«سدايا» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تتجه من تبنّي معايير الذكاء الاصطناعي إلى صياغتها

قبيل انطلاق «منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي»... الرياض تدفع نحو حوكمة أكثر قابلية للتنفيذ

تسعى السعودية إلى الانتقال من تبنّي معايير الذكاء الاصطناعي إلى المساهمة في صياغتها على المستوى الدولي (أدوبي)
تسعى السعودية إلى الانتقال من تبنّي معايير الذكاء الاصطناعي إلى المساهمة في صياغتها على المستوى الدولي (أدوبي)
TT

«سدايا» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تتجه من تبنّي معايير الذكاء الاصطناعي إلى صياغتها

تسعى السعودية إلى الانتقال من تبنّي معايير الذكاء الاصطناعي إلى المساهمة في صياغتها على المستوى الدولي (أدوبي)
تسعى السعودية إلى الانتقال من تبنّي معايير الذكاء الاصطناعي إلى المساهمة في صياغتها على المستوى الدولي (أدوبي)

لم تعد أخلاقيات الذكاء الاصطناعي بالنسبة إلى الجهات التنظيمية مسألة مبادئ عامة فقط، خصوصاً مع ظهور وكلاء مستقلين قادرين على اتخاذ قرارات وتنفيذ إجراءات بحد أدنى من التدخل البشري. وفي السعودية، تؤكد الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) أن النظام الذكي لا يتحمل المسؤولية القانونية عند وقوع الضرر، وأن المسؤولية تبقى على المطور والجهة المشغلة.

ويرى المهندس سعيد بن محمد الشهراني، المتحدث باسم «سدايا»، خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أن الأطر التقليدية للحوكمة لم تعد كافية لمواكبة هذا التطور، مما يفرض برأيه إشرافاً بشرياً على القرارات عالية الخطورة، وسلاسل واضحة للمسؤولية، وآليات إيقاف طوارئ مسجلة ومفعّلة.

ويأتي هذا الطرح قبيل انطلاق النسخة الرابعة من «منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» الذي تستضيفه الرياض بين 14 و17 سبتمبر (أيلول) الحالي، في أول استضافة عربية لهذه المنصة الدولية. ويجمع المنتدى أكثر من 100 متحدث عبر عشرات الجلسات وورش العمل، بمشاركة وزراء وصناع قرار وخبراء وأكاديميين وممثلي منظمات دولية وقطاعات حكومية وخاصة، إلى جانب قيادات من شركات التقنية.

المهندس سعيد بن محمد الشهراني المتحدث باسم «سدايا» (سدايا)

محاور المنتدى العالمية

يبدأ البرنامج باجتماعات تحضيرية ولقاءات لشبكات دولية مرتبطة بتنفيذ توصية «اليونسكو» بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب إحاطة استراتيجية مغلقة للمشاركين الوزاريين وحوار وزاري حول التعاون الدولي. وفي اليوم الأول، تتصدر جلسة «الذكاء الاصطناعي، التعددية والدبلوماسية» النقاش حول تشتت مقاربات الحوكمة بين الدول وكيفية ربط المعايير العالمية بالتنفيذ العملي.

كما يناقش المنتدى حصيلة خمسة أعوام من تطبيق توصية «اليونسكو» منذ اعتمادها في 2021، وتمويل أنظمة الحوكمة وبناء القدرات التنظيمية، بينما يشهد إطلاق النسخة الجديدة من منهجية تقييم الجاهزية «RAM 2.0» استناداً إلى تحليل أكثر من 55 تقريراً للجاهزية.

وتتسع الجلسات إلى قضايا عملية تشمل استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارات العامة والصحة والعمل الإنساني، والصحة النفسية للشباب، والبيئة والطاقة والمياه، والتنوع اللغوي، بما في ذلك اللغة العربية، إلى جانب الذكاء الاصطناعي المادي والروبوتات والعلاقة بين الإنسان والآلة في بيئات العمل.

