«السؤال الصعب»... كيف تُحسب فاتورة الكهرباء في مصر؟

التعريفة المحاسبية الجديدة تربك الأسر

مصريون أمام أحد المنافذ الحكومية لشحن وسداد فواتير الكهرباء (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
مصريون أمام أحد المنافذ الحكومية لشحن وسداد فواتير الكهرباء (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
TT

«السؤال الصعب»... كيف تُحسب فاتورة الكهرباء في مصر؟

مصريون أمام أحد المنافذ الحكومية لشحن وسداد فواتير الكهرباء (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
مصريون أمام أحد المنافذ الحكومية لشحن وسداد فواتير الكهرباء (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

«أراقب عداد الكهرباء ورصيد الكارت كل يوم، كأني أراقب المفاعل النووي»... هكذا تهكم المواطن المصري عماد نوح، الذي يعمل في مجال الأرشفة الإلكترونية والمقيم بمحافظة الجيزة، على أسعار فواتير الكهرباء خلال لقاء مع أصحابه على مقهى شعبي.

رد عليه صديقه الصحافي محمود حامد الذي يسكن بمدينة 6 أكتوبر: «مش عارف فلوس الشحن بتروح فين؟»، ويروي كيف أنه شحن كارت الكهرباء قبل أيام بـ300 جنيه (نحو 6 دولارات) ليفاجأ بنفاد الرصيد في اليوم التالي.

أما الصديق الثالث محمد حسام، الذي يعمل مبرمجاً بالقاهرة، فقال: «فاتورة الكهرباء يوم في العالي ويوم في النازل»، موضحاً أنه دفع الشهر الماضي فاتورة بقيمة 1500 جنيه، رغم أنه يعيش بمفرده.

بينما علَّق الموظف الحكومي محمد فريد، رابع أعضاء الجلسة والمقيم بمحافظة المنوفية: «كأني في امتحان، حاولت الحذر من الاستهلاك العالي وفشلت، لأجد نفسي في الشريحة السابعة». وأضاف في ضيق: «أنا مش عارف فاتورة الكهرباء بتتحسب إزاي».

نظام الشرائح التصاعدي

سواء في المقاهي أو الدواوين الحكومية أو وسائل المواصلات، وصولاً إلى منصات التواصل الاجتماعي، تحول سؤال «كيف تُحسب فاتورة الكهرباء؟» إلى نقاش يومي بين المصريين. فمع كل فاتورة شهرية أو شحنة جديدة، تحوَّل التعرف على قيمة الفاتورة أو الشريحة الكهربائية من بين شرائح الاستهلاك إلى لحظة ترقب وارتباك تشبه انتظار نتائج الامتحانات.

وكانت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة قد أعلنت، مطلع الشهر الماضي، عن تعريفة محاسبية جديدة للاستخدامات المنزلية بمتوسط 12 في المائة، وتثبيت أسعار الشريحة الأولى دون تغيير.

والأسبوع الماضي، شدد الرئيس عبد الفتاح السيسي على ضبط فواتير الكهرباء ومنع التقديرات الجزافية وتسهيل عملية تسديد المواطنين للمبالغ المتأخرة المستحقة عليهم، بما في ذلك النظر في إمكانية تيسير سبل سداد المتأخرات.

تعريفة محاسبية جديدة لشرائح الاستهلاك المنزلي من الكهرباء في مصر (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

ويقول أستاذ هندسة الطاقة ورئيس جهاز تنظيم الكهرباء السابق حافظ سلماوي: «مع كل زيادة في أسعار الكهرباء يتجدد اهتمام المواطنين بالفاتورة، لكن المشكلة في عدم إلمام البعض بطريقة المحاسبة، كما أن التعريفة نفسها لا تُعلن بشكل واضح، مما يخلق حالة من البلبلة ويجعل المواطن يشعر بأن الفاتورة غير مفهومة أو غير عادلة».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» طريقة احتساب قيمة الاستهلاك قائلاً: «آلية الحساب تعتمد على نظام الشرائح التصاعدي، حيث يُعاد احتساب الاستهلاك من الصفر عند تجاوز كل حد، مما يجعل الفاتورة ترتفع بشكل ملحوظ عند الانتقال من شريحة إلى أخرى».

