خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

تأثيرها يتغير حسب حالة الخلية والبيئة المحيطة بها

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة
TT

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

خريطة غير مسبوقة تكشف كيف تتحكم الجينات في المناعة

كشفت دراسة ضخمة شملت 22 مليون خلية مناعية بشرية، عن كيفية عمل آلاف الجينات داخل الجهاز المناعي وتفاعلها مع الظروف المختلفة، وذلك في خطوة قد تساعد في تحديد الأسباب الجينية لأمراض متعددة وتطوير علاجات أكثر دقة للسرطان وأمراض المناعة الذاتية.

تأثير الجينات يتغير وفق حالة الخلية

أظهرت الدراسة المنشورة بمجلة «Cell» في 28 أغسطس (آب) 2026، أن تأثير الجينات لا يعمل بصورة ثابتة أو منفردة؛ بل يتغير بحسب حالة الخلية والبيئة المحيطة بها مثلما يحدث عندما تكون الخلايا في حالة سكون، أو أثناء استجابتها لعدوى أو إشارات مناعية. وتمكن الباحثون من تحويل هذه التفاعلات المعقدة إلى خريطة وظيفية عالية الدقة تكشف الدوائر التي تربط الجينات بسلوك الخلايا.

وأجرى الدراسة علماء من معاهد غلادستون وجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو وجامعة ستانفورد، بالتعاون مع «بايوهب» (Biohub) التي تعمل على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة مع علوم الأحياء لتسريع الاكتشافات العلمية. واستخدم الفريق تقنية متطورة أتاحت تعطيل نحو 12800 جين بشكل منفصل في الخلايا التائية (المناعية) البشرية، ثم رصد التغيرات التي طرأت على الخلايا نتيجة كل تعديل.

ولا تكتفي هذه الخريطة بتحديد الجينات الموجودة في الخلية، بل تكشف ما يحدث فعلياً عند تغييرها، ما يوفر حلقة مفقودة بين المعلومات الوراثية الموجودة في الحمض النووي (دي إن إيه) وصحة الإنسان والمرض. ويرى الباحثون أن هذه البيانات قد تصبح أساساً لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على التنبؤ بكيفية استجابة الخلايا للتغيرات الجينية، وتسريع اكتشاف أهداف علاجية جديدة، خصوصاً في السرطان وأمراض المناعة الذاتية.

من قراءة الجينات إلى اختبار وظائفها

على مدى العقود الماضية، مر علم الوراثة بمراحل متتالية؛ فقد ساعد مشروع الجينوم البشري العلماء في تحديد المخطط الجيني للإنسان، ثم أسهمت مشاريع مثل أطلس الخلايا البشرية في فهم كيفية استخدام أنواع الخلايا المختلفة لهذا المخطط.

أما الدراسة الجديدة فتضيف مرحلة أخرى تتمثل في التدخل بالجينات واختبار تأثير تغييرها مباشرة على الخلايا. وقال ألكسندر مارسون، الباحث في معهد غلادستون لعلم المناعة الجينومي وقسم الطب بجامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأميركية، وأحد كبار مؤلفي الدراسة: «الآن أصبحت لدى العلماء وسيلة لفهم العلاقة بين التسلسل الجيني والحالة الفعلية للخلية».

وللوصول إلى هذه النتائج، استخدم الباحثون تقنية متقدمة تُعرف باسم «Perturb-seq» أتاحت لهم تعطيل نحو 12800 جين واحداً تلو الآخر في الخلايا التائية البشرية، ثم مراقبة تأثير كل جين على الخلية. وتجمع هذه التقنية بين تعديل الجينات باستخدام كريسبر (CRISPR)، وتحليل نشاط الجينات داخل الخلية، ما يساعد العلماء في فهم وظيفة كل جين والتغيرات التي يحدثها بدقة.

وتعدّ الخلايا التائية من أهم مكونات جهاز المناعة؛ إذ تساعد الجسم في التعرف على مسببات الأمراض والخلايا غير الطبيعية ومهاجمتها.

اختبار الجينات في خلايا بشرية حقيقية

من أهم ما يميز الدراسة أن الباحثين لم يعتمدوا فقط على خطوط الخلايا المزروعة في المختبر؛ بل أجروا التجارب على خلايا مناعية أولية مأخوذة من متبرعين بالدم.

وتحتفظ هذه الخلايا بقدرتها الطبيعية على الاستجابة للإشارات التي تنشط جهاز المناعة، ما يسمح للعلماء برؤية تأثير التغيرات الجينية في بيئة أقرب إلى ما يحدث داخل جسم الإنسان. ويقول الباحثون إن هذا النهج قد يساعد في تفسير سبب اختلاف الاستجابة المناعية بين الأشخاص، ولماذا يكون بعض الأفراد أكثر عرضة للإصابة بأمراض معينة.