من المبادئ إلى متطلبات هندسية

بعد خمسة أعوام من اعتماد «اليونسكو» توصيتها بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، يرى الشهراني أن المشكلة الأساسية لم تعد غياب المبادئ، بل صعوبة تحويلها إلى أدوات يمكن للمطورين والجهات التنظيمية استخدامها وقياس الالتزام بها.

ويصف الفجوة الأساسية بأنها «الترجمة التشغيلية للمبادئ»، أي تحويل مفاهيم مثل العدالة والشفافية والمساءلة إلى متطلبات هندسية، واختبارات معيارية، وضوابط تنظيمية ملزمة للمطورين. كما يشير إلى تفاوت قدرات الحكومات في إجراء التقييم التقني الميداني ومراقبة الأنظمة قبل إطلاقها وأثناء التشغيل.

وفي السعودية، يقول إن «سدايا» أطلقت مبادئ وأطراً تنظم العلاقة بين الإنسان وتقنيات البيانات والذكاء الاصطناعي، وتشمل النزاهة والإنصاف، والأمن والخصوصية، والإنسانية، والمنافع الاجتماعية والبيئية، والموثوقية والسلامة، والشفافية والقابلية للتفسير، إضافة إلى المساءلة والمسؤولية.

ولا تبقى هذه المبادئ في المستوى النظري فقط، حيث تشير الهيئة إلى ضوابط لتدقيق البيانات والحد من الانحياز، ومتطلبات مرتبطة بحماية البيانات الشخصية، إلى جانب بيئات تنظيمية تجريبية تسمح للشركات باختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي في بيئة خاضعة للإشراف قبل طرحها تجارياً.

يناقش المنتدى قضايا تمتد من الحوكمة والجاهزية إلى الصحة والبيئة والتنوع اللغوي والروبوتات والعلاقة بين الإنسان والآلة (سدايا)

تنظيم مرن بدلاً من إجراءات جامدة

مع سرعة تطور النماذج والتطبيقات، يحدّد الشهراني بناء المهارات والقدرات المؤسسية المتخصصة في الحوكمة باعتباره من أبرز تحديات الجاهزية. ويلفت إلى أن التقنية تتطور بوتيرة أسرع من قدرة العنصر البشري على التكيف. ويقول إن الهيئة تتبنى استراتيجية «التنظيم المرن» التي تعتمد على التقييم المستمر وتوفير أدوات التقييم الذاتي للشركات بدلاً من فرض إجراءات بيروقراطية معقدة.

ويأتي هذا الطرح وسط تصاعد الجدل داخل صناعة الذكاء الاصطناعي نفسها بشأن قدرة إجراءات السلامة والرقابة على مواكبة التطور السريع للنماذج المتقدمة.

فخلال الأيام الماضية، استقال الباحث جاكوب كوكسون من «أنثروبيك» بعد عمله في أبحاث ما قبل التدريب لدى «أوبن أيه أي» و«أنثروبيك»، محذراً من سباق نحو تطوير أنظمة فائقة القدرة وقادرة على تحسين نفسها. كما دعا الرئيس التنفيذي لـ«Anthropic» داريو أمودي إلى إبطاء وتيرة تطوير الأنظمة المتقدمة بما يمنح إجراءات السلامة والرقابة وقتاً أكبر لمواكبتها.

وتكتسب هذه المخاوف بعداً عملياً مع حوادث موثقة خلال 2026 تجاوزت فيها نماذج للذكاء الاصطناعي قيود بعض بيئات الاختبار ووصلت إلى أنظمة حقيقية من دون تصريح، ما أعاد طرح السؤال بشأن مدى كفاية آليات الحوكمة الحالية مع ارتفاع مستويات استقلالية هذه الأنظمة. ويتقاطع ذلك مع أحد محاور المنتدى المرتبطة بالانتقال من الجاهزية إلى التنفيذ، سواء عبر «RAM 2.0» أو جلسات بناء القدرات داخل الإدارات العامة وآليات تحويل المبادئ الأخلاقية إلى قرارات تشغيلية في المؤسسات الحكومية.

