جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

تساؤلات في ميدان الطب: حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
TT

جنسن هوانغ: «الذكاء الاصطناعي العام» وصل... فهل يستطيع العلم إثبات ذلك؟

هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟
هل بدأ بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي العام؟

​«لقد وصل الذكاء الاصطناعي العام»... بهذه الكلمات أعاد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» (NVIDIA)، في السادس من سبتمبر (أيلول) 2026، فتح واحد من أكبر الأسئلة في تاريخ الذكاء الاصطناعي.

فإذا كان «AGI» -أو الذكاء الاصطناعي العام- قد وصل بالفعل، فنحن لا نتحدث عن نموذج أسرع يكتب نصوصاً أفضل أو يحل مسائل أكثر تعقيداً؛ بل عن احتمال عبور الآلة عتبة ظل الباحثون لعقود يتساءلون عما سيحدث بعدها: متى يتوقف الذكاء الاصطناعي عن كونه أداة متخصصة، ويصبح ذكاءً قادراً على التعامل مع طيف واسع من المهام على نحو يقترب من الإنسان أو يتجاوزه؟

لكن هنا تبدأ المفارقة: إعلان الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام أسهل بكثير من إثباته. فحتى اليوم، لا توجد «شهادة علمية» لـ«AGI»، ولا اختبار عالمي متفق عليه يمكن أن نضع أمامه أحدث النماذج، ثم نقول بثقة: نعم، لقد عبرت الآلة الخط الفاصل.

وهنا يصبح السؤال أكثر إثارة: هل وصل الذكاء الاصطناعي العام فعلاً؟ أم أن قدرات الآلة أصبحت تتقدم أسرع من قدرتنا على تعريف ما نسميه «الذكاء»؟

عندما يصبح تعريف الذكاء هو المشكلة

يرمز «AGI» إلى «الذكاء الاصطناعي العام» (Artificial General Intelligence)، ويُستخدم عادة لوصف نظام لا يتفوق في مهمة واحدة فقط؛ بل يستطيع التعلم والاستدلال والتكيف، وإنجاز طيف واسع من المهام بمستوى يقارب الإنسان أو يتجاوزه.

وقد عرَّفت شركة «أوبن أيه آي» (OpenAI) المفهوم سابقاً بأنه أنظمة شديدة الاستقلالية تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية.

لكن ما يبدو تعريفاً واضحاً للوهلة الأولى يفتح باباً لأسئلة أصعب: ما المقصود بـ«معظم الأعمال»؟ وهل التفوق على الإنسان في أداء مهمة يعني امتلاك ذكاء يشبه ذكاءه؟ وإذا استطاع نموذج أن يكتب برنامجاً، ويحل مسألة رياضية، ويحلل بيانات، ويستخدم الحاسوب، فكم قدرة إضافية يحتاج إليها قبل أن ننتقل من وصفه بـ«AI» إلى«AGI»؟

هنا لا يعود الخلاف مجرد سباق تقني بين نماذج أكثر قوة؛ بل يصبح معضلة علمية وفلسفية: كيف نثبت وصول شيء لم نتفق بعد على تعريفه؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

حوسبة أكبر... أم ذكاء أكبر؟

وراء القفزات الأخيرة في أداء الذكاء الاصطناعي توسع هائل في القدرة الحاسوبية والبيانات وأساليب التدريب. ومع كل جيل جديد، تستطيع النماذج إنجاز مهام كانت تبدو قبل سنوات قليلة بعيدة المنال.

لكن هنا يظهر سؤال لا يقل أهمية عن إعلان هوانغ نفسه: عندما نمنح النموذج حوسبة أكبر وبيانات أكثر وتدريباً أكثر تطوراً، ثم تتحسن قدراته بصورة مذهلة، فهل يمثل ذلك دليلاً على ظهور «ذكاء عام»، أم على اتساع نطاق المهام التي أصبح قادراً على أدائها؟

إن الفرق جوهري، فقد تتفوق الآلة في الرياضيات والبرمجة والبحث واستخدام الحاسوب، ثم تتعثر أمام سياق جديد، أو استثناء غير متوقع، أو مشكلة مفتوحة تختلف عما واجهته أثناء التدريب.