الجينات لا تعمل منفردة

كشفت الدراسة أيضاً أن وظيفة الجينات لا يمكن فهمها دائماً بالنظر إلى كل جين بشكل منفصل؛ فالجينات تعمل ضمن شبكات أو «دوائر» مترابطة، ويمكن أن تتغير طريقة عمل هذه الدوائر بحسب الظروف المحيطة بالخلية.

فعلى سبيل المثال، قد يكون للجين تأثير مختلف عندما تكون الخلية في حالة سكون مقارنة بحالتها أثناء مواجهة عدوى، أو استجابة لإشارة مناعية. وشبه الباحثون هذه الشبكات بالدوائر الإلكترونية التي تتحكم في أجهزة الكمبيوتر، حيث تتعاون مكونات متعددة لإنتاج استجابة محددة.

وتوفر هذه المعلومات طريقة جديدة لفهم كيفية انتقال تأثير الاختلافات الجينية الطبيعية إلى صفات مرتبطة بالصحة والمرض، بما في ذلك أعداد الخلايا المناعية وقابلية الإصابة بأمراض مرتبطة بالجهاز المناعي.

«مشروع المليار خلية» - قاعدة بيانات للذكاء الاصطناعي

تعدّ البيانات التي أنتجتها الدراسة أكبر مساهمة حتى الآن في «مشروع المليار خلية» (Billion Cells Project)، وهو مشروع يهدف إلى إنشاء قاعدة بيانات مفتوحة تضم مليار خلية بشرية منفردة، وذلك بهدف تعزيز الفهم القائم على الذكاء الاصطناعي للسلوك الخلوي ووظائف الجينات.

ويأمل الباحثون في استخدام هذه البيانات لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي على التنبؤ بكيفية استجابة الخلايا للتغيرات الجينية والظروف المختلفة.

ويؤكد العلماء أن تدريب الذكاء الاصطناعي على نوع واحد من الخلايا أو حالة واحدة، قد لا يكون كافياً للتنبؤ بما يحدث داخل جسم الإنسان، لأن وظيفة الجينات تعتمد بدرجة كبيرة على السياق البيولوجي. وقد تمكن الفريق من فحص 33.4 مليون خلية، وانتهى التحليل النهائي إلى 22 مليون خلية عالية الجودة شكلت أساس الخريطة الجديدة.

الخطوة التالية: السرطان

بعد بناء هذه الخريطة الواسعة للخلايا التائية، بدأ الباحثون بالفعل في المرحلة التالية من المشروع التي ستركز على السرطان.

ويخطط الفريق لاستخدام التقنية نفسها لدراسة كيفية تغير الخلايا التائية وراثياً ووظيفياً عندما تدخل إلى الأورام وتتفاعل مع البيئة المعقدة المحيطة بها.

ويأمل العلماء في أن تتحول الخريطة الجديدة إلى مرجع يستخدمه الباحثون لمعرفة تأثير أي جين تقريباً على الخلايا المناعية البشرية، بما قد يسرّع اكتشاف أهداف علاجية جديدة، ويدعم تطوير الطب الدقيق والعلاجات المناعية في المستقبل.


مقالات ذات صلة

علوم منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى

«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

تقييم منصة إلكترونية مخصصة لدعم تطوير مهارات الاستشارة

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
تكنولوجيا نماذج صوتية جديدة تفهم اللهجات والمشاعر وطريقة الإلقاء (ElevenLabs)

جيل جديد من «إليفن لابز» يجعل أصوات الذكاء الاصطناعي أكثر طبيعية

يبرز التحسن أيضاً عند استخدام اللغة العربية، واللهجات المحلية، ومنها السعودية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
الاقتصاد أوراق نقدية من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني على أوراق نقدية من فئة 100 دولار أميركي (رويترز)

أسواق السندات العالمية تتأهب لحقبة من الفائدة المرتفعة لفترة أطول

تتجه كبرى أسواق السندات السيادية في العالم نحو أسوأ أداء شهري لها منذ سنوات، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة الذي يؤجج التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ترمب يدلي بتصريحات خلال تبادله الأنخاب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ على هامش مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض (إ.ب.أ)

كبار قادة الذكاء الاصطناعي يجتمعون في البيت الأبيض وسط جدل الرقابة

يجتمع كبار قادة شركات الذكاء الاصطناعي في البيت الأبيض، الثلاثاء، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس مجلس النواب مايك جونسون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
TT

«المرآة الرقمية للطبيب»... هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعلّمنا كيف نصغي إلى المريض؟

منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى
منصة «Clinitalk» تؤكد على حماية بيانات المرضى

كم يستغرق حديث الطبيب من الوقت المخصص للاستشارة؟ وكم يترك للمريض كي يتحدث؟ وهل يعي طبيعة الأسئلة التي يطرحها، أو يلحظ متى ينتقل من الإصغاء إلى المريض إلى اقتراح العلاج؟

قد تبدو هذه التفاصيل جزءاً من المهارات الإنسانية التي يصعب قياسها، لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل إلى هذه المساحة الدقيقة من العلاقة بين الطبيب والمريض، لا ليقرر ما ينبغي للطبيب أن يقوله، وإنما ليجعله أكثر وعياً بكيفية تواصله.

