مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

سيناريو حكومي يتوقع استمرار النزاع حتى 2030

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
TT

مخاوف مصرية من تداعيات اقتصادية مع التحسّب لـ«حرب ممتدة» في المنطقة

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي الخميس (الحكومة المصرية)

​ وسط مخاوف من التداعيات الاقتصادية، تتحسب مصر لـ«حرب ممتدة» بالمنطقة، عبر سيناريو حكومي توقع استمرار النزاع حتى عام 2030، ورأى خبراء أن طول أمد التوترات الإقليمية «قد يجبر الحكومة المصرية على تفعيل اقتصاد الحرب».

وقال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، إن الحكومة وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب في المنطقة، من بينها «السيناريو الأسوأ» وهو استمرار الحرب لسنوات، موضحاً خلال مؤتمر صحافي الخميس، أن «أحد السيناريوهات التي وضعتها الحكومة حتى عام 2030 هو استمرار الحرب، وتداعياتها على الاقتصاد المصري»، مؤكداً ضرورة «التحسب لاستمرار الوضع الحالي لسنوات مقبلة».

وأشار رئيس الوزراء المصري إلى أن «وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية وضعت سيناريوهات مختلفة للتعامل مع تداعيات الحرب»، لافتاً إلى أنه «رغم ارتفاع الأسعار الكبير وعبئه على الدولة المصرية، وتزايد الاستهلاك الكبير للطاقة في فصل الصيف، لم تحدث أي أزمة».

حديث رئيس الوزراء المصري أثار تساؤلات بشأن تأثر الاقتصاد في حال استمرار الحرب بالمنطقة، و«التحوط» الحكومي للتعامل مع التأثيرات، وفي رأي الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، «تتركز المخاوف المصرية بالأساس على المصادر الرئيسية للتدفقات الدولارية؛ وهي قناة السويس، وتحويلات المصريين بالخارج، والسياحة».

وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحسب الحكومي لحرب ممتدة يعني اعتماد اقتصاد الحرب عبر التحوط لتوفير السلع الأساسية من خلال جهاز (مستقبل مصر)، وضمان إمدادات الطاقة والبحث عن مصادر بديلة للسلع الأساسية وعلى رأسها بدائل للقمحين الروسي والأوكراني».

وسبق أن لوح رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2024، إلى تعامل الدولة مع ما يمكن وصفه بـ«اقتصاد الحرب»، مشيراً إلى أن «هذا التوجه قد تضطر إليه الحكومة إذا تعرضت المنطقة لحرب إقليمية»، وهو ما أثار جدلاً وتساؤلات في ذلك الحين.

الحكومة المصرية تحاول السيطرة على الأسعار عبر التوسع في طرح السلع المدعمة (وزارة التموين المصرية)

وأكد النحاس أن «استمرار الحرب بالمنطقة سيؤثر مباشرة في التدفقات الدولارية؛ سواء السياحة أو قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج».

وبحسب إفادة لـ«البنك المركزي»، أوائل يوليو (تموز) الماضي، فإن تحويلات المصريين العاملين بالخارج واصلت وتيرتها المتصاعدة، حيث «ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى مايو (أيار) 2026، بمعدل 31.2 في المائة لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار، مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق».

وأشار النحاس إلى أن «تصريحات رئيس الوزراء تحمل رسالة إلى المواطنين مفادها أن الحكومة يمكن أن تكون مضطرة إلى خفض الدعم عن بعض الخدمات؛ وفي مقدمتها المحروقات والكهرباء، بسبب تداعيات الحرب الاقتصادية».

وذكر مدبولي أن أسعار الغاز والبترول ارتفعت بسبب الاضطرابات الإقليمية، و«تحملت الدولة خلال السنوات القليلة الماضية فاتورة تلك الاضطرابات»، موضحاً أن «هناك حكومات تمرر الزيادة بالكامل على المواطن، أو تتخذ إجراءات في صورة تحميل جزء على المواطن وتحميل جزء آخر على فاتورة الدين، وهذه هي السياسات ببساطة شديدة، لكننا اخترنا البديل الثاني؛ وهو أن تتحمل الدولة جزءاً من هذه الفاتورة في صورة ديون، وتحمل المواطن الجزء الآخر».

