فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

الحكومة تعرض موازنة 2027 وسط ضغوط اجتماعية ومالية متزايدة

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)
رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد. فالحكومة مطالبة بتهدئة مطالب تتعلق بالأجور والقوة الشرائية والخدمات العامة، لكنها في الوقت نفسه تستعد لميزانية تقشفية يفترض أن تخفض الإنفاق بمليارات اليورو، فيما تقترب البلاد من استحقاق رئاسي سيزيد حساسية أي قرار اقتصادي.

وليس من السهل العثور على مؤشرات إيجابية عند مراجعة أداء الاقتصاد الفرنسي هذا العام، إذ تعكس الأرقام الرسمية حجم الضغوط التي تواجهها البلاد. وعلى الأرض، بدأت في 29 سبتمبر (أيلول) موجة جديدة من المظاهرات والإضرابات، بمسيرات وتجمعات لعناصر الإطفاء الذين لعبوا دوراً حاسماً في مكافحة حرائق الصيف الماضي، قبل أن ينضم إليهم موظفو القطاع العام استجابة لدعوات نقابية، ثم طلاب التعليم الثانوي الرسمي المطالبون بتحسين ظروف الدراسة. ولا تبدو قائمة المطالب مرشحة للتوقف عند هذا الحد.

وتخطط النقابات لتصعيد تحركها في 17 أكتوبر (تشرين الأول)، في احتجاجات تشمل غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية، إلى جانب المطالبة بزيادة عامة في الأجور، ورفع موازنات المدارس والمستشفيات، وتوظيف مزيد من العاملين وتحسين ظروف العمل. وبالتوازي، يستعد ناشطون من حركة «السترات الصفراء» للعودة إلى الشوارع ومستديرات الطرق، احتجاجاً على ارتفاع أسعار مشتقات الطاقة، والمطالبة بتجميدها وفرض ضرائب أعلى على الشركات العاملة في القطاع.

هذا الحراك يعيد إلى الأذهان موجة الاحتجاجات التي شهدتها فرنسا في 2018 و2019 تحت راية «السترات الصفراء»، والتي تحولت في مراحل منها إلى مواجهات وأعمال عنف وحرائق وتخريب للممتلكات واشتباكات مع قوات الأمن. ولا تزال تلك المشاهد حاضرة في الذاكرة الفرنسية، ما يضفي على عودة الاحتجاجات الحالية حساسية إضافية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والمالية التي تواجهها البلاد.

رئيس الحكومة الفرنسية سيباستيان لو كورنو سيواجه صعوبات كبرى في إقرار موازنة عام 2027 (رويترز)

حكومة عاجزة

إزاء اتساع المطالب الاجتماعية، تجد حكومة سيباستيان لو كورنو نفسها أمام هامش ضيق للاستجابة، فيما تخشى أن تتقاطع موجة الاحتجاجات مع الاستنفار السياسي الذي يسبق الانتخابات الرئاسية المقررة في ربيع 2027.

ويأتي ذلك في وقت يستعيد فيه التضخم زخمه، إذ أعلن المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية ارتفاع معدل التضخم في فرنسا من 2.6 في المائة في أغسطس (آب) إلى 3.4 في المائة في سبتمبر (أيلول). ويزيد ارتفاع الأسعار من الضغوط على الأسر، ولا سيما الشرائح الأقل دخلاً، مع تآكل قدرتها الشرائية.

وفي مواجهة ارتفاع أسعار الوقود، لجأت الحكومة إلى تقديم مساعدة مالية للمتضررين من زيادة أسعار البنزين والديزل، بينما استمرت الضغوط الناجمة عن أسعار الغاز والكهرباء.

وفي المقابل، تستعد الحكومة لعرض مشروع موازنة 2027، يوم الخميس، في وقت يتجه فيه إلى التقشف وخفض الإنفاق، ما يجعل من الصعب أن تلبي الإجراءات المالية الجديدة معظم المطالب التي يرفعها المحتجون.

وتستهدف الحكومة تحقيق وفر قدره 54 مليار يورو من خلال خفض الإنفاق وملاحقة البنود التي تعتبرها غير ضرورية، فيما تشمل إجراءاتها المقترحة المعاشات التقاعدية.