لا إطار عالمي واحد بالتفاصيل

لا تتوقع «سدايا» بالضرورة أن يصل العالم إلى قانون تفصيلي موحد للذكاء الاصطناعي. ويقرّ الشهراني بصعوبة بناء إطار واحد بالتفاصيل في ظل اختلاف الأنظمة القانونية والأولويات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وأوروبا والصين وغيرها، لكنه يرى أن التقارب حول المبادئ والضمانات الأساسية «ممكن وضروري».

ويقول إن المطلوب ليس نموذجاً واحداً محتَكراً، بل قاعدة مشتركة في موضوعات مثل السلامة والأخلاقيات، مع تقليص الفجوة بين القوى التقنية والأسواق الناشئة. ويعكس برنامج المنتدى هذه الإشكالية من خلال جلسة «الذكاء الاصطناعي، التعددية والدبلوماسية» التي تبحث كيفية التعامل مع تشتت مقاربات الحوكمة، وربط وضع المعايير العالمية بالتطبيق العملي ضمن سياق أوسع من التعاون الدولي.

تدعو «سدايا» إلى تعاون عابر للحدود يشمل تبادل المعلومات والرقابة المتبادلة ودعم الدول النامية في بناء قدراتها التنظيمية (شاترستوك)

من تبنّي المعايير إلى صياغتها

لا تضع «سدايا» دور المملكة عند حدود تبنّي المعايير الدولية الجاهزة، بل تتحدث عن مشاركة أكثر نشاطاً في صياغة القواعد والمبادرات الدولية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

ويصرح الشهراني خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنَّ المملكة أصبحت طرفاً فاعلاً في هذا المسار عبر مشاركة خبراتها وشراكاتها ورؤيتها التي تحاول الموازنة بين الابتكار والحوكمة. وينوّه بالتعاون مع «اليونسكو» ومؤسسات دولية أخرى، وإنشاء المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي «ICAIRE» في الرياض برعاية «اليونسكو». ويُراد للمركز أن يسهم في نقل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي من مستوى المبادئ العامة إلى التطبيق، عبر دمجها في البحث العلمي والتعليم والمعايير والابتكار والسياسات العامة منذ المراحل الأولى لتطوير التقنيات. وتعكس هذه المقاربة رغبة في أن تكون المملكة جزءاً من عملية تحديد المعايير نفسها، وليس فقط سوقاً تطبقها بعد صياغتها في أماكن أخرى.

أربع آليات للرقابة عبر الحدود

تطرح قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على العمل عبر دول مختلفة مشكلة لا تستطيع جهة تنظيمية وطنية حلها منفردة. ويحدد الشهراني أربع آليات يراها ضرورية للتعامل مع ذلك، تشمل شبكات للإنذار المبكر، وشبكات للرقابة المتبادلة وتبادل المعلومات بشأن الحوادث التقنية، والاعتراف بتقييمات المخاطر الصادرة عن جهات تنظيمية موثوقة في دول أخرى، إلى جانب بروتوكولات لإنفاذ القانون عبر الحدود عند وقوع انتهاكات للبيانات أو عندما تعمل الأنظمة من خارج النطاق الوطني. ويخصص برنامج المنتدى بدوره جلسة لدور التعاون الدولي في الإشراف على الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تبادل المعلومات والتنسيق بين السلطات التنظيمية في السيناريوهات العابرة للحدود.

ترى «سدايا» أن التحدي الأكبر هو تحويل مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي إلى متطلبات هندسية وضوابط قابلة للتطبيق (أدوبي)

ليس مجرد مستهلك للتكنولوجيا

يمتد النقاش أيضاً إلى من يشارك فعلياً في صناعة القواعد العالمية حيث تُثار مخاوف من بقاء الدول النامية مجرد مستهلك للتكنولوجيا أو مصدراً للبيانات التي تُستخدم في تدريب نماذج قد لا تعكس ثقافاتها أو تخدم احتياجاتها بصورة مباشرة. وشدد الشهراني على أن تعزيز دور هذه الدول يتطلب التكتل الإقليمي ونقل المعرفة والمشاركة عبر منصات مشتركة. ويضيف أن الرياض تسعى إلى لعب دور «الجسر» بين الدول النامية والدول المتقدمة تقنياً، من خلال بناء القدرات المحلية، والمطالبة بنقل التكنولوجيا، وإتاحة النماذج بما يساعد تلك الدول على تطوير حلولها وتوثيق لغاتها وثقافاتها من دون ارتهان تجاري.

