مبعوثا ترمب يزوران كييف بعد موسكو لإحياء مسار السلام

واشنطن تتحدث عن «خطط جوهرية» لإنهاء الحرب سيُعلن عنها قريباً

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لدى اجتماعه مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في كييف يوم الأحد (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لدى اجتماعه مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في كييف يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

مبعوثا ترمب يزوران كييف بعد موسكو لإحياء مسار السلام

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لدى اجتماعه مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في كييف يوم الأحد (أ.ف.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لدى اجتماعه مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في كييف يوم الأحد (أ.ف.ب)

بدأ المبعوثان الأميركيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، الأحد، محادثات في كييف التي وصلاها حاملين -حسب الرئيس دونالد ترمب- اقتراحاً لوضع حد للحرب مع روسيا المستمرة منذ أكثر من 4 سنوات، غداة لقائهما الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمبعوثان الأميركيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف يسيرون قبل بدء المحادثات في كييف الأحد (أ.ب)

وهذه أول زيارة يقوم بها ويتكوف (رجل الأعمال المقرب من ترمب) وجاريد كوشنر (صهر الرئيس الأميركي) لأوكرانيا، منذ بدء وساطتهما في هذا النزاع. ووصل المبعوثان الأميركيان في قطار إلى محطة كييف المركزية، بعدما حطَّت طائرتهما فجر الأحد في مدينة جيشوف البولندية القريبة من الحدود الأوكرانية، حسب موقع «فلايت رادار 24» لتتبع حركة الطيران، ثم باشرا محادثات مع الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الذي أعلن ذلك عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث نشر مقطع فيديو يظهر فيه وهو يصافح المبعوثَين، ثم يزور معهما كاتدرائية القديسة صوفيا في كييف.

وقال الرئيس الأوكراني أمام صحافيين قبيل وصول المبعوثين الأميركيين، إن جولة محادثات في إطار هذه الزيارة سيشارك فيها «مستشارون أوروبيون في الأمن القومي».

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر يزورون كاتدرائية القديسة صوفيا في كييف يوم الأحد (رويترز)

وكان زيلينسكي قد كتب في الساعات الأخيرة على شبكات التواصل الاجتماعي: «لطالما أظهرت أوكرانيا موقفاً بنَّاء وستستمر في ذلك. نتمنى الإسراع في وقف الحرب. السلام ضروري. ومن الضروري تقديم ضمانات أمنية». وأضاف: «اقتراحاتنا جاهزة. من المهم العمل بصورة منسقة ومعمقة وواقعية».

وباشر ترمب منذ عودته إلى البيت الأبيض في مطلع 2025 جولات من المحادثات بحثاً عن تسوية تنهي النزاع الأعنف في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ولكن هذه المحاولات لم تحقق إلى الآن أي تقدم ملموس، ولا سيما مع تحول تركيز واشنطن إلى الحرب مع إيران. وتتعثر المفاوضات بشكل أساسي عند مسألة الأراضي؛ إذ تطالب موسكو بانسحاب القوات الأوكرانية بالكامل من منطقة دونيتسك (شرق) والتنازل عنها، وهو ما ترفضه كييف.

وقالت يوليا (41 عاماً) الآتية من المناطق الأوكرانية المحتلة، وهي عاملة تنظيف في كييف: «نأمل أن تؤدي هذه المفاوضات إلى تسوية ما. بصفتي أوكرانية، أود أن يتم ذلك مع الحفاظ على أراضينا». ولكنها أكدت أنها لا تعلِّق أي أمل على الكرملين بسبب سياسته «الإمبريالية» تجاه أوكرانيا، معتبرة أن المساعي «لا تبعث أي أمل في الوقت الحاضر، سبق أن جرت مفاوضات كثيرة من قبل»، حسبما نقلت عنها «وكالة الصحافة الفرنسية».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى اجتماعه مع المبعوثَين الأميركيَّين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في الكرملين يوم السبت (رويترز)

«عدد من الأفكار»