وتكشف احتياجات التمويل عن حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة الفرنسية؛ إذ تستعد باريس لاقتراض نحو 340 مليار يورو في 2027، بينما تقترب ديونها من 3.6 تريليون يورو، وفق مصادر حكومية، بزيادة نحو 60 مليار يورو عن مستواها في نهاية مارس (آذار).

ويضع هذا الوضع الحكومة أمام معادلة صعبة: احتواء الضغوط الاجتماعية في وقت تتطلب فيه أوضاع المالية العامة خفض الإنفاق، بينما يزيد اقتراب الانتخابات من حساسية القرارات المتعلقة بالأجور والخدمات والإنفاق الاجتماعي.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال جلسة محادثات ثنائية الأربعاء (إ.ب.أ)

تكلفة الدين تضيق الخناق

ويزيد ضعف النمو وتدهور المالية العامة من كلفة اقتراض فرنسا من الأسواق، إذ تصل بعض عوائد سنداتها إلى نحو 4.8 في المائة. ويأتي ذلك في وقت يتوقع فيه أن يقتصر نمو الاقتصاد الفرنسي خلال 2026 على نحو 0.05 في المائة، وهو من أضعف معدلات النمو في الاتحاد الأوروبي.

وفي المقابل، بلغت المديونية نحو 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة بفارق كبير السقف المحدد في قواعد الاتحاد الأوروبي عند 60 في المائة. كما تتزايد كلفة خدمة الدين، مع توقع وصول مدفوعات الفوائد إلى نحو 79 مليار يورو بنهاية العام الحالي.

وتبرز حدة التحول عند مقارنة الوضع الحالي بما كانت عليه أسواق الدين الفرنسية بين 2019 و2021، عندما تراجعت عوائد بعض السندات الحكومية إلى مستويات سالبة. وكانت تلك البيئة تسمح لباريس بالاقتراض بتكلفة شديدة الانخفاض، فيما قبل المستثمرون في بعض الحالات عائداً سالباً مقابل الاحتفاظ بالسندات الفرنسية.

أما اليوم، فقد ارتفعت تكلفة الاقتراض الفرنسية إلى مستويات تتجاوز تلك المسجلة في عدد من الاقتصادات الأوروبية التي كانت تواجه تقليدياً ضغوطاً أكبر في أسواق الدين، بينها اليونان وإسبانيا وإيطاليا. كما اتسع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى أكثر من 1.2 نقطة مئوية، في مؤشر على ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون لتمويل فرنسا.

ومع استمرار ارتفاع الدين وضعف النمو، تزداد حساسية المالية العامة الفرنسية تجاه أسعار الفائدة؛ فكلما ارتفعت كلفة الاقتراض، اتسع الجزء من الموازنة المخصص لخدمة الدين، ما يضيّق المجال أمام الإنفاق على الخدمات العامة والسياسات الاجتماعية والاستثمار.

صعوبات إقرار موازنة عام 2027

لا يمكن فصل الضغوط التي تواجه الموازنة الفرنسية عن أزمة الطاقة، التي رفعت كلفتها بنحو 9 مليارات يورو في 2026، في وقت لا تبدو فيه مؤشرات على انحسار هذه الضغوط في المستقبل القريب. ومن المرجح أن يواجه رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو مهمة شاقة في تمرير مشروع موازنة 2027 أمام البرلمان، ولا سيما «الجمعية الوطنية»، في ظل اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية وما يرافقه من حسابات سياسية متزايدة.

ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، قد تجد الكتل السياسية نفسها أمام ضغوط متزايدة لمراعاة انعكاسات أي موازنة تقشفية على قواعدها الانتخابية، بما يفتح المجال أمام مفاوضات صعبة ومطالب برلمانية متعارضة. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ضوء تجربة العام الماضي، عندما سقطت حكومتان بعد إخفاقهما في تأمين الأغلبية اللازمة لتمرير موازنة 2026، ما دفع لو كورنو إلى تقديم تنازلات لنواب الحزب الاشتراكي سعياً إلى تأمين الدعم اللازم لإقرارها.