وتظهر هنا مفارقة لافتة: كلما اجتاز الذكاء الاصطناعي اختباراً كنا نظن أنه يتطلب قدرة بشرية، ارتفع السقف وبدأ البحث عن اختبار أصعب. فهل نحن نقترب من الذكاء العام؟ أم أن تعريفنا للذكاء يبتعد كلما اقتربت منه الآلة؟

ما الذي لا تقيسه الاختبارات؟

الذكاء البشري ليس مجموع درجات في اختبارات. فهو يشمل أيضاً القدرة على نقل ما نتعلمه من موقف إلى آخر، وفهم السياق، والتعامل مع الغموض، والتعلم من خبرات محدودة، واتخاذ القرار عندما لا تكون القواعد مكتوبة سلفاً.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم: كم اختباراً يستطيع النموذج أن يتفوق فيه على البشر؟ بل: ماذا يفعل عندما ينتهي الاختبار ويبدأ العالم الحقيقي؟ فالاختبار يمنح النموذج مشكلة محددة ومعياراً للنجاح، أما العالم الحقيقي فيقدم مواقف متغيرة ومعلومات ناقصة ونتائج قد لا تظهر إلا لاحقاً. وهنا يصبح التفوق في الاختبارات دليلاً مهماً على القدرة، ولكنه ليس بالضرورة، -بمفرده- دليلاً حاسماً على الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام.

ومع ذلك، ثمة مفارقة أخرى: ماذا لو لم نكن بحاجة إلى حسم هذا الجدل أصلاً قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تغيير العالم الحقيقي؟

تساؤلات الطب

وفي الطب تحديداً، يبدو هذا السؤال أكثر إلحاحاً. في الطب... هل نسأل السؤال الخطأ؟ هنا يقدم الطب زاوية مختلفة تماماً.

ففي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ينقل الدكتور أنتوني تشانغ، رئيس الجمعية الأميركية للذكاء الاصطناعي في الطب ورئيس مؤتمر «AIMed26»، النقاش من سؤال: «ما الذكاء؟» إلى سؤال أكثر عملية: ماذا يستطيع أن يفعل؟

يقول تشانغ: «في الذكاء الاصطناعي السريري، لم يكن السؤال المهم سريرياً يوماً: هل هو ذكي بصورة عامة؟ بل: هل أصبح قادراً بما يكفي، ومنخفض التكلفة بما يكفي، وموثوقاً بما يكفي، لكي يغيِّر من يقوم بأي عمل في الرعاية الصحية؟».

ثم يضيف عبارة تختصر تحولاً قد يكون جارياً بالفعل: «هذه العتبة يجري تجاوزها، مهمة بعد أخرى، وبهدوء، بصرف النظر عما نطلقه على الصورة الكلية».

هل تستطيع الآلة أداء المهمة الطبية بصورة جيدة وموثوقة وبتكلفة مقبولة؟

هنا يتغير السؤال كله. فبالنسبة إلى الطبيب أو المستشفى، قد لا يكون السؤال العاجل ما إذا كان النظام يستحق لقب «AGI»، ولا انتظار لحظة تاريخية يعلن فيها العالم وصول الذكاء الاصطناعي العام. السؤال الأكثر عملية هو: هل تستطيع الآلة أداء هذه المهمة بصورة جيدة، وموثوقة، وبتكلفة مقبولة؟

فإذا أصبحت قادرة على تحليل صورة طبية، أو تلخيص ملف مريض، أو إعداد مسودة تقرير، أو دعم قرار سريري، فإن توزيع بعض المهام بين الإنسان والآلة يكون قد بدأ يتغير فعلاً، حتى لو استمر العلماء سنوات أخرى في الاختلاف على تعريف «AGI».

وهنا ربما تكمن المفارقة: قد يستمر العالم في الجدل حول اسم الذكاء الجديد، بينما يكون هذا الذكاء قد بدأ فعلاً في تغيير مَن يفعل ماذا داخل المستشفى.

