دفع عبء الدين العام إلى مستوى قياسي لم تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية، إذ بلغ 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول الربع الثاني من العام.

وسيتعين على فرنسا طرح كمية قياسية من أدوات الدين على المستثمرين في العام المقبل، بقيمة 340 مليار يورو، لتمويل العجز المالي وإعادة تمويل حجم متزايد من السندات التي أُصدرت بأسعار فائدة منخفضة للغاية خلال جائحة «كوفيد-19»، والتي يحين موعد استحقاقها الآن.

الدين العام يسجل مستويات قياسية

وارتفع الدين العام الفرنسي إلى مستوى قياسي خلال ولايتي الرئيس إيمانويل ماكرون، وبلغ في نهاية يونيو (حزيران) 3.596 تريليون يورو (4.08 تريليون دولار)، بما يعادل 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لأرقام أصدرها «المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادية» هذا الأسبوع، مقارنة مع 97.9 في المائة في عام 2019، قبل جائحة «كوفيد-19».

وأدى ارتفاع الدين إلى زيادة أعباء خدمة الدين على الدولة الفرنسية، إذ تُمثل هذه الخدمة نحو 7 في المائة من موازنة الدولة. ومع ارتفاع أسعار الفائدة إلى مستويات أعلى بكثير في الوقت الحالي، من المتوقع أن تتجاوز تكاليف الفائدة 90 مليار يورو في عام 2027، وهو مبلغ يفوق بكثير ما تُخطط الحكومة لإنفاقه على الدفاع، البالغ 63.4 مليار يورو، أو التعليم، البالغ 65.5 مليار يورو.

وفرنسا ليست الدولة الوحيدة التي راكمت مستويات مرتفعة من الدين خلال السنوات الأخيرة. ففي نهاية الربع الأول من عام 2026، بلغت نسبة الدين العام الإجمالي إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو 88.9 في المائة، وفقاً لبيانات «يوروستات» (مكتب الإحصاء الرسمي للاتحاد الأوروبي).

وتقل نسبة الدين الفرنسي عن نظيرتها في اليونان، التي بلغت 143.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وإيطاليا التي بلغت 138.9 في المائة. كما أنها أقل من الدين الأميركي البالغ 122.6 في المائة. غير أن فرنسا لا تتمتع بالميزة التي تحظى بها الولايات المتحدة، والمتمثلة في امتلاك العملة الاحتياطية المهيمنة عالمياً، وهو ما يدعم قدرة واشنطن على الاقتراض.

آفاق مستقرة رغم مخاوف وكالات التصنيف

وخفضت وكالة «سكوب» للتصنيف الائتماني تصنيف فرنسا طويل الأجل في سبتمبر (أيلول). وقالت الوكالة إن «التدهور المستمر في آفاق المالية العامة، الذي يتسم بارتفاع الدين العام، واستمرار ارتفاع العجز المالي، ومحدودية التقدم في الإصلاحات الهيكلية، هو ما دفع إلى خفض التصنيف».

وفي المقابل، ورغم اتساع العجز المالي وارتفاع الدين العام، أعلنت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني في أغسطس (آب) أنها ستبقي التصنيف السيادي لفرنسا عند «إيه بلس» (A+) مع نظرة مستقبلية مستقرة.

وقالت الوكالة: «يستند تصنيف فرنسا إلى اقتصادها الكبير والمتنوع وذي الدخل المرتفع، وقطاعها المصرفي السليم، وقاعدة المستثمرين المتنوعة».


مقالات ذات صلة

السعودية تدخل 2027 بتعافٍ قوي وتنوع أكبر في محركات النمو

خاص المركز المالي في السعودية (واس)

السعودية تدخل 2027 بتعافٍ قوي وتنوع أكبر في محركات النمو

تدخل المالية العامة السعودية عام 2027 من قاعدة مختلفة عن العام الحالي، مع توقعات بتعافي النمو بقوة، بعد الانكماش المرتبط بتراجع إنتاج النفط.

عبير حمدي
خاص رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

خاص فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.