وأجرى بوتين مساء السبت محادثات استمرت 3 ساعات مع ويتكوف وكوشنر، وصفها مستشار الكرملين يوري أوشاكوف بأنها «بنَّاءة وصريحة للغاية وتتسم بالثقة». وقال أوشاكوف للصحافيين، إن المبعوثَين الأميركيَّين «عرضا عدداً من الأفكار حول السبل المحتملة للتوصل إلى تسوية». وأكد أن الطرف الروسي «أبدى ثقته في تحقيق الأهداف المحددة»، من غير أن يكشف عنها. وفي المقابل، قال متحدث باسم البيت الأبيض، إن المبعوثَين ناقشا مع بوتين «خططاً جوهرية تتعلق بالخطوات المقبلة التي سيتم الإعلان عنها في الأسابيع اللاحقة»، وفق ما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ترمب إن المفاوضَين سيسعيان إلى درس إمكان إحراز تقدم نحو السلام، من غير أن يكشف ما إذا كانت الخطة تتضمن تنازل كييف عن مناطق لروسيا، مثلما لمَّح إليه سابقاً، مكتفياً بالقول: «لدينا فكرة من أجل السلام».

لافروف: برلين تريد الحرب مجدداً

وتأتي جولة المبعوثَين الأميركيَّين وسط توتر العلاقات بين روسيا وألمانيا، على خلفية اتهامات برلين لموسكو بالمسؤولية عن هجوم بطائرة مُسيَّرة استهدف مطار لايبزيغ الشهر الماضي. ورفض وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اتهامات برلين لموسكو بالمسؤولية عن الهجوم بطائرة، قائلاً إن ألمانيا «تريد الحرب مجدداً». وأضاف لافروف خلال مقابلة نَشرت مقتطفات منها، الأحد، محطة روسية: «لقد طردوا أعضاء القنصلية العامة من بون. إنهم يغلقون البيت الروسي (المركز الثقافي) في برلين. أذكر أن هذه الأمور حدثت قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية». وتابع قائلاً: «إنهم يريدون الحرب مجدداً»، معتبراً أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس «يتجه نحو إعلان حرب ضدنا. لم تُستخلص دروس التاريخ»، مذكراً بالتاريخ النازي لألمانيا. وقال الوزير الروسي أيضاً: «هذه ظاهرة خطيرة»؛ مشيراً إلى أن «الحكومة الروسية ستتوصل إلى الاستنتاجات المناسبة» من ذلك.

وتبادلت موسكو وبرلين إغلاق مراكز ثقافية بعد الاتهامات الألمانية لروسيا، بينما استدعت دول الاتحاد الأوروبي المبعوثين الروس لديها.

تعليق الضربات

وبمناسبة زيارة ويتكوف وكوشنر إلى موسكو، أمر بوتين بوقف الضربات على كييف ثلاثة أيام، من السبت إلى الاثنين، بينما أعلن زيلينسكي من جانبه وقف الهجمات على موسكو خلال الفترة ذاتها.

رجال الإطفاء يعملون على إخماد حريق في موقع غارة جوية روسية بمنطقة كييف يوم السبت (رويترز)

في هذه الأثناء، تستمر الضربات في مواقع أخرى من أوكرانيا وروسيا. وهاجمت موسكو أوكرانيا ليل السبت- الأحد بـ108 مُسيَّرات وبصواريخ، أكد سلاح الجو الأوكراني أنه اعترض معظمها، بينما أصيب 11 موقعاً بالقصف. وفي المقابل، أعلن الجيش الروسي إسقاط 258 مُسيَّرة أوكرانية أُطلقت على روسيا الليل الماضي. واندلع حريق في منشأة بمدينة ريازان، وفق ما أعلن حاكم المنطقة، بينما أكدت وسيلة الإعلام «أسترال» أنها مصفاة. وأصيب 3 مدنيين على الأقل في أوكرانيا في ضربات وقعت خلال الليل وصباح الأحد، حسب السلطات المحلية، بينما قُتل رجل وأصيبت امرأة في هجوم بمُسيَّرة أوكرانية أصاب سيارتهما في منطقة بيلغورود الروسية، وفق السلطات المحلية.



رئيس بلدية موسكو: 630 مسيرة أطلقت باتجاه منطقة العاصمة ليلاً

أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
TT

رئيس بلدية موسكو: 630 مسيرة أطلقت باتجاه منطقة العاصمة ليلاً

أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)
أرشيفية لمبنى تضرر إثر هجوم بمسيرات أوكرانية في منطقة ساراتوف الروسية (إ.ب.أ)

قال رئيس بلدية موسكو، اليوم (الخميس)، إن 630 طائرة مسيرة أُطلقت باتجاه منطقة العاصمة الروسية ليلا، ما أسفر عن إصابة شخصين.