التعليم يصنع المستقبل

الثورة التي قد تحدث بلا إعلان

وربما تكمن هنا المفارقة الأكبر. لقد تخيلنا طويلاً وصول الذكاء الاصطناعي العام كلحظة تاريخية واضحة: آلة تعبر عتبة فاصلة، ثم يستيقظ العالم في اليوم التالي وقد دخل عصر «AGI»، ولكن التحول الحقيقي قد يحدث بطريقة أكثر هدوءاً.

مهمة كانت تستغرق ساعة تُنجز في دقائق، تحليل كان يتطلب عملاً متخصصاً يصبح مدعوماً بخوارزمية، برنامج كان ينتظر أمراً بعد آخر، يصبح قادراً على تنفيذ سلسلة كاملة من الخطوات، ثم مهمة أخرى... ثم أخرى.

ومع تراكم هذه التحولات الصغيرة، قد تتغير العلاقة بين الإنسان والآلة، من دون لحظة واحدة نستطيع أن نشير إليها ونقول: «هنا بدأ كل شيء». وهنا تكتسب عبارة تشانغ «مهمة بعد أخرى، وبهدوء» معناها الأعمق: قد لا نعرف اللحظة التي وصل فيها الذكاء الاصطناعي العام؛ لأن العالم ربما يكون قد بدأ يتغير قبل أن نتفق على ما نسميه.

من يملك حق إعلان وصول «AGI»؟

قد يثبت التاريخ أن جنسن هوانغ كان محقاً، وأن عام 2026 كان بالفعل بداية عصر الذكاء الاصطناعي العام. وقد يثبت أننا كنا لا نزال أبعد عن تلك العتبة مما تصورنا. ولكن إعلان هوانغ يترك وراءه سؤالاً ربما يكون أهم من الإعلان نفسه: من يملك حق القول إن «AGI» قد وصل؟ هل هي الشركات التي تبني النماذج؟ أم العلماء الذين يختبرونها؟ أم المؤسسات والمجتمعات التي ستعيش آثارها؟ أم أننا لن ندرك أننا عبرنا العتبة إلا عندما ننظر إلى الوراء؟

وفي الطب، قد تكون الإجابة أكثر تعقيداً. فقد لا نحتاج إلى لحظة واحدة تصبح فيها الآلة «ذكية مثل الإنسان» حتى نشهد تحولاً عميقاً في طريقة العمل. يكفي أن تتراكم القدرات، وأن تتغير المهام والأدوار، وأن يصبح ما كان مستحيلاً بالأمس جزءاً من الممارسة اليومية.

وربما لهذا لن يحسم تاريخ الذكاء الاصطناعي سؤال «متى وصل AGI؟» بذكر يوم واحد أو نموذج واحد أو تصريح واحد. فقد نختلف طويلاً حول اللحظة التي أصبحت فيها الآلة «ذكية بما يكفي».

لكننا قد نكتشف، ونحن منشغلون بتعريف تلك اللحظة، أن العالم كان قد عبرها فعلاً.


مقالات ذات صلة

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تستقر وسط ترقب قرار «الفيدرالي» ونتائج الشركات

الاقتصاد متداولون في العقود الآجلة داخل قاعة بورصة نيويورك (رويترز)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تستقر وسط ترقب قرار «الفيدرالي» ونتائج الشركات

استقرت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية إلى حد كبير، الثلاثاء، مع بقاء أسعار النفط الخام قرب أعلى مستوياتها في 6 أسابيع.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم «جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

على الشركة المنتجة والمستشفى والطبيب معرفة قدرات النظام وحدوده ومخاطره

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
الاقتصاد موظفون في شركة «إس كيه هاينكس» خلال مراسم قرع جرس افتتاح التداول في بورصة «ناسداك» (رويترز)

أسهم التكنولوجيا تقود المكاسب الآسيوية بدعم من «وول ستريت» وخطة طرح «أنثروبيك»

ارتفعت أسهم شركات التكنولوجيا، الثلاثاء، متتبعةً أثر المكاسب القوية في «وول ستريت»، بعدما رحّب المستثمرون بإيداع شركة «أنثروبيك» المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد مقر «سنوفليك» (الشركة)

