«السؤال الصعب»... كيف تُحسب فاتورة الكهرباء في مصر؟

التعريفة المحاسبية الجديدة تربك الأسر

مصريون أمام أحد المنافذ الحكومية لشحن وسداد فواتير الكهرباء (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
مصريون أمام أحد المنافذ الحكومية لشحن وسداد فواتير الكهرباء (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
TT

«السؤال الصعب»... كيف تُحسب فاتورة الكهرباء في مصر؟

مصريون أمام أحد المنافذ الحكومية لشحن وسداد فواتير الكهرباء (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
مصريون أمام أحد المنافذ الحكومية لشحن وسداد فواتير الكهرباء (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

«أراقب عداد الكهرباء ورصيد الكارت كل يوم، كأني أراقب المفاعل النووي»... هكذا تهكم المواطن المصري عماد نوح، الذي يعمل في مجال الأرشفة الإلكترونية والمقيم بمحافظة الجيزة، على أسعار فواتير الكهرباء خلال لقاء مع أصحابه على مقهى شعبي.

رد عليه صديقه الصحافي محمود حامد الذي يسكن بمدينة 6 أكتوبر: «مش عارف فلوس الشحن بتروح فين؟»، ويروي كيف أنه شحن كارت الكهرباء قبل أيام بـ300 جنيه (نحو 6 دولارات) ليفاجأ بنفاد الرصيد في اليوم التالي.

أما الصديق الثالث محمد حسام، الذي يعمل مبرمجاً بالقاهرة، فقال: «فاتورة الكهرباء يوم في العالي ويوم في النازل»، موضحاً أنه دفع الشهر الماضي فاتورة بقيمة 1500 جنيه، رغم أنه يعيش بمفرده.

بينما علَّق الموظف الحكومي محمد فريد، رابع أعضاء الجلسة والمقيم بمحافظة المنوفية: «كأني في امتحان، حاولت الحذر من الاستهلاك العالي وفشلت، لأجد نفسي في الشريحة السابعة». وأضاف في ضيق: «أنا مش عارف فاتورة الكهرباء بتتحسب إزاي».

نظام الشرائح التصاعدي

سواء في المقاهي أو الدواوين الحكومية أو وسائل المواصلات، وصولاً إلى منصات التواصل الاجتماعي، تحول سؤال «كيف تُحسب فاتورة الكهرباء؟» إلى نقاش يومي بين المصريين. فمع كل فاتورة شهرية أو شحنة جديدة، تحوَّل التعرف على قيمة الفاتورة أو الشريحة الكهربائية من بين شرائح الاستهلاك إلى لحظة ترقب وارتباك تشبه انتظار نتائج الامتحانات.

وكانت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة قد أعلنت، مطلع الشهر الماضي، عن تعريفة محاسبية جديدة للاستخدامات المنزلية بمتوسط 12 في المائة، وتثبيت أسعار الشريحة الأولى دون تغيير.

والأسبوع الماضي، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضبط فواتير الكهرباء ومنع التقديرات الجزافية وتسهيل عملية تسديد المواطنين للمبالغ المتأخرة المستحقة عليهم، بما في ذلك النظر في إمكانية تيسير سبل سداد المتأخرات.

تعريفة محاسبية جديدة لشرائح الاستهلاك المنزلي من الكهرباء في مصر (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

ويقول أستاذ هندسة الطاقة ورئيس جهاز تنظيم الكهرباء السابق حافظ سلماوي: «مع كل زيادة في أسعار الكهرباء يتجدد اهتمام المواطنين بالفاتورة، لكن المشكلة في عدم إلمام البعض بطريقة المحاسبة، كما أن التعريفة نفسها لا تُعلن بشكل واضح، مما يخلق حالة من البلبلة ويجعل المواطن يشعر بأن الفاتورة غير مفهومة أو غير عادلة».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» طريقة احتساب قيمة الاستهلاك قائلاً: «آلية الحساب تعتمد على نظام الشرائح التصاعدي، حيث يُعاد احتساب الاستهلاك من الصفر عند تجاوز كل حد، مما يجعل الفاتورة ترتفع بشكل ملحوظ عند الانتقال من شريحة إلى أخرى».

وحسب جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، تُقسم الفواتير المنزلية إلى سبع شرائح استهلاك، تتدرج فيها نسبة الدعم الحكومي؛ ففي الشرائح الدنيا (حتى 200 كيلوواط/ساعة) يتحمل المواطن ما بين ربع إلى نصف التكلفة الفعلية، بينما ترتفع نسبة تحمله تدريجياً لتصل إلى نحو 88 في المائة عند استهلاك 1000 كيلوواط/ساعة، ثم إلى السداد الكامل عند تجاوز هذا الحد.