«حرب إيران» تلقي بظلالها على الأسواق المصرية (وزارة التموين المصرية)

ويحمل حديث رئيس الوزراء المصري في خلفياته رسائل سياسية عدة، بحسب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور أيمن عبد الوهاب، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «ثمة رسالة للمواطن المصري، بألا يتوقع تراجع موجة الغلاء قريباً؛ وهي رسالة للمكاشفة والمصارحة بشأن تأثيرات الأزمات الإقليمية». وفي رأيه، فإن «طبيعة المرحلة والتحولات الإقليمية تعزز سيناريو عدم الاستقرار بالمنطقة، وهو ما ينعكس على السياسات الاقتصادية لمعظم الدول، ومنها مصر».

وتابع: «يمكن اعتبار التحسب الحكومي للتأثيرات الاقتصادية شكلاً من أشكال إدارة المخاطر، يتطلب الاستعداد لكل السيناريوهات، خصوصاً القطاعات التي تتأثر سريعاً بالتوترات؛ مثل إمدادات الطاقة وتحويلات المصريين بالخارج والسياحة وقناة السويس، لذلك لا بد أن يُؤخذ التحوط الحكومي بجدية».

وأكد عبد الوهاب أن «حديث رئيس الوزراء يتضمن تنبيهاً للرأي العام إلى حجم الضغوط التي يتعرض لها اقتصاد البلاد بسبب التوترات الإقليمية والصعوبات والتحديات التي تواجهها الحكومة، بهدف زيادة الوعي لدى المواطنين بحجم المخاطر».

وتأتي تصريحات رئيس الوزراء المصري في وقت تتجه الحكومة إلى التحول من «الدعم العيني» إلى «النقدي» لحاملي البطاقات التموينية، حيث بدأت وزارة التموين في مايو الماضي، إجراءات لتنقية بطاقات التموين، وحذف غير المستحقين، وهو ما أثار مخاوف من امتداد التأثيرات الاقتصادية للحرب على ملف الدعم.


مقالات ذات صلة

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

شمال افريقيا مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة»، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير البترول المصري خلال مشاركته في اجتماع «المائدة المستديرة لكبار مستثمري التعدين» بأستراليا الجمعة (وزارة البترول المصرية)

مصر تراهن على توسيع الاستثمارات التعدينية لمواجهة «التنقيب غير الشرعي»

تراهن الحكومة المصرية على توسيع الاستثمارات في قطاع التعدين وتدشين مشروعات إنتاجية داخل البلاد لمواجهة «التنقيب غير الشرعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا دونالد ترمب خلال لقاء عبد الفتاح السيسي على هامش الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2018 (الرئاسة المصرية)

تعاون أميركا عسكرياً مع إثيوبيا... هل دافعه الغضب من التقارب المصري - الصيني؟

جاء الاتفاق الدفاعي الذي وقعته الولايات المتحدة مع إثيوبيا، قبل أيام من زيارة مهمة قام بها الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى القاهرة هذا الأسبوع.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء بن فرحان وعبد العاطي في القاهرة يونيو الماضي (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

السعودية ومصر تبحثان تطورات الأوضاع في إيران وفلسطين والسودان

قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، إنه ناقش في اتصال هاتفي مع وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، سبل مواصلة تعزيز العلاقات الثنائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
العالم العربي السكن أصبح حلماً صعباً للكثير من المصريين مع ارتفاع الأسعار (وزارة الإسكان المصرية)

«وفرة العقارات» لا تحد من أزمة السكن في مصر

لا تدور أزمة السكن في مصر حول نقص المعروض بشكل عام، فعلى العكس «توجد وفرة مقارنة بحجم الطلب».

رحاب عليوة (القاهرة)

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
TT

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)

انتقد الإعلام المغربي بشدّة، الجمعة، تقريراً للشرطة الإسبانية أشار إلى «تهاون تام» للقوّات المغربية في مواجهة تدفّق عشرات آلاف المهاجرين إلى جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب في أواخر يوليو (تموز).

وكان أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة يومَي 30 و31 يوليو الماضي، في موجة غير مسبوقة أسفرت عن مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة حول حاجز بحري.