«سنوفليك» تخطط لاستثمارات بـ300 مليون دولار في السعودية حتى 2030

أعلنت شركة «سنوفليك» الأميركية، عن استثمارات متوقعة بقيمة 300 مليون دولار في عملياتها بالسعودية حتى عام 2030، بالتزامن مع افتتاح مقرها الإقليمي في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد عمليات صهر النحاس في منجم «إل تينيينتي» بتشيلي أكبر منجم للنحاس تحت الأرض في العالم (أ.ف.ب)

النحاس يرتفع بدعم من صعود الأسهم ومؤشرات قوة الطلب الصيني

ارتفعت أسعار النحاس بشكل طفيف يوم الثلاثاء، مدعومة بتحسن المعنويات الاقتصادية، في ظل صعود أسواق الأسهم ومؤشرات على قوة الطلب في الصين.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك
TT

الجينات وحدها لا تفسّر سلوكنا

الجينات وحدها لا تحدد السلوك
الجينات وحدها لا تحدد السلوك

كشفت دراسة دولية واسعة عن أن التأثيرات الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي لدى الإنسان تختلف تبعاً للعمر والبيئة الاجتماعية، وباختلاف الشخص الذي يصف السلوك ويقيّمه. وهذا ما يؤكد أن فهم السلوك البشري يتطلب النظر إلى الجينات والسياق الذي يتطور فيه هذا السلوك معاً.

تحليل 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص

وحلّل باحثون بقيادة معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في مدينة نايميخن الهولندية نحو 500 ألف ملاحظة سلوكية جُمعت من أكثر من 73 ألف شخص. وأظهرت الدراسة المنشورة في مجلة «Nature Human Behaviour» في 21 سبتمبر (أيلول) 2026 أن الأنماط الجينية المرتبطة بالسلوك الاجتماعي تختلف عبر مراحل النمو وبين تقييمات الوالدين والمعلمين والتقارير الذاتية للأفراد.

وتسلّط النتائج الضوء على أهمية السياق الاجتماعي في دراسة الأسس الجينية للسلوك وعلاقته باضطرابات النمو العصبي، بما فيها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

تتبّع السلوك عبر مراحل النمو

وركّز الباحثون على جانبين من السلوك الاجتماعي: الأول مدى استعداد الفرد لمساعدة الآخرين ومشاركة ما لديه معهم ومواساتهم عند الحاجة. أما الثاني، فهي الصعوبات التي قد يواجهها في تكوين الصداقات والتواصل مع أقرانه والحفاظ على العلاقات معهم.

وشملت التقييمات أشخاصاً تتراوح أعمارهم بين عامين و29 عاماً مع تكرار تقييم بعض المشاركين في مراحل عمرية مختلفة. كما قارن الباحثون بين تقارير الوالدين والمعلمين والتقييمات الذاتية للمشاركين.

وعلى خلاف الدراسات الجينية التقليدية التي تجمع النتائج في تقدير عام استخدم الباحثون أسلوباً إحصائياً يُعرف باسم «الانحدار التَّلَوِي Meta-regression» يتيح مقارنة نتائج دراسات متعددة وتحليلها مع مراعاة العوامل التي قد تؤثر فيها. وساعدهم هذا الأسلوب على الكشف عن كيفية اختلاف الارتباطات الجينية بالسلوك الاجتماعي تبعاً لنوع السلوك وعمر الفرد والشخص الذي يقيّمه بدلاً من التعامل مع هذه الاختلافات بوصفها نمطاً واحداً ثابتاً.

6 مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك

وحدّد التحليل ست مناطق جينومية مرتبطة بالسلوك الاجتماعي وأظهرت جميعها اختلافات في ارتباطاتها تبعاً لنوع السلوك والعمر والجهة التي أبلغت عنه.

وظهر أقوى ارتباط جيني في منطقة CADM2 وهو جين يسهم في تنظيم الاتصالات بين الخلايا العصبية. وكان الارتباط أكثر وضوحاً في حالات انخفاض السلوك الاجتماعي الإيجابي وفقاً للتقييم الذاتي في أواخر الطفولة وبداية المراهقة. وسبق أن رُبطت تغيرات جينية في هذه المنطقة بالتوحّد وسمات أخرى.