هذا ما اختبرته دراسة بريطانية حديثة حول منصة رقمية تسمى «كلينيتوك» «Clinitalk»، نُشرت في 16 سبتمبر (أيلول) 2026 في مجلة «التعليم للرعاية الأولية» (Education for Primary Care)، وهي مجلة علمية متخصصة في تعليم الرعاية الصحية الأولية.

وحللت الدراسة، التي حملت عنوان «Clinitalk: تقييم منصة إلكترونية لدعم تطوير مهارات الاستشارة الطبية لدى أطباء الممارسة العامة المتدربين في المملكة المتحدة»، أكثر من 13 ألف استشارة مسجّلة، بعد إزالة المعلومات التي تكشف عن هوية المشاركين، أجراها أطباء متدربون في الممارسة العامة في مختلف أنحاء بريطانيا.

المنصة تسجّل الاستشارات وتحلّلها وتقدّم ملاحظات فردية تساعد الأطباء المتدربين على تطوير مهارات التواصل

مرآة رقمية للطبيب

قال البروفسور أنور علي خان، أستاذ التعليم الطبي في الرعاية الأولية بجامعة شرق لندن (University of East London)، والمدير الطبي للاعتماد الدولي في الكلية الملكية البريطانية للممارسين العامين (Royal College of General Practitioners – RCGP)، لـ«الشرق الأوسط» إن التواصل أثناء الاستشارة يجري غالباً بصورة تلقائية؛ فقد لا ينتبه الطبيب إلى مقدار الوقت الذي يستأثر فيه بالحديث، أو طبيعة الأسئلة التي يطرحها، أو سرعة انتقاله إلى مناقشة العلاج، أو ما إذا كان قد أتاح للمريض مساحة كافية للتعبير عما يهمه فعلاً.

وهنا، في رأيه، تكمن القيمة المحتملة للذكاء الاصطناعي: ليس في إخبار الطبيب بما ينبغي أن يقوله، وإنما في إظهار أنماط تواصله بوضوح أمامه.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن متوسط حصة الطبيب من وقت الحديث انخفض، مع استمرار استخدام المنصة، من 66.7 في المائة إلى 48.9 في المائة. وبدأت مناقشة الخطة العلاجية أبكر بنحو 1.1 دقيقة في المتوسط، في حين ارتبط استخدام الأسئلة المفتوحة بصورة أكبر مقارنة بالمغلقة بانخفاض حصة الطبيب من الحديث وتحسّن تقييمات ملاءمة الخطة العلاجية للمريض.

البروفسور أنور خان

«تعكس... ولا تملي»

لكن خان يرسم حداً واضحاً بين المساعدة والتوجيه، ويختصره بعبارة: «المرآة ينبغي أن تعكس، لا أن تملي». فلا توجد، كما يقول، «استشارة مثالية» واحدة تناسب جميع المرضى؛ فالمريض الخائف قد يحتاج إلى أسلوب يختلف عما يناسب شخصاً محدود الثقافة الصحية، في حين قد يفضّل آخر حديثاً مباشراً ومختصراً.

والهدف، بالتالي، ليس تحويل الاستشارة الطبية إلى سيناريو موحّد تصوغه الخوارزمية، وإنما مساعدة الطبيب على التواصل بوعي ومرونة أكبر.

ويشدد خان على أن استخدام هذه الأنظمة يتطلب ضمانات واضحة: أن تُستخدم ملاحظات الذكاء الاصطناعي للتطوير والتعلّم؛ وأن يظل الحكم المهني والإشراف البشري أساساً؛ مع حماية قوية للبيانات وموافقة مناسبة من المرضى والأطباء. ويضاف إلى ذلك اختبار دقتها وعدالتها عبر مختلف اللغات والثقافات والفئات السكانية، والتأكد من أن أداءها لا يخدم فئة من المرضى أو الأطباء على حساب أخرى.

وفي تقييم «Clinitalk»، بلغت نسبة التوافق بين تقييمات ممتحنين كبار من الكلية الملكية للممارسين العامين وتقييمات الذكاء الاصطناعي لسلوك الأطباء أثناء الاستشارات 96.4 في المائة من الحالات التي خضعت للمراجعة.

نتائج مهمة... ولكن بحذر

مع ذلك، يحذّر خان من تحميل النتائج أكثر مما تحتمل علمياً. فالدراسة تقييم وصفي؛ والتغيرات السلوكية المرصودة ارتبطت باستمرار استخدام المنصة، لكن هذا الارتباط لا يثبت أن «Clinitalk» كانت السبب المباشر وراءها.