وكتب سيرغي سوبيانين على وسائل التواصل الاجتماعي «بين الساعة 8,30 مساء يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) والساعة الرابعة من فجر يوم 22 أكتوبر، كانت هناك 630 طائرة مسيرة تتجه نحو منطقة موسكو، لكن منظومات الدفاع الجوي دمرت معظمها»، مضيفا أن شخصين أُصيبا.


محادثات روسية ــ أميركية لإنقاذ عملية السلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
TT

محادثات روسية ــ أميركية لإنقاذ عملية السلام

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

بينما التقى ⁠الروسي ⁠فلاديمير بوتين مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، في موسكو، أمس (الأربعاء)، لإنقاذ جهود السلام الأوكراني، أفاد مسؤول ‌أميركي بأن موسكو ​وافقت ‌على ⁠اقتراح من واشطن بعقد ⁠اجتماع ثلاثي على ⁠المستوى الفني ‌مع كييف.

ومع أن الطرفين، الروسي والأميركي، لم يُفصحا عن تفاصيل الأفكار التي طُرحت خلف أبواب مغلقة، فإن ما تسرب من معطيات حمل إشارات إلى تطور مهم في إطار الحديث عن «وثائق محددة» تم تسليمها للكرملين لدراستها، تحدد أطراً للتسوية تمت مناقشتها في اليومين الماضيين مع الجانبين الأوروبي والأوكراني في أوسلو.

وقال ويتكوف: «أحضرنا بعض الوثائق، وهي في الواقع بعض الأفكار بشأن العناصر المختلفة لنوع من اتفاق سلام بين روسيا وأوكرانيا، ويمكنكم قراءتها حين يناسبكم ذلك».

وقال يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، للصحافيين، إن المبعوث الأميركي أطلع الرئيس بوتين على مضمون المحادثات التي أجراها في أوسلو، الثلاثاء، مع مسؤولين أوكرانيين وأوروبيين. وأضاف: «تحدّث عن بعض الجوانب الجديدة في مقاربة الأوروبيين وكييف، لكنها في الواقع تفتقر إلى المضمون».

في غضون ذلك، دعا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أمس، إلى تجميد خطوط القتال في الحرب مع روسيا، معتبراً ذلك خطوة أولى نحو محادثات وقف إطلاق النار.


السلطات الفرنسية في مواجهة اختبار جديد يوم السبت المقبل

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية في مواجهة اختبار جديد يوم السبت المقبل

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)
رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو (يمين) وإلى جانبه وزير الداخلية لوران نونيز خلال حضورهما جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

ثمة قاعدة يعمل بوحيها الرؤساء الفرنسيون وتقوم على الامتناع عن تناول الشؤون الفرنسية الداخلية في المؤتمرات الصحافية التي يعقدونها خارج أراضي بلادهم. وسبق للرئيس إيمانويل ماكرون أن احترمها في أكثر من مناسبة. غير أنه تجاوز هذا العرف خلال مؤتمر صحافي بالدوحة، في ختام زيارة دولة قام بها إلى قطر، إذ تحدّث طويلاً عن الاضطرابات وأعمال العنف والنهب التي عانت منها المدن الرئيسية في فرنسا يوم السبت الماضي، والتي تكرّر بعضها كما في باريس في اليوم التالي.

ولأن الصورة التي عكستها فرنسا للعالم عن وضعها كانت كارثية، ولأن ماكرون أراد أن يوجه رسالة إلى الداخل والخارج مفادها أن الوضع لن يخرج مجدداً عن السيطرة، وأن يداً من حديد ستضرب الخارجين عن القانون، فقد أجاب عن الأسئلة كافة التي طُرحت عليه وأكّد أنه سلم الحكومة، قبل بدء رحلته إلى الخليج، «خريطة طريق» وهي تعمل على تنفيذها.