ويلفت أستاذ هندسة الطاقة الانتباه إلى أمر يغفل عنه كثيرون، وهو أن حساب الاستهلاك -سواء في العدادات مسبوقة الدفع عبر كارت الشحن، أو العدادات التقليدية التي تُقرأ شهرياً وتتبعها فاتورة لاحقة- تضاف إليه رسوم خدمة العملاء، وهي مقررة على جميع المشتركين وفقاً لكل شريحة، أي تزيد مع زيادة الاستهلاك، حيث تبدأ من 3 جنيهات وتصل إلى 100 جنيه. وقد بدأ العمل بهذا بالتزامن مع بدء العمل بزيادة أسعار شرائح الاستهلاك، وهو ما يدفع البعض للشكوى من خصم في الرصيد لا يعرفون سببه.

وحول شكاوى البعض من الانتقال من شريحة أقل إلى أعلى رغم ثبات الأجهزة المستخدمة، قال سلماوي: «الاستهلاك يتغير موسمياً حتى مع نفس الأجهزة؛ فالثلاجة مثلاً تستهلك كهرباء أكثر في الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة، كذلك أجهزة مثل المكيفات والغسالات ترتفع معدلات تشغيلها في الصيف، مما يرفع الاستهلاك تلقائياً».

عداد مسبوق الدفع عبر كارت الشحن (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

وحسب بيانات وزارة الكهرباء، «بلغ استهلاك الفرد من الكهرباء في مصر عام 2024/2023 نحو 2152 كيلوواط/ساعة سنوياً».

الترشيد... والمرونة

ويوضح الخبير الاقتصادي عادل عامر لـ«الشرق الأوسط» أن الأثر المباشر لارتفاع شرائح الكهرباء المنزلية على المستهلك يختلف حسب مستوى الاستهلاك، حيث ينتقل إلى شرائح أعلى كلما ارتفع استهلاكه، وبالتالي ترتفع قيمة المبلغ المطلوب سداده.

ويشير إلى أن ارتفاع سعر الكيلوواط لا يعني بالضرورة ارتفاع الفاتورة بنفس النسبة، لأن الفاتورة تعتمد على كمية الاستهلاك ونظام الشرائح وطريقة المحاسبة.

ويضيف: «حماية أقل شرائح الاستهلاك لا تعني بالضرورة أن الطبقة المتوسطة لن تتضرر، فالأسرة المتوسطة التي تستخدم جهاز تكييف أو أكثر، وسخاناً كهربائياً، وثلاجة، وغسالة، وأجهزة منزلية متعددة، يمكن أن تنتقل بسهولة إلى شرائح استهلاك أعلى».

كما يلفت عامر إلى مفارقة مهمة، وهي أن «رفع أسعار الشرائح قد يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك، وهو هدف اقتصادي مشروع، لكن تظل الكهرباء خدمة لا يمكن للمواطن الاستغناء عنها بسهولة. فالأسرة تستطيع تقليل استهلاك الترفيه، لكنها لا تستطيع ببساطة الاستغناء عن الثلاجة، والإضاءة، والغسالة، والتكييف صيفاً».

لذلك فإنه يؤكد أن «مرونة الطلب على الكهرباء تكون محدودة في الأجل القصير؛ أي إن المواطن قد يدفع فاتورة أعلى دون أن يستطيع خفض استهلاكه بنفس نسبة ارتفاع السعر».


مقالات ذات صلة

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

شددت محادثات مصرية - بريطانية على «ضرورة وقف الاعتداءات ضد المملكة العربية السعودية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري «الدهّابة» على الحدود المصرية-السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول) في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب غير المشروع هناك

محمد محمود (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

بلاغ مواطن يقود إلى كشف أثري بارز في مصر

قاد إبلاغ مواطن مصري عن كتلة حجرية تحمل نقوشاً عُثر عليها في قطعة أرض يمتلكها أمام منزله بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، إلى كشف أثري ضخم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

تجدد التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية «مظاهرات السفارات»

تجددت التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية توقيف الناشط أحمد ناصر، نائب رئيس اتحاد شباب المصريين بالخارج، وزميل له في هولندا.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود المصرية - السودانية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب، لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام «عمال اليومية» الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه في نهاية كل يوم.