وهذا تمييز مهم في وقت قد تتحول فيه النتائج الواعدة للذكاء الاصطناعي سريعاً إلى عناوين تتجاوز قوة الدليل العلمي. لذا؛ تتمثل الخطوات التالية الضرورية في إجراء دراسات مضبوطة، وقياس أثر هذه الأدوات في تجربة المرضى ونتائجهم الصحية.

منصة «Clinitalk»

وماذا عن الطبيب العربي؟

هنا يبرز سؤال أقرب إلى واقعنا: هل يمكن استخدام نظام كهذا في الرياض، أو القاهرة أو بغداد أو عمّان أو رام الله؟ يرى خان أن ذلك ممكن، لكنه يحذّر من اختزال الأمر في ترجمة نظام إنجليزي إلى العربية.

فاللغة ليست سوى جانب من الاستشارة الطبية. وسيحتاج النظام إلى فهم اللهجات العربية المختلفة، والتعامل مع الانتقال المتكرر بين العربية والإنجليزية، وأحياناً الفرنسية، في بعض البيئات الصحية العربية.

لكن التحدي الأعمق ثقافي

إن دور الأسرة، والعلاقة الهرمية بين الطبيب والمريض، والفروق المرتبطة بالجنس، وفهم اتخاذ القرار المشترك، وأساليب مناقشة الموضوعات الحساسة، كلها جوانب قد تختلف من مجتمع إلى آخر. ويقول خان، وهو أيضاً عضو في المجلس الاستشاري لكلية طب جديدة يُبحث إنشاؤها في رام الله بالضفة الغربية، إنه لا ينبغي افتراض أن التعريف البريطاني لـ«الاستشارة الجيدة» قابل للنقل كما هو إلى مجتمعات أخرى.

ويرى أن تصميم أي نسخة عربية ينبغي أن يُشارك المرضى والأطباء والمتدربون ومعلّمو الطب المحليون، وأن تُقارن تقييماتها، بصورة مستقلة، بتقييمات أطباء عرب ذوي خبرة، مع اختبار موثوقيتها عبر مختلف اللهجات والبيئات السريرية وفئات المرضى.

من الترجمة إلى التحقق المحلي

وهنا تقدم الدراسة درساً يتجاوز منصة «Clinitalk» نفسها. فالذكاء الاصطناعي الطبي لا يصبح ملائماً لبيئة جديدة لمجرد فهم كلماتها؛ بل يحتاج إلى فهم سياقها، والتحقق من أدائه لدى السكان الذين سيخدمهم، وضمن لغتهم وثقافتهم وبيئتهم السريرية.

ويشير خان إلى أن فريقه يستعد لمشروع في شرق إنجلترا يدرس استخدام الأداة لدى مجموعة أوسع ستتاح لها مجاناً. وقد يساعد ذلك في استكشاف مدى تأثير دوافع المستخدمين في نتائج الدراسة المنشورة، خصوصاً أن المشاركين فيها كانوا متدربين دفعوا مقابل استخدام التطبيق.

ويرى أيضاً أن هذه التقنيات قد تتيح لعدد أكبر من الأطباء ملاحظات عالية الجودة وفرصاً منتظمة لمراجعة استشاراتهم والتأمل فيها بصورة منهجية، بدلاً من اقتصار هذه الفرص على من تتوافر لهم موارد تدريبية أكبر.

لكن التكنولوجيا لن تحدّ من عدم المساواة إذا كانت تحمل بدورها انحيازاً جديداً. ولعل هذا هو المعنى الأهم لـ«المرآة الرقمية»: أن يستعين الطبيب بالذكاء الاصطناعي ليرى نفسه بوضوح أكبر، مع احتفاظه بحكمه المهني. فالخوارزمية قد تقيس كم تحدّث الطبيب وكم أتاح للمريض أن يتحدث، لكن الإنسان يظل من يقرر لماذا يصمت، ومتى يسأل، وكيف يصغي.

وشارك في الدراسة إلى جانب البروفسور أنور علي خان كل من نيكولاس بوكس، ونيكولا تيرنر، وروجر نيبر، وبيتر سالمون، وروبن سيمبسون.


تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر
TT

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

تحليل الدم ورصد الجينات قد يتنبآن بأعراض ألزهايمر

كشفت دراسة جديدة أجراها باحثون في جامعة كولومبيا الأميركية، عن إمكانية استخدام مزيج من تحليل للدم وفحص جيني للتنبؤ بموعد ظهور الأعراض الأولى لمرض ألزهايمر لدى الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به، وذلك قبل ظهور الأعراض بنحو 3 إلى 6 سنوات.

مؤشر حيوي ومتغير جيني

تشير النتائج إلى أن قياس مستويات المؤشر الحيوي (p-tau217) في الدم، إلى جانب الكشف عن المتغير الجيني عالي الخطورة (APOE4)، قد يساعدان الأطباء مستقبلاً في تقدير موعد بدء الأعراض لدى الأشخاص الذين لا يعانون حالياً أي علامات واضحة للتدهور المعرفي، ما قد يتيح تحديد التوقيت الأنسب لبدء العلاجات الوقائية.