وقدّرت الدراسة أن الاختلافات الجينية الشائعة تفسّر ما بين 2 و7 في المائة من التباين في السلوك الاجتماعي. كما حدّد الباحثون أربعة عوامل جينية مترابطة ارتبط اثنان منها بمجالي السلوك المدروسين بينما عكس الآخران الاختلافات بين تقييمات الوالدين والمعلمين.

وتشير النتائج إلى أن سلوك الطفل في المنزل قد يختلف عن طريقة تفاعله في المدرسة أو مع أقرانه، مما يستدعي مراعاة هذه الاختلافات عند دراسة النمو.

وأوضحت لوسيا دي هويوس، الباحثة الأولى في الدراسة من قسم اللغة وعلم الوراثة في معهد «ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي» في هولندا، أن الطبيعة المتغيرة للنمو البشري تستدعي اعتماد مناهج جينومية قادرة على رصد التغيرات عبر مراحل النمو. من جانبها أكدت بياته سانت بوركاين، الباحثة الرئيسية في الدراسة من القسم نفسه، أهمية مراعاة اختلاف تجارب الأطفال الاجتماعية عند تحليل التأثيرات الجينية بدلاً من اختزالها في تقدير عام واحد قد يغفل الفروق بين السياقات والأعمار.

روابط بالصحة النفسية

ولاختبار دقة التنبؤات الجينية أنشأ الباحثون درجات متعددة الجينات تجمع تأثيرات عديد من المتغيرات الجينية واختبروها لدى 16305 أشخاص من أصول أوروبية وأفريقية. وتحسّنت التنبؤات عندما تطابق السياق الاجتماعي المستخدم في تطوير هذه الدرجات مع السياق الذي طُبّقت فيه.

كما درس الفريق العلاقات الجينية بين السلوك الاجتماعي في الطفولة وسمات لاحقة منها التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وأظهرت النتائج أن هذه العلاقات يمكن رصدها في مراحل عمرية مختلفة حسب السلوك والسياق المدروسين.

الجينات لا تحدد المصير

وشدّد الباحثون على أن النتائج لا تعني إمكانية التنبؤ بسلوك طفل بعينه، إذ يتأثر السلوك بتفاعل العوامل الجينية مع التنشئة والبيئة الاجتماعية والدعم الذي يتلقاه الفرد.

وقال توماس بورجيرون، المشارك في الدراسة والباحث في معهد «باستور» بفرنسا، إن الجينات تؤدي دوراً مهماً لكنها لا تحدد مصير الإنسان، مشيراً إلى أن توفير البيئة المناسبة والدعم والفرص يساعد الأفراد على التكيف وتطوير قدراتهم.

وتندرج الدراسة ضمن مشروع «المخاطر والمرونة في التنوع النمائي والصحة النفسية (R2D2-MH)»، وهو مبادرة بحثية تمتد خمس سنوات بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية وتهدف إلى تحديد العوامل التي تزيد مخاطر اضطرابات النمو العصبي أو تساعد على التكيف معها بما يشمل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه والإعاقة الذهنية.

ويخطط الفريق لمواصلة أبحاثه من خلال دراسة الاختلافات الجينية بين الذكور والإناث بهدف تعميق فهم تطور السلوك الاجتماعي وعلاقته بالصحة النفسية.


عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
TT

عندما يصل الذكاء الاصطناعي الطبي إلى المحكمة... من يتحمل مسؤولية الخطأ؟

«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته
«جراحة الجيوب الأنفية بالمنظار»... أنظمة التوجيه تساعد الجرَّاح على تحديد موضع أدواته

​في 21 سبتمبر (أيلول) 2026، رفضت محكمة الاستئناف الخامسة في تكساس التماساً من شركة «أكلارينت» (Acclarent)، التي أضافت قدرات الذكاء الاصطناعي إلى نظام «ترو دي» لمساعدة الجرَّاحين في جراحات الأنف والجيوب الأنفية. وتعلَّق الالتماس بالكشف عن أجزاء محجوبة من وثائق دعوى قضائية. ولم يكن القرار إدانة للشركة، ولا إثباتاً لتسبُّب تقنيتها في إصابة مريض؛ بل تناول ضرورة إتاحة الوثائق خلال التقاضي.