فغياب العمل هنا لا يعني مجرد يوم من دون دخل، بل قد يعني أسرة من دون طعام، أو طفلاً يذهب للمدرسة دون مصروف، أو مريضاً يتوقف عن العلاج لأن تكلفة الدواء أصبحت خارج المتناول.

على الأرصفة والأسواق وورش الحرف، يبحث عمال اليومية عن فرصة صغيرة «تسند يومهم»، لكن عدد الباحثين عن العمل ارتفع في وقت تقلصت الأعمال المتاحة وانكمشت قيمة الأجور مع ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

وبينما تتسع الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة، يجد كثير من العمال أنفسهم أمام خيار صعب: قبول أجور أقل أم العودة إلى منازلهم خاليي الوفاض.

أعباء متشابكة

يقول النقابي العمالي عبد الله يوسف إن الأغلبية العظمى من العمال «فقدت وظائفها بسبب الحرب والنزوح والتشرد»، مشيراً إلى أن العمل اليومي الذي كان متاحاً قبل اندلاع الحرب أصبح شحيحاً.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية العمال يعيلون أسراً تضم خمسة أو ستة أطفال في مراحل دراسية مختلفة، في حين دفع تدهور الوضع الاقتصادي بعض الأسر إلى الاستدانة، بل إن البعض دخل السجن لعجزه عن الوفاء بالتزاماته.

سودانية تغرس بذوراً في حقل بولاية القضارف بشرق السودان يوم 18 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

وبالنسبة للعامل اليومي، لا يرتبط الأجر بعدد ساعات العمل فقط، وإنما بقدرته على تغطية احتياجات أسرة كاملة. ومع ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، يكون ما يحصل عليه في نهاية يومه قد فقد جزءاً كبيراً من قيمته قبل أن يصل إلى المنزل.

ويقول بابكر خليفة، وهو عامل باليومية وأب لثلاثة أطفال، إن الحرب «دمرت الاقتصاد»، وإن أسرته تعتمد بصورة أساسية على وجبات محدودة من الفول والعدس، من دون قدرة على شراء اللحوم أو الفواكه والخضراوات بصورة منتظمة.

العامل بابكر خليفة قال إن أطفاله يبكون من الجوع في بعض الليالي (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أبناءه يحتاجون إلى مصروفات يومية للمدرسة، بينما لا يكفي الطعام المتاح في المنزل احتياجاتهم؛ مضيفاً أن أطفاله «يبكون من الجوع في بعض الليالي».

ولا يختلف حال بابكر الطاهر كثيراً، فقد نزح إلى القضارف عقب اندلاع الحرب قبل أن يعود إلى الخرطوم، لكنه وجد نفسه أمام واقع اقتصادي أشد قسوة.

يقول عن أسرته المكونة من أربعة أطفال: «أحياناً نأكل ومرات أخرى لا نأكل»؛ موضحاً أن ارتفاع الأسعار والتضخم قللا بصورة كبيرة من القيمة الحقيقية لأجر العامل اليومي.

العامل بابكر الطاهر أجبرته الظروف على العمل بأجر أقل لإطعام أسرته (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أن ارتفاع عدد الباحثين عن العمل جعل العامل مضطراً في أحيان كثيرة إلى قبول أجور أقل، حتى لا يعود إلى أسرته بخُفيّ حُنين.

«نحتاج إلى معجزة»

ولا تقتصر الأزمة على العمال الذين ينتظرون فرصة عمل يومية، فحتى أصحاب المهن والحرف الذين ما زالوا يمارسون أعمالهم يواجهون مشكلة أخرى تتمثل في تراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكلفة مستلزمات المعيشة والإنتاج.

يقول عبد الكريم إبراهيم، وهو ترزي يعول أسرة مكونة من ولدين وبنتين، إن العمل اليومي لم يعد كافياً لتلبية متطلبات أسرته.

الترزي عبد الكريم إبراهيم يروي كيف أصبح علاج أسرته عبئاً إضافياً (الشرق الأوسط)

ويصف الوضع الاقتصادي بأنه «يحتاج إلى معجزة»، مشيراً إلى أن أسعار المواد الغذائية أصبحت خارج متناول كثير من الأسر، بينما أصبح الحصول على العلاج عبئاً إضافياً.

ويواجه الحلاق الشاب عثمان علي واقعاً مشابهاً، ويقول إن دخله لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة.