ميشال أبونجم (باريس)
الاقتصاد وزير المالية في ملتقى الميزانية لعام 2026 (أرشيفية - الشرق الأوسط)

السعودية ترصد 371 مليار دولار للإنفاق في موازنة 2027

تمضي السعودية في دعم النمو الاقتصادي وتمويل أولوياتها التنموية والاستراتيجية خلال 2027، مع تقديرات أولية بوصول إجمالي الإنفاق إلى نحو 1.392 تريليون ريال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أفق وسط لندن عند شروق الشمس (رويترز)

نمو الاقتصاد البريطاني يتجاوز التقديرات إلى 0.5 % في الربع الثاني

نما الاقتصاد البريطاني بوتيرة أسرع من التقديرات السابقة خلال الربع الثاني من العام، مدفوعاً بمؤشرات إيجابية على أوضاع الأُسر واستثمارات الشركات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا جلسة لمجلس النواب الليبي في 14 سبتمبر الحالي (الصفحة الرسمية للمجلس)

جدول الرواتب الموحد في ليبيا... عدالة للأجور أم عبء على الميزانية؟

عاد جدول المرتبات الموحد في ليبيا إلى الواجهة وسط احتجاجات وإضرابات تطالب بتحسين الأجور، في وقت يثير تطبيقه مخاوف من زيادة أعباء الميزانية.

جاكلين زاهر (القاهرة)

«بلومبرغ» تتوسع في السعودية وتفتتح مكتباً جديداً في الرياض

مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
TT

«بلومبرغ» تتوسع في السعودية وتفتتح مكتباً جديداً في الرياض

مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)
مراسم افتتاح مكتب الرياض بحضور مازن السديري رئيس هيئة السوق المالية وجان بول زاميت رئيس «بلومبرغ» (الشرق الأوسط)

افتتحت وكالة «بلومبرغ» مكتباً جديداً في مركز الملك عبد الله المالي بالرياض، في خطوة لتوسيع حضورها في السعودية.

وبالتزامن مع افتتاح المكتب، دشنت الشركة «مختبر بلومبرغ المالي» ومبادرة «مسارات بلومبرغ المالية» في السعودية، استناداً إلى مذكرة التفاهم المبرمة مع الأكاديمية المالية في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

كما أفصحت «بلومبرغ» عن تعاونها مع منظمة «Turquoise Mountain» لتطوير المهارات المهنية ومهارات ريادة الأعمال، مع التركيز بشكل أساسي على السيدات في السعودية.

وأعلنت الشركة كذلك إطلاق صندوق تعاون جديد بالشراكة مع منظمة «Synergos» لدعم رواد الأعمال الاجتماعيين في السعودية من خلال مشاريع مشتركة وبرامج لبناء القدرات، مع التركيز على تعزيز ريادة الأعمال وإتاحة الفرص الاقتصادية وتحفيز الابتكار الاجتماعي.

واحتفاءً بافتتاح المكتب، استضافت «بلومبرغ» معرضاً خاصاً لمنتجات منصتها المالية «بلومبرغ تيرمنال»، لإتاحة الفرصة للعملاء والشركاء لاستكشاف أحدث ما توصلت إليه في مجالات البيانات والتحليلات والتكنولوجيا.


رئيس فيدرالي «مينيابوليس»: سوق العمل ليس مصدراً رئيسياً للتضخم حالياً

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

رئيس فيدرالي «مينيابوليس»: سوق العمل ليس مصدراً رئيسياً للتضخم حالياً

مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى البنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

قال نيل كاشكاري، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، يوم الخميس، إن سوق العمل ليس محركاً رئيسياً للتضخم الذي يسعى البنك المركزي الأميركي إلى خفضه، مضيفاً أن إلحاق الضرر بسوق العمل ليس ضرورياً لتحقيق هذا الهدف.

وقال كاشكاري لتلفزيون «بلومبرغ»: «لا أعتقد أن ذلك ضروري، لأن سوق العمل ليس المصدر الرئيسي للتضخم اليوم، ولذلك لا أرى ضرورة لذلك». وجاءت تصريحاته رداً على سؤال عما إذا كان يتفق مع زميل له في «الاحتياطي الفيدرالي» يخشى أن تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة معدلات البطالة، وفق «رويترز».