الاختبار ليس في عدد المشاركين

ومع اقتراب انطلاق المنتدى يوم الاثنين، لا يضع الشهراني عدد المشاركين أو حجم التغطية الإعلامية معياراً نهائياً للنجاح. فالاختبار وفق رؤيته، هو ما إذا كانت اجتماعات الرياض ستنتج مبادرات تنفيذية قابلة للقياس، وأدوات يستطيع المنظمون استخدامها فعلياً، إلى جانب دعم تقني يساعد الدول النامية على بناء قدراتها التنظيمية. ويقول إن النجاح يتحقق عندما تتحول «المبادئ النصية إلى أدوات تطبيقية في أيدي المنظمين عالمياً».

وبذلك، سيكون السؤال الأهم بعد انتهاء المنتدى ليس ما إذا كان المشاركون اتفقوا على مبادئ عامة إضافية، بل ما إذا كانت هذه المبادئ ستتحول إلى اختبارات وضوابط ومسؤوليات وآليات تعاون قابلة للتطبيق، في وقت تتجه فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى مستويات أعلى من الاستقلالية واتخاذ القرار.


مقالات ذات صلة

وزير الداخلية السعودي يكرّم مجموعة «stc» لتمكينها الرقمي لمعرض الصقور والصيد

عالم الاعمال الأمير عبد العزيز بن سعود يكرّم «stc» ويتسلم التكريم نائب الرئيس لقطاع العلاقات المؤسساتية المهندس محمد أبا الخيل (الشرق الأوسط)

وزير الداخلية السعودي يكرّم مجموعة «stc» لتمكينها الرقمي لمعرض الصقور والصيد

كرم الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز، وزير الداخلية السعودي رئيس مجلس إدارة المركز الوطني للصقور، مجموعة «stc».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الوزير محمد إسحاق دار يتحدث خلال مؤتمر صحافي الجمعة (الخارجية الباكستانية) p-circle

وزير خارجية باكستان: «حلف مكة» يبحث في الرياض هجمات الحوثيين

قال وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار، إن لجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لـ«اتفاقية مكة»، ستجتمع في الرياض، الأسبوع المقبل، لبحث ⁠هجمات الحوثيين.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد) «الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن (الشرق الأوسط)

التحالف: تدمير 3 صواريخ باليستية حوثية باتجاه خميس مشيط

أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض وتدمير 3 صواريخ باليستية أطلقتها الميليشيا الحوثية باتجاه خميس مشيط (جنوب السعودية).

«الشرق الأوسط» (خميس مشيط)
الخليج الطائرة البديلة تابعة لـ«فلاي دبي» لدى وصولها إلى مطار بن غوريون بتل أبيب في نهاية سبتمبر الماضي (د.ب.أ)

«فلاي دبي» تعلق رحلاتها إلى تل أبيب بعد واقعة الرحلة الأخيرة

أعلنت شركة «فلاي دبي» تعليق رحلاتها إلى تل أبيب مؤقتاً وحتى إشعار آخر، بناءً على طلب السلطات المختصة.

«الشرق الأوسط» (دبي)
تحليل إخباري ولي العهد السعودي خلال إلقاء الخطاب الملكي (واس)

تحليل إخباري الخطاب السعودي... استقرار وردع وإصلاحات اقتصادية متسارعة

الرسائل حملت، حسب محللين، تأكيداً على دعم الاستقرار والحلول السياسية، وحماية السيادة والمصالح، بالتوازي مع استمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية المتسارعة التي صاغتها برامج «رؤية السعودية 2030».

