مسارات تفاوضية متلاحقة في ليبيا... متى تقترب الأزمة من الحل؟

آخرها «4 + 4» بين أفرقاء طرابلس وبنغازي

من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
TT

مسارات تفاوضية متلاحقة في ليبيا... متى تقترب الأزمة من الحل؟

من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
من مراسم توقيع اتفاق لجنة «4 + 4» بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية» الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

يتنقل الأفرقاء الليبيون بين صيغ ومسارات تفاوضية عبر لجان ترعاها البعثة الأممية لدى البلاد، تحمل أرقاماً تبدأ من «5 + 5» إلى «6 + 6»، و«3 + 3»، و«2 + 2»، وصولاً إلى «4 + 4»، وذلك في محاولات لكسر جمود سياسي، وتعثُّر انتخابي، وانقسام عسكري وأمني طال أمده.

ومع توصُّل لجنة «4 + 4» إلى تفاهمات بين «الجيش الوطني» في شرق البلاد، وحكومة «الوحدة» المؤقتة في غربها بشأن القوانين الانتخابية و«مجلس المفوضية»، الأسبوع الماضي، وما أثارته من جدل، يعود التساؤل حول جدوى هذه المسارات، وما إذا كانت ستُنهي المرحلة الانتقالية، أم قد تمهِّد لصيغة جديدة؟

وتشترك هذه اللجان، رغم اختلاف مهامها، في محاولة تقريب وجهات النظر بين مؤسسات وأطراف شرق ليبيا وغربها، ومعالجة ملفات عالقة، من وقف إطلاق النار، وتوحيد المؤسسة العسكرية، إلى القوانين الانتخابية أو توحيد الميزانية.

اجتماع لجنة «6 + 6» لإعداد القوانين الانتخابية بطرابلس في 7 مايو 2023 (مجلس النواب)

ومن منظور الدكتور عارف أحمد التير، الأكاديمي الليبي، فإن توالي هذه المسارات يعكس جانباً من تعقيدات الأزمة، في ظلِّ الانقسام السياسي والعسكري، وانتشار السلاح والميليشيات، فضلاً عن التدخلات الإقليمية والدولية.

ويعتقد التير في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الصيغ «باتت تمثل إطاراً لإيجاد حلول للأزمة من خلال إشراك ممثلين عن شرق البلاد وغربها»، عادّاً أن طبيعة الصراع دفعت إلى البحث عن ترتيبات تستوعب توازنات القوى، لكنها بقيت تحمل في طياتها سؤالاً لدى الليبيين عن «رقم الحظ» الذي يحمل حلاً لليبيين.

البداية مع تلك المسارات كانت عسكرية، حين شُكِّلت لجنة «5 + 5» في يناير (كانون الثاني) 2020 بموجب مخرجات «مؤتمر برلين»، واضطلعت بمهمة تثبيت وقف إطلاق النار، الذي أعقب حرب العاصمة طرابلس عام 2019، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، وتمكنت من تثبيت الهدنة، لكنها لم تحقق نتائج حاسمة لتوحيد الجيش.

ومع تعثر انتخابات 2021 الرئاسية والبرلمانية، تشكلت لجنة «6 + 6» في مارس (آذار) 2023، بواقع 6 أعضاء من مجلس النواب، ومثلهم من المجلس الأعلى للدولة، وأقرَّت في يونيو (حزيران) من العام نفسه تعديلات للقوانين الانتخابية، لكنها لم تُفضِ إلى إجراء الانتخابات بسبب استمرار الخلافات السياسية.

توقيع ممثلي مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» للاتفاق الموحد في أبريل الماضي (المصرف المركزي)

ولم تتوقف هذه المسارات، إذ ارتبط إقرار أول ميزانية موحدة في ليبيا منذ 13 عاماً، في أبريل (نيسان) الماضي، بتفاهمات عُرفت بصيغة «2 + 2»، جمعت ممثلين عن مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة» في مسار مرتبط بمصرف ليبيا المركزي. لكن تنفيذه لم يكتمل بالشكل المأمول، وفق تصريحات لمسؤولين حكوميين.

راهناً، تحيط السرية بأعمال لجنة «3 + 3»، التي تشكلت بين عسكريين من شرق ليبيا وغربها، عقب مناورات مشتركة في سرت خلال أبريل الماضي برعاية أميركية. ويتركز هدفها المعلن على مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، بما فيها الاتجار بالبشر والتهريب.

