الحقيقة ومواطنها.. من كهف أفلاطون إلى عصر الصورة

كل شيء حدد لنا سلفًا ولسنا دائمًا أحرارًا كمستهلكين

الحقيقة ومواطنها.. من كهف أفلاطون إلى عصر الصورة
TT

الحقيقة ومواطنها.. من كهف أفلاطون إلى عصر الصورة

الحقيقة ومواطنها.. من كهف أفلاطون إلى عصر الصورة

يعتقد جميع الناس أن ما يعرفونه ويرونه، هو الحقيقة بالنسبة إليهم وإلى الجماعة التي ينتمون إليها. لكن العلم يقلب، في كل مرة أوهامنا، ويكشف لنا أن أغلب ما اعتقدنا بأنه حقيقي، ليس سوى رأي، ومعرفة تلقائية وظنية، وصور متغيرة. وقد عالج الفيلسوف اليوناني أفلاطون، إشكال الحقيقة في أسطورة سماها بأسطورة الكهف، في كتابه الشهير «الجمهورية». في تلك الأسطورة، يدعونا أفلاطون، إلى تخيل مجموعة من السجناء المحبوسين في هذا الكهف، مقيدي الأيدي والأرجل، بحيث لا يستطيعون الفكاك أو الالتفات إلى الخلف، بينما توجد خلفهم كوة يدخل منها نور الشمس، وتوجد كل الأشياء الحقيقية، لكنهم لا يستطيعون رؤيتها لأنهم مقيدون. لذا فإنهم يكتفون بالنظر أمامهم، ويرون ظلال الأشياء الموجودة خلفهم منعكسة في شكل صور أمامهم. وهكذا يألفون مع الوقت والعادة، رؤية تلك الظلال وكأنها حقائق. وهكذا حسب أسطورة الكهف، فإن السجناء يرمزون إلى كل الناس الموجودين في هذا العالم، بينما الظلال تشير إلى أشباه الحقائق، أو ما ألفوا هم اعتباره حقيقة، وكان شرط الوصول إلى الحقيقة، حسب أفلاطون، هو التخلص من تلك القيود التي تكبلهم في الكهف. هذه القيود التي لن تكون سوى العادات والتقاليد والمعارف الشائعة التي تعلمناها من الكهف الذي نعيش فيه. والكهف هنا، هو المحيط والعالم الذي تربى فيه الفرد وتطبّع به. هذه الظنون والمعارف الظنية، لا يمكن التخلص منها، إلا عن طريق الحكمة، والشك الذي يشتغل به الفيلسوف من أجل الوصول إلى العالم الحقيقي، الذي سماه أفلاطون في أسطورته، بعالم المثل. ونحن نتأمل التصور الأفلاطوني ونشاهد البث الكثيف للصور الإعلانية التي تغزو وتملئ عالمنا، نعيد تأمل هذا التفكيك والانتقال الاستراتيجي الذي عرفه تصورنا للعالم من كهف أفلاطون إلى رينيه ديكارت، وصولا إلى عصر الاحتفال بالصور والاستهلاك، في عصر وسم بعصر الصورة.
هناك عبارتان مشهورتان في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة، تلخصان لنا وتكثف كل التحولات الجذرية التي مست عالمنا. فمن الكوجيتو الحداثي لديكارت (يرى ديكارت أن الأنا، أو الوعي، أو التفكير، أو الذات، أو العقل، هو كل الوجود، وهو القائل «أنا أفكر، إذن أنا موجود»)، إلى الكوجيتو المابعد حداثي: «أنا أستهلك، أنا موجود»، هناك توصيف دقيق لانتقال جذري من مرحلة تاريخية قامت على تصور للإنسان باعتباره مركزا للكون، وباعتباره مركز الثقل الذي تستمد منه كل الموضوعات قيمتها، سواء تعلق الأمر بالطبيعة أو الجمال أو الميتافيزيقا. لكن الإنسان لم يعد في عالمنا اليوم، الثابت الذي تستمد منه الأشياء قيمتها. بل أصبحت الأشياء في مركز الصدارة. لذلك نجد لوك فيري يعلن في كتابه «الإنسان المؤله»، أن الكوجيتو المابعد - حداثي لعصر الصورة، قائم على الاستهلاك، والإفراط في الاستهلاك. وفي سياق هذا الانقلاب، تحضر الصورة باعتبارها الوسيط الذي تشتغل عبره كل الخطابات المعاصرة حول الأشياء. فإذا كان الخطاب