«ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تملك فرصة نادرة لبناء مؤسسات «مولودة للذكاء الاصطناعي»

مسؤولو الشركة: الذكاء الاصطناعي الوكيلي يفرض إعادة تصميم الوظائف والحوكمة والمرونة

تمنح المشروعات الجديدة في السعودية المملكة فرصة لبناء الحوكمة والأمن السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي في البنية المؤسسية منذ اليوم الأول (أدوبي)
تمنح المشروعات الجديدة في السعودية المملكة فرصة لبناء الحوكمة والأمن السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي في البنية المؤسسية منذ اليوم الأول (أدوبي)
TT

«ديلويت» لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تملك فرصة نادرة لبناء مؤسسات «مولودة للذكاء الاصطناعي»

تمنح المشروعات الجديدة في السعودية المملكة فرصة لبناء الحوكمة والأمن السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي في البنية المؤسسية منذ اليوم الأول (أدوبي)
تمنح المشروعات الجديدة في السعودية المملكة فرصة لبناء الحوكمة والأمن السيبراني والبيانات والذكاء الاصطناعي في البنية المؤسسية منذ اليوم الأول (أدوبي)

تُظهر أرقام «ديلويت» فجوة واضحة بين انتشار الذكاء الاصطناعي وقدرته حتى الآن على تغيير طريقة عمل المؤسسات فعلياً. ففي الشرق الأوسط تقول 66 في المائة من المؤسسات إنها حققت مكاسب في الكفاءة بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلا أن 34 في المائة فقط أعادت بصورة جوهرية تصميم منتجاتها أو عملياتها أو نماذج أعمالها. والأكثر دلالة أن 84 في المائة لم تعد بعد تصميم الوظائف أو مسارات العمل حول هذه التقنيات.

وتُشكّل هذه الفجوة بين «الاستخدام» و«إعادة البناء» وفق مسؤولين في «ديلويت الشرق الأوسط» المرحلة التالية من رحلة الذكاء الاصطناعي في السعودية. فالقضية لم تعد مرتبطة بعدد التجارب أو قوة النماذج المستخدمة بقدر ارتباطها بكيفية إعادة تصميم المؤسسات نفسها، في وقت تمتلك فيه المملكة ميزة مختلفة عن كثير من الأسواق تتمثل في وجود مشروعات ومؤسسات جديدة يمكن بناء هياكلها التشغيلية والرقابية والأمنية من الصفر.

في لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، يقول يوسف برقاوي، شريك وقائد منصة «نمو الذكاء الاصطناعي» وعضو مجلس الإدارة في «ديلويت الشرق الأوسط»، إن النقاش الذي رصده خلال مؤتمر «ليب 2026» تغير بصورة ملحوظة، فبدلاً من السؤال عن عدد مشروعات الذكاء الاصطناعي أو حجم النماذج، باتت القيادات تناقش كيفية إعادة تصميم نموذج التشغيل، وبناء مؤسسات «أصلية للذكاء الاصطناعي»، والتوسع في استخدامه مع المحافظة على الثقة والسيادة.

يوسف برقاوي شريك وقائد منصة نمو الذكاء الاصطناعي وعضو مجلس الإدارة في «ديلويت الشرق الأوسط» (الشركة)

إعادة بناء طريقة العمل

ويرى برقاوي أن تحقيق مكاسب في الإنتاجية يُمثل المرحلة الأسهل نسبياً من تبني الذكاء الاصطناعي، في حين تبدأ القيمة الأصعب عندما تستخدم المؤسسة التقنية لإعادة التفكير في طريقة إيجاد القيمة وخدمة العملاء والمواطنين والمنافسة.

ويشير إلى أن هذا التحول يصبح أكثر تعقيداً مع صعود «الذكاء الاصطناعي الوكيلي»، إذ لم تعد التقنية مقصورة على أتمتة مهمة منفردة، بل أصبحت قادرة على التخطيط والتنسيق وتنفيذ أعمال تمتد عبر أكثر من وظيفة، ما يفرض إعادة النظر في مسارات العمل وصلاحيات اتخاذ القرار والعلاقة بين الموظفين والأنظمة الذكية.