ويرى مراقبون أن هذا المسار قد يفتح الباب أمام خطوات لتقريب المؤسسة العسكرية بين الشرق والغرب، وإن لم تظهر حتى الآن نتائج معلنة بشأن توحيد الجيش، لكنها تبقى رهينة سؤال مؤجل عن مصير الميليشيات والوجود الأجنبي.

ورغم ما حققته لجنة «4 + 4»، الأسبوع الماضي، من توافق بشأن الانتخابات وقوانينها و«مجلس المفوضية»، بوصفه «خطوة مهمة» على مسار إنهاء المرحلة الانتقالية، فإن التير يشدِّد على أن «الاختبار الحقيقي في توحيد المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية»، عادّاً أن نجاح الصيغة في ذلك «سيكون إنجازاً مهماً»، ويمهد لمعالجة الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وتنظيم الانتخابات.

سياسيون آخرون ينظرون إلى ظاهرة اللجان ذات الصيغ الرقمية بقدر أكبر من التشكيك، عادّين أن سوابقها لا تحمل أي حظوظ لإنهاء المرحلة الانتقالية، بعدما عالجت ملفات جزئية من دون إنتاج حل شامل.

ويقول أبو بكر مصباح، عضو «ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف»، إن الصيغ التي طُرحت، ومنها «6 + 6» و«4 + 4» و«3 + 3»، أثبتت أنها أقرب إلى «حلول وقتية لإدارة الأزمة» منها إلى مسارات تستهدف إنهاءها والتوصل إلى تسوية دائمة.

ويربط مصباح في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، استمرار هذه الدائرة بتغير المبعوثين الأمميين إلى ليبيا، موضحاً أن تغيير القائمة بأعمال المبعوثة الأممية السابقة ستيفاني وليامز أسهم، في رأيه، في «تعطيل المسار السياسي»، إذ يأتي كل مبعوث جديد برؤى وترتيبات مختلفة قبل اكتمال المسارات السابقة.

ويضع مصباح ملاحظة على تركيبة اللجان، إذ يرى أن معظم الصيغ ركزت على الشرق والغرب، بينما تجاهلت معادلاتها الجنوب، رغم موقعه المؤثر، عادّاً أن الجنوب «يمثل رمانة الميزان في هذه المعادلة السياسية المعقدة»، ومؤكداً أن الوصول إلى تسوية مستقرة «لا يمكن أن يتم من دون إشراك الجنوب بصورة حقيقية»، محذراً من أن استمرار إنتاج اللجان وفق صيغ مختلفة لا يعني بالضرورة أن الحل أصبح أقرب، ما لم تتوافر إرادة سياسية لتنفيذ التفاهمات.

ولا يحمّل فتح الله السريري، عضو المجلس الأعلى للدولة وعضو لجنة «6 + 6»، اللجان نفسها مسؤولية التعثر، إذ يرى لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة ليست في اللجان، وإنما في توجهات البعثة لإطالة المرحلة الانتقالية لتحقيق أغراض بعض المتدخلين في الشأن الليبي إقليمياً ودولياً».

اجتماع سابق للجنة «5 + 5» العسكرية الليبية أبريل 2023 (البعثة الأممية)

وبينما تختلف التقييمات، تكشف حصيلة هذه المسارات عن أن كل لجنة جاءت لمعالجة عقدة محددة، لكنها لم تتمكَّن حتى الآن من تقديم حلول حاسمة وقابلة للاستدامة. ويبقى السؤال: إذا لم تكن «4 + 4» هي المسار الذي يخرج ليبيا من أزمتها، فكم ستحتاج البلاد من الصيغ واللجان كي تنتهي المرحلة الانتقالية؟


مقالات ذات صلة

ليبيا: «الرقابة الإدارية» تبحث أزمتي الوقود والكهرباء وتتوعد المخالفين

شمال افريقيا رئيس هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا عبد الله قادربوه يترأس اجتماعاً لبحث أزمتي الوقود والكهرباء 3 سبتمبر (الهيئة)