وأضاف: «لكنني لا أريد استبعاد هذا الاحتمال تماماً. لدينا تفويض مزدوج؛ فأحد جانبي هذا التفويض يبدو في وضع جيد جداً حالياً، بينما ظل الجانب الآخر بعيداً عن تحقيق المستهدف طوال السنوات الخمس الماضية».

من جانبه، قال جيف شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، يوم الخميس، إن تحديد أثر ارتفاع أسعار الطاقة على التضخم لا يزال يمثل تحدياً كبيراً أمام مسؤولي البنك المركزي الأميركي، الذين يحاولون تقييم ما إذا كانت الضغوط التضخمية الحالية ستستمر.

وقال شميد، خلال مؤتمر نظّمه بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند حول التنمية الريفية، إن «هذا الأمر ربما يكون أحد أكبر التحديات التي تواجه السياسة النقدية اليوم، أي فهم ما يكمن وراء صدمة العرض هذه»، مضيفاً أن التحدي يتمثل أيضاً في تحديد المدة التي قد يستمر خلالها تأثيرها على معدلات التضخم.


«فجوة الغاز»... كيف تعوض مصر تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته؟

سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
TT

«فجوة الغاز»... كيف تعوض مصر تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته؟

سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)
سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل للمياه الإقليمية المصرية في مارس الماضي لحفر آبار غاز جديدة في البحر المتوسط (وزارة البترول المصرية)

تراهن مصر على الآبار الجديدة لتوفير احتياجاتها من الغاز، وتقليل فاتورة الاستيراد بعد تراجع الإنتاج لأدنى مستوياته وفقاً لبعض التقديرات. لكن هذا التراجع والاعتماد على الاستيراد لا يمنعان القاهرة من إبراز دورها كمركز إقليمي للطاقة، والاستمرار في عقد صفقات لتصدير الغاز رغم عجز الإنتاج عن الوفاء باحتياجاتها.

وأعلنت وزارة البترول المصرية، الأربعاء، إضافة 45 مليون قدم مكعبة من الغاز يومياً إلى الإنتاج المحلي، إلى جانب 540 برميلاً يومياً من المتكثفات، من خلال ثلاث آبار جديدة، وإعادة تشغيل بئر رابعة. وربطت هذه الزيادة بعودة استثمارات الشركاء بعد تسوية المستحقات المتأخرة، وقالت إن برنامجها يقوم على تسريع وضع الآبار الجديدة على الإنتاج، وإصلاح الآبار المتوقفة، والاستفادة من البنية التحتية القائمة.

لكن هذه الإضافة غير كافية لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك التي تزيد قليلاً عن النصف، فوفق تصريحات لوزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، في نهاية أغسطس (آب) الماضي، فإن إنتاج البلاد من الغاز يبلغ نحو 3.7 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل فاتورة استهلاك مرتفعة وصلت إلى 7.28 مليار قدم مكعبة يومياً، في يوليو (تموز) وأغسطس، ونحو 6.45 مليار خلال الفترة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى مارس (آذار)، ما يعني اضطرار القاهرة للاستيراد لسد الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك التي تزيد قليلاً عن النصف.

وزارة البترول المصرية تقوم بنشر إنفوغراف توضيحي لتجاوز الغاز المصري مرحلة تراجع الإنتاج (أرشيفية-البترول المصرية)

وقال عضو مجلس النواب المصري (البرلمان) حسام حسن الخشت، لـ«الشرق الأوسط»، إن إنتاج مصر من الغاز وصل إلى أدنى مستوياته منذ نحو 15 عاماً، مشيراً إلى ما وصفه بـ«خلل هيكلي مالي وإداري في إدارة منظومة الطاقة».