ويضرب مثالاً بوكيل ذكاء اصطناعي لا يكتفي بالإجابة عن استفسار عميل، بل يفهم الطلب، ويجمع المعلومات من عدة أنظمة، وينسق الخطوات التالية، ويرفع الاستثناءات، ويكمل العملية مع تدخل بشري فقط في النقاط المطلوبة. وفي مؤسسة كبيرة، يمكن لمسار واحد من هذا النوع أن يعبر وظائف المبيعات وخدمة العملاء والتمويل والتسويق والخدمات اللوجستية وإدارة المخاطر.

وبذلك، يصبح التحدي التنظيمي مساوياً تقريباً للتحدي التقني، فكلما ازدادت قدرة الأنظمة على التحرك بين الوظائف، تقل جدوى الهياكل الرأسية التقليدية التي تعمل فيها كل إدارة بصورة منفصلة.

ميزة سعودية في «البدء من الصفر»

يبرز الاختلاف السعودي، حسب برقاوي، في طبيعة السؤال الذي يطرحه كثير من المؤسسات الجديدة. ففي أسواق أخرى يدور النقاش حول كيفية إدخال الذكاء الاصطناعي إلى مؤسسة قائمة، في حين تستطيع بعض المشروعات السعودية البدء من سؤال مختلف: كيف يمكن تصميم المؤسسة نفسها لو كانت تُبنى اليوم لعصر الذكاء الاصطناعي؟

هذه نقطة مهمة في المشروعات الخضراء والمشروعات العملاقة الجديدة في المملكة، لأنها تسمح بتصميم البيانات والحوكمة والأمن السيبراني ونموذج التشغيل ضمن بنية واحدة، بدلاً من إضافة الذكاء الاصطناعي لاحقاً فوق أنظمة وإجراءات قديمة.

وبرأي برقاوي، يمكن لهذه المقاربة أن تجعل المؤسسة أكثر قدرة على التكيف والتوسع مع تطور التقنية، لأن الذكاء الاصطناعي يصبح جزءاً من عملية اتخاذ القرار والتشغيل وتجربة العميل، وليس مشروعاً تقنياً منفصلاً.

ويشير كذلك إلى أن الفرصة بحلول 2030 لن تقتصر على قطاع واحد، فالتأثير، في رأيه، سيظهر عند نقاط التقاء القطاعات، مثل سلاسل توريد تُعيد ضبط نفسها في الوقت الفعلي، وبنى تحتية تتوقع الحاجة إلى الصيانة قبل وقوع الأعطال، ومستشفيات تنسق رعاية المرضى استباقياً، وخدمات حكومية تتوقع احتياجات المستفيد بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لها.

مايكل مسعد شريك التقنيات السيبرانية الناشئة في «ديلويت الشرق الأوسط» (الشركة)

السيادة تتجاوز مكان تخزين البيانات

التحول الآخر الذي تراه «ديلويت» هو اتساع مفهوم السيادة في الذكاء الاصطناعي. فبعدما كان النقاش يتركز بصورة كبيرة على مكان إقامة البيانات، بات يمتد إلى السيطرة على الاستراتيجية والبنية التحتية والنماذج والحوكمة والقدرات الحيوية.

ويفيد برقاوي بأن السعودية لا تتعامل، حسبما يراه، مع السيادة والتعاون العالمي بوصفهما مسارين متعارضين، بل تجمع بين الاستثمار في البنية المحلية والمواهب والقدرات السيادية والشراكات مع شركات التكنولوجيا العالمية. لكن هذه المعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما تنتقل المؤسسات من التطبيقات التقليدية إلى أنظمة مستقلة أو شبه مستقلة، وعندما يتصل الذكاء الاصطناعي مباشرة بالمعدات والبنية المادية.

ماذا تعني النسخة الاحتياطية داخل الدولة؟

من زاوية مختلفة، يحذر مايكل مسعد، شريك التقنيات السيبرانية الناشئة في «ديلويت الشرق الأوسط»، من الخلط بين الامتثال لمتطلبات السيادة وامتلاك مرونة تشغيلية حقيقية.