ونُشرت الدراسة في 9 سبتمبر (أيلول) 2026 بدورية «The Lancet Neurology»، وحللت بيانات نحو 8500 مشارك من خلفيات عرقية متنوعة. ووجد الباحثون أنه بمجرد ارتفاع مستويات «p-tau217» كان الأشخاص الذين يحملون نسخة واحدة أو أكثر من جين «APOE4»، أكثر عرضة لظهور أعراض ألزهايمر خلال 3 إلى 4 سنوات، في حين كان من يحملون متغيرات أخرى من جين «APOE» أكثر عرضة لظهور الأعراض خلال 5 إلى 6 سنوات.

وقال ريتشارد مايو، رئيس قسم طب الأعصاب في كلية فاجيلوس للأطباء والجراحين بجامعة كولومبيا، وكبير أطباء الأعصاب في مركز نيويورك - بريسبتيريان - جامعة كولومبيا إيرفينغ الطبي بالولايات المتحدة، إن الجمع بين الاختبارين يُحدث فرقاً حقيقياً في القدرة على التنبؤ.

وأضاف أن هذه الطريقة قد تتيح مستقبلاً إجراء توقعات أكثر دقة بشأن موعد ظهور الأعراض لدى الأشخاص المعرضين للخطر، وتحديد الوقت المناسب لوصف الأدوية الوقائية عند توفرها.

لماذا لا يكفي تحليل مؤشر الدم وحده؟

شهدت السنوات الأخيرة تطوراً كبيراً في اختبارات الدم التي تقيس «p-tau217»، وهو مؤشر حيوي يرتبط بالتغيرات المرضية لبروتيني الأميلويد وتاو في الدماغ. وأصبحت هذه الاختبارات تُستخدم بصورة متزايدة لمساعدة أطباء الأعصاب في تأكيد الإصابة بألزهايمر، أو استبعادها لدى كبار السن الذين يعانون فقدان الذاكرة أو التراجع المعرفي.

لكن ارتفاع مستويات «p-tau217» يمكن أن يظهر أيضاً لدى أشخاص لم تبدأ لديهم الأعراض بعد ما أثار احتمال استخدامه للكشف المبكر عن المرض. لذا وجد الباحثون أن الاعتماد على «p-tau217» وحده لا يوفر دقة كافية للتنبؤ بموعد ظهور الأعراض. لذلك بحث الفريق المشارك بالدراسة في إمكانية تحسين التوقعات من خلال الجمع بين المؤشر الحيوي والعامل الوراثي المرتبط بخطر الإصابة.

وركزت الدراسة على «APOE4» الذي يُعدّ أقوى عامل وراثي شائع مرتبط بزيادة خطر الإصابة بألزهايمر، ويحمل نحو شخص واحد من كل 5 أشخاص، نسخة واحدة على الأقل منه.

التدخل العلاجي المبكر

هل يمكن أن تساعد النتائج في توقيت العلاج؟ قد تصبح هذه النتائج أكثر أهمية مع انتقال علاجات ألزهايمر الجديدة نحو التدخل في مراحل مبكرة من المرض. ويجري تطوير واختبار عدد من الأدوية بهدف إبطاء تطور المرض، بما في ذلك دراسات تبحث فيما إذا كان العلاج قبل ظهور الأعراض يمكن أن يؤخر أو يمنع التدهور المعرفي.

ومع ذلك لا يوصي الباحثون في الوقت الحالي بإجراء هذه الاختبارات بصورة روتينية للأشخاص الذين لا يعانون أعراضاً، لأن الخيارات العلاجية المتاحة بناءً على هذه التنبؤات لا تزال محدودة. وقال مايو: «لا أوصي حالياً بأن يخضع الأشخاص الذين لا يعانون أعراضاً لهذه الاختبارات»، مشيراً إلى أن الأشخاص الذين لم تظهر عليهم الأعراض لا يُسمح لهم حالياً بتلقي أدوية الأجسام المضادة وحيدة النسيلة (monoclonal antibody) المعتمدة لعلاج ألزهايمر.

علاجات وقائية جديدة

لكن هذا الوضع قد يتغير سريعاً مع ظهور علاجات وقائية جديدة. وتجري حالياً دراسة لمعرفة ما إذا كانت أدوية الأجسام المضادة قادرة على إبطاء تطور المرض عندما تُعطى لأشخاص لديهم مستويات مرتفعة من «p-tau217»، لكنهم لم يصابوا بعد بأعراض ألزهايمر.

وإذا أثبتت العلاجات المستقبلية قدرتها على تأخير ظهور الأعراض أو الوقاية منها، فقد تساعد نتائج الدراسة الجديدة في تحديد الفترة التي يمكن أن يكون فيها التدخل العلاجي أكثر فاعلية.