وتكمن أهمية هذه القرارات في أن التحقيق في الخطأ الطبي قد يتجاوز تصرف الطبيب إلى: ما الذي عرفته الشركة عن نظامها؟ وكيف اختبرته؟ وما الذي أوضحته لمستخدميه عن قدراته وحدوده؟ فعندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى غرفة العمليات، قد تصبح وثائق تطويره وتقييم سلامته أدلة لفهم ما حدث وتحديد المسؤولية.

«ترو دي» خريطة داخل الجسم

يعمل نظام «ترو دي» (TruDi) كخريطة رقمية داخل الأنف والجيوب الأنفية؛ إذ يستعين بصور الأشعة وتتبع الأدوات، ليُظهر للجرَّاح موضع أداته بالنسبة إلى الأنسجة المحيطة؛ خصوصاً قرب أجزاء حساسة، مثل قاعدة الجمجمة والشرايين المغذية للدماغ، فالجرَّاح يحرك الأداة، والنظام يساعده على توجيهها.

وفي عام 2021، أعلنت «أكلارينت» إضافة قدرات للذكاء الاصطناعي تساعد على التعرُّف على أجزاء تشريحية، واقتراح مسار للأداة بين نقطتين يختارهما الطبيب. ويشبه ذلك تطبيق الخرائط الذي يساعد السائق على تحديد موقعه واختيار الطريق، ولكنه لا يتولى القيادة عنه.

وإذا اختلف الموقع المعروض عن الموقع الفعلي للأداة، فقد يتأثر تقدير الجرَّاح. ولكن تحديد السبب يحتاج إلى تحقيق: هل هو يرتبط بوظائف الذكاء الاصطناعي؟ أم بتتبع الأدوات؟ أم بإعداد النظام واستخدامه؟

إصابات تصل إلى المحاكم

سلَّط تحقيق لوكالة «رويترز»، نُشر في 9 فبراير (شباط) 2026، الضوء على دعوتين تتعلقان باستخدام «ترو دي». ففي مايو (أيار) 2023، خضعت دونا فيرنيهو لجراحة للجيوب الأنفية، وتقول دعواها إن إصابة الشريان السباتي، أحد الشرايين الرئيسية المغذية للدماغ، أدت إلى سكتة دماغية. وفي يونيو (حزيران) 2022، خضعت إيرين رالف لجراحة مشابهة، وادَّعت أن النظام أعطى الجرَّاح معلومات غير دقيقة عن موضع أدواته، ما أدى إلى إصابة الشريان السباتي وسكتة دماغية.

ونفت «أكلارينت» الادعاءات؛ إذ أكدت الشركة المالكة لها: «إنتيغرا لايف ساينسز» (Integra LifeSciences)، عدم وجود دليل يربط الذكاء الاصطناعي بالإصابات المذكورة. ويبقى حسم السبب رهناً بالأدلة: هل أسهم خلل في النظام في الضرر؟ أم طريقة استخدامه؟ أم عوامل أخرى؟ فحدوث الإصابة أثناء استخدام التقنية لا يثبت وحده أنها تسببت فيها.

حين تؤثر الخوارزمية في تغطية العلاج

ولا تقتصر النزاعات على غرفة العمليات. ففي 9 مارس (آذار) 2026، وافقت محكمة فيدرالية في مينيسوتا الأميركية جزئياً على إلزام مجموعة «يونايتد هيلث» (UnitedHealth Group) بتقديم وثائق عن سياسات تغطية الرعاية واستخدام خوارزمية «إن إتش بريديكت» (nH Predict)، في دعوى أقامها ممثلو تركة الراحل جين لوكن وآخرون.

ويقول المدَّعون إن الشركة استخدمت الخوارزمية في قرارات أوقفت تحمُّل تكاليف رعاية مرضى ما زالوا بحاجة إليها، مثل التأهيل والتمريض المتخصص بعد العلاج في المستشفى. وتناولت طلبات الوثائق استخدام الأداة وتدريب الموظفين والرقابة عليها. ولم يحسم القرار صحة الاتهامات؛ بل أتاح الحصول على أدلة لفحصها.