ويقول خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إن وجود نسخة احتياطية داخل الدولة يظل مهماً، لكنه لا يضمن وحده استمرارية العمل. فإذا كانت البيئتان تتعرضان للعطل نفسه أو للحادث السيبراني ذاته أو تعتمد كلتاهما على المزود نفسه، فإن نقطة الضعف تبقى مشتركة. ومن هنا، يعد أن المؤسسات السعودية تحتاج إلى تحديد مسبق لما يجب أن يبقى داخل المملكة، وما يمكن نسخه بطريقة خاضعة للضوابط، وما يمكن نقله مؤقتاً إلى بيئات أخرى عند الفشل ضمن القواعد المعتمدة، مع حسم هذه القرارات منذ مرحلة التصميم، وبمشاركة الفرق القانونية والتنظيمية والتقنية. هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر في المشروعات التي تدمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات التشغيلية والروبوتات والبنية المتصلة منذ إنشائها.

تنتقل المؤسسات السعودية من مرحلة تجارب الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تصميم نماذج التشغيل وطريقة العمل حوله (أدوبي)

ضوابط يصعب إضافتها بعد التشغيل

ويحدد مسعد مجموعة من عناصر الحماية التي تصبح مكلفة أو معقدة إذا جرت محاولة إضافتها في مرحلة لاحقة، وفي مقدمتها ضوابط الهوية القوية، والفصل الواضح بين تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية، وتأمين وصول الأطراف الخارجية، والرؤية الكاملة للأصول، والسجلات الموثوقة، وبيئات الاستعادة المحمية.

وإذا كان الذكاء الاصطناعي جزءاً من العمليات فإنه يشدد على ضرورة تصميم نقاط للموافقة البشرية وحدود أمان صلبة منذ اليوم الأول، بما في ذلك آليات إيقاف عند الحاجة.

وتكمن حساسية هذه الضوابط في أن التقارب بين العالمين الرقمي والمادي يوسع أثر الحادث. فاختراق نظام معلوماتي في منشأة تقليدية قد يبقى مشكلة رقمية، في حين يمكن في منشأة متصلة بأنظمة تحكم وتشغيل أن يتحول سريعاً إلى مشكلة تشغيلية أو تتصل بالسلامة.

ويحدد مسعد أكبر مناطق التعرض في تكامل أنظمة تقنية المعلومات والتقنيات التشغيلية، والوصول البعيد للموردين، وأنظمة التحكم المتصلة، وطبقات الهوية المشتركة.

الأتمتة لا تلغي القرار البشري

ومع توسع تقنيات الرصد الآلي والاستعادة الذاتية، لا يرى مسعد أن الاستقلالية الكاملة مناسبة للبنية التحتية الحرجة، فالأنظمة يمكن أن تعمل بصورة آلية في الاكتشاف والعزل وبعض إجراءات الاستعادة المحددة مسبقاً، لكن القرارات ذات التأثير الكبير على السلامة أو الجمهور أو العمليات الرئيسية يجب أن تبقى تحت سيطرة بشرية.

ويربط هذا بين مسارين كانا يعالجان سابقاً بصورة منفصلة: توسع الذكاء الاصطناعي من جهة، والمرونة التقنية والسيبرانية من جهة أخرى. فكلما أصبحت الأنظمة قادرة على تنفيذ العمل بدلاً من مجرد تقديم التوصيات، تصبح بنية التحكم والاستعادة والمساءلة جزءاً من نموذج التشغيل نفسه.

وبالنسبة إلى مجالس الإدارات، يقول مسعد إن قياس المرونة لا يمكن اختزاله في مؤشر واحد، إذ يجب النظر إلى استمرار الخدمات الحيوية، ونجاح الاستعادة تحت الضغط، وإثبات قدرة التحويل إلى بيئة بديلة بدلاً من افتراضها، إلى جانب زمن الاكتشاف والاستعادة، ورؤية أنظمة التشغيل، وسلامة النسخ الاحتياطية.

ويبقى التحدي التالي أمام المؤسسات السعودية، وفق الصورة التي ترسمها «ديلويت»، هو الانتقال من مرحلة نشر أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة أصعب أي إعادة تصميم المؤسسة، من طريقة توزيع العمل واتخاذ القرار إلى السيادة والأمن والقدرة على التعافي، قبل أن تصبح الأنظمة الوكيلة والمادية جزءاً أكبر من التشغيل اليومي.