وأشار تقرير للشرطة الإسبانية -اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الأربعاء- إلى «تهاون تام» في استجابة الشرطة المغربية، ما سهّل تدفق المهاجرين، مع قيام بعض العناصر بتوجيههم نحو المياه.

وذكر التقرير، الذي استند إلى صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية ومقاطع فيديو متاحة للعموم وشهادات المهاجرين، أن أعداد الشرطة حول المعبر الحدودي كانت «أقل بكثير من المعتاد»، وأن الشرطيين «لم يبذلوا أي محاولة جدية» للحدّ من الحشود.

ولطالما تجنّبت الحكومة اليسارية في إسبانيا تحميل المغرب المسؤولية، فيما أمضت سنوات تحاول تحسين علاقاتها المعقّدة تاريخياً معه، لا سيما بشأن وضع سبتة ومليلة.

وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الخميس، عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطّط أو دبّر تدفق المهاجرين. ولم يصدر بعد أي تعليق رسمي عن المغرب على هذا التقرير، غير أن وسائل إعلام مغربية عدّة انتقدت مضمونه. واعتبر موقع «هسبريس» أن النصّ «يكشف عن بناء سردي هشّ، يفتقر إلى الأدلة المادية، ويعج بتناقضات صارخة تدحض فرضيات التقرير نفسه». ورأى فيه الموقع «محاولة يائسة لتحويل المغرب من شريك استراتيجي موثوق في إدارة الحدود إلى كبش فداء لتصفية حسابات سياسية وقضائية بحتة في مدريد». أما «لوديسك»، فندّد من جهته بـ«مستند أُنجز على عجالة»، مشيراً إلى عدّة وقائع خاطئة مثل ذكر تاريخ 30 يونيو (حزيران) بدلاً من 30 يوليو. كما لفت إلى أن مصطلحي «الدولة» و«الحكومة المغربية» غير واردين في التقرير عند بيان المسؤوليات.

واعتمدت أسبوعية «تيل كيل» الموقف عينه، مشيرة إلى أنه خلافاً لما تمّ تداوله على نطاق واسع في الإعلام، لا ينسب التقرير مسؤولية «التخطيط والتنفيذ» إلى المغرب، ولا يحدّد أي مسؤول مغربي بالاسم.

وأكّد الموقع الإخباري الاقتصادي «ميديا 24» من جهته «ضرورة إلقاء نظرة مغربية» على هذا التقرير، الذي حظي بمتابعة واسعة في إسبانيا، لا سيّما من وسائل إعلام مواقفها «معادية للمغرب»، حسب الموقع الذي ندّد باستخدام مصطلح «تهاون» باعتبار أن التقرير قائم على «صور أقمار اصطناعية تجسّد لحظة آنية لا غير».

وفي مطلع أغسطس (آب)، أكّد مسؤول مغربي رفيع المستوى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه، أنه لم يسجَّل أيّ تقصير في التدابير الأمنية المغربية.


تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
TT

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة» يُضاف إلى دعم صيني لحقِّ مصر في نهر النيل، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي»، ما عدَّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، خطوةً تعزِّز الرهان على إمكانية تعظيم الضغوط على أديس أبابا، والدفع نحو حلول عادلة تنصف الحقوق المصرية.

وشدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، في ختام محادثاتهما في القاهرة، الخميس، على «أهمية الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم التسبب في إحداث ضرر، ومبدأ رفض أي إجراءات أحادية، والتعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي المصري» وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأعلن وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين، مؤكداً استعداد بلاده «للاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة، وتيسير هذا الحوار خلال الأسابيع المقبلة، إذا رغبت مصر وإثيوبيا في ذلك»، بحسب وسائل إعلام مصرية.

ويُضاف هذا المسعى الإيطالي، إلى تأكيد صيني لحقِّ مصر في أمنها المائي، وتأييدها الالتزام بالقانون الدولي من جانب دول حوض النيل، وذلك في ختام زيارة الرئيس شي جينبينغ القاهرة، الثلاثاء الماضي.

وسبقت ذلك، مساعٍ أميركية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتَّوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية.