الإنساني اشتغل عبر وسيط الكلمة والحامل الورقي منذ أفلاطون، فإن الخطاب حول الأشياء، يشتغل عبر وسيط الصورة البصرية والكلمة. في هذا السياق، يمكننا أن نستحضر الخطابات الإعلانية والصورة الإعلانية، باعتبارهما جزءا لا يتجزأ من عالمنا اليومي. فكل خطاب إعلاني يقدم نفسه باعتبار غايته الأولى: الاهتمام بصحتنا وجمالنا ورشاقتنا. وقد انتبه جان بودريار إلى هذا التوظيف الاستراتيجي والمدروس للنجوم، وخاصة جسد المرأة، حيث يقول انطلاقا من حديثه عن فلسفة الإغواء والإغراء: «يتمثل الإغواء بالنسبة لنا في الشيطان، وقد كان من بين الحيل التي يوظفها، تلك النساء الساحرات الماكرات، الشريرات، أو تلك النساء الجميلات القادرات على الإيقاع والغواية بالرجال. لقد كان الإغواء دائما مرتبطا بالشر والانهماك في الأمور الدنيوية، على حساب الجوانب الروحانية. هكذا كانت النظرة إلى النساء وما تزال في كثير من الثقافات والأساطير المؤسسة». وهو ما يعمل الخطاب الإعلاني على تغذيته، من أجل ضمان السيطرة واستمرار العين المحدقة، التي عبر عنها مشال فوكو، من أجل خلق أجساد طيعة، واستدماجها في صيرورة النظام، وفي قيمه واتجاهاته ومواقفه، حتى نسلك وفق ما يريده القائمون على الصورة الإشهارية، لا كما نختار نحن بإرادتنا. وهذه وظيفة الخطاب الإشهاري، إنه «شرطة جديدة للفكر» وللمواقف والاتجاهات، وهو خالق للحاجة والرغبة والقيمة. ويمكنني أن أتجرأ أكثر، وبتواضع وحذر علمي شديد وأقول: إن الإشهار جعل العالم مليئا بالآلهة، ولم يعد هناك إله واحد، وهذه هي آيديولوجية الإعلان والصورة الإعلانية. فقد بلغ الاهتمام بالنجوم والأيقونات التي يوظفها الخطاب والصورة الإعلانية، إلى حد التقديس، ويكفي أن ننظر إلى عارضات الأزياء ولاعبي كرة القدم.
وحسب السيميولوجي - المهتم بعلم العلامات، سعيد بنكراد: «إن الوصلة الإعلانية لا تبتعد كثيرا في صياغتها لمضامينها عن هذه الصور. فحتى في الحالات التي تحاول فيها إيهامنا أنها تستند إلى قواعد العقل التي تتحكم في الشراء، فإنها تفعل ذلك استنادا إلى منطق صوري، يخفي الدافع والغريزة والانفعال وراء كل فعل شراء. إن الأمر يتعلق بعملية تحرير لهذا الفعل من القيود التي تفرضها المراقبة العقلية والقذف داخل عالم الاستهلاك، متسلحا بانفعالات مستوحاة من مناطق نفسية بالغة التنوع. إن الشراء مرتبط في أغلب الحالات بالانفعالات لا بقرارات عقلية صاحية، ولو تعلق الأمر بمادة استهلاكية نفعية». ورغم أهمية هذا الجانب الإخباري، والبعد الاقتصادي الذي يتضمنه الخطاب الإعلاني، علينا البحث فيما قبل الإخبار والحياد المزعوم للخطاب الإشهاري، من أجل تفكيكه وتحليله والكشف عن خلفياته الآيديولوجية، وكيف يوحد ويوجه ويشكل، ويخلق الحاجة والمواقف والسلوكيات. وإلا فكيف يمكننا تفسير هذا الارتباط الجماهيري مع فريق مثل «البارصا» (برشلونة)، وريال مدريد؟ هذه الفرق التي أصبحت مرتبطة بعلامة «بيبسي» كسلعة أو بـ«كوكا كولا». إن إثارة الرغبات وخلق الحاجة هما بؤرة الرسالة الإعلانية. وعلى هذا الأساس، فإن الرغبة هي في الأصل، ما يمكن أن يحدد باعتباره منتجا للصورة الإعلانية. لذلك وجب التمييز بين الرغبة والحاجة. فالحاجة تستدعي الإشباع، أما الرغبة فتقود إلى أنتاج حالات الاستيهام. وهذا الترابط بين الحاجات وبين الرغبات المتولدة عنها، هو الممر السري الذي يقود إلى فهم المضمون الحقيقي لاستراتجيات الإشهار والصورة الإعلانية التي يشتغل عبرها. وهو ما يمكن أن يتحقق من خلال تحول المنتج إلى قيمة، فأن تشتري «شيئا» لا يعني تلبية حاجة ضرورية وحسب، بل يعني العيش من خلال هذا المنتج ضمن وضعية كل الذين يقتنون منتجا مماثلا.