متظاهرون يشاركون في إضراب عام في باريس (إ.ب.أ)

اقتصاد كبير وثقل سياسي

ورغم الضغوط المالية، لا يزال الاقتصاد الفرنسي يحتفظ بثقل كبير على المستويين الأوروبي والعالمي. ووفق بيانات البنك الدولي لعام 2025، تحتل فرنسا المرتبة الثانية بين اقتصادات الاتحاد الأوروبي من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بعد ألمانيا، إذ بلغ ناتجها نحو 3.366 تريليون دولار، مقابل 5.051 تريليون دولار لألمانيا. وعلى المستوى الأوروبي الأوسع، تأتي فرنسا في المرتبة الثالثة بعد ألمانيا وبريطانيا، التي بلغ ناتجها نحو 4.003 تريليون دولار.

وعالمياً، تحتل فرنسا المرتبة السابعة من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، وفق البيانات نفسها، خلف الولايات المتحدة والصين وألمانيا واليابان والهند وبريطانيا. ويمنحها ثقلها الاقتصادي، إلى جانب عضويتها الدائمة في مجلس الأمن وقدراتها النووية، نفوذاً سياسياً يتجاوز الوزن الذي يعكسه حجم اقتصادها وحده.

لكن الضغوط المالية والاقتصادية الراهنة قد تزيد صعوبة الحفاظ على هذا الثقل داخل الاتحاد الأوروبي، حيث شكلت فرنسا وألمانيا لعقود محوراً رئيسياً في دفع عملية التكامل الأوروبي. ومع اقتراب نهاية الولاية الثانية للرئيس إيمانويل ماكرون في ربيع 2027، تزداد أهمية الاستحقاق الرئاسي المقبل بالنسبة للسياسات الاقتصادية والمالية الفرنسية، في وقت يطرح فيه صعود اليمين القومي، وفي مقدمته حزب «التجمع الوطني»، احتمال حدوث تحولات في عدد من الملفات، بما فيها السياسة المالية والاقتصادية.


مقالات ذات صلة

ترقُّب نزول آلاف الطلاب إلى شوارع فيينا احتجاجاً على ميزانية غير كافية

أوروبا أشخاص يشاركون في احتجاج في فيينا بالنمسا يوم 16 أكتوبر 2026 (رويترز)

ترقُّب نزول آلاف الطلاب إلى شوارع فيينا احتجاجاً على ميزانية غير كافية

تترقب فيينا خروج تظاهرات بعد ظُهر الخميس يشارك فيها آلاف الطلاب احتجاجاً على الميزانية المخصصة للجامعات والتي تُعد غير كافية للتعويض عن التضخم وارتفاع الأسعار.

«الشرق الأوسط» (فيينا)
الاقتصاد فرن في منشأة «أوروبِس» في هامبورغ بألمانيا (رويترز)

النحاس يتراجع مع ارتفاع المخزونات وتراجع مخاوف الإمدادات

تراجعت أسعار النحاس، الخميس، مع تدفق كميات إضافية إلى مستودعات بورصة لندن للمعادن، ما خفف بعض المخاوف بشأن الإمدادات، رغم استمرار الاختناقات في سلاسل التوريد.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد شخص يسير أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر «نيكي» الياباني في شركة أوراق مالية في طوكيو (أ.ب)

الأسواق الآسيوية تتراجع رغم نتائج قوية لشركات التكنولوجيا

واجهت الأسهم الآسيوية صعوبة في الحفاظ على مكاسبها خلال التعاملات المبكرة يوم الخميس، رغم التوقعات الإيجابية لنتائج شركات التكنولوجيا.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد المركز المالي في السعودية (واس)

أرباح 6 بنوك سعودية ترتفع في الربع الثالث... و«الجزيرة» الأعلى نمواً

ارتفعت أرباح 6 بنوك سعودية في الربع الثالث، بقيادة «الجزيرة» نمواً و«الراجحي» قيمةً، في حين تراجعت أرباح ثلاثة بنوك بفعل ضغوط تشغيلية وائتمانية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد اجتماع وزراء مالية منظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في هونغ كونغ (إكس)

وزراء مالية «أبيك» يتعهدون بتنسيق السياسات الاقتصادية لمواجهة المخاطر

اتفق وزراء مالية اقتصادات منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) على تعزيز التنسيق والتواصل بشأن سياسات الاقتصاد الكلي لمواجهة المخاطر.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )

فنلندا تمنح ترخيصاً لأول مستودع دائم للنفايات النووية في العالم

حفرة بعمق 8 أمتار حيث سيتم وضع كبسولة نحاسية للوقود النووي المستنفد في منشأة «أونكالو» بفنلندا (رويترز)
حفرة بعمق 8 أمتار حيث سيتم وضع كبسولة نحاسية للوقود النووي المستنفد في منشأة «أونكالو» بفنلندا (رويترز)
TT

فنلندا تمنح ترخيصاً لأول مستودع دائم للنفايات النووية في العالم

حفرة بعمق 8 أمتار حيث سيتم وضع كبسولة نحاسية للوقود النووي المستنفد في منشأة «أونكالو» بفنلندا (رويترز)
حفرة بعمق 8 أمتار حيث سيتم وضع كبسولة نحاسية للوقود النووي المستنفد في منشأة «أونكالو» بفنلندا (رويترز)

منحت الحكومة الفنلندية ترخيصاً تشغيلياً لأول مستودع دائم في العالم للوقود النووي المستهلك، وفق ما أعلنت شركة «بوسيفا» المتخصصة في إدارة النفايات الخميس، بعد 22 عاماً على بدء أعمال الإنشاء في الموقع.

وحُفر المستودع الجيولوجي داخل صخر أساس مستقر يعود إلى 1.9 مليار سنة في منطقة يورايوكي بجنوب غربي فنلندا، ليضم الوقود النووي المستهلك داخل ثقوب في الصخر، حيث سيظل هذا الوقود مشعاً وخطراً لآلاف السنين.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة «بوسيفا» إيلكا بويكولاينن في بيان: «هذا يوم عظيم وتاريخي بالنسبة إلى كل من شركة بوسيفا وفنلندا».

ومن المتوقع أن يبدأ الموقع الذي أُطلق عليه اسم «أونكالو»، وهو مصطلح يعني «كهف» باللغة الفنلندية، عمله قريباً، لكن شركة «بوسيفا» ذكرت أنه لم يتم تحديد موعد دقيق بعد.

قبل البدء في التخلص النهائي، ستُكمل الشركة مرحلة التشغيل التجريبي، من خلال إجراء الاختبارات والفحوص اللازمة التي يتعين على هيئة السلامة الإشعاعية والنووية الفنلندية أيضا التحقق منها والموافقة عليها.

بسعة 6500 طن من اليورانيوم، سيوفر موقع «أونكالو» تخزيناً دائماً للوقود المستهلك من المفاعلات النووية الخمسة في فنلندا.

وسيوضع الوقود داخل حاويات نحاسية شديدة المقاومة للتآكل، ثم تُنزل في ثقوب حُفرت ضمن أنفاق في الصخر الأساس، على أن تُملأ هذه الثقوب بطين البنتونيت، وتُغلق في النهاية بخرسانة مسلحة بالفولاذ.

سيظل الوقود عالي الإشعاع لعشرات الآلاف من السنين. ووفق شركة «بوسيفا»، فإنه بعد مرور نحو 100 ألف عام، ستصبح مستويات الإشعاع فيه مماثلة تقريباً لمستوياتها في خام اليورانيوم الذي صنع منه هذا الوقود.

وتعكف الدول على إيجاد حلول للتعامل مع النواتج الثانوية النووية الخطرة منذ إنشاء أولى المحطات في خمسينات القرن العشرين. وفي الوقت الراهن، توجد معظم هذه المواد في أماكن تخزين موقتة.

يجري إنشاء مستودعات نهائية في بلدان أخرى، من بينها السويد المجاورة وفرنسا، لكن من المتوقع أن تكون فنلندا أول دولة تفتتح منشأة للتخزين تحت الأرض.وتقدر كلفة موقع «أونكالو» بـ1.16 مليار دولار.