النيل لم يعد قضية ثنائية

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن التطورات الأخيرة، «تعكس حقيقة مهمة، وهي أن أزمة النيل لم تعد قضية ثنائية يمكن تركها رهينة للجمود أو لإدارة الأمر الواقع، وإنما أصبحت قضية استقرار إقليمي تستوجب تحركاً مسؤولاً من القوى الصديقة، والشركاء الدوليين».

ويؤكد حجازي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان للأصدقاء دور مطلوب في هذه المرحلة، فهو ليس الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما مساعدة الجميع على إدراك حقيقة بسيطة أن الاتفاق العادل هو انتصار للجميع، وأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على سياسة الأمر الواقع»، مؤكداً أن «الرهان الأهم اليوم هو أن تتحول علاقات مصر الاستراتيجية مع أصدقائها وحلفائها إلى قوة دفع حقيقية نحو استئناف مفاوضات جادة، تستند إلى ما تم إنجازه سابقاً، ولا تبدأ من الصفر، وتستهدف التَّوصُّل إلى اتفاق شامل وملزم يحقِّق مصالح الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)».

وزيرا خارجية مصر وإيطاليا خلال المشاركة في أعمال «منتدى الأعمال المصري - الإيطالي» بالقاهرة (الخارجية المصرية)

من جانبه، يرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن ذلك الحراك المطروح من وروما وبكين وقبل ذلك واشنطن، «يشير بوضوح إلى وجود توجه نحو دعم الموقف المصري، وضرورة التَّوصُّل إلى تسوية شاملة للأزمة».

وعن الدور المتوقع من «أصدقاء مصر» أشار حليمة، إلى أنه «من الممكن تدشين وساطة من خلال تحركات فردية أو جماعية أو تنسيق مشترك؛ بهدف التواصل مع الأطراف كافة» لافتاً إلى «أن الحديث عن إمكانية تقديم حوافز أو استثمارات لإثيوبيا من قبل الصين أو إيطاليا أو غيرهما لتغيير موقفها، أمر يعود لرؤية كل طرف، لكن مصر تريد الالتزام بالقوانين، وتغليب لغة التعاون بدلاً من التصادم».

تلويح مصري بالتصعيد

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

وبعد نحو أقل من عقد من الزمن، تمَّ تجميد المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا لمدة 3 أعوام، قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا التي تُعدُّ دولة منبع، إبرام اتفاق، وتأكيدها على أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

جانب من المحادثات بين الرئيس المصري ونظيره الصيني في القاهرة (الرئاسة المصرية)

ويعتقد حجازي «أن الموقف المصري المتصاعد، والدعم الدولي لإبرام اتفاق بين مصر وإثيوبيا يؤكدان أن القاهرة لن تقبل بإدارة أديس أبابا للنيل بشكل أحادي... القاهرة تريد الوصول إلى معادلة عادلة، تضمن التنمية دون الإضرار بالآخرين، وتحوِّل النيل من مصدر محتمل للتوتر إلى مجال للتعاون المشترك».

وأوضح أن «دور الأصدقاء الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على التدخل عندما تقترب الأزمة من حافة الخطر، بل العمل من الآن على منع الوصول إلى تلك الحافة، عبر دعم حل عادل يضمن حق إثيوبيا في التنمية، ويحمي في الوقت نفسه، الحقوق المائية والأمن الوجودي لمصر والسودان».

ويشير حليمة، إلى أن «هناك تحديات وصعوبات، والأمر يحتاج إلى جهود كبيرة نظراً لتباعد مواقف الطرفين خصوصاً في ظلِّ تسييس إثيوبيا ملف المياه».


هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

لم تعد المخاوف من تحول حرب السودان إلى نزاع إقليمي مجرد تقديرات يطرحها مراقبون، بل تجاوزتها إلى ضربات واتهامات متبادلة عبر الحدود بين السودان وتشاد، بالتزامن مع تحركات عسكرية، مثيرة للقلق قرب الحدود مع إثيوبيا.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، نقل هذه المخاوف إلى مجلس الأمن، محذراً من أن هذه التداعيات قد تؤجج الصراع وتهدد بجر دول الجوار بصورة أعمق إلى الحرب.