ولا تتوقف مشكلاته عند تراجع القدرة الشرائية، إذ يشير إلى انقطاع الكهرباء لفترات طويلة وتعطل التطبيقات البنكية التي يعتمد عليها في تحويلات عملائه، ما يزيد صعوبة الحصول على مستحقاته.

الشاب عثمان علي اضطر إلى ترك دراسته وممارسة الحلاقة بسبب الحرب (الشرق الأوسط)

عثمان نفسه اضطر إلى ترك الدراسة في المرحلة الثانوية بسبب ظروف الحرب، والتوجه إلى العمل للمساهمة في إعالة أسرته الكبيرة، ليصبح واحداً من جيل دفع ثمناً مباشراً للحرب من مستقبله التعليمي.

والضغوط على المواطنين لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، كما يقول النقابي العمالي يوسف، وإنما تفاقمت مع زيادة الجبايات والرسوم وارتفاع الدولار الجمركي وحظر بعض السلع المستوردة، وهي عوامل يقول إنها أسهمت في اتساع الفجوة داخل الأسواق.

ويطالب يوسف بتحسين أجور العاملين وأوضاع أرباب المعاشات، مشيراً إلى أن بعض الموظفين يتقاضون مستحقات محدودة للغاية، بينما يحصل بعض المتقاعدين، حسب قوله، على مبالغ لا تتناسب مع سنوات خدمتهم.

كما يطالب بتدخل حكومي عاجل لمعالجة أوضاع العاملين وأسرهم، عادّاً أن استمرار الفجوة بين الأجور والأسعار يضع ملايين الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة.

«الأكثر هشاشة»

ويقول الخبير الاقتصادي محمد الناير إن العمالة اليومية تُعد من أكثر الفئات تضرراً من الحرب في السودان، جراء توقف أعمال البناء والتشييد وتراجع الأنشطة الحرفية، ما أفقد أعداداً كبيرة منهم مصادر رزقهم.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الفئات تواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، في ظل فقدان فرص العمل والارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات، إلى جانب تراجع قيمة العملة الوطنية وزيادة معدلات التضخم والبطالة والفقر».

وأشار إلى أن انطلاق برنامج متكامل لإعادة الإعمار يمكن أن يسهم في استيعاب أعداد كبيرة من العمالة اليومية من خلال توفير فرص عمل في قطاعات البناء والتشييد والأنشطة المرتبطة بها، لكنه شدد على أن هذه الفئات لا تزال الأشد تضرراً نظراً لاستمرار تعطل مصادر دخلها.

وأكد الناير ضرورة اضطلاع الدولة بمسؤولياتها في حماية الشرائح الضعيفة والفقيرة، داعياً إلى وضع برنامج متكامل للحماية الاجتماعية يستجيب للتحديات الاقتصادية الراهنة، ويوفر الدعم اللازم للفئات الأكثر تضرراً من تداعيات الحرب.

وتتوافق هذه الشهادات مع تحذيرات منظمة العمل الدولية من التأثيرات العميقة للحرب على سوق العمل في السودان، إذ أدت إلى فقدان وظائف وتراجع النشاط الاقتصادي، وتعطيل سبل كسب العيش، فيما يُعد العاملون في الاقتصاد غير الرسمي من أكثر الفئات هشاشة.


الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)
محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)
محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)

يواجه ثلاثة رؤساء سابقين للاتحاد الجزائري لكرة القدم اتهامات عدة بالفساد، في محاكمة انطلقت أمس الثلاثاء، ويُرتقب أن تستمر عدة أيام، بالنظر إلى ثقل الملفات المعروضة أمام المحكمة، والمتعلقة بالتسيير المالي للهيئة الكروية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2017 و2023.

شرف الدين عمارة الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم (اتحاد الكرة)

انطلقت المحاكمة، بعد تأجيلها عدة مرات، بـ«محكمة القطب الاقتصادي والمالي»، إذ يتابع في هذه القضية عدة متهمين موقوفين، من بينهم ثلاثة رؤساء سابقين لاتحاد كرة القدم، المعروف اختصاراً بـ«فاف»، وهم خير الدين زطشي (2017-2021)، وشرف الدين عمارة (2021-2022) وجهيد زفيزف (2022-2023).