مقالات ذات صلة

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

تكنولوجيا شعار شركة «أبل» (د.ب.أ) p-circle

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

تعتزم شركة «أبل» دخول سوق أجهزة المنزل الذكي يوم 13 أكتوبر، بعد تأخير طويل، بما يُمثل توسعاً حيوياً لمحفظة منتجات الشركة تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

تكشف دراسة عن محدودية قدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء «توائم رقمية» تحاكي البشر، إذ تميل النماذج إلى التنميط وتفشل في التقاط الفروق الفردية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تكنولوجيا تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)

«بلوتوث» داخل الجسم... غرسات طبية صغيرة تتبادل الإشارات عبر الأنسجة

طوّر باحثو معهد «جورجيا تك» شبكة منخفضة الطاقة تتيح لغرسات طبية صغيرة تبادل الإشارات عبر الأنسجة لتنسيق الاستشعار والعلاج داخل الجسم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شعار شركة مونشوت الصينية لتطوير الذكاء الاصطناعي (رويترز)

أداة صينية للذكاء الاصطناعي أرشدت باحثين إلى كيفية صنع أسلحة بيولوجية

تُجري شركة مونشوت الصينية لتطوير الذكاء الاصطناعي مراجعة داخلية بعد أن تمكن باحثون من إقناع اثنين من نماذجها الشهيرة «كيمي» بتدريبها على صنع أسلحة بيولوجية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تكنولوجيا تسمح الطريقة للنموذج باستكشاف حلول أكثر مرونة أثناء عملية التوليد مع فرض القيود بشكل حاسم على النتيجة النهائية (أدوبي)

«هارد فلو»... خوارزمية جديدة لضبط مُخرجات الذكاء الاصطناعي تحت قيود صارمة

طوّر باحثون في «MIT» خوارزمية «هارد فلو» لضبط مُخرجات الذكاء الاصطناعي تحت قيود صارمة دون إعادة تدريب النماذج مسبقاً.

نسيم رمضان (لندن)

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
TT

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)

تعتزم شركة الإلكترونيات والتكنولوجيا الأميركية «أبل» دخول سوق أجهزة المنزل الذكي يوم 13 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد تأخير طويل، بما يُمثل توسعاً حيوياً لمحفظة منتجات الشركة تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد جون تيرنوس، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحسب مصادر مطلعة، فإن الجهاز الرئيسي في استراتيجية حزمة المنزل الذكي يحمل الاسم الكودي «جيه 490». كما تُخطط «أبل» للإعلان عن أول تحديث لجهاز «هوم بود ميني» منذ طرحه عام 2020، وأول إصدار جديد من جهاز الاستقبال الرقمي للتلفزيون منذ 2022.

وذكرت وكالة «بلومبرغ» أن هذا يُمثل اختباراً مبكراً ومهماً بالنسبة لتيرنوس، الذي تولى منصبه في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي.

وتنظر الشركة إلى مجال تجهيزات المنزل الذكي باعتباره فرصة مربحة وإحدى مبادرات «الشيء الكبير القادم» الشهيرة لدى «أبل». في الوقت نفسه، فإن «أبل» واجهت سابقاً صعوبة في تحقيق حضور قوي في هذا القطاع، متخلفة بذلك عن شركتي «أمازون» و«غوغل».

كما تُعد هذه المنتجات واجهة لاستعراض قدرات المساعد الرقمي «سيري» الجديد المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وهي تقنية عكفت الشركة على تطويرها منذ سنوات. وقد واجه طرح النسخة المحدثة من «سيري» تأخيرات عديدة، ومن شأن أجهزة المنزل الذكي أن تُسلط الضوء على جهود «أبل» للحاق بالركب أخيراً في مجال الذكاء الاصطناعي.

ووفقاً لمصادر -طلبت عدم الكشف عن هويتها، نظراً لعدم الإعلان عن المنتجات رسمياً- سيتخذ جهاز التحكم المركزي للمنزل «هوم هب» شكل شاشة مربعة يبلغ حجمها نحو 6 بوصات، مع توفر إصدارات يمكن تثبيتها على الحائط أو وضعها على الأسطح المستوية.