وبالنسبة للأشخاص الذين يحملون «APOE4»، تشير الدراسة إلى أن ارتفاع مستويات «p-tau217» قد يمثل نافذة زمنية تبلغ نحو 3 سنوات قبل ظهور الأعراض، بينما قد تمتد هذه الفترة إلى نحو 5 أو 6 سنوات لدى الأشخاص الذين لا يحملون هذا المتغير الجيني.

ويؤكد الباحثون أن هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد مدى دقة هذا النهج عند استخدامه في الممارسة الطبية، وما إذا كان الاعتماد على هذه التنبؤات لتوجيه العلاج يمكن أن يؤدي بالفعل إلى تأخير ظهور أعراض مرض ألزهايمر.


الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء
TT

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

الذكاء الاصطناعي يسكتشف سر «الأيدي السحرية» للعلماء

في ظهيرة أحد الأيام الماضية، كان عدد من العلماء يتحرك بنشاط ودأب داخل مختبر في مدينة كمبردج بولاية ماساتشوستس، حيث عكفوا على إجراء سلسلة من التجارب. وكانت تجهيزات المختبر اعتيادية: خزانة تهوية مخصصة للتعامل مع المواد الكيميائية الخطرة، وحاضنة لزراعة الخلايا. كما بدت إجراءات العمل مطابقة لما يجري في مختبرات علم الأحياء في كل مكان.

ذكاء اصطناعي للمراقبة

إلا أنه مع إمعان النظر، ظهرت بعض الأمور الغريبة؛ إذ كان معظم العلماء يضعون كاميرات صغيرة مثبتة على عصابات للرأس إلى جانب المعاطف والقفازات الواقية التي يرتدونها. وتولت ثلاث كاميرات إضافية مراقبة كل محطة عمل من أعلى، حيث كانت مثبتة على رف قريب.

أما الغريب واللافت فكان غياب دفاتر التسجيلات المختبرية. وبدلاً منها، كان العلماء يصفون عملهم بصوت خافت، وهم يتمتمون في ميكروفونات. وفي أحد أطراف المختبر، تجمع فريق لمراجعة تسجيلات مصورة للتجارب.

في واقع الأمر، كان هذا هو بحث حقيقي يجري داخل المختبر، فمن خلال منظومة من أجهزة الاستشعار والبرمجيات، صُممت لتسجيل ما يحدث في أثناء إجراء التجارب، بدقة تصل إلى مستوى الملّي ثانية، كان العلماء يدربون نماذج للذكاء الاصطناعي على التعرف إلى كل أداة يستخدمها العلماء، وكل حركة أو إجراء يتخذونه.

والمثير هنا أن الذكاء الاصطناعي ألًف سرداً خاصاً به، وصف من خلاله كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور بجمل مثل: «يعيد المشغّل تعليق الراسب، بتحريكه إلى أعلى وأسفل 10 مرات باستخدام الماصّة».

تعود هذه التكنولوجيا إلى شركة ناشئة تُدعى «ترانسفير»، أسست حديثاً، بعدما جمعت تمويلاً أولياً بقيمة 25 مليون دولار. وهي تسعى إلى معالجة تحدٍّ قديم قِدم البحث العلمي نفسه: رصد العوامل الخفية التي تجعل بعض التجارب تنجح، بينما تفشل أخرى.

إن الفشل قد يتخذ صوراً كثيرة. وعلى سبيل المثال، قد يقضي الباحثون شهوراً في إعداد سلالة من الخلايا المعدلة هندسياً، لتموت الخلايا فجأة على نحو غامض. وقد ينجح اختبار حكومي مثلاً للكشف عن فيروس «كورونا» في مختبر ما، ثم يفشل في اكتشاف الفيروس، عندما يستخدمه باحثون في مختبرات أخرى.

ويمكن أن تنجح شركة متخصصة في التكنولوجيا الحيوية في ابتكار دواء جديد واعد، لكن ما إن تسلّم بروتوكول إنتاجه إلى فريق يتولى تصنيعه على نطاق واسع، تختفي فاعلية الدواء فجأة.

في هذا الصدد، قالت آنا ماري فاغنر، المؤسسة المشاركة في شركة «ترانسفير»: «إنها مشكلة مؤلمة للغاية. يبدأ تبادل الاتهامات من هذا الطرف إلى ذاك: هل كان البروتوكول الذي اتبعته خاطئاً؟ أم أنك ارتكبت خطأ ما؟ هذه أخطاء باهظة التكلفة للغاية، من حيث الوقت والمال وحياة البشر».