كما يشمل الملف خمسة متهمين كانوا أعضاء في المكتب التنفيذي للاتحاد. وتشمل لائحة الاتهام «التعسف المتعمد في استغلال الوظيفة بطريقة مخالفة للقوانين والتنظيمات بغرض منح امتيازات غير مستحقة للغير»، و«إبرام صفقات مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية بغرض منح امتيازات غير مستحقة للغير»، و«التبديد العمدي للأموال العمومية من خلال الاستخدام غير القانوني لها»، و«اختلاس الأموال العمومية والاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة»، و«الاستفادة من امتيازات غير مستحقة بمناسبة إبرام عقد مع الدولة أو إحدى مؤسساتها»، و«المشاركة في التبديد العمدي للأموال العمومية».

المتهمون ينفون الشبهات

تتعلق هذه الوقائع بالتسيير المالي والإداري للاتحاد الجزائري لكرة القدم، وهي التهم التي نفاها جميع المتهمين، وفق ما نشرته صحيفة «الوطن» في عددها اليوم الأربعاء.

خير الدين زطشي الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم (اتحاد الكرة)

وفي مستهل المحاكمة، أثارت هيئة الدفاع عن المتهمين مجموعة من «الاختلالات الإجرائية»، مع التركيز على الطعن في تحقيقات النيابة العامة، والأساس القانوني لتكييف الوقائع. وفي هذا السياق، طلب محامو جهيد زفيزف عدم الأخذ بتقرير «المفتشية العامة للمالية» (جهاز حكومي للتحري حول إنفاق المال العام)، كما طعنوا في «الظروف التي استمع فيها الخبراء إلى محامي الاتحاد»، وفي «إعداد تقرير دون ذكر أسماء معدّيه وصفاتهم». كما اعترضت هيئة الدفاع على تأسيس الطرف المدني، بحجة أنه «لا توجد أي مستحقات مالية غير مسددة بينه وبين الاتحاد».

وعند بدء استجواب المتهمين غير الموقوفين، استدعت القاضية مديرة الموارد البشرية باتحاد كرة القدم، التي نفت جميع التهم الموجهة إليها، والمتعلقة باقتناء ألبسة رياضية بقيمة 60 مليون دينار (نحو 445 ألف دولار)، دون تبرير أوجه استخدامها. نافية قطعياً أن يكون ذلك صحيحاً، وموضحةً أن الأمر يتعلق بمبلغ قدره 100 ألف دينار (744 دولار)، وفق ما تثبته الوثائق المحاسبية، استُخدم لشراء ألبسة رياضية, وُزعت على العمال في إطار التضامن معهم خلال فترة جائحة كوفيد-19. وأضافت موضحة: «لقد احترمت جميع الإجراءات».

وردّ عليها ممثل النيابة بأن المشكلة تكمن في أن الجهة التي وُجهت إليها هذه الألبسة غير محددة.

جهيد زفيزف الرئيس السابق لاتحاد كرة القدم (اتحاد الكرة)

وعند مثوله أمام المحكمة، نفى عمر بهلول، عضو المكتب التنفيذي، بدوره الوقائع المنسوبة إليه، متسائلاً: «لماذا يوجد خمسة أعضاء فقط في قفص الاتهام من أصل 13 عضواً في المكتب التنفيذي؟». وأوضح أنه مع بداية كل موسم يتم توزيع 1200 طقم رياضي وفق إجراءات موثقة ومحترمة. وحاول إقناع القاضية بأنه يتعرض لما وصفه بـ«الاستهداف»، حسب ما نقله تقرير صحيفة «الوطن» بشأن أطوار المحاكمة.

وقال بهلول بهذا الصدد: «أُتابع للمرة الثانية في القضية نفسها، هنا في عنابة (شرق). وهم أنفسهم الذين قالوا لي سنة 2017 إنه إذا لم أوافق على الفندق الذي كان الاتحاد الجزائري لكرة القدم يعتزم بناءه، فسيدمرونني. لكنني رفضت ذلك، وقلت إنه من الأفضل بناء أربعة مراكز تكوين مخصصة للرياضة. وقد اعتُمدت الفكرة وجُسدت على أرض الواقع، لكن خصومي، الذين لا يزالون في مواقعهم، تمكنوا في النهاية من تدميري».

توسع نطاق المحاسبة

استمعت المحكمة أيضاً إلى عضوين آخرين من المكتب التنفيذي، لا سيما بشأن وكالة سفر تتولى توفير تذاكر السفر وحجوزات الفنادق لأطر الاتحاد الجزائري لكرة القدم، فضلاً عن العقد المبرم مع شركة «أديداس» للألبسة والمستلزمات الرياضية. غير أن جميع المتهمين نفوا ارتكاب أي مخالفة للقانون، مؤكدين أنهم «تصرفوا وفقاً للقانون».