وحسب جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، تُقسم الفواتير المنزلية إلى سبع شرائح استهلاك، تتدرج فيها نسبة الدعم الحكومي؛ ففي الشرائح الدنيا (حتى 200 كيلوواط/ساعة) يتحمل المواطن ما بين ربع إلى نصف التكلفة الفعلية، بينما ترتفع نسبة تحمله تدريجياً لتصل إلى نحو 88 في المائة عند استهلاك 1000 كيلوواط/ساعة، ثم إلى السداد الكامل عند تجاوز هذا الحد.

ويلفت أستاذ هندسة الطاقة الانتباه إلى أمر يغفل عنه كثيرون، وهو أن حساب الاستهلاك -سواء في العدادات مسبوقة الدفع عبر كارت الشحن، أو العدادات التقليدية التي تُقرأ شهرياً وتتبعها فاتورة لاحقة- تضاف إليه رسوم خدمة العملاء، وهي مقررة على جميع المشتركين وفقاً لكل شريحة، أي تزيد مع زيادة الاستهلاك، حيث تبدأ من 3 جنيهات وتصل إلى 100 جنيه. وقد بدأ العمل بهذا بالتزامن مع بدء العمل بزيادة أسعار شرائح الاستهلاك، وهو ما يدفع البعض للشكوى من خصم في الرصيد لا يعرفون سببه.

وحول شكاوى البعض من الانتقال من شريحة أقل إلى أعلى رغم ثبات الأجهزة المستخدمة، قال سلماوي: «الاستهلاك يتغير موسمياً حتى مع نفس الأجهزة؛ فالثلاجة مثلاً تستهلك كهرباء أكثر في الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة، كذلك أجهزة مثل المكيفات والغسالات ترتفع معدلات تشغيلها في الصيف، مما يرفع الاستهلاك تلقائياً».

عداد مسبوق الدفع عبر كارت الشحن (الشركة القابضة لكهرباء مصر)

وحسب بيانات وزارة الكهرباء، «بلغ استهلاك الفرد من الكهرباء في مصر عام 2024/2023 نحو 2152 كيلوواط/ساعة سنوياً».

الترشيد... والمرونة

ويوضح الخبير الاقتصادي عادل عامر لـ«الشرق الأوسط» أن الأثر المباشر لارتفاع شرائح الكهرباء المنزلية على المستهلك يختلف حسب مستوى الاستهلاك، حيث ينتقل إلى شرائح أعلى كلما ارتفع استهلاكه، وبالتالي ترتفع قيمة المبلغ المطلوب سداده.

ويشير إلى أن ارتفاع سعر الكيلوواط لا يعني بالضرورة ارتفاع الفاتورة بنفس النسبة، لأن الفاتورة تعتمد على كمية الاستهلاك ونظام الشرائح وطريقة المحاسبة.

ويضيف: «حماية أقل شرائح الاستهلاك لا تعني بالضرورة أن الطبقة المتوسطة لن تتضرر، فالأسرة المتوسطة التي تستخدم جهاز تكييف أو أكثر، وسخاناً كهربائياً، وثلاجة، وغسالة، وأجهزة منزلية متعددة، يمكن أن تنتقل بسهولة إلى شرائح استهلاك أعلى».

كما يلفت عامر إلى مفارقة مهمة، وهي أن «رفع أسعار الشرائح قد يؤدي إلى ترشيد الاستهلاك، وهو هدف اقتصادي مشروع، لكن تظل الكهرباء خدمة لا يمكن للمواطن الاستغناء عنها بسهولة. فالأسرة تستطيع تقليل استهلاك الترفيه، لكنها لا تستطيع ببساطة الاستغناء عن الثلاجة، والإضاءة، والغسالة، والتكييف صيفاً».

لذلك فإنه يؤكد أن «مرونة الطلب على الكهرباء تكون محدودة في الأجل القصير؛ أي إن المواطن قد يدفع فاتورة أعلى دون أن يستطيع خفض استهلاكه بنفس نسبة ارتفاع السعر».