ولا تبدو هذه التحذيرات الأميركية صادرة من فراغ؛ إذ يصعب فصلها عما تملكه واشنطن من قدرات استخباراتية واسعة تتيح لها مراقبة التحركات العسكرية ومسارات السلاح والمسيّرات والشبكات العابرة للحدود. ولذلك فإن رفع مستوى التحذير إلى مجلس الأمن يعكس تقديرات أميركية بوجود مخاطر حقيقية ومتنامية، حتى وإن لم تكشف الإدارة الأميركية علناً عن كامل المعلومات التي تستند إليها.

وتعزّز هذا التحذير باتصال أجراه بولس مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، عقب تقارير عن ضربة عسكرية داخل الأراضي التشادية. وقال إن الجانبين عبّرا عن «قلق عميق من امتداد الحرب في السودان عبر حدوده، بما يغذي مزيداً من التصعيد ويهدد السلام والاستقرار الإقليميين»، مطالباً بوقف الدعم الخارجي لأطرافها.

عناصر منشقة عن «قوات الدعم السريع» في غرب أم درمان 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، لم تعد الحرب مجرد مواجهة داخلية بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فمع انتقال المعارك إلى مناطق متاخمة لتشاد وإثيوبيا، واتساع استخدام الأسلحة المتطورة، بات السودان مركزاً لصراع تتشابك فيه حسابات دول الجوار مع مصالح قوى إقليمية ودولية.

تدويل يتسع

تتضح مؤشرات تدويل الحرب في إعلان بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن أسلحة وتكنولوجيا عسكرية ومقاتلين وشبكات إمداد خارجية تسهم في إطالة أمد الصراع وتعزيز قدرات طرفيه. وتحدثت البعثة عن شبكة عابرة للحدود مرتبطة بأفراد وكيانات ودول، قالت إنها قدمت أسلحة ومعدات ودعماً لوجيستياً وعناصر أجنبية لـ«الدعم السريع»، رغم أن هذه الدول المعنية نفت الاتهامات، مؤكدة التزامها بالحياد ودعم جهود السلام، فيما قالت البعثة إن تحقيقاتها بشأن مصادر الدعم الخارجي للجيش لا تزال أولية.

الباحثة السودانية خلود خير، مديرة مركز «كونفلوينس أدفايزوري»، قالت لصحيفة «فاينانشيال تايمز» في أبريل (نسيان) الماضي، إن الحرب «تمددت عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل»، وإنه لا توجد دولة بين جيران السودان السبعة بعيدة تماماً عن تأثيرها أو حساباتها. كما يذهب آلان بوزويل، مدير مشروع القرن الأفريقي في «مجموعة الأزمات الدولية»، إلى أن الحرب باتت تقسم المنطقة، وتزيد استقطاب الدول المحيطة حول طرفيها. ويرى أن تشاد وجنوب السودان هما الأكثر عرضة لتداعياتها، مع ضرورة مراقبة إثيوبيا والتوترات في الصومال، محذراً من أن استمرار الصراع قد يجر المنطقة إلى «دوامة من العنف».

عناصر من الجيش السوداني تشارك في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

من جانبه، استبعد خبير إدارة الأزمات والتفاوض في «مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية»، اللواء أمين إسماعيل مجذوب، تحوّل الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين السودان ودول الجوار، مرجحاً أن يكون السيناريو الأقرب هو تصاعد «الحرب بالوكالة»، عبر استمرار الدعم المالي والعسكري، والاستعانة بالمرتزقة والمجموعات المسلحة، بما يؤدي إلى إطالة أمد الحرب. وقال مجذوب لـ«الشرق الأوسط» إن اتهامات الخرطوم لتشاد وإثيوبيا تستند، بحسب السلطات السودانية، إلى أدلة دُفع بها إلى الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومجلس الأمن، فضلاً عن تقارير تحدثت عن استخدام قواعد ومطارات في إسناد «قوات الدعم السريع».