غازي الحارثي (الرياض)

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
TT

موظف سابق في «أوبن إيه آي»: «انتهى عصر التجربة والخطأ»

شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)
شعار شركة «أوبن إيه آي» يظهر خلف لوحة مفاتيح في صورة توضيحية - 21 فبراير 2023 (رويترز)

انتقد موظف سابق في قسم السلامة لدى (أوبن إيه آي)، قدم استقالته في الآونة الأخيرة، نهج الشركة تجاه سلامة الذكاء الاصطناعي، قائلا إن الثقافة المتسارعة التي تركز على التطوير السريع تزيد من مخاطر الإخفاقات.

وفي مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتيك» اليوم السبت بعنوان «استقلت من أوبن إيه آي لأن ثقافتها معيبة»، قال ديفيد روبنسون إن شركات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك أوبن إيه آي، لا تتحلى بالحذر الكافي وينبغي لها أن تولي اهتماماً أكبر للخبرة والبحوث في مجال السلامة قبل تطوير أنظمة بقدرات أكبر.

وقال روبنسون: «انتهى عصر التجربة والخطأ»، وأكد أن أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة تتطلب إجراءات وقائية أقرب إلى تلك المستخدمة في قطاعات مثل الطاقة النووية والطيران.

وأضاف روبنسون أن أوبن إيه آي تعتمد إلى حد كبير على ما تسميه «النشر التكراري»، إذ تطلق الأنظمة وتعزز إجراءات الحماية عند ظهور المشكلات.

و تأتي هذه التعليقات لتزيد من الجدل الدائر داخل قطاع الذكاء الاصطناعي حول ما إذا كانت الشركات تتحرك بسرعة مفرطة لتطوير أنظمة ذات قدرات متزايدة. وواجهت أوبن إيه آي والشركة المنافسة لها (أنثروبيك) تدقيقاً شديداً عقب وقائع لم تفلح فيها ضوابط السلامة، أو تصرفت فيها الأنظمة التجريبية بنحو غير متوقع.

وكتب روبنسون، الذي قال إنه أمضى ثلاث سنوات ونصف سنة في أوبن إيه آي وساعد في صياغة إطار عمل التأهب الخاص بالشركة وأشرف على تقارير السلامة في 12 عملية إطلاق لنماذج رائدة «مع اندفاع الشركة من عملية إطلاق إلى أخرى، فإنها تفشل في تحقيق مستوى العناية الذي «أعتقد أنه ضروري».

و قال متحدث باسم أوبن إيه آي في بيان: «نحرص على ألا تصبح نماذجنا قدراتها أكبر مما يمكننا إدارته بأمان أو تأمينه، ونوقف التدريب مؤقتاً أو نؤجل إطلاق النماذج عندما نحتاج إلى إبطاء وتيرة العمل».

وحذر روبنسون من أن قدرات الذكاء الاصطناعي تتقدم بوتيرة أسرع من فهم الباحثين لمفهوم «المواءمة»، وهو مجال يركز على ضمان أن تعمل أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقاً لأهداف البشر وقيمهم.


«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
TT

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)
تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

يبدو أن وكيل «دوتس» الجديد من «أوبن إيه آي» لا يحتاج إلى انتظار سؤال جديد كي يبدأ العمل، فالفكرة الأساسية تقوم على وكيل دائم يمكن تكليفه بهدف، وربطه بالتطبيقات التي يحتاج إليها، وتركه يواصل تنفيذ المهامّ في الخلفية، حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم.

فقد أعلنت الشركة عن «Dots»، خلال مؤتمرها للمطورين في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، وقدّمتها بوصفها نقلة من نموذج الذكاء الاصطناعي الذي يجيب عن الطلبات إلى نظام يستطيع متابعة مشروعات مفتوحة، والعمل عليها على مدار الساعة.

وتعتمد الخدمة على نموذج «GPT-6 Astra»، ويملك كل «دوتس» جهاز كمبيوتر سحابياً خاصاً به ومتصفحاً مستقلاً، مع إمكان الاتصال بأكثر من 4 آلاف تطبيق عبر منظومة الإضافات التابعة للشركة.

كما يمكن للمستخدم تكليف «دوتس» بمشروع ثم العودة إليه لاحقاً، بينما يواصل الوكيل العمل على مهامّ أخرى، في الوقت نفسه. كما يستطيع المستخدم التواصل معه عبر «شات جي بي تي» و«سلاك» و«تيمز»، مع احتفاظ الوكيل بالسياق بين هذه القنوات. وتقول «أوبن إيه آي» إن الرسائل النصية ستُضاف لاحقاً.