في الوقت نفسه، ستحتفظ الإصدارات الجديدة من جهازي «هوم بود ميني» و«أبل تي في» بتصميماتها الحالية، لكنها ستحتوي على معالجات أسرع لدعم نماذج ذكاء اصطناعي أقوى في «سيري».


الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعرف الإنسان إلى درجة توقُّع ما سيفكر فيه أو يختاره في موقف لم يواجهه من قبل؟ حاول باحثون من جامعة كولومبيا الأميركية اختبار هذه الفكرة عبر إنشاء «توائم رقمية» لأشخاص حقيقيين، لكن النتائج كشفت عن أن الطريق إلى استنساخ السلوك البشري رقمياً لا يزال طويلاً.

500 سؤال لبناء «التوأم»

شملت الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس أدفانسس» Science Advances، نحو 1800 شخص، أجاب كل منهم عن أكثر من 500 سؤال تناولت الشخصية والقدرات المعرفية والتفضيلات الاقتصادية والتحيزات، إلى جانب معلومات ديموغرافية واجتماعية، وفق ما نقلته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

واستخدم الباحثون هذه البيانات لتغذية نموذج لغوي كبير بهدف إنشاء «توأم رقمي» لكل مشارك. وبعد ذلك، خضع الأشخاص الحقيقيون ونسخهم الرقمية ﻟ19 مجموعة جديدة من الاختبارات، تضمّنت 164 إجابة وسلوكاً، بهدف معرفة قدرة الذكاء الاصطناعي على توقُّع تصرفاتهم في مواقف جديدة.

مئات المعلومات لم تحسّن دقة المحاكاة

للوهلة الأولى، بدت النتائج مشجعة، إذ سجّل النموذج الذي امتلك البيانات الكاملة درجة 0.748 على مقياس يقارن إجاباته بإجابات البشر.

لكن المفاجأة كانت أن نموذجاً لم يحصل إلا على 14 معلومة ديموغرافية أساسية عن كل شخص سجل 0.746، فيما حقق نموذج لم يتلقَّ أي معلومات شخصية 0.734.

وبذلك، أظهرت الدراسة أن تزويد الذكاء الاصطناعي بمئات المعلومات عن الشخص لم يجعله أكثر قدرة بصورة ملحوظة على تقليد سلوكه، مقارنة بنموذج لم يحصل إلا على معلومات أساسية عنه. كما أظهرت المقارنة أن قدرة «التوأم الرقمي» على محاكاة الاختلافات الفردية بين الأشخاص بقيت ضعيفة.

نسخ أكثر نمطية من البشر

وكشفت الدراسة عن أن الذكاء الاصطناعي يميل إلى «تسوية» الاختلافات بين الأشخاص. فمن أصل 164 مؤشراً، كانت إجابات التوائم الرقمية أقل تنوعاً من إجابات البشر في 154 منها.

ما مال النموذج إلى تصنيف الأشخاص وفق خصائص عامة، مثل العمر والتعليم والدخل والآراء، والتعامل معهم على أساس الصورة النمطية للمجموعة التي ينتمون إليها، بدلاً من محاكاة السمات الفردية لكل شخص.

وأظهرت النسخ الرقمية أيضاً ثقة أكبر بالتكنولوجيا مقارنة بالأشخاص الحقيقيين، وكانت أكثر تقبلاً لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقييم المتقدمين إلى الوظائف، كما اعتبرت أن استخدام بيانات الأشخاص عبر الإنترنت لبناء ملفات تعريفية عنهم أقل مساساً بالخصوصية.

يد روبوتية أمام شاشة تحمل رمز الذكاء الاصطناعي في صورة تعبيرية عن محاولات تطوير نماذج رقمية قادرة على محاكاة السلوك البشري (رويترز)

«مرآة مشوهة»

ومن المفارقات أن أحد أسباب فشل المحاكاة كان أن الذكاء الاصطناعي أكثر معرفة وعقلانية في بعض الاختبارات من البشر الذين يُفترض أن يقلّدهم. فالإنسان يخطئ ويقع في التحيّزات وقد يتخذ قرارات غير عقلانية، بينما مال النموذج إلى الإجابات الصحيحة والمنطقية.