ليبيا: «الرقابة الإدارية» تبحث أزمتي الوقود والكهرباء وتتوعد المخالفين

وجّهت هيئة الرقابة الإدارية في ليبيا بضرورة التصدي لأزمتي الكهرباء والوقود، وتتبع مسارات الوقود والغاز من المصدر إلى محطات التوزيع، وضبط المخالفين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان يقدم واجب العزاء لأهالي القطرون (المجلس)

ليبيا: احتقان في القطرون عقب مقتل شاب بنيران نُسبت لـ«الجيش الوطني»

تشهد مدينة القطرون في جنوب ليبيا حالة من التوتر والاحتقان، إثر مقتل أحد أبنائها في محطة وقود، وسط اتهامات لكتيبة عسكرية بالتورط في إطلاق النار عليه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من حطام المسيّرة التي تحطمت قبل استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بالعاصمة الليبية الخميس (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

فشل هجوم بـ«مسيّرة مجهولة» على مستودع نفطي بالعاصمة الليبية

وصفت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا «محاولة استهداف خزانات الوقود بمستودع البريقة بطائرة مسيّرة عن بُعد» بأنها عملية «تخريبية تمثل تهديداً  لمنظومة الإمداد».

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من منشآت مصفاة الزاوية «شركة الزاوية لتكرير النفط»

هل تكبح الأحكام الرادعة شبكات تهريب الوقود في ليبيا؟

فتح حكم قضائي صدر في ليبيا، بسجن 10 مدانين على خلفية تهريب وقود وسلع غذائية إلى خارج البلاد، التساؤلات حول قدرة العقوبات المشددة على كبح شبكات تهريب الوقود.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا المبعوثة الأممية في ليبيا هانا تيتيه لدى توقيع اتفاق «4+4» الأحد الماضي «البعثة الأممية»

اتفاق «4+4» يرسم خريطة جديدة للنفوذ السياسي في ليبيا

رغم أن اتفاق «4+4» قد يمهد لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية في ليبيا خلال 24 شهراً فإنه قد يعيد أيضاً رسم موازين القوى وخريطة النفوذ، بعد سنوات من الانقسام.

جاكلين زاهر (القاهرة)

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
TT

الإعلام المغربي يندد بتقرير للشرطة الإسبانية عن تدفق المهاجرين إلى سبتة

 أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)
أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة في موجة غير مسبوقة (د.ب.أ)

انتقد الإعلام المغربي بشدّة، الجمعة، تقريراً للشرطة الإسبانية أشار إلى «تهاون تام» للقوّات المغربية في مواجهة تدفّق عشرات آلاف المهاجرين إلى جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب في أواخر يوليو (تموز).

وكان أكثر من 70 ألف مهاجر قد عبروا من المغرب إلى سبتة يومَي 30 و31 يوليو الماضي، في موجة غير مسبوقة أسفرت عن مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة حول حاجز بحري.

وأشار تقرير للشرطة الإسبانية -اطلعت عليه «وكالة الصحافة الفرنسية»، يوم الأربعاء- إلى «تهاون تام» في استجابة الشرطة المغربية، ما سهّل تدفق المهاجرين، مع قيام بعض العناصر بتوجيههم نحو المياه.

وذكر التقرير، الذي استند إلى صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية ومقاطع فيديو متاحة للعموم وشهادات المهاجرين، أن أعداد الشرطة حول المعبر الحدودي كانت «أقل بكثير من المعتاد»، وأن الشرطيين «لم يبذلوا أي محاولة جدية» للحدّ من الحشود.

ولطالما تجنّبت الحكومة اليسارية في إسبانيا تحميل المغرب المسؤولية، فيما أمضت سنوات تحاول تحسين علاقاتها المعقّدة تاريخياً معه، لا سيما بشأن وضع سبتة ومليلة.

وأكد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الخميس، عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطّط أو دبّر تدفق المهاجرين. ولم يصدر بعد أي تعليق رسمي عن المغرب على هذا التقرير، غير أن وسائل إعلام مغربية عدّة انتقدت مضمونه. واعتبر موقع «هسبريس» أن النصّ «يكشف عن بناء سردي هشّ، يفتقر إلى الأدلة المادية، ويعج بتناقضات صارخة تدحض فرضيات التقرير نفسه». ورأى فيه الموقع «محاولة يائسة لتحويل المغرب من شريك استراتيجي موثوق في إدارة الحدود إلى كبش فداء لتصفية حسابات سياسية وقضائية بحتة في مدريد». أما «لوديسك»، فندّد من جهته بـ«مستند أُنجز على عجالة»، مشيراً إلى عدّة وقائع خاطئة مثل ذكر تاريخ 30 يونيو (حزيران) بدلاً من 30 يوليو. كما لفت إلى أن مصطلحي «الدولة» و«الحكومة المغربية» غير واردين في التقرير عند بيان المسؤوليات.