الرد على انتقادات الخارج

بيد أن الرئيس الفرنسي لم يكتفِ بذلك، إذ إنه حرص على الرد بقوة على التعليقات الخارجية التي استهدفت بلاده. ووجّه كلامه، من دون تسميتهم، إلى الرئيسين الأميركي والروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، كما هاجم الذين يستغلون الأحداث لبث أخبار كاذبة وإشاعات ومقاطع فيديو يستولدها الذكاء الاصطناعي. واتهم ماكرون هؤلاء بأنهم يطلقون «تعليقات لا يمكن قبولها، كما أنها غبية»، مضيفاً: «ثمة أشخاص يشنّون حملاتهم على حساب فرنسا، وقادة يعيشون أجواء الحملات الانتخابية في المنطقة أو على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ويرددون أحياناً، بدافع من السذاجة، ما يركّبه الذكاء الاصطناعي، أو ينقلون ما تسعى بعض الجهات، بطبيعة الحال، إلى إيهام الناس به».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مترئساً اجتماعاً في قصر الإليزيه يوم 18 أكتوبر (أ.ف.ب)

وعاد الهدوء إلى شوارع وساحات المدن الفرنسية منذ الاثنين، بعد أن لجأت السلطات إلى فرض منع التجول في الأحياء «الحساسة». كما تعمل المنظومة القضائية، على كامل الأراضي الفرنسية، بكامل قدراتها لمعاقبة المتورطين في أعمال الشغب والنهب واستهداف الأعيان العامة والممتلكات الخاصة، مستجيبةً لدعوة جيرالد دارمانان، وزير العدل، للضرب بيد من حديد على المخرّبين.

غير أن هذا الهدوء لا يعني أن الأمور عادت إلى مجاريها، فالنار ما زالت تحت الرماد. ودعت حركة «السترات الصفراء» إلى «الفصل الثاني» من الحراك من خلال مسيرة كبيرة يوم السبت المقبل والذي يليه في باريس، للتعبير عن احتجاجها على أسعار المشتقات النفطية بالغة الارتفاع، وغلاء المعيشة، وانهيار القدرة الشرائية للطبقات الأكثر هشاشة.

وانضمّت إليها، حتى الآن، مجموعات طلابية مستعيدةً الشعارات التي رُفعت منذ أن بدأ حراكها قبل ما يزيد على الشهر، وعلى رأسها المطالبة بمزيد من الاستثمارات في قطاع التعليم الثانوي، وتوفير الأساتذة البدلاء عن الأساتذة المتغيبين، وإصلاح الحالة المادية للمدراس، فضلاً عن إلغاء آلية توجيه الطلاب إلى الاختصاصات المتوافرة في المرحلة الجامعية.

كذلك، أطلقت صوفي بينيه، الأمينة العامة لنقابة «كونفيدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، دعوة لإضرابات مفتوحة بدءاً من الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني). وقالت بينيه، عقب اجتماع للنقابات مع سيباستيان لو كورنو، رئيس الحكومة، إن الأخير لم «يطرح أي مبادرة ملموسة» استجابةً لمطالب العمال والطلاب، وبالتالي يتعين التوجه نحو «مسار» جديد؛ أي الإضراب المفتوح.

السلطات تسعى لتلافي التقصير

بناءً على ما سبق، يُعدّ يوم السبت المقبل «اختباراً» جديداً لقدرة الحكومة على السيطرة على الوضع الأمني الذي تفلَّت من بين يديها طيلة يومي السبت والأحد الماضيين.

جانب من المواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن الفرنسية في باريس يوم 18 أكتوبر (رويترز)

ونبّه ماكرون الأربعاء، من الدوحة، إلى أن «من يسعون لإثارة الفوضى في الاحتجاجات المقبلة لن يتمكنوا من فعل ذلك»، مُضيفاً أنه «ينبغي ألا يكون هناك أي تردد على أعلى مستوى في الدولة» في فرض الأمن بالوسائل الضرورية. وينُمّ كلامه عن ثقته بفاعلية التدابير الأمنية الجديدة. ولا شكّ أن الرئيس الفرنسي الذي سيغادر قصر الإليزيه بعد أقل من مائتي يوم لا يرغب في أن يؤحذ عليه أنه ترك منصبه فيما الفوضى تعم البلاد.

وفي الأيام الأخيرة، تكاثرت الانتقادات الموجهة إلى كيفية تعاطيه مع المطالب؛ أكانت تلك الصادرة عن طلاب التعليم الثانوي أو الجامعي أو من نقابات الموظفين والعمال في القطاعين العام والخاص. وفيما تجهد الحكومة في تمرير ميزانية تقشفية للعام 2027، وتصل ديون الدولة إلى مستويات غير مسبوقة (3600 مليار يورو) ونسبة فوائد مرتفعة للغاية (أكثر من 5 في المائة)، فإن التجاوب مع المطالب المرفوعة يحتاج إلى مليارات غير متوافرة. كما يؤخذ على ماكرون أنه لم يكشف عن أي تدبير ملموس حول كيفية الاستجابة للمطالب وسط أزمة الغلاء المستشري في السلع والخدمات.