كيف ستستخدم التقنية؟

في تطوير البرمجيات، يمكن للوكيل متابعة ملاحظات العملاء، وتحديد الأخطاء المتكررة، وبناء الإصلاحات واختبارها قبل تقديمها للمراجعة. وفي العمل البحثي، يستطيع إعادة تشغيل التحليلات عند وصول بيانات جديدة وتحديث الرسوم والنتائج. أما في صناعة المحتوى، فيمكنه تحليل نص مقابلة واستخراج مقاطع مناسبة وتجهيز ملاحظات وصياغة منشورات للسوشيال ميديا قبل إرسالها للموافقة.

وتشير الشركة إلى حالة، خلال الاختبارات المبكرة، لاحظ فيها أحد الوكلاء أن مستخدماً نسي إصدار فاتورة لإحدى الجهات، فجهّزها ثم أرسلها بعد حصوله على الموافقة.

تطرح «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» بوصفها أنظمة دائمة يمكنها مواصلة العمل على المهام حتى بعد انتهاء المحادثة مع المستخدم (الشركة)

جهاز سحابي خاص بالوكيل

أحد الاختلافات التقنية في «Dots» هو أن الوكيل لا يعمل فحسب داخل نافذة دردشة، بل يحصل على بيئة حوسبة سحابية خاصة يستطيع استخدامها لتصفح المواقع وتشغيل الأدوات المرتبطة به.

ويمكن للمستخدم فتح جهاز الوكيل السحابي في أي وقت، لمشاهدة ما يقوم به، كما تسمح الخدمة، عند منح الإذن، بربط الوكيل بحاسوب المستخدم نفسه، بينما يظل الجهاز الشخصي منفصلاً افتراضياً عن بيئة الوكيل، ما لم يقرر المستخدم خلاف ذلك.

ويضع ذلك «دوتس» ضِمن سباق أوسع بين شركات الذكاء الاصطناعي لتطوير وكلاء دائمين، بدلاً من المساعدات التي تبدأ عملها وتُنهيه داخل جلسة واحدة. ووصفت «رويترز» الإطلاق بأنه جزء من توسع «أوبن إيه آي» في سوق الوكلاء المستقلين، في مواجهة منتجات منافِسة؛ من بينها «ميوز» من «ميتا».

العمل في الخلفية... ضمن حدود

تمنح فكرة الوكيل الدائم النظام وصولاً أوسع إلى التطبيقات والبيانات، ولذلك خصصت «أوبن إيه آي» جانباً من الإعلان للضوابط والصلاحيات. فعندما يعمل «دوتس» بصورة استباقية في الخلفية، تقول الشركة إنه يستخدم التطبيقات المرتبطة به في وضع للقراءة فقط، ما يمنعه في هذه الحالة من إرسال الرسائل أو تغيير المحتوى داخل التطبيقات أو التحكم في المتصفح والحاسوب. ويمكن للمستخدم أيضاً تحديد إجراءات مسموح بها مسبقاً، أو اشتراط الموافقة قبل تنفيذها، أو منعها تماماً.

وتخضع بعض الإجراءات لمراجعة تلقائية، لتحديد ما إذا كان يمكن تنفيذها مباشرة أم تحتاج إلى موافقة المستخدم. وتبقى مهامّ حساسة معينة، مثل تغيير كلمات المرور، بيد المستخدم نفسه. كما تؤكد الشركة أن «Dots» قد ترتكب أخطاء، وتوصي بمراجعة الأعمال ذات العواقب المهمة.

تأتي هذه الضوابط مع تصاعد النقاش حول مخاطر الأنظمة القادرة على اتخاذ إجراءات بصورة مستقلة. وذكرت «أكسيوس» أن الإطلاق يضع وعود السلامة لدى الشركة أمام اختبار جديد؛ لأن التحدي لم يعد متعلقاً فحسب بما قد يقوله النموذج، بل بما قد يفعله عندما يحصل على أدوات وصلاحيات للعمل.