واعتمدت أسبوعية «تيل كيل» الموقف عينه، مشيرة إلى أنه خلافاً لما تمّ تداوله على نطاق واسع في الإعلام، لا ينسب التقرير مسؤولية «التخطيط والتنفيذ» إلى المغرب، ولا يحدّد أي مسؤول مغربي بالاسم.

وأكّد الموقع الإخباري الاقتصادي «ميديا 24» من جهته «ضرورة إلقاء نظرة مغربية» على هذا التقرير، الذي حظي بمتابعة واسعة في إسبانيا، لا سيّما من وسائل إعلام مواقفها «معادية للمغرب»، حسب الموقع الذي ندّد باستخدام مصطلح «تهاون» باعتبار أن التقرير قائم على «صور أقمار اصطناعية تجسّد لحظة آنية لا غير».

وفي مطلع أغسطس (آب)، أكّد مسؤول مغربي رفيع المستوى لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» طالباً عدم كشف اسمه، أنه لم يسجَّل أيّ تقصير في التدابير الأمنية المغربية.


تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
TT

تحديات «سد النهضة»... مصر تراهن على «دعم الأصدقاء» لحماية أمنها المائي

مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)
مصر تعول على دعم الأصدقاء لحفظ الأمن المائي (وزارة الري المصرية)

استعداد إيطالي للتدخل لدى صديقتها إثيوبيا؛ لبحث أزمتها مع مصر بشأن «سد النهضة» يُضاف إلى دعم صيني لحقِّ مصر في نهر النيل، في وقت أكدت فيه القاهرة «التعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي»، ما عدَّه خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، خطوةً تعزِّز الرهان على إمكانية تعظيم الضغوط على أديس أبابا، والدفع نحو حلول عادلة تنصف الحقوق المصرية.

وشدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني، في ختام محادثاتهما في القاهرة، الخميس، على «أهمية الالتزام الكامل بقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبدأ عدم التسبب في إحداث ضرر، ومبدأ رفض أي إجراءات أحادية، والتعويل على الأصدقاء في دعم الأمن المائي المصري» وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأعلن وزير الخارجية الإيطالي، أنطونيو تاياني، استعداد روما للوساطة بين مصر وإثيوبيا للتوصُّل إلى حلٍّ لأزمة المياه بين البلدين، مؤكداً استعداد بلاده «للاستفادة من علاقاتها الجيدة مع إثيوبيا للمساعدة في التوصل إلى حل للأزمة، وتيسير هذا الحوار خلال الأسابيع المقبلة، إذا رغبت مصر وإثيوبيا في ذلك»، بحسب وسائل إعلام مصرية.

ويُضاف هذا المسعى الإيطالي، إلى تأكيد صيني لحقِّ مصر في أمنها المائي، وتأييدها الالتزام بالقانون الدولي من جانب دول حوض النيل، وذلك في ختام زيارة الرئيس شي جينبينغ القاهرة، الثلاثاء الماضي.

وسبقت ذلك، مساعٍ أميركية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، حيث أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة»، والتَّوصُّل لحل نهائي وعادل للقضية.

النيل لم يعد قضية ثنائية

ويرى عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن التطورات الأخيرة، «تعكس حقيقة مهمة، وهي أن أزمة النيل لم تعد قضية ثنائية يمكن تركها رهينة للجمود أو لإدارة الأمر الواقع، وإنما أصبحت قضية استقرار إقليمي تستوجب تحركاً مسؤولاً من القوى الصديقة، والشركاء الدوليين».

