ماذا لو لم يعد الذكاء الاصطناعي برنامجاً نفتح تطبيقه، أو نظاماً يستعين به الطبيب على شاشة في المستشفى؛ بل أصبح جزءاً مزروعاً داخل جسم الإنسان؛ يراقب القلب باستمرار، ويقرأ إشاراته الفسيولوجية، ويرصد تغيراً خطراً قبل أن نشعر به، ثم يساعد على تعديل العلاج في اللحظة المناسبة؟
قد يبدو هذا المشهد أقرب إلى الخيال العلمي، ولكن الطب بدأ يقترب منه بالفعل. فمن أجهزة منظمات ضربات القلب ومراقبة القلب المزروعة، إلى المستشعرات الحيوية الدقيقة والواجهات العصبية وأنظمة توصيل الدواء القابلة للبرمجة، تتطور الغرسات الطبية من أجهزة تؤدي وظيفة محددة إلى منصات قادرة على جمع تدفق مستمر من البيانات من داخل الجسم.
والخطوة الأكثر إثارة ليست مجرد أن تستشعر هذه الأجهزة ما يحدث؛ بل أن تتمكن من تفسيره والاستجابة له. وهنا يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد، حاملاً معه احتمال الانتقال من الغرسة الطبية التي تنتظر أمراً خارجياً إلى نظام ذكي يستطيع التعرف على الأنماط، وتقدير الخطر، والمساهمة في اتخاذ استجابة علاجية في الزمن الحقيقي.
هذا التحول تناولته مراجعة علمية نُشرت في مجلة «Intelligence & Robotics» في 19 أغسطس (آب) 2026، حول «الغرسات الذكية» والشرائح الدقيقة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مع تركيز خاص على تطبيقاتها في جراحة القلب والصدر.
وتطرح المراجعة رؤية لمستقبل تلتقي فيه الإلكترونيات الدقيقة والمستشعرات الحيوية والاتصالات اللاسلكية والمواد المتوافقة حيوياً مع خوارزميات الذكاء الاصطناعي، بما قد يعيد رسم العلاقة بين جسم الإنسان والتكنولوجيا الطبية.
من جهاز مزروع إلى نظام ذكي
عرف الطب الأجهزة المزروعة منذ عقود، ولعل منظم ضربات القلب أشهر أمثلتها. ولكن التحول الجاري اليوم لا يتعلق فقط بتصغير حجم الجهاز ولا إطالة عمر بطاريته؛ بل بإضافة طبقة جديدة من «الذكاء» إلى ما يستطيع أن يراه ويفهمه من داخل الجسم.
إن الغرسات الحديثة قادرة على التقاط تدفق متواصل من الإشارات الفسيولوجية. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلل هذه البيانات، ويتعرف على الأنماط غير الطبيعية، ويرصد تغيرات قد تسبق ظهور المشكلة سريرياً، وصولاً إلى نماذج أكثر تقدماً قد تساعد مستقبلاً على تكييف العلاج مع حالة المريض لحظة بلحظة.
وفي القلب، تستعرض المراجعة طيفاً يمتد من أجهزة مراقبة القلب المزروعة ومنظمات ضربات القلب اللاسلكية، إلى مستشعرات الضغط الدقيقة، وتقنيات رصد اضطرابات النظم، ومراقبة أجهزة دعم الدورة الدموية.
وتمتد الفكرة إلى جراحة الصدر وزراعة الرئة؛ حيث يجري استكشاف مستشعرات حيوية ومنصات ميكروفلويدية (ميكروسائلة) دقيقة، وهي شرائح صغيرة تمر عبر قنواتها المجهرية كميات ضئيلة جداً من سوائل الجسم لتحليلها ورصد التغيرات الحيوية فيها، بما قد يساعد على التقاط مؤشرات مبكرة للعدوى أو رفض العضو المزروع، وربما عودة الورم.