باريس... تجار يتسلحون وآخرون لا يتوقعون تكرار الفوضى

مسدس يطلق رذاذ الفلفل المسيل للدموع وبجانبه قذيفتان كما يظهر في محل لبيع الأسلحة في باريس (أ.ف.ب)
مسدس يطلق رذاذ الفلفل المسيل للدموع وبجانبه قذيفتان كما يظهر في محل لبيع الأسلحة في باريس (أ.ف.ب)
TT

باريس... تجار يتسلحون وآخرون لا يتوقعون تكرار الفوضى

مسدس يطلق رذاذ الفلفل المسيل للدموع وبجانبه قذيفتان كما يظهر في محل لبيع الأسلحة في باريس (أ.ف.ب)
مسدس يطلق رذاذ الفلفل المسيل للدموع وبجانبه قذيفتان كما يظهر في محل لبيع الأسلحة في باريس (أ.ف.ب)

قال إيف غوليه، الذي يملك متجر أسلحة في باريس، إن مبيعاته ازدادت «أكثر من عشر مرات» بعد أعمال النهب والتخريب التي وقعت في عطلة نهاية الأسبوع الماضي على هامش التعبئة الاجتماعية، موضحاً أن أصحاب المتاجر «يتسلحون لأنهم خائفون للغاية» قبل التظاهرات الجديدة المقررة السبت.

وإزاء هذا الإقبال الكبير، نفد مخزونه من قاذفات الكرات المطاطية التي تصل قوتها إلى 20 جولاً، والمعروضة للبيع الحر للبالغين. وروى أن بعض زبائنه «وجدوا أنفسهم عالقين في متاجرهم مع المخربين».

وفي متجر أسلحة آخر في العاصمة الفرنسية، يقول ميكايل (تم تعديل اسمه) الذي يملك متجراً للنظارات قرب محطة «غار دو ليست»، إنه جاء لشراء قنابل فلفل «في حال دخل مخربون محلّي»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

والهدف على حدّ قوله هو امتلاك «وسائل دفاع ظاهرية» والقيام بما يجعله «مرتاح الضمير» في حال تعرض متجره للتخريب.

وعلى جادة ماجنتا الممتدة من غار دو ليست إلى ساحة لا ريبوبليك، التي شهدت أعمال عنف السبت، ينهمك عمال في نصب ألواح خشب لحماية واجهات المحلات.

وتحوّلت وسائل الحماية الهشة هذه إلى ما يشبه منصّات لإظهار الدعم للتجار، فعلقت عليها ملصقات تدعو للانضمام إلى مجموعة خاصة بالحي على تطبيق «واتساب» من أجل «منع عمليات الاقتحام»، فيما تدعو أخرى لجمع التبرعات لمساعدة «علي حسين وفريقه المنكوب» بعد نهب محلّه.

وعلقت وكالة عقارية إعلاناً يسخر من الوضع كتب عليه: «قدر أقل من الشفافية على الواجهة، ولكن القدر نفسه من الشفافية دائماً في معاملاتنا. محلنا مفتوح ونحافظ على ابتسامتنا!».

ولا تزال أرصفة الشوارع مكسوة بحطام الواجهات الزجاجية وعبوات فارغة من المحلول الملحي المستخدم لغسل العيون بعد التعرض للغازات المسيلة للدموع.

مغادرة العاصمة

وإن كان بعض التجار يتسلحون، فإن البعض الآخر يبقى متفائلاً.

وقال مصفف الشعر جوزيه غيدج: «السبت الماضي كان مروعاً، خفت على حياتي، لكنني لا أعتقد إطلاقاً أن السبت المقبل سيكون مماثلاً»، مبدياً ثقته بأن الحكومة «أخذت في الاعتبار ما حصل».

وقد استخدم بضع ألواح خشب ليسند باب صالونه الزجاجي الذي حطمه المخربون.

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

أما إيمانويل رينال (60 عاماً) فما زال تحت وقع الصدمة بعد أعمال العنف، وينام، منذ الاثنين، داخل محله لمواد الدهان القريب من محطة غار دو ليست والذي بات نصف فارغ.

وقال: «أستبعد تماماً أن نفتح السبت المقبل. لم أفهم حتى الآن لماذا جاء اللصوص لسرقة طلاء وأدوات عمل».

وأفادت مديرية شرطة باريس بتخريب 450 متجراً ونهب 228 في عطلة نهاية الأسبوع الماضي في العاصمة.

ودعت البلدية إلى لزوم «أكبر قدر من الحذر»، السبت، وأوصت السكان وأصحاب المتاجر بـ«إدخال حاويات النفايات والدراجات، وكذلك الطاولات والكراسي على الأرصفة والأثاث الخارجي».

وقال المتقاعد بيار إيمانويل دوبرا الذي يترأس جمعية لسكان حيّ «لي هال» وتجاره في وسط باريس: «نخشى ما يمكن أن يحصل، والخطاب الحكومي غير مطمئن».