وتكشف القضية أن تأثير الذكاء الاصطناعي قد يمتد إلى قرار شركة التأمين بشأن استمرار دفع تكاليف العلاج. وبالنسبة إلى المريض، قد يعني توقف التغطية صعوبة استكمال الرعاية التي يحتاج إليها.

من يتحمل المسؤولية؟

تدفعنا هذه القضايا إلى سؤال أوسع من: «أي طبيب أخطأ؟». فقبل استخدام النظام، تشارك جهات عدة في تطويره واختباره وتسويقه وشرائه واعتماده داخل المستشفى. وقد ينشأ الخلل في أي مرحلة؛ من تصميم البرنامج إلى تدريب العاملين ومراقبة أدائه.

ومن منظور الحوكمة، ينبغي توضيح واجبات كل طرف؛ إذ على الشركة أن تشرح قدرات النظام وحدوده والمخاطر المعروفة، وعلى المستشفى أن يتحقق من ملاءمته لمرضاه ومن أنه يوفر التدريب والمتابعة، وعلى الطبيب أن يستخدمه ضمن الغرض المخصص له، ويبلِّغ عن الخلل. أما المسؤولية القانونية فتتحدد وفق الأدلة وسبب الضرر والقانون المعمول به.

ولا يكفي القول إن النظام يعمل «تحت إشراف الطبيب». فالإشراف يتطلب فهم حدود الأداة، وامتلاك الوقت والصلاحية لمراجعة توصيتها ورفضها عند الحاجة، والتحقق حين تتعارض معلوماتها مع حالة المريض. فوجود الطبيب في نهاية سلسلة القرار لا يجعله مسؤولاً وحده عن كل خلل سبقها، كما أن استخدام التقنية لا يلغي واجبه في التحقق.

درس للمؤسسات الصحية العربية

تقدم هذه القضايا درساً للمؤسسات الصحية السعودية؛ والعربية عموماً: تبدأ حماية المريض قبل إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العيادة، بالتحقق من أدائه محلياً، وتدريب مستخدميه، وتعيين مسؤول عن سلامته، ووضع إجراءات للإبلاغ عن الأخطاء، وإيقاف استخدامه عند ظهور أخطار تستدعي التحقيق.

ومن الضروري حفظ سجل يوضح نسخة البرنامج المستخدمة، والمعلومات التي قدمها، وكيف تعامل معها الفريق الطبي؛ لفهم مصدر الخلل حتى بعد تحديث البرنامج. وينبغي أن تضمن عقود الشراء تعاون الشركة في التحقيق وإتاحة السجلات اللازمة، مع حماية بيانات المرضى.

ويحتاج المريض إلى جهة واضحة للسؤال والشكوى، فالثقة تنمو بقدرة المؤسسة على اكتشاف الخطأ وتصحيحه وإنصاف المتضرر. وعندما يصل النزاع إلى المحكمة، يجب أن يكون ممكناً تتبع ما حدث؛ فالقرار قد يمر عبر أطراف كثيرة، ولكن المسؤولية يجب ألا تضيع بينها.


كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
TT

كردستان العراق توثق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية المهددة

مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)
مسرور بارزاني خلال افتتاح مشروع التنوع البيولوجي بإقليم كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

شهد إقليم كردستان شمال العراق الأسبوع الماضي تدشين «مشروع التنوع البيولوجي في كردستان» عند سد باستورا، الذي تقول عنه حكومة أربيل إنه خطوةً جوهريةً ضمن جهود الإقليم الرامية إلى توثيق وحماية الحياة النباتية والحيوانية فيه، وخصوصاً المهددة.

الحياة البرية في كردستان العراق (مؤسسة كردستان)

قاعدة بيانات وطنية جديدة

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال هندرين غازي، مدير البرامج في «مؤسسة كردستان»: «يمثل الموقع الإلكتروني (www.biodiversity.krd) الركيزة الأساسية للمشروع؛ إذ يُعدّ قاعدة بيانات وطنية جديدة تضم معلوماتٍ موثقةً علمياً حول الحياة النباتية والحيوانية في إقليم كوردستان»، مضيفاً أن «الباحثين في مؤسسة كردستان جمعوا هذه البيانات من خلال العمل الميداني، وهي الآن متاحة في منصة واحدة للطلاب والعلماء وصنّاع السياسات، ولكل المهتمين بالثروة الطبيعية في كردستان».

تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً رسمياً

وأوضح غازي أنه «بحلول يوم إطلاق المشروع، تم تسجيل وتوثيق 2252 نوعاً رسمياً على الموقع الإلكتروني، منها 1408 أنواع نباتية و844 نوعاً حيوانياً. وبالإضافة إلى ذلك، تم تحديد 19 منطقة رئيسية للتنوع البيولوجي موزعة على محافظات إقليم كردستان الأربع».

واستطرد أن «إقليم كردستان يتميز بتنوع تضاريسه التي تشمل الجبال، والوديان النهرية، والأراضي الرطبة، والسهول؛ إلا أن المعلومات الموثوقة حول الكائنات التي تعيش في هذه المناطق كانت -لفترة طويلة- إما مشتتة أو غير متوفرة على الإطلاق. وقد أُنشئت قاعدة بيانات هذا المشروع لسد هذه الفجوة، وتوفير أساس علمي متين لأعمال الحفاظ على البيئة والتخطيط البيئي».

الحفاظ على الحياة البرية في كردستان

وتجدر الإشارة إلى أن رئيس وزراء إقليم كردستان، مسرور بارزاني، قال خلال كلمته بحفل تدشين المشروع: «يُعدّ هذا المشروع خطوةً بالغة الأهمية نحو الحفاظ على المناخ والحياة البرية في كردستان. وإن أبعاد هذا المشروع تتجاوز الحدود الإدارية لإقليم كردستان العراق»، داعياً إلى «توثيق الأصناف الحيوية في أي بقعة من جغرافيا كردستان التاريخية، بما فيها الدول المجاورة؛ بغية إثراء المخزون العلمي المشترك»، مؤكداً على أن «حماية هذه الثروة الطبيعية وصونها يمثلان مسؤولية تضامنية يتقاسمها كل محب للبيئة»، حسب تعبيره.

تم توثيق آلاف الأصناف الحيوانية والنباتية في المشروع (مؤسسة كردستان)

مبادرات مناخية وبيئية

ووفقاً لهندرين غازي، يُعدّ «مشروع التنوع البيولوجي في كردستان» جزءاً من أعمال مبادرة «Climate.KRD» -التابعة لـ«مؤسسة كردستان»- التي تركز على المبادرات المناخية والبيئية، بالشراكة مع وحدة تغير المناخ بمكتب رئيس حكومة إقليم كرردستان، منوهاً إلى أن مؤسسة كردستان تخطط خلال الأشهر المقبلة، لتوسيع قاعدة البيانات، وتنفيذ برامج توعوية، والتعاون مع الجامعات والشركاء لتوسيع نطاق المشروع.، حسبما قال.

وشدد غازي على أن هذا المشروع مفتوح للزوار من خلال الموقع الإلكتروني الذي استقبل ما يقرب من 9000 زائر خلال الـ24 ساعة الأولى من إطلاقه.

مراحل المشروع

وختم بأن المشروع يعتمد على 3 مراحل، الأولى جمع البيانات المتوفرة ودمجها في الموقع الإلكتروني، وهو ما تم بالفعل، والثانية، استكمال جميع الاكتشافات المتوفرة بما في ذلك موقعها ووصفها وأسماؤها العلمية، وحالتها لدى الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة، والأخيرة افتتاح مركز للتنوع البيولوجي في كردستان وتطوير مركز لإعادة التأهيل وحماية الأنواع بالتنسيق مع الباحثين والأساتذة الأكاديميين.

وكان رئيس وزراء إقليم كردستان أطلق المشروع بحضور عدد من الوزراء وكبار المسؤولين الحكوميين في كردستان، وأرين بارزاني، رئيس «مؤسسة كردستان» المؤسسة المشرف على المشروع، كما شارك في حفل الإطلاق نشطاء في مجال المناخ، وباحثون، وعناصر من شرطة الغابات والبيئة.