لكن هذه الصورة المستقبلية تحتاج إلى قدر من الحذر. فليس كل جهاز مزروع يمثل جهازاً «ذكياً»، وليس كل ما يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليله اليوم قادراً على اتخاذ قرار علاجي من داخل الجسم. وبعض هذه التقنيات دخل بالفعل الممارسة السريرية، في حين لا تزال تطبيقات أخرى في المختبر، أو في مراحل البحث والتطوير. والفارق بين الاثنين أساسي لفهم أين يقف الطب اليوم، وإلى أين يمكن أن يصل غداً.

الحلقة العلاجية المغلقة
لعل أكثر المفاهيم إثارة في هذا المجال ما يُعرف بـ«النظام العلاجي ذي الحلقة المغلقة» (Closed-loop therapeutic system)؛ وهو نظام لا يكتفي بمراقبة الجسم؛ بل يستخدم ما يرصده لتوجيه استجابة علاجية ثم يتحقق من نتيجتها.
في المسار الطبي المعتاد، تظهر الأعراض أو تصل نتائج الفحوص، فيراجع الطبيب المعلومات ويتخذ القرار العلاجي. أما في الحلقة المغلقة، فتختصر التكنولوجيا جزءاً من هذه الدورة: يستشعر الجهاز تغيراً داخل الجسم، وتحلل الخوارزمية الإشارة، ثم ينفِّذ النظام استجابة علاجية محددة ضمن حدود مبرمجة مسبقاً، قبل أن يعيد القياس ليرى كيف استجاب الجسم.
وهكذا تتكون حلقة متواصلة: استشعار- تحليل- استجابة- قياس جديد. أي أننا ننتقل من جهاز يسجِّل ما يحدث داخل الجسم إلى نظام يمكنه -في تطبيقات محددة- تفسير الإشارة والاستجابة لها ومراقبة نتيجة استجابته.
وتناقش المراجعة إمكانية أن تقود هذه الفكرة مستقبلاً إلى أنظمة تعدِّل بعض معايير تنظيم ضربات القلب أو دعم الدورة الدموية، أو تتحكم في توصيل الدواء استناداً إلى البيانات الفسيولوجية المتدفقة من جسم المريض نفسه. ولكن جانباً مهماً من هذه التطبيقات المتقدمة لا يزال في مراحل البحث والتطوير، وتواجهه تحديات تتعلق بالطاقة وعمر الغرسة، والتوافق مع أنسجة الجسم، ودقة الخوارزمية، والأهم سلامة أي قرار علاجي يُتَّخذ بصورة آلية داخل جسم الإنسان.

حين يصبح الجسم مصدراً دائماً للبيانات
ويحمل هذا التطور تحولاً طبياً أعمق: الانتقال من الطب القائم على لقطات متفرقة إلى المراقبة الفسيولوجية المستمرة. فالطبيب يرى المريض عادة في أوقات محددة، ويعتمد في كثير من قراراته على تخطيط أو تحليل أو صورة تلتقط حالة الجسم في لحظة زمنية معينة.
ولكن ماذا يحدث بين زيارة وأخرى؟ هنا تبرز قيمة الغرسات الذكية؛ إذ يمكنها، حسب نوعها ووظيفتها، متابعة مؤشرات محددة على امتداد ساعات أو أيام، حتى عندما يكون المريض بعيداً عن المستشفى.
ولا تكمن القيمة في جمع مزيد من البيانات فحسب؛ بل في القدرة على البحث داخل هذا التدفق المستمر عن تغيرات صغيرة أو أنماط متكررة قد لا تظهر في الفحص العابر. وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد على التمييز بين التقلبات الطبيعية والإشارات التي تستحق الانتباه، وربما رصد مؤشرات مبكرة تسبق بعض التراجعات السريرية.
وهكذا قد نقترب من طب أكثر تنبؤاً وشخصنة؛ فلا يعود السؤال فقط: «ماذا حدث للمريض؟»؛ بل يصبح أيضاً: «هل تستطيع الإشارات الدقيقة الصادرة من داخل جسمه أن تنبهنا إلى ما قد يحدث قبل أن يتحول إلى أزمة؟».