واستؤنفت المحاكمة اليوم الأربعاء باستجواب بقية المتهمين، على أن يفسح المجال لمرافعة النيابة قبل أن تحال الكلمة للمحامين، الذين يفوق عددهم العشرين.

وشهدت فترة حكم الرئيس عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة في هرم السلطة، شملت وزراء وكبار الموظفين برئاسة الجمهورية.

ويرى مراقبون أن هذه المحاكمات تعكس إصراراً على محاسبة المسؤولين وهم في صدارة المشهد السياسي، ضمن مسعى تضعه السلطة في إطار ما تسميه «أخلقة الحياة العامة».

وزير الصناعة وإنتاج الدواء السابق علي عون (الوزارة)

ومن أبرز الأسماء التي تعرضت للملاحقة القضائية علي عون وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني السابق، ونسيم ضيافات الوزير المنتدب السابق المكلف المؤسسات الناشئة والمصغرة، وتيجاني حسان هدام وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي السابق، ومحمد بوعكاز مستشار رئيس الجمهورية السابق والمدير العام الأسبق للتشريفات برئاسة الجمهورية.

كما شملت قضايا الفساد مسؤولين بارزين في مراحل سابقة، من بينهم رؤساء حكومات ووزراء ومسؤولون أمنيون، مثل الجنرال بشير طرطاق، والجنرال واسيني بوعزة، وقائد الدرك الوطني السابق الجنرال مناد نوبة، والمديرين العامين السابقين للأمن الوطني عبد الغني هامل وفريد بن الشيخ.


تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
TT

تضييق يتزايد وسجون تترصد حرية الصحافة في تونس

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافي محمد اليوسفي (رويترز)

في حديقة بمقر «نواة»، المنصة الإعلامية الاستقصائية المستقلة في تونس، يجلس صحافيون وهم يدخنون السجائر ويتبادلون النكات، فيما يناقشون خلال اجتماعهم التحريري مشاريع تحقيقات يخططون لنشرها. هذا يبدو المشهد قد عادياً، لكن الموضوعات التي يناقشونها قد تكلفهم حريتهم في بلد يقبع فيه أربعة صحافيين خلف القضبان، ويواجه آخرون ملاحقات قضائية، فيما اختار بعضهم المنفى هرباً من المصير نفسه.

الصحافي مهدي الجلاصي من موقع «نواة» الذي يقول مسؤولوه إنه يواجه تضييقاً من السلطات (رويترز)

إنه مشهد يناقض ما كانت ​عليه الأوضاع في السنوات التي أعقبت الثورة، حين كان انتقاد المسؤولين والرؤساء، بل حتى السخرية منهم في البرامج الكوميدية، أمراً مألوفاً، في مساحة عامة اتسعت فيها حرية التعبير، مقارنة بما عرفته البلاد في عهد زين العابدين بن علي.

اختبار صعب للصحافة

بعد خمسة عشر عاماً على الثورة التونسية، التي أطاحت بنظام بن علي عام 2011، تجد حرية الصحافة، إحدى أبرز مكاسب الثورة التونسية، نفسها أمام اختبار صعب بعدما استحوذ الرئيس قيس سعيد على صلاحيات واسعة النطاق، كما يقول مراقبون. ويواجه نحو 20 صحافياً ملاحقات قضائية بسبب تقاريرهم، أو منشوراتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد سُجن أربعة منهم بالفعل، وذلك وفقاً لزياد الدبار، نقيب الصحافيين التونسيين، الذي وصف الوضع بأنه غير مسبوق.

أيمن الرزقي رئيس تحرير «نواة» (رويترز)

في المقابل، يؤكد الرئيس سعيد أنه ليس ديكتاتوراً، وأن الصحافيين يتمتعون بحرية انتقاد السلطات، وهو ما يفعلونه مراراً. فيما تقول السلطات إن الملاحقات القضائية هي مسائل قانونية محايدة، وإنه لا أحد فوق القانون. ولم يرد المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء التونسي على طلبات التعليق المقدمة من «رويترز».

وتقول جماعات حقوقية إن وسائل الإعلام المستقلة تواجه الآن حملة قمع شاملة؛ إذ تراجع ترتيب تونس بأكثر من 50 مركزاً خلال السنوات الخمس الماضية، لتصل إلى المرتبة الـ137 في مؤشر حرية الصحافة، الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود».