ويؤكد حجازي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إذا كان للأصدقاء دور مطلوب في هذه المرحلة، فهو ليس الانحياز لطرف ضد آخر، وإنما مساعدة الجميع على إدراك حقيقة بسيطة أن الاتفاق العادل هو انتصار للجميع، وأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على سياسة الأمر الواقع»، مؤكداً أن «الرهان الأهم اليوم هو أن تتحول علاقات مصر الاستراتيجية مع أصدقائها وحلفائها إلى قوة دفع حقيقية نحو استئناف مفاوضات جادة، تستند إلى ما تم إنجازه سابقاً، ولا تبدأ من الصفر، وتستهدف التَّوصُّل إلى اتفاق شامل وملزم يحقِّق مصالح الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)».

وزيرا خارجية مصر وإيطاليا خلال المشاركة في أعمال «منتدى الأعمال المصري - الإيطالي» بالقاهرة (الخارجية المصرية)

من جانبه، يرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، السفير صلاح حليمة، أن ذلك الحراك المطروح من وروما وبكين وقبل ذلك واشنطن، «يشير بوضوح إلى وجود توجه نحو دعم الموقف المصري، وضرورة التَّوصُّل إلى تسوية شاملة للأزمة».

وعن الدور المتوقع من «أصدقاء مصر» أشار حليمة، إلى أنه «من الممكن تدشين وساطة من خلال تحركات فردية أو جماعية أو تنسيق مشترك؛ بهدف التواصل مع الأطراف كافة» لافتاً إلى «أن الحديث عن إمكانية تقديم حوافز أو استثمارات لإثيوبيا من قبل الصين أو إيطاليا أو غيرهما لتغيير موقفها، أمر يعود لرؤية كل طرف، لكن مصر تريد الالتزام بالقوانين، وتغليب لغة التعاون بدلاً من التصادم».

تلويح مصري بالتصعيد

وفي أغسطس (آب) الماضي، أكدت مصر أكثر من مرة، أن قضية المياه «أمن قومي وخط أحمر»، بحسب تصريح لمصدر مسؤول نقلته «وكالة الأنباء المصرية»، كما لوح وزير الخارجية المصري باستخدام «حق الدفاع الشرعي» تجاه تطورات ملف نهر النيل وأزمة «سد النهضة».

وبعد نحو أقل من عقد من الزمن، تمَّ تجميد المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا لمدة 3 أعوام، قبل استئنافها في 2023، ثم تجميدها مجدداً في 2024، وسط رفض إثيوبيا التي تُعدُّ دولة منبع، إبرام اتفاق، وتأكيدها على أنها لا تضر مصر ولا السودان دولتَي المصب.

جانب من المحادثات بين الرئيس المصري ونظيره الصيني في القاهرة (الرئاسة المصرية)

ويعتقد حجازي «أن الموقف المصري المتصاعد، والدعم الدولي لإبرام اتفاق بين مصر وإثيوبيا يؤكدان أن القاهرة لن تقبل بإدارة أديس أبابا للنيل بشكل أحادي... القاهرة تريد الوصول إلى معادلة عادلة، تضمن التنمية دون الإضرار بالآخرين، وتحوِّل النيل من مصدر محتمل للتوتر إلى مجال للتعاون المشترك».

وأوضح أن «دور الأصدقاء الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على التدخل عندما تقترب الأزمة من حافة الخطر، بل العمل من الآن على منع الوصول إلى تلك الحافة، عبر دعم حل عادل يضمن حق إثيوبيا في التنمية، ويحمي في الوقت نفسه، الحقوق المائية والأمن الوجودي لمصر والسودان».

ويشير حليمة، إلى أن «هناك تحديات وصعوبات، والأمر يحتاج إلى جهود كبيرة نظراً لتباعد مواقف الطرفين خصوصاً في ظلِّ تسييس إثيوبيا ملف المياه».


هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

هل ينزلق الصراع السوداني إلى حرب إقليمية؟

جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)
جنود من الجيش السوداني يشاركون في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

لم تعد المخاوف من تحول حرب السودان إلى نزاع إقليمي مجرد تقديرات يطرحها مراقبون، بل تجاوزتها إلى ضربات واتهامات متبادلة عبر الحدود بين السودان وتشاد، بالتزامن مع تحركات عسكرية، مثيرة للقلق قرب الحدود مع إثيوبيا.

كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، نقل هذه المخاوف إلى مجلس الأمن، محذراً من أن هذه التداعيات قد تؤجج الصراع وتهدد بجر دول الجوار بصورة أعمق إلى الحرب.