مقالات ذات صلة

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

العالم العربي اجتماع المجلس التنفيذي لـ«دول الساحل والصحراء» بطرابلس (الخارجية المصرية)

«تجمع الساحل والصحراء» يبحث تعزيز حضوره بمواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية

ناقش تجمع دول «الساحل والصحراء» سُبل استعادة فاعلية مؤسساته، وتعزيز دوره في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية والتكامل الإقليمي، بما في ذلك مكافحة الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي ونظيراه القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن والمصري الدكتور بدر عبد العاطي (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يبحث مع نظيريه المصري والقطري جهود دعم أمن المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي، السبت، مع نظيريه القطري والمصري، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

جددت مصر تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم البحرية» الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدة ضرورة مراعاة شواغلها بشأن ترسيم الحدود البحرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء مصري - تشادي في ليبيا ناقش تعزيز العلاقات الثنائية ومسارات التعاون بين البلدين (الخارجية المصرية)

مصر وتشاد تتفقان على التنسيق والتشاور لمواجهة «تحديات مشتركة»

شددت مصر وتشاد على التنسيق والتشاور المستمر، لمواجهة «تحديات مشتركة»، بما يدعم الاستقرار الإقليمي، وذلك وسط تصاعد التوترات في منطقة القرن الأفريقي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا موجة ارتفاعات في أسعار العديد من المنتجات الغذائية عقب ارتفاع الدولار في مصر (الشرق الأوسط)

الأسعار في مصر صعدت مع الدولار... فهل تنخفض بتراجعه؟

أثار التعافي المحدود لسعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار تساؤلات بشأن انعكاس ذلك على أسعار السلع والأغذية التي شهدت ارتفاعاً في الآونة الأخيرة مع صعود الدولار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
TT

مصر تعيد فتح سفارتها في العاصمة الليبية بعد 12 عاماً من إغلاقها

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)
جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

أعادت مصر، السبت، فتح سفارتها في العاصمة الليبية طرابلس بعد إغلاقها في عام 2014 على وقع الانقسام السياسي وأعمال العنف المرتبطة به.

وافتتح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مقر السفارة، عقب وصوله إلى طرابلس في وقت سابق من اليوم حيث شارك أيضاً في دورة لتجمع دول الساحل والصحراء.

وقال عبد العاطي، في مؤتمر صحافي، إن إعادة فتح مقر السفارة «يعكس عمق العلاقة والترابط التاريخي والجغرافي الذي يجمع بين الشعبين الشقيقين».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتحدث خلال مؤتمر صحافي لدى إعادة افتتاح مقر سفارة بلاده في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وتسعى ليبيا إلى التعافي من الفوضى التي أعقبت إطاحة حكم معمر القذافي عام 2011.

وتتنافس حكومتان حالياً على السلطة، إحداها في طرابلس تحظى باعتراف الأمم المتحدة ويقودها رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وحكومة منافسة لها في الشرق مدعومة من المشير خليفة حفتر.

ووفق بيان للمتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، أشار عبد العاطي خلال الاحتفال إلى ما تحمله إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية التاريخي في طرابلس من دلالة تاريخية ودبلوماسية، منوهاً بأن مواصلة استخدامه كمقر للسفارة المصرية يمنح تاريخه امتداداً حياً، يجمع بين أصالة المكان ومتطلبات الحاضر وتطلعات المستقبل، وبشرى لاستئناف أداء رسالته كأحد جسور التعاون والتنسيق المتواصلين بين الدولتين الشقيقتين.

جانب من مراسم إعادة افتتاح مقر السفارة المصرية في طرابلس (وزارة الخارجية المصرية)

وأضاف عبد العاطي أن هذا المبنى التاريخي يمثل جزءاً لا ينفصل عن ذاكرة مدينة طرابلس بما تتمتع به من عمق تاريخي ومكانة ثقافية، فهو شاهد على تاريخها السياسي والدبلوماسي، كما تلتقي قيمته التاريخية مع ما تحمله العلاقات المصرية - الليبية من أواصر إنسانية وثقافية راسخة. وأوضح أن المباني التاريخية لا تحفظ ملامح الماضي فحسب، بل تستحضر أيضاً ما شهدته من أحداث، وما احتضنته من لقاءات، فضلاً عما تمنحه للأجيال المتعاقبة من فرصة للتعرف على محطات من تاريخ بلادها، وعلاقاتها بالعالم.

تأتي إعادة فتح السفارة بعد أسابيع من مصادقة البرلمان الليبي في بنغازي بشرق البلاد، على اتفاقية لترسيم الحدود البحرية مع تركيا، وهو ما أثار غضب القاهرة التي اعتبرت أن الاتفاقية تنتهك منطقتها البحرية.