ولكن... من يحكم الخوارزمية داخل الجسم؟
هنا تبدأ القضية الأكثر حساسية. إذا أخطأَتْ خوارزمية تقدم توصية على شاشة الطبيب، فإن الطبيب يستطيع مراجعتها أو رفضها. ولكن ماذا لو أصبحت الخوارزمية جزءاً من نظام مزروع داخل الجسم، وقادراً على التأثير مباشرة في وظيفة فسيولوجية أو في جرعة علاجية؟ عندها لا يعود الخطأ مجرد توصية غير دقيقة على شاشة؛ بل قد يتحول إلى فعل يحدث داخل جسم المريض.
وهذا يفتح أسئلة لم يكن الطب التقليدي مضطراً إلى طرحها بهذه الصورة: من يحدد حدود استقلالية النظام؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا أخطأ؟ وكيف تُحدَّث الخوارزمية بعد زرع الجهاز من دون إدخال مخاطر جديدة؟ ومن يملك التدفق المستمر من البيانات التي ينتجها جسم المريض؟ والأكثر حساسية: ماذا لو تعرضت غرسة متصلة لاسلكياً لاختراق أو تلاعب سيبراني؟
وتضع المراجعة الأمن السيبراني، وملكية البيانات، واستقلالية المريض، وشفافية الخوارزميات، والتنظيم القانوني، ضمن التحديات الجوهرية أمام الجيل المقبل من الغرسات الذكية. كما تثير سؤالاً يتجاوز الطب إلى الأخلاق: أين ينتهي علاج المرض، ويبدأ استخدام التكنولوجيا لتعزيز قدرات الإنسان؟
وهكذا قد تدخل حوكمة الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة. فبعد أن انشغلنا بكيفية تنظيم الخوارزميات في المستشفيات والسجلات الطبية وقواعد البيانات، قد يصبح علينا مستقبلاً أن نضع قواعد لتكنولوجيا ذكية لا تعمل أمام الإنسان فحسب؛ بل تعمل فعلياً داخل جسده.

حدود جديدة بين الإنسان والآلة
لا يعني ذلك أننا على وشك زرع «عقول اصطناعية» مستقلة داخل أجسام البشر، فكثير من التطبيقات التي تستعرضها البحوث لا يزال في مراحل متفاوتة من التطوير، ويحتاج إلى إثبات الفاعلية والسلامة والاستقرار على المدى الطويل قبل أن يصبح جزءاً من الممارسة الطبية اليومية.
لكن اتجاه البحث أصبح واضحاً: الغرسة الطبية لم تعد تُصمم بالضرورة بوصفها مكوِّناً إلكترونياً يؤدي وظيفة واحدة فحسب؛ بل تتجه بعض التقنيات نحو أن تصبح واجهة بين العالمين البيولوجي والرقمي؛ تستشعر ما يحدث داخل الجسم، وتحوله إلى بيانات يمكن تحليلها، وربما تستخدم نتائج ذلك التحليل لتوجيه استجابة محددة.
وهنا قد يكون التحول الأعمق في طب المستقبل: الانتقال من جهاز ينتظر وقوع المشكلة كي يسجلها، إلى نظام يحاول رصد التغير قبل أن يتحول إلى أزمة، والتكيف مع احتياجات المريض بصورة أكثر استمرارية وشخصنة.
لكن كلما اقتربت التكنولوجيا من الجسم، واقتربت الخوارزمية من القرار العلاجي، ازدادت أهمية الحدود التي نضعها لها. لذلك قد لا يكون السؤال الأصعب في عصر الغرسات الذكية: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل داخل جسم الإنسان؟ بل: إلى أي مدى نسمح له بأن يفعل ذلك؟ ومن يظل صاحب القرار الأخير؟


