من ابتكار حلوى «كانيليه» بالكافيار، مروراً بتحويل عظام السمك إلى شمعدانات للطاولة، وصولاً إلى إعادة استغلال العظام في صناعة مستحضرات التجميل، يتجسد هنا المعنى الحقيقي للاقتصاد الدائري.
في الوقت الراهن، يتجه الطهاة إلى استخدام الموارد بشكل أكثر ذكاءً وكفاءة، بهدف تحسين تجربة الضيوف، بدلاً من الانتقاص منها. وتستعرض «رابطة المطاعم المستدامة»، خمسة مطاعم مميزة جعلت من مفهوم الدائرية مكوناً أساسياً في قوائمها.
سانت بيتر - سيدني
من خلال افتتاح «متجر تقطيع الأسماك» عام 2018 ليعمل جنباً إلى جنب مع مطعمه في سيدني، أعاد الطاهي ورجل الأعمال جوش نيلاند تعريف التعامل مع الأسماك، باعتبارها كائناً يُقطّع بالكامل، لا مجرد شرائح. ويجري نقل كل سمكة إلى هذا المكان المبتكر لتقسيمها إلى ما بين 20 و40 جزءاً مختلفاً، من الأعناق إلى الأضلاع والكبد والبيض والمعدة والدهون وحتى العظام، ولكل منها استخدام محدد.
ويُظهر هذا النهج كيف يمكن للتقطيع الواعي أن يحوّل ما كان يُعد سابقاً مجرد نفايات، إلى أطباق لذيذة ومبتكرة، مع تعزيز الإبداع عبر الاستخدام المدروس للموارد.
أما الأجزاء المتبقية فيجري تحويلها إلى برغر السمك ولازانيا وفطائر تُباع في المتجر. وحال عدم استخدامها لصنع مرق غني بالنكهة في أطباق مثل حساء المرجان الصافي، تُجفف العظام وتُرسل إلى خزّاف محلي، لاستخدامها في صنع طلاء لأطباق يدوية الصنع. كما تُحفظ الدهون بعناية لتُستخدم، في وقت لاحق، في صناعة شموع من دهن السمك تُباع عبر المطعم.
وتتضمن القائمة أطباقاً مبتكرة، مثل لحوم الأسماك المعالجة، ونقانق التونة الحارة، ولحم بطن سمك أبو سيف المدخن. وحتى الحلويات لا تخرج عن هذا النهج؛ إذ يمكن للضيوف إنهاء وجبتهم بحلوى مصنوعة من نخاع عظام التونة، أو «كانيليه» بالكافيار، أو كعكة محشوة بكريمة مستخلصة من السمك مع مربى التين والشوكولاته البيضاء.
أتولييه كرين - سان فرانسيسكو
في حي «كاو هولو» بمدينة سان فرانسيسكو، صُممت قائمة التذوق متعددة الأطباق لدى الشيف دومينيك كرين لتجسيد مفهوم التدوير، حيث تتحول المنتجات الثانوية من كل طبق إلى مكونات جديدة في طبق آخر. كما تُستخدم قشور الروبيان وسرطان البحر لصنع المرق، ويُضاف سائل المحار لتعزيز النكهة، ويُعاد توظيف الخبز القديم في إعداد الحساء أو المثلجات، بينما تُستخدم قشور الجبن لإضفاء نكهة على أطباق الحساء.
وقد مكّن برنامج التخمير الذكي في المطبخ من إطالة عمر المكونات الموسمية، وضمان الاستفادة القصوى منها، مع إضافة نكهات قوية في الوقت نفسه. ومن خلال تحويل الفائض من المنتجات وبقايا الخضراوات إلى خلّات وخضراوات مخمرة وصلصات، يحافظ المطبخ على مرونته وإبداعه. أما ما يتبقى من نفايات غذائية، فيجري تحويله إلى سماد في مزرعة محلية تُزرع فيها منتجات المطعم.
كما يتعاون المطعم مع مشروع بيئي لإعادة تدوير أصداف المحار، وإعادتها إلى خليج سان فرانسيسكو، ما يحد من النفايات ويُسهم في تحسين جودة المياه والتنوع الحيوي، فضلاً عن دعم استعادة قاع البحر والشعاب.
بان تيبا - بانكوكفي مطعم «بان تيبا»، تُعاد تدوير جميع النفايات العضوية أو تُحوّل إلى سماد، بدلاً من إرسالها إلى مكبّات النفايات.