وأعرب وزير الخارجية المصري عن الشكر والتقدير للدعم الذي قدمته الدولة الليبية وأجهزتها لإتمام أعمال صيانة وتجديد المبنى، منوهاً بأن العلاقات بين مصر وليبيا علاقات تاريخية وأخوية، لطالما استندت إلى روابط الجوار المباشر، والتشابكات الاجتماعية والثقافية، ووشائج الأخوة والمصاهرة، والمصالح المشتركة.


مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
TT

مصر تجدد تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم» الليبية - التركية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال لقائه رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس (الخارجية المصرية)

جددت مصر تمسكها بموقفها القانوني من «مذكرة التفاهم البحرية»، الموقعة بين ليبيا وتركيا، مؤكدةً ضرورة مراعاة شواغلها بشأن ترسيم الحدود البحرية، وفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحفظ مصالح البلدين.

وجاء الموقف المصري على لسان وزير الخارجية بدر عبد العاطي، خلال لقائه رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، في طرابلس، السبت، على هامش مشاركته في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء.

وترفض مصر مصادقة مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع ‌تركيا، وأكدت عبر مواقف وتصريحات متعددة أن ‌التصديق ⁠على الاتفاقية ​لا يترتب عليه «أي ⁠آثار قانونية بالنسبة لمصر».

وحسب بيان لوزارة الخارجية المصرية، شدد عبد العاطي على أهمية مراعاة الشواغل المصرية في مسألة ترسيم الحدود البحرية، انطلاقاً من «العلاقات التاريخية والأخوية بين البلدين الشقيقين، ووفق قواعد القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وبما يحقق مصالح البلدين الشقيقين، وهو ما تم التوافق عليه».

من جهته، أعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال في تصريحات لقناة «القاهرة الإخبارية»: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

وتأتي التصريحات في أعقاب موافقة مجلس النواب الليبي، خلال أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على مذكرة التفاهم الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي الخطوة التي أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية، إلى جانب مواقف أوروبية منتقدة للاتفاق في مراحل سابقة.

وسبق أن أكد الدبيبة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي حرص حكومته على مراعاة الشواغل المصرية بشأن المذكرة، وذلك بعد أيام من إعلان القاهرة رفضها تصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاق، بما يعكس استمرار حضور الملف في العلاقات بين البلدين.

وفي سياق متصل، تناولت مباحثات عبد العاطي والدبيبة تطورات الأزمة السياسية الليبية، إذ جدد الوزير المصري تمسك بلاده بالحل السياسي باعتباره المخرج الوحيد للأزمة، من خلال حوار شامل بملكية وقيادة ليبية، يستند إلى توافق وطني واسع.

وأكد عبد العاطي، حسب البيان، ضرورة الالتزام بمرجعيات الحل السياسي، في مقدمتها اتفاق الصخيرات، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، وصولاً إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة ليبيا وتصون مؤسسات الدولة وتدعم توحيدها، بما يضع حداً للانقسام القائم.

وتشهد ليبيا انقساماً سياسياً بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة، ومقرها طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، التي تدير مناطق في شرق البلاد وأجزاء من جنوبها، ضمن نطاق نفوذ الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر.


الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
TT

الأمم المتحدة تُمهد لحوار سياسي موسّع في ليبيا

المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى توقيع اتفاق «4+4» بين أطراف الصراع في ليبيا نهاية أغسطس الماضي (البعثة الأممية)

وضعت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا مسار الحوار السياسي المصغر أمام اختبار مهم، بعد التلويح بإمكانية توسيع دائرة المشاركين في العملية السياسية، إذا لم تحقق لجنة «4+4» تقدماً ملموساً في تنفيذ تفاهماتها، وسط استمرار الانقسام المؤسسي، وتعثر التوافق على الانتخابات.

ويعكس هذا التوجه تمسّك المبعوثة الأممية هانا تيتيه بالاتفاق، الذي توصلت إليه اللجنة المصغرة في 30 أغسطس (آب) الماضي، لكنه يكشف في الوقت ذاته عن «استعداد البعثة للبحث عن بدائل سياسية، إذا أخفقت الأطراف المعنية في تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية».

وكانت اللجنة قد توصلت، بعد أشهر من المشاورات، إلى تفاهمات بشأن المسار الانتخابي، حظيت بدعم أطراف ليبية ودولية، غير أن تنفيذها لا يزال يواجه تحديات مرتبطة بمواقف المؤسسات السياسية، واستمرار الخلافات بشأن القواعد المنظمة للانتخابات والحكومة الموحدة.