وتشير النتائج إلى أن بناء نسخة رقمية وفية للإنسان يتطلب محاكاة ما يعرفه وما يجهله، وحتى أخطائه وتناقضاته.

ورغم الآمال باستخدام هذه التوائم مستقبلاً في الأبحاث الاجتماعية والنفسية واختبار سلوك المستهلكين، خلصت الدراسة إلى أنها، في وضعها الحالي، أقرب إلى «مرآة مشوهة» للإنسان منها إلى نسخة حقيقية عنه.


«بلوتوث» داخل الجسم... غرسات طبية صغيرة تتبادل الإشارات عبر الأنسجة

تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
TT

«بلوتوث» داخل الجسم... غرسات طبية صغيرة تتبادل الإشارات عبر الأنسجة

تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)

طوّر مهندسون في معهد جورجيا للتكنولوجيا «جورجيا تك» نظاماً جديداً للاتصال بين الأجهزة الطبية القابلة للارتداء والغرسات المزروعة داخل الجسم، من خلال استخدام أنسجة الجسم نفسها قناة لنقل الإشارات. ويتيح النظام الذي أطلق عليه الباحثون اسم «سوانز»، لمستشعر في جزء من الجسم أن يرسل إشارة إلى جهاز علاجي في مكان آخر، دون الحاجة إلى اتصال مباشر أو قرب بينهما.

وتركز الدراسة، التي نُشرت في دورية «العلوم»، على بناء شبكة من أجهزة صغيرة يمكن أن تعمل معاً داخل الجسم وعلى سطحه، بحيث تكتشف تغيراً بيولوجياً في موقعٍ ما ثم تطلق استجابة علاجية في موقع مختلف، مثل تحفيز عصب أو تشغيل جهاز مزروع.

وتكمن الفكرة الأساسية في الاستفادة من الموصلية الأيونية الطبيعية لأنسجة الجسم، بدلاً من الاعتماد على تقنيات لا سلكية تقليدية، مثل «Bluetooth» أو «NFC».

ويقول الباحثون إن الإشارات اللاسلكية التقليدية لا تنتقل بكفاءة كبيرة عبر الجسم، كما أنها تحتاج إلى هوائيات وطاقة إضافية، وهو ما يزيد حجم الغرسات ويحدّ من المدة التي يمكن أن تعمل خلالها.

أما «SWANS» فيرسل نبضات كهربائية صغيرة عبر الأنسجة، ويمكن برمجة كل غرسة للاستجابة فقط لنبضات بجهد وزمن محددين، ما يسمح بتوجيه الإشارة إلى الجهاز المطلوب داخل الشبكة.

ويرى الفريق أن هذه البنية تتيح فصل مكان الاستشعار عن مكان العلاج. فبدلاً من وضع المستشعر والجهاز العلاجي في وحدة واحدة، يمكن وضع كل منهما في الموقع الأنسب وظيفياً، ثم تمرير الإشارات بينهما عبر أنسجة الجسم.

يختبر الباحثون شبكة منخفضة الطاقة تسمح لأجهزة طبية صغيرة بتبادل الإشارات عبر أنسجة الجسم نفسها (جورجيا تك)

غرسات بحجم أقل من 3 ملليمترات

ساعد انخفاض متطلبات الطاقة على تصغير حجم الأجهزة بصورة كبيرة. ووفق الباحثين، يمكن تصنيع غرسات يقلّ حجمها عن 3 ملليمترات، ما يجعلها صغيرة بما يكفي لزرعها باستخدام حقنة.

وتعتمد هذه الأجهزة على مكونات إلكترونية سلبية تستهلك قدراً ضئيلاً للغاية من الطاقة أثناء الانتظار، ثم تستيقظ فور وصول الإشارة المطلوبة لتنفيذ المهمة المحددة.

وفي الاختبارات، قدَّر الفريق أن جهازاً علاجياً صغيراً يجري تشغيله مرة واحدة يومياً، يمكن أن يعمل لنحو عام قبل الحاجة لاستبداله. كما ذكر الباحثون أن النبضات الكهربائية المستخدمة لم تُحدث ضرراً في عينات الأنسجة التي اختبروها.