وعزا خبير اقتصاد الطاقة جمال القليوبي تراجع إنتاج مصر من الغاز إلى «طبيعة الحقول نفسها»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الإنتاج يزيد ويقل وفق قدرات الخزانات، وأعمارها الإنتاجية»، موضحاً أن «أحد التغيرات الرئيسة كان تراجع إنتاج حقل (ظهر)، الذي استحوذ في مرحلة سابقة على نحو نصف قدرات إنتاج الغاز المصرية».

وأضاف: «مساهمات حقل ظهر انخفضت إلى نحو 27 أو 28 في المائة، ما ترك فجوة لم يظهر حتى الآن حقل بديل لتعويضها».

هذا الانخفاض دفع وزارة البترول لزيادة أنشطة الحفر والاستكشاف خلال العامين الماضيين، بهدف استعادة معدلات الإنتاج السابقة.

لكن حتى الآن لا تزال مصر تعتمد على الاستيراد لتوفير احتياجاتها من الغاز، لا سيما في فصل الصيف، حيث تستهلك محطات الكهرباء نحو 4.3 مليار قدم مكعبة من الغاز يومياً، مقابل نحو 3.3 مليار في الأشهر الأقل استهلاكاً، بحسب القليوبي.

وبلغ استهلاك الغاز في توليد الكهرباء والتدفئة نحو 4.7 مليار قدم مكعبة يومياً خلال شهر يوليو الماضي، أي ما يقارب ثلثي إجمالي الاستهلاك في ذلك الشهر، بحسب التقديرات الرسمية.

وإلى جانب الكهرباء تحتاج مصر للغاز في عدد من الصناعات، وفي مقدمتها الأسمدة، والبتروكيماويات، وأوضح القليوبي أن «مصر تنتج نحو 17.5 مليون طن من الأسمدة، يستهلك منها محلياً نحو 12 مليون طن، ويُصدّر الباقي، فضلاً عن إنتاج نحو 4.8 مليون طن من البتروكيماويات، يذهب جزء كبير منها إلى التصدير».

وأوضح الخشت، أن متوسط تكلفة المليون وحدة حرارية من الغاز داخل المنظومة يصل إلى نحو 10.5 دولار في ظل مزيج التوريد الحالي الذي يجمع بين الإنتاج المحلي والواردات، بينما تبيعه البترول لوزارة الكهرباء بنحو 5 دولارات، في مؤشر على ما وصفه بـ«خلل هيكلي مالي وإداري».

اكتشافات مصرية متسارعة لآبار الغاز للوفاء بالاحتياجات المحلية (أرشيفية- البترول المصرية)

ولتلبية احتياجاتها تستورد مصر الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه في عام 2019، وتم تعديله أخيراً لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040، بمعدل يومي قدره 1.8 مليار قدم مكعبة.

لكنها في الوقت ذاته تواصل توقيع صفقات تصدير الغاز لتعزيز وترسيخ مكانتها الإقليمية والدولية كمركز إقليمي للطاقة، حيث وقعت بداية العام الجاري مذكرات تفاهم لتصدير الغاز إلى سوريا، ولبنان. ووفق تقديرات رسمية أخيراً زادت صادرات مصر من الغاز الطبيعي والمسال بنحو 130 في المائة خلال العام المالي الماضي، ووصلت إلى 835 ألف طن.

وفسر القليوبي استمرار صفقات التصدير رغم الحاجة للغاز بـ«طبيعة سوق الغاز واتفاقيات الشركاء الأجانب»، وقال إن «الشركات العالمية العاملة في مصر، ومن بينها (إيني) و(بي بي)، لديها حصص، والتزامات تجارية وفق اتفاقياتها، وقد تتمكن من بيع حصصها في أسواق بعائد أكبر من المبلغ الذي تشتري به مصر الغاز».

وأضاف: «الشريك الأجنبي يتعاقد على صفقات غاز مربحة أكثر، وبالتالي يطلب الحصول على حصته، والتصرف فيها، بينما تستورد مصر الغاز بمبالغ أقل، ما يحقق معادلة تجارية مربحة».

وأوضح القليوبي أن وزارة البترول تعكف على استكشاف آبار جديدة، وتطوير الحالية، ما قد يزيد الإنتاج بنحو 1.5 مليار قدم مكعبة يومياً خلال 2027.