وفي ختام زيارة إلى بنغازي، قالت تيتيه، في تصريحات متلفزة، مساء الجمعة، إن البعثة تعمل مع الأطراف المعنية لاتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ الاتفاق، والتوصل إلى حكومة موحدة تمهد لإجراء الانتخابات، مؤكدة مواصلة متابعة مسار «4+4»، باعتباره المدخل الحالي للعملية السياسية.

وربطت المبعوثة الأممية الخطوات المقبلة بتقييم مدى التقدم المحرز في تنفيذ التفاهمات، محذرة من أن «عدم تحقيق النتائج المطلوبة قد يدفع البعثة إلى البحث عن مسارات أخرى، من بينها عقد اجتماع سياسي موسع، يضم أطرافاً تتجاوز المشاركين في الحوار المصغر».

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

وحسب مراقبين «يحمل هذا التلويح رسالة إلى المؤسسات والقوى الليبية بأن استمرار الرهان الأممي على اللجنة المصغرة ليس مفتوحاً بلا سقف زمني أو سياسي»، وأن تعثر تنفيذ التفاهمات «قد يُعيد طرح فكرة توسيع قاعدة المشاركة في المفاوضات، بحثاً عن مخرج للأزمة».

وجاءت تصريحات تيتيه بعد قرار مجلس الأمن تمديد ولاية البعثة الأممية عاماً إضافياً، حتى 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، في خطوة أكدت «استمرار الدعم الدولي للمسار السياسي، وشجعت البعثة على تعزيز حضورها واتصالاتها في شرق ليبيا وجنوبها، دعماً لتوحيد المؤسسات».

وفي هذا السياق، أجرت تيتيه سلسلة لقاءات مع قيادات سياسية وعسكرية في بنغازي، ركزت على فرص تنفيذ التفاهمات الأخيرة، وتوحيد مؤسسات الدولة، ودعم إجراء الانتخابات، في مسعى لتوسيع قاعدة التأييد السياسي والمؤسسي للاتفاق.

وناقشت المبعوثة الأممية مع الفريق صدام حفتر، نجل ونائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، ما وصفته بالتقدم المحرز في إطار الحوار المصغر، والخطوات المطلوبة لتنفيذ اتفاق اللجنة المعروفة باسم «4+4»، وفق بيان صادر عن البعثة.

تيتيه خلال لقاء مع رئيس مجلس النواب الليبي الصالحين عبد النبي الأسبوع الماضي (مجلس النواب)

كما التقت رئيس مجلس النواب الصالحين عبد النبي، في أول لقاء بينهما، وهنأته على انتخابه، مؤكدة استعداد الأمم المتحدة للعمل من كثب مع المجلس، ومختلف المؤسسات الليبية لدفع العملية السياسية وإجراء الانتخابات.

وكان رئيس مجلس النواب قد دعا الأمم المتحدة إلى الاضطلاع بدور أكثر فاعلية في التعامل مع الأطراف المعرقلة، مشيراً إلى أهمية توحيد المؤسسات السيادية والرقابية والقضائية، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من أي تسوية سياسية مستدامة.

وفي موازاة المسار السياسي، شملت لقاءات تيتيه اجتماعاً مع المدير العام لصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، بلقاسم حفتر، تناول فرص التعاون في مجالات التنمية المستدامة، وإعادة بناء البنية التحتية، في ظل ارتباط مشروعات الإعمار باستقرار المؤسسات وتوحيد إدارتها.

كما زارت تيتيه جامعة بنغازي، واطلعت على جهود إعادة إعمار المؤسسة التعليمية، وبحثت فرص التعاون مع الأمم المتحدة والأوساط الأكاديمية الليبية. ووضعت إكليلاً من الزهور على ضريح عمر المختار، مشيدة بإرثه بوصفه رمزاً للوحدة الوطنية.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وتأتي تحركات تيتيه في بنغازي امتداداً لمشاورات أممية شملت لقاءات مع أطراف سياسية ومؤسسات ليبية، واجتماعات الحوار المصغر في لندن أخيراً، التي تناولت توسيع المشاورات بشأن توحيد المؤسسة القضائية، بما يعكس اتساع الملفات المطروحة أمام مسار التسوية السياسية.