وأضاف أن انتقال هذه الأطراف من الدعم غير المباشر إلى التدخل العسكري المعلن قد يدفع حلفاء السودان الإقليميين إلى مساندته، وعندها يمكن أن يتسع النزاع ليشمل القرن الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء. لكنه استبعد هذا السيناريو قائلاً: «هذا لن يحدث»، لأن اندلاع حرب إقليمية شاملة ليس موضع ترحيب من دول المنطقة. ولفت في الوقت نفسه إلى أن تداعيات الصراع بدأت تظهر داخل دول الجوار، مستشهدا بتصاعد أصوات جماعات معارضة في تشاد ترفض ما تقول إنه دعم مقدم إلى مجموعات عربية موالية لـ«قوات الدعم السريع».

إثيوبيا وتشاد

ويمثل انتقال العمليات إلى ولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية أحد أكثر التطورات إثارة للقلق. فقد نشر مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل تقارير تستند إلى صور الأقمار الاصطناعية وتحليل معلومات مفتوحة المصدر، تحدث فيها عن تجميع دعم عسكري بحجم لواء داخل قاعدة تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية في أصوصا، وربطه بأنشطة لـ«الدعم السريع». وتكتسب أصوصا أهمية لقربها من النيل الأزرق ومدينة الكرمك؛ ولذلك فإن أي وجود عسكري مرتبط بالحرب داخل المنطقة، (إذا تأكد)، قد يؤسس لجبهة حدودية جديدة.

غرباً، تقف تشاد في قلب العاصفة بسبب حدودها الطويلة مع دارفور والتداخل القبلي بين جانبيها. وتصاعد التوتر بعدما اتهم رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إنجامينا بتسهيل الدعم المقدم إلى «الدعم السريع»، بينما تنفي تشاد استخدام أراضيها أو مطاراتها لنقل الأسلحة. ويقول كاميرون هدسون، المسؤول الأميركي السابق والخبير في الشأن السوداني، إن تداعيات الضربات داخل تشاد لم تعد ميدانية فقط، بل تحولت إلى مواجهة دبلوماسية.

دول تتأثر من الحرب

قد يكون جنوب السودان الدولة الأكثر تعرضاً لنتائج الحرب؛ إذ يعتمد اقتصادها على تصدير النفط عبر المنشآت والموانئ السودانية، كما استقبل أكثر من مليون شخص من السودانيين والجنوبيين العائدين منذ اندلاع القتال. ومن شأن توقف صادرات النفط أو انتقال المعارك إلى الحدود أن يهدد الاستقرار الهش في جوبا.

أما كينيا، فعلى الرغم من عدم ارتباطها بحدود مباشرة مع السودان، فإنها معرضة لامتداد الاستقطاب السياسي وشبكات التمويل والمقاتلين واضطراب التجارة، فضلاً عن تضرر دور «إيغاد» التي تعد نيروبي إحدى ركائزها.

وتواجه أوغندا أخطاراً مشابهة عبر جنوب السودان؛ إذ قد يؤدي أي انفجار جديد في جوبا إلى موجة لجوء نحو أراضيها، وهي تستضيف بالفعل أكثر من مليون لاجئ من جنوب السودان. وهكذا قد تنتقل آثار الحرب من السودان إلى جنوب السودان ثم أوغندا وكينيا، من دون عبور جيوش نظامية للحدود.

وتواجه مصر بدورها تداعيات مرتبطة باللاجئين وأمن حدودها الجنوبية ومياه النيل والتوازن مع إثيوبيا، فيما تخشى إريتريا انتقال الفوضى إلى شرق السودان وساحل البحر الأحمر. ويقول الأمين التنفيذي لـ«إيغاد»، وركني غبييهو، إن تحديات السلام والأمن أصبحت أكثر ترابطاً من أن تواجهها دولة أو مؤسسة منفردة، واصفاً السودان بأنه أحد أوضح مظاهر اجتماع المواجهة العسكرية والكارثة الإنسانية والتفكك المؤسسي والامتداد الإقليمي والتنافس الجيوسياسي.

لم تتحول حرب السودان بعد إلى حرب إقليمية مكتملة الأركان، لكنها تجاوزت منذ وقت طويل حدود الصراع الداخلي. ومع تداخل الحلقات، لن يبقى السؤال مستقبلاً: هل تتمدد الحرب إلى الإقليم؟ بل: هل بدأت؟