أيدي العلماء «السحرية»

العجيب أن النجاح لا يقل غموضاً أحياناً عن الفشل، فهناك باحثون يحالفهم النجاح باستمرار في تجاربهم، فيثيرون إعجاب زملائهم وحيرتهم في آن واحد. بل إن العلماء لديهم مصطلح خاص لوصف هذه الموهبة: «الأيدي السحرية». وقد تبدو هذه الفكرة مثيرة للدهشة لمن لا يقضون حياتهم داخل المختبرات؛ فالعلم، في نهاية المطاف، لا يُفترض أن يكون ضرباً من ضروب السحر.

بوجه عام، عندما يجري العلماء تجاربهم، فإنهم يحرصون على تسجيل نتائجها بدقة، سواء في دفاتر المختبر أو لاحقاً في أوراق بحثية منشورة. ويستعين باحثون آخرون بهذه المعلومات لمحاولة تكرار التجربة.

ومع ذلك، فإنه بمرور الوقت كل عالم يكتشف، عاجلاً أم آجلاً، أن المعرفة الأساسية التي يحتاج إليها ليست بالضرورة مدونة في أي مكان. وفي هذا السياق، شرح جوناثان ليفني، كبير الباحثين لدى «معهد برود»، الذي تعاون مع شركة «ترانسفير»: «البروتوكول أشبه بالوصفة. يمكنك أن تعطي شخصاً وصفة، لكن هذا لا يعني أنها ستجعله طاهياً ماهراً».

ومثلما الحال مع الطهاة المتدربين، يقضي العلماء سنوات في التعلم والتدريب، ويلازمون الخبراء، ويطرحون الأسئلة، ويجربون بأنفسهم مختلف الإجراءات والأساليب.

ولكي تنجح تجربة ما، قد يضطر العالم إلى اتخاذ آلاف القرارات الصغيرة على مدار اليوم. مثلاً، إذا كان أحد الأنابيب يحتاج إلى الرجّ، فهل يُترك ليدور على منصة اهتزاز، أم يكفي تحريكه ذهاباً وإياباً باليد؟

وأضاف ليفني: «أحياناً لا يعرف الأشخاص البارعون حقاً سر براعتهم؛ فهم لا يتذكرون المرات العشرين، التي جربوا فيها طرقاً أخرى وفشلت».

في ستينات القرن الماضي، أطلق الكيميائي والفيلسوف المجري مايكل بولاني، اسماً على هذه الخبرة الغامضة: «المعرفة الضمنية». وكان يردد دوماً: «نحن نعرف أكثر مما نستطيع أن نقول». وفيما بينهم، بات العلماء يتفقون عموماً مع بولاني على أن المعرفة الضمنية، تشكل جزءاً أساسياً من البحث العلمي، لكنها قد تعرقل تقدمه كذلك.

رصد تقدم البحوث

نظرياً، يتقدم العلم حين يبني الباحثون على ما توصل إليه من سبقوهم. وعندما تصدر دراسة جديدة، يحاول علماء آخرون تكرار العمل الذي أُجري فيها، فإذا كانت النتيجة الأصلية صحيحة، فمن المفترض أن تؤدي محاولة تكرارها إلى النتائج نفسها.

بيد أن المثير للدهشة أن ذلك لا يحدث، في الغالب. وهنا، تمثل المعرفة الضمنية جزءاً من المشكلة. وعليه، يبقى العلماء عاجزون عن معرفة الطريقة الدقيقة لتكرار دراسة ما بمجرد قراءة ما كُتب عنها.

خلال عملها بأبحاث ما بعد الدكتوراه، أدركت رينيه ويغرزين، إحدى مؤسسات شركة «ترانسفير»، هذه الفجوة بوضوح. فقد كانت تدون تفاصيل تجاربها على البروتينات في دفتر المختبر، لكن ما سجّلته لم يكن سوى جزء بسيط من جهودها.

وعندما نشرت ويغرزين نتائجها اضطرت إلى اختزال سجلاتها بدرجة أكبر. وقالت: «أمضيت ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد الدكتوراه، ثم جرى اختزال كل ذلك في ورقة بحثية من ثلاث صفحات».

وبطبيعة الحال، غابت عن تلك الملاحظات والتقارير، جميع القرارات الصغيرة التي اتخذتها ويغرزين، في أثناء إجراء أبحاثها.

وقال برايان نوسِك، الخبير في دلائل تكرار الدراسات بجامعة فرجينيا، والذي لا تربطه صلة بشركة «ترانسفير»: «قد تكون كل هذه التفاصيل مهمة، لكننا ببساطة لا نعرف على وجه اليقين ما إن كانت مهمة بالفعل».

وعندما تفشل دراسة مكررة في الوصول إلى النتائج الأصلية، فإن هذا قد يعني أن الدراسة الأولى كانت خاطئة. وربما كانت صحيحة بالفعل، لكن العلماء الذين حاولوا تكرارها ارتكبوا خطأً ما، من دون أن يدركوا ذلك. وقد يكون من الصعب على فرق العلماء أن تتفق على ما حدث بالضبط.