تعتمد الخدمة على صلاحيات وضوابط تحدد ما يستطيع الوكيل فعله مع الحاجة لموافقة المستخدم قبل بعض الإجراءات الحساسة (الشركة)

وكلاء متخصصون داخل الشركات

لا تقتصر خطة «أوبن إيه آي» على وكيل شخصي واحد، فالشركة تختبر أيضاً «دوتس» متخصصة للمؤسسات، يكون لكل منها هوية وصلاحيات خاصة وربط مباشر بأنظمة الشركة.

وتشمل الاستخدامات التي جُرّبت داخل «أوبن إيه آي» المشتريات، ومعالجة الفواتير، والتسويق عبر البريد الإلكتروني، ودعم العملاء والعقود التجارية، كما تعمل الشركة مع «مايكروسوفت» لدمج هذه الوكلاء مع أدوات الحوكمة والأمن في «Agent 365».

ويجري طرح «Dots» تدريجياً لمشتركي «برو» و«بيزنس بريميوم» في الأسواق المؤهلة، مع نسخة تجريبية للمؤسسات عند تفعيلها من مسؤولي بيئة العمل.

ويبدأ المستخدم حالياً بوكيل رئيسي واحد، بينما تتحدث «أوبن إيه آي» عن مرحلة لاحقة يمكن فيها لفِرق كاملة من الوكلاء العمل معاً نيابة عن المستخدم.

وبهذا تنتقل المنافسة في الذكاء الاصطناعي إلى سؤال مختلف عن جودة الإجابة وحدها: إلى أي مدى يمكن للنظام أن يتذكر السياق، ويواصل العمل، ويتصرف عبر تطبيقات متعددة، دون أن يحتاج المستخدم إلى توجيه كل خطوة؟ وهذه هي المساحة التي تحاول «Dots» دخولها.


روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
TT

روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)
أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)

طوّر مهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا «MIT» روبوتاً سبّاحاً فائق النحافة يعتمد على طبقة واحدة من الخلايا العضلية الحية لتوليد الحركة، في تصميم يهدف إلى تقليل حجم الروبوتات الحيوية الهجينة، وتحسين كفاءتها مقارنة بالأنظمة التي تعتمد على كتل عضلية ثلاثية الأبعاد أكبر حجماً.

الروبوت الذي يصفه الباحثون بأنه رقيق إلى حد يشبه الورق، مبني على هيكل من مادة هلامية يبلغ طوله وعرضه تقريباً حجم قطعة من العلكة. وينقسم الهيكل إلى جزأين يعملان كزعانف، تغطي كل واحدة منهما طبقة من الخلايا العضلية الحية أرق من شعرة الإنسان. وقد عُدلت هذه الخلايا وراثياً بحيث تنقبض عندما تتعرض للضوء.

الحركة بالضوء بدلاً من المحركات

عندما يسلط الباحثون الضوء على إحدى الزعانف، تنقبض الخلايا العضلية الموجودة على سطحها؛ ما يؤدي إلى حركة كافية لدفع الروبوت عبر الماء. ويمكن تغيير اتجاه السباحة وسرعتها عبر التحكم في أي زعنفة تُضاء، وتوقيت نبضات الضوء الموجهة إليها.

وفي الاختبارات، تمكن الروبوت من السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة. وبلغت سرعته القصوى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة، وهي سرعة محدودة مقارنة بالسباحين السريعين، لكنها أظهرت أن طبقة عضلية شديدة الرقة تستطيع إنتاج قوة كافية لتحريك جسم كامل داخل الماء.

وتقول ريتو رامان، الأستاذة المشاركة في الهندسة الميكانيكية في «MIT» وإحدى مؤلفي الدراسة، إن الحركة في الماء تتطلب قوة أكبر من الحركة في الهواء؛ ما يجعل قدرة الروبوت على السباحة بهذا الحجم والسمك مؤشراً على القوة التي يمكن أن تنتجها البنية العضلية المستخدمة.