يُقدّم مطعم «بان تيبا»، في بانكوك، مثالاً رائعاً على كيفية تصميم أنظمة خالية من النفايات، حتى في أرقى المطابخ. فقد أُعيد تصميم سير العمل في المطبخ بوعي تامّ للتعامل مع المنتجات الثانوية باعتبارها مكونات أساسية، لا باعتبارها نفايات.
من خلال دمج مبدأ الاقتصاد الدائري في صميم العمليات اليومية، نجح المطعم في التخلص نهائياً من النفايات العضوية، التي تُرسل إلى مكبّات النفايات. أما المواد التي لا يُمكن إعادة تدويرها، فيجري تحويلها إلى سماد وتُعاد إلى تربة حديقة المطعم، مُغلقةً بذلك حلقة التغذية.
وتضمن تصميم هذا النظام الغذائي، استحداث وظيفتين داخليتين مُتخصصتين لتمكين الاستخدام الأمثل لكل مُكوّن: يتولى أحد أعضاء الفريق عملية التخمير، بينما يُجري آخر أبحاثاً وتطويراً لإيجاد طرق جديدة لاستخدام فائض الطعام. واليوم، تُخمّر بقايا الفاكهة لتُصنع منها أنواع من الخل والكومبوتشا. كما تُعالج سيقان الأعشاب لتُصنع منها زيوت وصلصات ومساحيق؛ وتُستخدم بقايا الثوم والبصل في صناعة التوابل. وحتى زيت الطهي المُستعمل يُمكن تحويله إلى وقود حيوي.
بالنظر إلى بطء تحللها، انطوت أصداف المأكولات البحرية على تحد خاص، لكن الفريق رأى في ذلك فرصةً لابتكار شيء فريد. وبالتعاون مع فنانين محليين، حوّلوا هذه المواد إلى شمعدانات رائعة تُستخدم الآن باعتبارها قطعاً مركزية على المائدة، تعكس بجمال ما يُقدّم في الطبق وتُذكّرنا بأصول طعامنا الثمينة.دون خوليو - بوينس آيرس
يُقدّم مطعم «دون خوليو»، الذي تُديره عائلة، أطباقاً تحتفي بالمطبخ الأرجنتيني، حيث يُقدّم لحم بقر مُربّى بطرق مستدامة، مقترناً بنبيذ محلي ومنتجات من مزرعة المطعم خارج بوينس آيرس. حصل «دون خوليو»، إلى جانب مطعمه الشقيق «إل بريفيريدو»، على شهادة الختم الأخضر عام 2021، ليصبح المطعم الوحيد في المدينة الذي يحصل عليها. وجرى تصميم شهادة «الختم الأخضر» لتدريب ودعم وتنظيم وتكريم من يُحققون ممارسات متميزة في إدارة النفايات. وعلى هذا الصعيد، حصل «دون خوليو» على أعلى تصنيف ممكن.
مع إحضار كل حيوان كاملاً ليجري ذبحه بالكامل داخل المطعم، يحرص فريق العمل على عدم إهدار أي جزء منه. تُصنع من بقايا اللحم «إمباناداس»، أو نقانق طازجة ومُعتّقة في أغلفة طبيعية، ويُستخدم أي دهن مُزال في صنع خبز غني بالنكهة. يُعاد استخدام الخبز غير المُستعمل كفتات خبز لتغطية الميلانيساس في مطعم إل بريفيريدو، أو في حلويات الموظفين مثل بودنغ الخبز.
ميرازور - مينتون
منذ افتتاح مطعم «ميرازور» عام 2006، دافع الشيف ماورو كولاجريكو عن نهج دائري في فن الطهي. ويعدُّ البحث والتطوير ركيزة أساسية في فلسفته، مع تكريس فريقه جهوده لتحسين نهج المطعم واستخدام الموارد بأساليب أكثر كفاءة.
يزرع مطعم «ميرازور» معظم منتجاته بنفسه، ويتبع ممارسات زراعية تتناغم مع النظم البيئية الطبيعية. كما يعكف حالياً على تطوير مشروع زراعي بيئي واسع النطاق، يمتد على مساحة 42 فداناً، مخصصاً ليصبح مزرعة دائرية تُعنى بتجديد التربة والإنتاج والبحث والتدريب.