تجربة للتحكم في الحركة

اختبر الفريق النظام في تجربة على جرذ، حيث ربط شبكة من المستشعرات والواجهات العصبية عبر الجسم. واستطاع مستشعرٌ اكتشاف حركة إحدى القوائم الأمامية، ثم أرسل إشارة عبر الأنسجة إلى جهاز آخر حفّز عضلة في القائمة الخلفية وأدى إلى انقباضها؛ في محاولة لمحاكاة جزء من نمط المشي الطبيعي. كما أظهرت التجربة أن عدداً من الأجهزة يمكن أن يعمل ضِمن شبكة واحدة، دون الحاجة لأسلاك مباشرة بينها أو إلى محاذاة دقيقة.

البيانات الصغيرة داخل الجسم

لا يهدف «سوانز» إلى نقل كميات كبيرة من البيانات عبر الأنسجة، فالتصميم مخصص لإشارات صغيرة وبسيطة، مثل تحديد وجود أو غياب حدث معين أو إرسال أمر تشغيل أو إيقاف.

أما عمليات التحليل الأكبر أو تبادل كميات كبيرة من البيانات، فيمكن تنفيذها بواسطة جهاز خارجي قابل للارتداء يعمل كمركز للشبكة، حيث يجمع قراءات الغرسات ويقرر متى ينبغي تفعيل إجراء علاجي معين.

ويعني ذلك أن النظام لا يحاول استبدال كل أشكال الاتصال اللاسلكي، بل يخصص قناة منخفضة الطاقة للتنسيق بين الأجهزة المزروعة والقابلة للارتداء.

صُممت الغرسات لتكون صغيرة جداً ومنخفضة الاستهلاك ويمكن لبعضها أن يكون بحجم يسمح بزرعه باستخدام حقنة (جورجيا تك)

نحو علاج إلكتروني مُنسّق

يرى الفريق أن أحد الاستخدامات المستقبلية المحتملة يتمثل في بناء أنظمة علاجية آلية موزعة عبر الجسم، بحيث ترصد المستشعرات التغيرات البيولوجية ثم تطلق استجابة مناسبة في الوقت والمكان المطلوبين.

وذكر أليكس أبرامسون، الأستاذ المساعد بكلية الهندسة الكيميائية والجزيئية الحيوية في «جورجيا تك» والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن الهدف هو السماح بوضع أجهزة الاستشعار حيث تكون أكثر قدرة على التقاط الإشارة البيولوجية، ووضع المحفزات أو الأجهزة العلاجية حيث تكون أكثر فاعلية، دون الحاجة إلى أن تكون متجاورة.

ويشير الباحثون إلى أن هذا النوع من الشبكات قد يدعم مستقبلاً تطبيقات في الطب الإلكتروني الشخصي، حيث تعمل عدة أجهزة صغيرة بصورة منسقة، بدلاً من الاعتماد على غرسة واحدة تقوم بجميع الوظائف.

شبكة تحاكي منطق الجهاز العصبي

استلهم الفريق فكرة النظام جزئياً من الطريقة التي ينسّق بها الجهاز العصبي عمل أجزاء مختلفة من الجسم، مع اختلاف واضح في آلية التنفيذ. ويلفت الباحثون إلى أن القدرة على ربط عدة مستشعرات ومحفزات موزعة في أماكن مختلفة، بما في ذلك مواقع عميقة داخل الجسم مثل المعدة، قد تفتح المجال أمام أنظمة علاجية أكثر تخصصاً وأقل اعتماداً على أجهزة كبيرة أو وصلات خارجية.

ولا تزال التقنية في مرحلة بحثية، وقد أُثبتت في تجارب مخبرية وحيوانية، وليس كمنظومة علاجية معتمَدة للاستخدام البشري. وتتركز الخطوات المقبلة على تطوير الشبكة واختبار كيفية عمل عدد أكبر من الأجهزة معاً، وصولاً إلى تطبيقات يمكن فيها تنسيق الاستشعار والعلاج بصورة أكثر استقلالية داخل الجسم.