في القرى الريفية المصرية، تشتعل ملاعب كرة القدم «الترابية» بمنافسة قوية، عبر أقدام «مواهب الظل» الفطرية البعيدة عن الأضواء، الذين يُخرجون أفضل ما لديهم بفعل حماس جماهيري متواصل، حيث يتحكمون بالكرة في رشاقة، ويراوغون بمهارة، ويمررون بدقة، وهي الأجواء التي جعلت من «كرة القدم الريفية» ظاهرة تخترق المشهد الكروي في مصر، لتنافس بمواهبها وأهدافها وشعبيتها مباريات الدوري الممتاز على منصات التواصل.
وخطفت الدورات والبطولات، التي تحتضنها مراكز الشباب بالمحافظات أو الملاعب الخاصة الترابية، الاهتمام بعد أن تطورت منافساتها وأجواؤها لتضاهي البطولات الكبرى، كما حظيت مهارات لاعبيها «الساحرة» وأهدافهم «الملعوبة» - التي يمكنها أن تنافس بقوة على «جائزة بوشكاش» لأفضل أهداف في العالم - بتداول واسع على منصات التواصل الاجتماعي، ما أثار تساؤلات عن عدم الاستفادة من تلك المواهب، وسط مطالبات جماهيرية بالاهتمام بهذه الدورات بشكل رسمي لاكتشاف الموهوبين.
@yousef_kahrabh اختار افضل هدف
ويبلغ عدد مراكز الشباب في مصر 4568 مركزاً (منها 4049 مركزاً بالقرى)، وفق النشرة السنوية لإحصاء النشاط الرياضي لعام 2024.
وتُعدُّ بطولة «مركز شباب القضاة»، في محافظة الشرقية (دلتا النيل)، نموذجاً حياً لهذه الظاهرة الرياضية، حيث تحوَّلت إلى كرنفال صيفي سنوي يجذب آلاف المتابعين، وعشرات الفرق التي تتوافد على حجز مقاعدها مبكراً قبل انطلاق البطولة، إلى جانب لاعبين أصبحوا في بؤرة الاهتمام، وتلتقطهم الأندية بعد أن تألقوا على ملعب البطولة.

وتكتسب بطولة «القضاة للمحترفين» لهذا العام بمتابعة جماهيرية واسعة، بفعل الترويج الإعلامي على «السوشيال ميديا» لأهداف مبارياتها، كما لفتت الأنظار بعد أن حدَّد وزير الشباب والرياضة المصري، جوهر نبيل، موعد المباراة النهائية للدورة في 18 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بحضوره.
يوسف كهربا، المسؤول الإعلامي لـ«بطولة القضاة للمحترفين»، وأحد المُنظمين لها، يوضح، لـ«الشرق الأوسط»، أن فعاليات الدورة الصيفية التي ينظِّمها مركز شباب القضاة سنوياً، تشارك بها فرق من مختلف محافظات مصر، إلى جانب فرق من مختلف مراكز محافظة الشرقية، وصلت هذا العام إلى 80 فريقاً.
وعن سر الجاذبية الكبيرة لهذه البطولة، يؤكد أن نجاحها لا يعود فقط لشغف الأهالي، بل لتكامل عناصر التنظيم، فملعب البطولة يتميز بموقعه الاستراتيجي في قلب البلدة، وجودة أرضيته التي تُخدَم وتُخطَّط يومياً.
لعب الوجود الرقمي دوراً محورياً في صناعة هذه الشهرة، بحسب المسؤول الإعلامي، حيث استحوذت التغطية الإعلامية على نسبة كبيرة في إيصال مباريات الدورة وأهدافها إلى ملايين المشاهدات عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما جعلها محط أنظار الشارع الرياضي خارج حدود المحافظة، كما نجحت الدورة في جذب اهتمام كبرى الشركات الراعية.
وبرأي كهربا، تمتاز الدورات الريفية في مصر برابط جماهيري يتجاوز أحياناً مباريات الأندية الكبرى، ويعود ذلك إلى الطابع التنافسي والروابط الاجتماعية والجغرافية بين القرى المتنافسة، فالمباريات غالباً ما تجمع قرى بينها منافسات تاريخية أو قبلية، مما يجعل المباريات تموج بالحماس والندية.