رجل يسير بجوار صف من المركبات المحترقة في شارع «إيف توديك» (Rue Yves Toudic) التي دُمرت عقب احتجاجات عمت أرجاء فرنسا ضد «ارتفاع تكاليف المعيشة» وذلك في وسط باريس (أ.ف.ب)

وروى: «السبت الماضي لزمنا منازلنا لمدة 12ساعة بسبب دخان الغازات المسيلة للدموع»، لكنه يبقى متفائلاً رغم كل شيء، ويقول: «أراهن على أن الأمور ستكون أقل حدة، حتى لو حصلت أعمال إجرامية انتهازية».

لكن لورانس (82 عاماً) المقيمة في وسط الحي، تفضل عدم المجازفة وهي لا تزال تشعر بالهلع بعد التجاوزات وأعمال العنف، فقررت مغادرة باريس في عطلة نهاية الأسبوع. وقالت: «النوم خارج باريس والتنزه في الغابة، يبدو لي ذلك جيداً».


الدنمارك تشتري صواريخ بعيدة المدى لمواجهة التهديد الروسي

وزير الدفاع الدنماركي ييبي بروس خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع في كوبنهاغن 22 أكتوبر 2026 (رويترز)
وزير الدفاع الدنماركي ييبي بروس خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع في كوبنهاغن 22 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

الدنمارك تشتري صواريخ بعيدة المدى لمواجهة التهديد الروسي

وزير الدفاع الدنماركي ييبي بروس خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع في كوبنهاغن 22 أكتوبر 2026 (رويترز)
وزير الدفاع الدنماركي ييبي بروس خلال مؤتمر صحافي بوزارة الدفاع في كوبنهاغن 22 أكتوبر 2026 (رويترز)

أعلنت الدنمارك، الخميس، شراء صواريخ بعيدة المدى من شركتين نرويجية وأميركية، بعد عام على إعلان اعتزامها حيازة أسلحة عالية الدقة بعيدة المدى بمواجهة التهديد الروسي، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال وزير الدفاع ييبي بروس: «اشترينا نظامَيْ صواريخ مختلفين: صواريخ نرويجية من كونغسبرغ يمكن إطلاقها من مقاتِلاتنا من طراز (إف-35)، وصواريخ أنثم من شركة كوفنانت الأميركية يمكن إطلاقها من البر».

لكنه رفض تحديد عدد الصواريخ وتكلفتها، كما لم يحدد تاريخ تسليمها.

وفي بيان منفصل، أشارت شركة «كونغسبرغ» إلى أن نطاق العقد وقيمته يُحدَّدان «من خلال المفاوضات مع الزبون».

كانت الحكومة الدنماركية قد أعلنت، في سبتمبر (أيلول) 2025، أنها ستشتري، للمرة الأولى، «أسلحة عالية الدقة بعيدة المدى»، فيما وصفته رئيسة الوزراء ميته فريدريكسن بأنه «نقلة نوعية في سياسة الدفاع الدنماركية»، في وجه التهديد الروسي.

من جهته، صرّح السفير الروسي لدى الدنمارك فلاديمير باربين، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قائلاً: «تنساق كوبنهاغن وراء وهم خطير مفاده أن شراء أسلحة هجومية عالية الدقة وبعيدة المدى تهدف إلى تشكيل تهديد عسكري لقوةٍ نووية، من شأنه أن يسهم في تعزيز أمن الدنمارك ودفاعها».

وأضاف: «تُبدي كوبنهاغن تردداً في أخذ العواقب الكارثية الحتمية لمثل هذه السياسة غير المدروسة في الحسبان».

لكن وزير الدفاع الدنماركي قال إنه في الوضع الراهن «لا يمكن لأحدٍ التكهن بما سيحصل غداً».

وتابع أن هذا الوضع يُرغم الدنمارك على امتلاك هذه القدرات العسكرية الجديدة لتعزيز قوتها الرادعة، وكذلك قوة الردع الجماعي لحلف شمال الأطلسي «ناتو».

وصدر هذا الإعلان يوم توقيع اتفاق مع الولايات المتحدة لتعزيز التعاون البحري الثنائي، ولا سيما في مجال بناء السفن.