لم يعرف حتى اليوم ما إذا كانت مديرية الشرطة ستتجاوب مع حركة «السترات الصفراء» للتظاهر السبت، بين ساحة «لا ريبوبليك» و«ساحة الأوبرا»، أي في قلب العاصمة، علماً بأن أعمال الشغب انطلقت تحديداً من ساحة «لا ريبوبليك».

رئيس الحكومة سيباستيان لو كورنو خلال جلسة استماع في البرلمان يوم 21 أكتوبر (أ.ف.ب)

والأربعاء، أصدرت مديرية الشرطة في باريس قراراً بمنع التجول وأي تجمع غير مصرح به من الحادية عشرة ليلاً حتى السادسة صباحاً في المناطق الحساسة؛ التي تشمل مقرات رئاسة الجمهورية والحكومة والبرلمان ومجلس الشيوخ وجادَّة الشانزليزيه والساحة المركزية المسماة «لي هال»، ومحطات القطارات والساحات الساخنة التي شهدت أعمال العنف.

ويُرجّح مواصلة العمل بهذا المنع طيلة أيام الأسبوع ونهايته. وثمة إجراءات مشابهة في مدن أخرى مثل ليون ومارسيليا وبوردو. واستباقاً لمظاهرات السبت، قررت وزارة الداخلية تشديد انتشارها الأمني لتجنب اتهامها بـ«التقصير». وبإمكانها الاستعانة بطوافات الدرك، والمسيَّرات، وبفرق الجيش التي تم اللجوء إليها بعد العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا في عام 2015 وما تلاه.

ولا جدل في أن لوران نونيز، وزير الداخلية الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية يوم الأحد الماضي بسبب ما عُدَّ «تقصيراً» منه في فرض الأمن والسيطرة على الأوضاع، لن يدخر جهداً لتجنّب تكرار «الفشل الأمني» الذي يُعدّ إحدى النقاط النادرة من توافق التشخيص بين اليمين واليسار، لا بل أيضاً مع رئاسة الجمهورية والحكومة.

انهيار في الداخل والخارج

في افتتاحيتها المعنونة «صورة ماكرون تنهار في الخارج»، كتبت صحيفة «لوموند» أن التعبئة الشعبية وأعمال الشغب التي واكبتها «ضربت صورة ماكرون، ووفَّرت مادةً لأعداء فرنسا».

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

وأضافت الصحيفة أن محصلة السنوات العشر التي قضاها ماكرون في رئاسة الجمهورية آخذة في الانهيار. وفي الداخل، انهارت شعبية ماكرون إلى حد لم يعرفه في السابق، وذلك إلى درجة أن المرشحَين الرئيسيَّين عن «الكتلة المركزية» الداعمة له؛ وهما إدوارد فيليب عن حزب «هوريزون»، وغابريال أتال عن حزب «النهضة»، وكلاهما شغل رئاسة الحكومة، يمتنعان عن تبني محصلة الحكم التي كانا جزءاً منها، لا بل إنهما لا يترددان في انتقاد الرئيس الحالي.

ويؤخذ على ماكرون أمران رئيسيان: الأول، أنه لم يعرف كيف يتعامل مع المطالب التي ترفعها فئات مجتمعية كثيرة؛ بمن فيهم التلامذة الذين عوملوا بقسوة خلال مظاهراتهم التي لم تشهد العنف إلا على الهامش. والآخر، تدهور مالية الدولة بشكل يهدد النظام المالي الفرنسي، وبعضهم يُحذر من تبعاته على العملة الأوروبية الموحدة وعلى النظام المالي الأوروبي بكليته. ويبقى، أخيراً، أن ماكرون وعدَ الفرنسيين بأن حُكمه سينزع البساط من تحت رجلَي الأحزاب اليمينية المتطرفة وعلى رأسها حزب «التجمع الوطني» الذي تقوده المرشحة الرئاسية مارين لوبن. والحال أن جميع استطلاعات الرأي ترجح وصول لوبن إلى قصر الإليزيه، وهو ما يشكل إخفاقاً كبيراً وإضافياً لماكرون.