@yousef_kahrabh الاول لنجوم الغابة عن طريق احمد حسن
لا تقف أهمية الدورات الريفية عند حدود الترفيه الجماهيري، بل تُعدُّ نافذةً حقيقيةً لاكتشاف المواهب ومدِّ الأندية المصرية بالنجوم. وفي هذا السياق، يشير المسؤول الإعلامي إلى تجارب ناجحة أفرزتها بطولة مركز شباب القضاة، فقد نجح ثنائي بارز من أبطال دورة العام الماضي في شق طريقهما نحو الاحتراف، حيث انتقل اللاعب يحيى مصطفى إلى صفوف نادي طلائع الجيش ليحجز مكاناً أساسياً له في الدوري الممتاز، بينما التحق محمد عثمان بنادي المريخ البورسعيدي.
ويلفت كهربا إلى أن اللجنة المنظمة والشارع الرياضي في الشرقية يتأهبان لختام استثنائي مرتقب للبطولة الشهر المقبل، والذي سيشهد حضوراً رسمياً رفيع المستوى يتقدمه وزير الشباب والرياضة ومحافظ الشرقية، وبالتالي هي فرصة كبرى أمام موهوبين جُدد لشق طريقهم نحو الأضواء والشهرة.
ويرى الناقد الرياضي، محمد الهليس، أن شهرة الدورات الريفية تكتسب مكانتها من شعبية كرة القدم، إلى جانب كونها إرثاً تاريخياً متوارثاً بين الأجيال، إضافة إلى كونها تمثل مساحة للترفيه في ظلِّ أماكن الاستمتاع والتنزه النادرة المتاحة في القرى، فضلاً عن أن المباريات النهائية فيها تتحوَّل تلقائياً إلى فعالية مجتمعية شاملة، وسط أجواء رياضية يغمرها الحماس والروح الرياضية.
ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أن ما يميِّز البطولات الشعبية والريفية عن مسابقات الأندية الرسمية أنها تمنح مساحةً حقيقيةً لتسليط الضوء على أسماء تستحق النجومية، لكنها فقدت الفرصة لأسباب مختلفة.

ويرى أن «كثيراً من المواهب الحقيقية تضيع لأن مَن يراقبها لا يملك الأدوات الصحيحة للحكم عليها، لذا فهذه الدورات تمثل فرصة ذهبية لإنقاذ مواهب الشوارع، خصوصاً في المناطق الفقيرة، وبالتالي فهي بحاجة إلى التخطيط المتقن، والتنظيم المشترك بين مديريات الشباب والرياضة والأحياء والوحدات المحلية، ما يحوِّل هذه البطولات إلى منصة مُنظَّمة لاكتشاف اللاعبين الواعدين».
وفيما يتعلق بما أعلنته اللجنة المنظمة لبطولة القضاة للمحترفين بشأن حضور وزير الشباب والرياضة المباراة النهائية للبطولة وانعكاس ذلك على مواهب الدورات الريفية، قال الناقد الرياضي: «هذه الزيارة إما أن تقتصر على حضور رمزي لا يترتب عليه تطوير حقيقي أو استثمار فعّال للمواهب، وحينها لن تكون هناك فائدة تُذكر منها، وإما أن يعكس هذا الحضور رغبةً جادةً في النزول إلى أرض الواقع وبناء منظومة اكتشاف مواهب احترافية، وعندها يمكن الحديث عن نقلة نوعية حقيقية، سيكون لها أثر ملموس على هؤلاء اللاعبين مستقبلاً».
وسبق وانتقد كل من نجمي الكرة المصرية محمد أبو تريكة وشيكابالا الاعتماد على أكاديميات كرة القدم في تفريخ اللاعبين، وهي أكاديميات تتطلب مقابلاً مادياً لا يقدر عليه جميع اللاعبين الموهوبين، في الوقت الذي اختفى فيه دور مكتشفي المواهب ميدانياً من جميع أنحاء مصر. وللوصول إلى المواهب الفذة في مصر وتسهيل طرق وصولها إلى الأضواء والشهرة، دشَّنت الشركة المتحدة قبل أشهر عدة البرنامج التلفزيوني «كابيتانو مصر» وهو أكبر مشروع لقطاع الناشئين واكتشاف مواهب كرة القدم في مصر بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة.