تتحرك زعانف الروبوت عند تعريض الخلايا العضلية للضوء ما يسمح بالتحكم في اتجاه السباحة وسرعتها من دون استخدام محركات تقليدية (الجامعة)

تقليل حجم الروبوتات الحيوية

تجمع الروبوتات الحيوية الهجينة بين مواد صناعية وأنسجة أو خلايا حية لتوليد الحركة، إلا أن كثيراً من التصاميم السابقة اعتمد على كتل ثلاثية الأبعاد من العضلات المزروعة مخبرياً؛ ما يتطلب أعداداً كبيرة من الخلايا، ويؤدي إلى أجهزة أكثر سماكة وتعقيداً.

أما التصميم الجديد، فيعتمد على طبقة رقيقة جداً من العضلات، وهو ما يمكن أن يقلل كمية الخلايا المطلوبة، ويتيح تصنيع روبوتات أبسط وأخف وزناً وأكثر كفاءة في الحركة. ويصف الفريق النظام بأنه أول مثال على روبوت عضلي ثنائي الأبعاد شديد الرقة قادر على الحركة الذاتية. ويرى الباحثون أن الأنسجة الحية تقدم خصائص يصعب تحقيقها باستخدام مكونات ميكانيكية تقليدية فقط، فهي لينة وقادرة على الاستجابة لبيئتها، ويمكن أن تتمتع بقدرات على إصلاح نفسها.

البحث عن «هيكل» مناسب للعضلات

لم يكن التحدي مقتصراً على زراعة الخلايا، بل شمل أيضاً تطوير قاعدة تستطيع تحويل انقباضاتها الصغيرة إلى حركة مفيدة؛ فقد اعتمد الفريق في أعمال سابقة على مادة الفيبرين، وهي مادة هلامية شديدة الليونة، لكنه وجد أنها يمكن أن تنكمش بسرعة عند تعرضها لقوة العضلات؛ ما يقلل كفاءة نقل القوة؛ لذلك اختبر الباحثون تركيبات مختلفة من مادة «GelMA» المستخدمة في هندسة الأنسجة، مع تغيير صلابتها وسمكها وشكل الأخاديد الموجودة على سطحها.

وأظهرت التجارب أن الأخاديد ذات الشكل الأقرب إلى القنوات المربعة ساعدت الخلايا على الاصطفاف بصورة أفضل. وكلما زاد انتظام الخلايا، كان اندماجها في ألياف عضلية أقوى وأكثر تنسيقاً، كما وجد الفريق أن الطبقة الهلامية بسماكة نحو نصف مليمتر توفر توازناً مناسباً بين خفة الوزن والقدرة على دعم العضلات في أثناء انقباضها.

«تدريب» العضلات قبل الاستخدام

عمل الباحثون أيضاً على تقوية العضلات نفسها عبر سلسلة من نبضات الضوء، في عملية شبيهة بالتدريب، بهدف زيادة قدرتها على الانقباض. وبعد تحسين المادة الحاملة وترتيب الخلايا، صمم الفريق الروبوت بزعنفتيه، مع أخاديد على الجانبين تسمح للخلايا العضلية بالنمو في اتجاهات منظمة. وعند تشغيل الزعنفتين معاً، يتحرك الروبوت إلى الأمام، بينما يسمح تشغيل زعنفة واحدة بتغيير الاتجاه.

تطبيقات محتملة في البيئات الحساسة

لا يزال التصميم في مرحلة بحثية مبكرة، ويقول الفريق إن الخطوة التالية تتمثل في تحسين شكل الجسم لزيادة سرعة السباحة وكفاءتها، لكن الباحثين يرون أن الروبوتات الحيوية الهجينة الرقيقة قد تكون مناسبة مستقبلاً للمهام التي تتطلب أجهزة لينة وصغيرة داخل بيئات لا تتلاءم معها الروبوتات التقليدية، مثل مراقبة بعض البيئات المائية الحساسة أو استكشاف مناطق هشة لا تتحمل أجهزة صلبة أو كبيرة. ونُشرت الدراسة في دورية «Advanced Functional Materials»، بينما تلقى المشروع دعماً جزئياً من مكتب البحوث البحرية الأميركي.