وبدأ التحول في يوليو (تموز) 2021، حين سيطر الرئيس سعيد على صلاحيات واسعة، وبدأ لاحقاً الحكم ‌بالمراسيم، قبل أن يعيد ‌تشكيل النظام السياسي من خلال دستور جديد عام 2022. ولذلك يرى منتقدوه أن تركيز السلطة بين يديه أضعف الضمانات الديمقراطية، ومهد الطريق ​لتصاعد ‌الضغوط على ⁠الصحافيين والنشطاء والمعارضين ​السياسيين.

⁠حقل ألغام متحرك

بالنسبة لأيمن الرزقي، رئيس تحرير «نواة»، لم تعد المخاطر المرتبطة بالعمل الصحافي استثناء، بل جزءاً من الحياة اليومية. فخلال نحو 20 عاماً من العمل في الصحافة، عايش الرزقي السنوات الأخيرة من حكم بن علي، وتعرض للتضييق والاعتقال والملاحقات. لكنه يرى أن المناخ الحالي بات أكثر خطورة، «ليس بالضرورة لأن القيود أصبحت أكثر وضوحاً، بل لأن الحدود باتت أكثر غموضاً وتقلباً».

من مظاهرة سابقة نظمها صحافيون للمطالبة بإطلاق سراح الصحافيين المعتقلين في السجون (رويترز)

يقول الرزقي لـ«رويترز»: «قبل 2011، كانت الحدود واضحة. أما اليوم، فنحن نعيش في منطقة رمادية، أشبه بحقل ألغام متحرك، وندفع الثمن كل يوم». ويشير رئيس تحرير «نواة» إلى صعوبات متزايدة في الحصول على المعلومات الرسمية، إلى جانب الضغوط القضائية والمضايقات، والتهديدات عبر الإنترنت وهي قيود يشكو منها كثير من الصحافيين الآخرين. كما واجه موقع «نواة» قيوداً إدارية وقضائية، من بينها قرار بتعليق نشاطه لمدة شهر خلال العام الماضي. وذكر الرزقي أن موقع «نواة» يتلقى بانتظام تهديدات، سواء كانت مجهولة المصدر، أو من مؤيدين للحكومة على وسائل التواصل الاجتماعي يصفونه بالخائن، بسبب تغطيته لقضايا تشمل السجون، وانقطاع التيار الكهربائي ونقص المياه.

صحافيون بالسجون وآخرون بالمنفى

لا تقتصر الضغوط على الصحافيين في «نواة» فحسب؛ ⁠ففي الرابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، اعتقلت الشرطة محمد اليوسفي، رئيس تحرير موقع «الكتيبة» الاستقصائي، في أثناء توجهه إلى محطة إذاعية خاصة للمشاركة في ‌برنامج مباشر. وقد وجَّه إليه قاض تهمة الإثراء غير المشروع، وهي تهمة يصفها اليوسفي بأنها ملفقة. وفي رسالة من سجنه قال اليوسفي: «نحن ‌لسنا حزباً سياسياً، ولسنا ملحقاً بأي طرف، لكننا أيضاً لسنا جسراً تعبر من خلاله السلطة لتمرير أجنداتها. استقلاليتنا ليست ​امتيازاً نطالب به، بل هي شرط أساسي لوجود الصحافة ذاتها، ولقدرتها على أداء رسالتها في خدمة ‌المجتمع، بعيداً عن التوظيف والتدجين والرقابة».

مقر نقابة الصحافيين التونسيين وسط العاصمة (رويترز)

وفجَّر اعتقال اليوسفي، بتهمة الإثراء غير المشروع، انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان في الداخل والخارج التي طالبت السلطات بالإفراج عنه. وانضم اليوسفي إلى قائمة من ‌الصحافيين المسجونين في تونس، تشمل مراد الزغيدي وبرهان بسيس وزياد الهاني. وحُكم على الزغيدي وبسيس بالسجن ثلاث سنوات ونصف سنة لكل منهما في قضايا مالية، إضافة لتهم الإساءة للرئيس، فيما لا يزال الهاني خلف القضبان على خلفية تصريحات انتقد فيها القضاء.