ولا تبدو هذه التحذيرات الأميركية صادرة من فراغ؛ إذ يصعب فصلها عما تملكه واشنطن من قدرات استخباراتية واسعة تتيح لها مراقبة التحركات العسكرية ومسارات السلاح والمسيّرات والشبكات العابرة للحدود. ولذلك فإن رفع مستوى التحذير إلى مجلس الأمن يعكس تقديرات أميركية بوجود مخاطر حقيقية ومتنامية، حتى وإن لم تكشف الإدارة الأميركية علناً عن كامل المعلومات التي تستند إليها.

وتعزّز هذا التحذير باتصال أجراه بولس مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي، عقب تقارير عن ضربة عسكرية داخل الأراضي التشادية. وقال إن الجانبين عبّرا عن «قلق عميق من امتداد الحرب في السودان عبر حدوده، بما يغذي مزيداً من التصعيد ويهدد السلام والاستقرار الإقليميين»، مطالباً بوقف الدعم الخارجي لأطرافها.

عناصر منشقة عن «قوات الدعم السريع» في غرب أم درمان 19 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاعها، لم تعد الحرب مجرد مواجهة داخلية بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فمع انتقال المعارك إلى مناطق متاخمة لتشاد وإثيوبيا، واتساع استخدام الأسلحة المتطورة، بات السودان مركزاً لصراع تتشابك فيه حسابات دول الجوار مع مصالح قوى إقليمية ودولية.

تدويل يتسع

تتضح مؤشرات تدويل الحرب في إعلان بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق أن أسلحة وتكنولوجيا عسكرية ومقاتلين وشبكات إمداد خارجية تسهم في إطالة أمد الصراع وتعزيز قدرات طرفيه. وتحدثت البعثة عن شبكة عابرة للحدود مرتبطة بأفراد وكيانات ودول، قالت إنها قدمت أسلحة ومعدات ودعماً لوجيستياً وعناصر أجنبية لـ«الدعم السريع»، رغم أن هذه الدول المعنية نفت الاتهامات، مؤكدة التزامها بالحياد ودعم جهود السلام، فيما قالت البعثة إن تحقيقاتها بشأن مصادر الدعم الخارجي للجيش لا تزال أولية.

الباحثة السودانية خلود خير، مديرة مركز «كونفلوينس أدفايزوري»، قالت لصحيفة «فاينانشيال تايمز» في أبريل (نسيان) الماضي، إن الحرب «تمددت عبر البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الساحل»، وإنه لا توجد دولة بين جيران السودان السبعة بعيدة تماماً عن تأثيرها أو حساباتها. كما يذهب آلان بوزويل، مدير مشروع القرن الأفريقي في «مجموعة الأزمات الدولية»، إلى أن الحرب باتت تقسم المنطقة، وتزيد استقطاب الدول المحيطة حول طرفيها. ويرى أن تشاد وجنوب السودان هما الأكثر عرضة لتداعياتها، مع ضرورة مراقبة إثيوبيا والتوترات في الصومال، محذراً من أن استمرار الصراع قد يجر المنطقة إلى «دوامة من العنف».

عناصر من الجيش السوداني تشارك في عرض عسكري بمدينة القضارف (شرق) 17 أغسطس (أ.ف.ب)

من جانبه، استبعد خبير إدارة الأزمات والتفاوض في «مركز البحوث والدراسات الاستراتيجية»، اللواء أمين إسماعيل مجذوب، تحوّل الصراع إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين السودان ودول الجوار، مرجحاً أن يكون السيناريو الأقرب هو تصاعد «الحرب بالوكالة»، عبر استمرار الدعم المالي والعسكري، والاستعانة بالمرتزقة والمجموعات المسلحة، بما يؤدي إلى إطالة أمد الحرب. وقال مجذوب لـ«الشرق الأوسط» إن اتهامات الخرطوم لتشاد وإثيوبيا تستند، بحسب السلطات السودانية، إلى أدلة دُفع بها إلى الاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومجلس الأمن، فضلاً عن تقارير تحدثت عن استخدام قواعد ومطارات في إسناد «قوات الدعم السريع».