عام 1993، أفادت عالمة النفس فرانسيس راوشَر وزملاؤها بأن الأشخاص الذين يستمعون إلى موسيقى من تأليف فولفغانغ أماديوس موتسارت، يحققون تحسناً مؤقتاً في اختبارات الاستدلال. وأدى الجدل الذي أُثير حول ما عُرف باسم «تأثير موتسارت»، إلى دفع باحثين آخرين لإجراء تجاربهم الخاصة.

المثير أن كثيرين منهم لم يجدوا أي فائدة تُذكر. أما راوشَر، فقد قللت من أهمية هذه الإخفاقات، وقالت إن العلماء الآخرين لم يجربوا «تأثير موتسارت»، لأنهم لم يكونوا بارعين بما يكفي في إجراء التجارب؛ أي إنهم لم يكونوا «طهاة» علميين جيدين.

ولسنوات طويلة، استمر البحث عن «تأثير «موتسارت». وفي نهاية المطاف، لم يجد علماء آخرون سوى أدلة ضئيلة على وجوده.

ودفع هذا الوضع بعض العلماء نحو البحث عن وسائل جديدة لنقل المعرفة الضمنية. على سبيل المثال، عام 2006، أسس عالم الأحياء موشي بريتسكر دورية علمية حملت اسم «JoVE» تُنشر فيها مقاطع مصورة لعلماء، وهم يجرون تجارب معقدة.

وعام 2014، أنشأ عالم الأحياء ليني تيتلمان منصة تتيح للعلماء مشاركة بروتوكولاتهم ومناقشتها. ويستخدم الباحثون الموقع، ويحمل اسم «بروتوكولز دوت آي أو Protocols.io »، للمساعدة في تدريب الأعضاء الجدد في مختبراتهم، خاصة بعد رحيل العلماء ذوي الخبرة، الذين لطالما امتلكوا تلك «الأيدي السحرية».

أما ويغرزِن وفاغنر فتعملان من خلال «ترانسفير» على بناء نظام قادر على جمع كميات هائلة من البيانات عما يحدث داخل المختبر، في صورة تسجيلات مصورة وتسجيلات صوتية وبيانات صادرة عن أجهزة الاستشعار في معدات المختبر. بل وتتبع «ترانسفير» مصدر مستلزمات العمل، وصولاً إلى أرقام تشغيلات علب القفازات. والسؤال: لماذا كل هذا؟ عن ذلك، أجابت فاغنر: «ربما كان هناك أبخرة أو مواد متصاعدة من القفاز تؤثر في تجربتك».

من جهته، يرى نوسِك أن هذا النهج الجديد قد يكشف بعض الأسرار التي تفسر سبب نجاح التجارب أو فشلها. وقال: «أكثر ما يعجبني في عملهم أنهم ينطلقون بكل قوة في محاولة تفكيك كل تفصيلة. من المنطقي تماماً أن نذهب إلى أبعد مدى، ثم نكتشف ما الذي يهم بالفعل».

وتُدخل الشركة سجلها الرقمي للتجارب إلى أجهزة حاسوبية جرى تدريبها على التعرف إلى المعدات المستخدمة في تجارب الكيمياء الحيوية. وتتولى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتبع المعدات، إلى جانب أيدي العلماء، وفك شفرة كل إجراء يقومون به.

وقد كشف هذا التحليل عن أن العاملين في المختبرات يجرون التجربة نفسها بطرق مختلفة للغاية. وعن هذا، قالت فاغنر: «إن حجم التباين الذي نراه حتى بين العلماء المدربين جيداً، مذهل حقاً».

جدير بالذكر هنا أن شركة «ترانسفير» تعاقدت مع شركة متخصصة في الاختبارات التشخيصية، إلى جانب عملاء آخرين يرغبون في استخدام برمجياتها لتتبع أبحاثهم. وقالت فاغنر إنه ربما في نهاية المطاف يقتصر دور النظام على كشف الأخطاء، بل ويمتد كذلك إلى توثيق الاكتشافات غير المتوقعة.

وبدلاً من تقليب دفاتر المختبر بحثاً عن خيوط تقود إلى تفسير ما حدث، يستطيع النظام العودة إلى كل ثانية من العمل، مع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للبحث عن أمور غير مألوفة قام بها العاملون من دون أن يدركوا ذلك.

وقال نوسِك إن على «ترانسفير» تقديم نتائج مفصلة لإثبات أن هذا النظام يجعل العلم أفضل بالفعل. واقترح قائلاً: «خذ 50 مختبراً، وتتبع التجارب في نصفها باستخدام هذه التكنولوجيا، ولا تتتبعها في النصف الآخر، ثم ابحث عن الفروق في مستوى التقدم».

• خدمة «نيويورك تايمز»

نظم ذكية تؤلف سرداً خاصاً بها وتصف كل بضع ثوانٍ من التسجيل المصور ما ينفذه الباحثون في تجاربهم