لكن السجن ليس المصير الوحيد الذي يهدد الصحافيين في تونس؛ فبالنسبة للبعض منهم، أصبحت مغادرة البلاد خياراً لتجنب الوقوع خلف القضبان، حتى لو كان ذلك يعني ترك أسرهم وشبكاتهم المهنية، وكل ما بنوه على مدى سنوات، في رحلة لم تكن خياراً سهلاً بقدر ما كانت محاولة لتجنب السجن. وغادر أربعة صحافيين على الأقل البلاد، من بينهم هيثم المكي وخولة بوكريم، مؤسسة موقع «توميديا»، وهي صوت قوي ومنتقد للرئيس، والتي وجدت نفسها في ديسمبر (كانون الأول) 2025، مجبرة على مغادرة تونس إلى فرنسا خشية اعتقال وشيك.

مظاهرة احتجاجية سابقة ضد ما يعدُّه الصحافيون تضييقاً على الحريات (رويترز)

وبعد أشهر قليلة من مغادرتها، صدر بحقها حكمان غيابيان، بلغ مجموعهما أربع سنوات سجناً، وذلك على خلفية كتابات ومواقف منتقدة للقضاء، وانتقادات لنظام حكم تصفه «بالاستبدادي».

وعرفت بوكريم بانتقاداتها اللاذعة لسياسات الرئيس سعيد، وببرامج سياسية تستضيف فيها شخصيات معارضة بارزة، وتسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها في أغلب المنابر الإعلامية المحلية. كما غادر الصحافي البارز هيثم المكي تونس في يوليو (تموز) الماضي، بعدما علم بصدور حكم بسجنه عاماً، على خلفية تعليقات ومنشورات تناولت مخالفات في مستشفى صفاقس تتعلق بجثث مهاجرين.

وقد تداولت وسائل إعلام عديدة التعليقات ذاتها، من دون أن تواجه ملاحقات مماثلة. وتشير نقابة الصحافيين إلى أنه، فضلاً عن الملاحقات القضائية، كثيراً ما تمنع الشرطة الصحافيين من العمل في الأماكن العامة، كما يتم احتجازهم أحياناً لساعات. كما أن معظم الوزارات لم تعد تضم مكاتب صحافية، في حين حُرم العديد من المراسلين الدوليين من الحصول على اعتمادات رسمية، مما زاد من تقييد التغطية الإعلامية المستقلة.

تراجع المشهد الإعلامي

يتجلى انكماش مساحة الصحافة التونسية أيضاً في التحول الذي طرأ على البرامج التلفزيونية والإذاعية وطبيعة النقاش السياسي المتاح للجمهور. ففي السنوات التي أعقبت ثورة 2011، كانت السخرية السياسية جزءاً مألوفاً من المشهد الإعلامي، وكان الرؤساء وكبار المسؤولين مادة للبرامج الساخرة والكوميدية، فيما اتسع النقاش العام ليشمل انتقادات حادة غير مألوفة في باقي بلدان المنطقة. لكن بعد ذلك اختفت البرامج السياسية، وتلك التي تتضمن انتقادات من العديد من المحطات الإذاعية الخاصة.

وتقول النقابة إن الإعلام الرسمي بات يهمش الأصوات المعارضة بشكل متزايد، وإن كانت وكالة الأنباء الرسمية تظل استثناء؛ إذ تواصل تغطية الاحتجاجات وأنشطة المعارضة، ومبادرات المجتمع المدني. لكن نقابة الصحافيين التونسيين تقول إن «الإعلام العمومي تحول إلى بوق للدعاية السياسية، وإن الأصوات المعارضة والمجتمع المدني أُقصيت من برامجه».

الكلفة الإنسانية

في منزل الصحافي المسجون زياد الهاني، تبدو الكلفة الإنسانية كبيرة أيضاً، حيث يقضي الهاني عقوبة السجن لمدة عام بعد إدانته في مايو (أيار) بتهمة ​الإساءة للغير عبر شبكات التواصل الاجتماعي، في أحدث خطوة يقول معارضون إنها تهدف لإخماد الأصوات ​القوية والناقدة.

ثريا الزواري زوجة الصحافي المعتقل زياد الهاني (رويترز)

وتحدثت زوجته ثريا الزواري عن غيابه، والضغط النفسي الذي يثقل الأسرة، والصعوبة التي تواجهها بناته في تقبّل فكرة أن والدهم يقبع خلف القضبان. في بيت الهاني، لا يبدو السجن حكماً يطال شخصاً واحداً فحسب، بل محنة تمتد إلى أفراد عائلته، وتعيد تشكيل تفاصيل حياتهم اليومية. تقول الزوجة: «لا نستطيع تقبل فكرة أن زياد في السجن». لكن رغم ذلك تُظهر العائلة إصراراً كبيراً على اتباع نهج زياد في التشبث بالكلمة الحرة، ​والموقف القوي.