وأضاف أن انتقال هذه الأطراف من الدعم غير المباشر إلى التدخل العسكري المعلن قد يدفع حلفاء السودان الإقليميين إلى مساندته، وعندها يمكن أن يتسع النزاع ليشمل القرن الأفريقي وأفريقيا جنوب الصحراء. لكنه استبعد هذا السيناريو قائلاً: «هذا لن يحدث»، لأن اندلاع حرب إقليمية شاملة ليس موضع ترحيب من دول المنطقة. ولفت في الوقت نفسه إلى أن تداعيات الصراع بدأت تظهر داخل دول الجوار، مستشهدا بتصاعد أصوات جماعات معارضة في تشاد ترفض ما تقول إنه دعم مقدم إلى مجموعات عربية موالية لـ«قوات الدعم السريع».

إثيوبيا وتشاد

ويمثل انتقال العمليات إلى ولاية النيل الأزرق قرب الحدود الإثيوبية أحد أكثر التطورات إثارة للقلق. فقد نشر مختبر البحوث الإنسانية في جامعة ييل تقارير تستند إلى صور الأقمار الاصطناعية وتحليل معلومات مفتوحة المصدر، تحدث فيها عن تجميع دعم عسكري بحجم لواء داخل قاعدة تابعة لقوات الدفاع الإثيوبية في أصوصا، وربطه بأنشطة لـ«الدعم السريع». وتكتسب أصوصا أهمية لقربها من النيل الأزرق ومدينة الكرمك؛ ولذلك فإن أي وجود عسكري مرتبط بالحرب داخل المنطقة، (إذا تأكد)، قد يؤسس لجبهة حدودية جديدة.

غرباً، تقف تشاد في قلب العاصفة بسبب حدودها الطويلة مع دارفور والتداخل القبلي بين جانبيها. وتصاعد التوتر بعدما اتهم رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، إنجامينا بتسهيل الدعم المقدم إلى «الدعم السريع»، بينما تنفي تشاد استخدام أراضيها أو مطاراتها لنقل الأسلحة. ويقول كاميرون هدسون، المسؤول الأميركي السابق والخبير في الشأن السوداني، إن تداعيات الضربات داخل تشاد لم تعد ميدانية فقط، بل تحولت إلى مواجهة دبلوماسية.

دول تتأثر من الحرب

قد يكون جنوب السودان الدولة الأكثر تعرضاً لنتائج الحرب؛ إذ يعتمد اقتصادها على تصدير النفط عبر المنشآت والموانئ السودانية، كما استقبل أكثر من مليون شخص من السودانيين والجنوبيين العائدين منذ اندلاع القتال. ومن شأن توقف صادرات النفط أو انتقال المعارك إلى الحدود أن يهدد الاستقرار الهش في جوبا.

أما كينيا، فعلى الرغم من عدم ارتباطها بحدود مباشرة مع السودان، فإنها معرضة لامتداد الاستقطاب السياسي وشبكات التمويل والمقاتلين واضطراب التجارة، فضلاً عن تضرر دور «إيغاد» التي تعد نيروبي إحدى ركائزها.

وتواجه أوغندا أخطاراً مشابهة عبر جنوب السودان؛ إذ قد يؤدي أي انفجار جديد في جوبا إلى موجة لجوء نحو أراضيها، وهي تستضيف بالفعل أكثر من مليون لاجئ من جنوب السودان. وهكذا قد تنتقل آثار الحرب من السودان إلى جنوب السودان ثم أوغندا وكينيا، من دون عبور جيوش نظامية للحدود.

وتواجه مصر بدورها تداعيات مرتبطة باللاجئين وأمن حدودها الجنوبية ومياه النيل والتوازن مع إثيوبيا، فيما تخشى إريتريا انتقال الفوضى إلى شرق السودان وساحل البحر الأحمر. ويقول الأمين التنفيذي لـ«إيغاد»، وركني غبييهو، إن تحديات السلام والأمن أصبحت أكثر ترابطاً من أن تواجهها دولة أو مؤسسة منفردة، واصفاً السودان بأنه أحد أوضح مظاهر اجتماع المواجهة العسكرية والكارثة الإنسانية والتفكك المؤسسي والامتداد الإقليمي والتنافس الجيوسياسي.

لم تتحول حرب السودان بعد إلى حرب إقليمية مكتملة الأركان، لكنها تجاوزت منذ وقت طويل حدود الصراع الداخلي. ومع تداخل الحلقات، لن يبقى السؤال مستقبلاً: هل تتمدد الحرب إلى الإقليم؟ بل: هل بدأت؟