إن الصورة الإشهارية تمنح مشروعيتها انطلاقا من التفكير في المستهلك، وذلك بتوفير حاجياته وفرضها عليه. بل الأمر يصير كذلك، عندما يفكر في مستقبله وأفق انتظاره، وعندما يحدد نظرته لمعنى الحياة والوجود. فهو قريب منه في جميع أحواله الاجتماعية، ويرافقه في المناسبات حين يحتاج إليه. وهو الحل والبديل، يجيبه عن تساؤلاته التي لم يطرحها أو التي تتبادر لديه، ويملك مفاتيح الإشباع، انطلاقا من آليات اشتغاله وفي بنيته. فهو يحاول أن يخترق الوعي وذلك بإلزام المتلقي وتوجيهه نحو فعل الشراء: «حيث يشير فعل الشراء، أحيانا، إلى التطهير أو إثبات الذات أو الإنفاق كنوع من الخلاص. إن الأمر يتعلق بالصور الأولية التي لا يفسرها السلوك الفردي نظرا لعموميتها، فهي مشتركة بين كل أفراد النوع البشري. وهي صور غامضة، ولا يدركها الفرد بشكل واع، ويطلق عليها سيغموند فرويد (S.freud) البقايا المهجورة»، أي تلك الأشكال النفسية التي لا يمكن لأي حدث في حياة الفرد تفسيرها. إنها تبدو وكأنها فطرية وأصلية، وهي بذلك تشكل إرثا للذهن البشري. «وليس غريبا أن يتوقف الدارسون وهم يحاولون تفكيك آليات الاستراتيجية الإعلانية، عند أبعاد داخل الكائن الإنساني من دون الاهتمام بما تقوله الوصلة عن المنتج وخصائصه. فكل ما تقوله الإرسالية الإعلانية، موجه، في المقام الأول، نحو إرضاء بعض الميول الداخلية التي قد لا يلتفت إليها المستهلك بشكل واع. فهو يعيشها على شكل صور مبهمة، تستوطن لاشعوره في غفلة منه. وهي التي تحدد ردود أفعاله في كثير من الأحيان. فداخل الإنسان تتعايش مجموعة من النزاعات التي لا يحققها دائما بشكل صريح». «فالإشهار والصورة الإعلانية ترومان أن يكون جذابا ومغريا. إنه يمزج داخل الوصلات بين العاطفي والعقلي»، إذ تحكمه ميكانيزمات منطقية وإستاتيكية حتى يقوم بوظيفة الإقناع والتأثير، وذلك عن طريق فك مغالق البنية الذهنية للمستهلك. وهكذا يبدو أن ما كان يراه السجناء هو الحقيقة، وما اعتقده أفلاطون بكونه وهما، أراه اليوم بفعل قوة الخطاب والصورة الإشهارية حقيقة. فانقلب الوهم حقيقة وسارت الحقيقة وهما. وحينما تغيب الحقيقة تصبح الحرية موضع سؤال؟ هل الحرية هي الاختيار حينما نذهب للتسوق بين الأبيض والأسود؟ يجيبنا تيدور أدورنو: «إنها الابتعاد عن الخيارات المحددة سلفا»، وكل شيء في عصر الصورة الإشهارية حدد سلفا، مما يعني أننا لسنا أحرار إلا نادرا!.
مراجع: ميشال مافيزولي، «تأمل العالم، الصورة والأسلوب في الحياة الاجتماعية»، ترجمة فريد الزاهي، الرباط، منشورات المعهد الجامعي، سلسلة ترجمات، 2005. سيغموند فرويد، «علم النفس الجماهيري»، ترجمة جورج طرابيشي، «دار الطليعة»، بيروت، 2006. سعيد بنكراد، «الصورة الإشهارية»، الرباط، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى. شاكر عبد الحميد، «عصر الصورة»، الكويت، سلسلة «عالم المعرفة»، العدد 311 سنة 2005.

* أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي بالمغرب



«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.


دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة
TT

دماء على جدران المدرسة

دماء على جدران المدرسة

هل تخيلت يوماً أن تذهب للامتحان خائفاً منه فتجد نفسك متورطاً في جريمة قتل؟

هذا بالضبط ما يحدث مع الطالب (زين)، بطل رواية «جريمة الثانوية العامة»، الصادرة عن دار«الشروق» بالقاهرة للكاتب المصري الشاب توماس جوزيف، حيث يذهب لأداء امتحانات الثانوية العامة فيجد نفسه وقد أصبح المتهم الرئيسي في لغز مقتل طالبة داخل المدرسة.

تزداد الأزمة تعقيداً، حين يجد الفتى المراهق أن كل الظروف ضده والجميع تخلى عنه حتى أقرب الناس إليه بدأوا ينظرون إليه بشك وخوف، فيقرر ألا يستسلم ويدرك أن عليه حل اللغز بنفسه لينجو، لكن كلما اقترب من الحقيقة اكتشف أن المدرسة التي كان يظن أنه يعرفها مليئة بالأسرار المظلمة والحكايات الصادمة التي قرر أصحابها أن يدفنوها للأبد حتى لو كان الثمن حياة زميلهم.

وخلف ستار الجريمة والغموض، تقدم الرواية محاولة تشريح للنفس الإنسانية حين يعتريها الخوف وتحاصرها الشكوك ويصبح من الصعب للغاية تحديد من هو جدير بثقتك، بل من هو عدوك ومن صديقك، وهنا يستفيد المؤلف من تخصصه الجامعي في دراسة علم النفس.

لكن الرواية، في المقابل، تعاني من بعض السلبيات المعتادة في التجارب الإبداعية الأولى للأدباء الشبان ومنها هيمنة الحوار بين الشخصيات بشكل مبالغ فيه وتراجع مساحات السرد بما فيها من لمحات مضيئة وعميقة تدعو للتأمل، فضلاً عن الاشتغال على ثيمة تقليدية في أدب الجريمة والسينما، على حد سواء.

من أجواء الرواية نقرأ:

«خرجتُ... وضح كل شيء الآن... لا جريمة ولا قاتل يدعى زين، لا تعليقات سخيفة ومؤذية على مواقع التواصل الاجتماعي، لست شكلاً ضالاً كما قال عني الجميع، لست سفاحاً وشيطاناً حياً يمشي في الشوارع يبحث عن الفتيات ليقتلها، لست مغتصباً ولا متحرشاً، لست مريضاً عقلياً كما قال عني البعض.

جلستُ على الرصيف وملت للوراء حتى استلقيت على ظهري، لا نجوم كعادة مدينة القاهرة، بالكاد أرى السحب وسط الظلام، عكس عمود نور رؤيتي فقمت بسرعة وركلته بقدمي كأنه الدنيا وما فيها. رقص العمود ورقصتْ معه أحزاني، تمايل حتى خفت حركته كأنه شعر بآلامي وقال لي: رفقاً بك.

شعرت بالألم يتصاعد من قدمي. ركلة شديدة، لو كنت في مباراة لكنت قد ثقبت الشِباك. خرجت العجوز يزيد الهم تجاعيد وجهها، رأتني وتحركت نحوي ببطء فتحت ذراعيها لتعانقني كالمعتاد فلم تحضنني أمي ولم يؤمن بي أبي. رفضتُ عناقها وأنزلت ذراعها. حان دوري، فتحتُ لها ذراعيّ عن آخرهما، ارتمت كطفلة صغيرة لا كجدة، بداخلها طفلة، جميعنا أطفال في الواقع لكن من يرى؟».