مجموعة العشرين تصطف ضد اختلالات التجارة... والصين ترفض الإجماع

واشنطن تحشد دعم 19 دولة لمواجهة «الصادرات الرخيصة»... وبكين تعترض

صورة جماعية لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)
صورة جماعية لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)
TT

مجموعة العشرين تصطف ضد اختلالات التجارة... والصين ترفض الإجماع

صورة جماعية لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)
صورة جماعية لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)

اتفقت الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، باستثناء الصين، على ضرورة التحرك لمعالجة الاختلالات التجارية الناجمة عن السياسات «غير السوقية» والاعتماد المفرط على الصادرات، في موقف يعكس تصاعد الضغوط الدولية على بكين بسبب فائضها التجاري الضخم، في حين دفعت الولايات المتحدة باتجاه استخدام مزيد من الحواجز التجارية لمواجهة تدفق السلع الصينية منخفضة التكلفة إلى الأسواق العالمية.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، في ختام اجتماع استمر يومين لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في مجموعة العشرين في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولاينا، إن 19 عضواً في المجموعة أيدوا معالجة تدفقات «الصادرات الرخيصة» التي تتسبب في اختلالات اقتصادية عالمية، في حين عارضت الصين بعض بنود الموقف المشترك.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي في ختام اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بمجموعة العشرين في يومه الأخير بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)

وقال بيسنت إن الاقتصادات القائمة على سياسات غير سوقية، والتي تضخ تدفقات لا تنتهي من السلع منخفضة التكلفة إلى الأسواق العالمية، «ليست مستدامة»، مضيفاً أن تأييد 19 دولة لمعالجة هذه المشكلة يعكس حجم التحدي الذي تواجهه التجارة العالمية.

وجاء في بيان لرئاسة مجموعة العشرين أن الدول المشاركة، باستثناء الصين، اتفقت على ضرورة إزالة «السياسات غير السوقية» التي تؤدي إلى تفاقم الاختلالات الاقتصادية، داعيةً الدول التي تسجل فوائض خارجية مفرطة ومستمرة إلى إزالة التشوهات التي تقيد الاستهلاك المحلي وتؤدي إلى الاعتماد المفرط على الصادرات بوصفها محركاً للنمو.

الصين في قلب المواجهة التجارية

وركز اجتماع وزراء المالية بصورة واضحة على الصين، في وقت تستخدم فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرسوم الجمركية والحواجز التجارية للضغط على شركائها التجاريين، وإعادة تشكيل تدفقات التجارة العالمية.

وقال بيسنت إنه حذّر العام الماضي الدول الأخرى من أن تشديد الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على السلع الصينية سيؤدي إلى تدفق تلك المنتجات إلى أسواقها، مضيفاً: «للأسف، كنت على حق».

ودعا وزير الخزانة الأميركي الدول الأخرى إلى دراسة الإجراءات التي يمكن أن تتخذها لحماية وظائف مواطنيها وقواعدها الصناعية، محذراً من أن استمرار تدفق المنتجات الصينية قد يؤدي إلى نقل مزيد من الأنشطة الصناعية إلى الخارج.

وتأتي هذه الضغوط في وقت كثفت فيه الصين اعتمادها على الصادرات في ظل ضعف الطلب المحلي، مع ارتفاع صادراتها الإجمالية 23.9 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز)، مدفوعة خصوصاً بالمركبات الكهربائية وأشباه الموصلات وسلع صناعية أخرى.

محافظ البنك المركزي السعودي أيمن السياري خلال مشاركته في اجتماع وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)

كما سجل الفائض التجاري السلعي للصين مع الاتحاد الأوروبي 360.6 مليار يورو العام الماضي، بزيادة 15 في المائة عن عام 2024، مع استمرار اتساع الفجوة خلال العام الحالي.

وقال مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديز دومبروفسكيس إن الصين تمثل مصدراً رئيسياً للاختلالات الاقتصادية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الولايات المتحدة وأوروبا لديهما أيضاً أدوار ينبغي القيام بها لتحقيق مزيد من التوازن في الاقتصاد العالمي.

دعوات أوروبية إلى الحذر

وفي المقابل، حذر وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل من أن حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب في إيران والنزاعات التجارية والرسوم الجمركية الأميركية تضغط على النمو العالمي.

وقال كلينغبايل إن «عدم اليقين سمٌّ للنمو الاقتصادي»، مضيفاً أن النزاعات التجارية التي تخوضها الولايات المتحدة، ومنها النزاع الحالي مع كندا، تقوض الثقة.

وقالت بريطانيا إنها ستواصل اتباع علاقة تجارية براغماتية مع الصين، مع التعامل بحذر مع قضية اختلالات التجارة، في وقت أوضح وزير المالية الكندي فرانسوا-فيليب شامبان أن بلاده تتعامل مع الصين وفق نهج مماثل لدول مجموعة السبع، ولكن ضمن «ضوابط واضحة».

من جهتها، قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا إن الصين تدرك الحاجة إلى اتخاذ إجراءات لمعالجة الاختلالات، لكنها ترى أن الحل يتطلب تحركاً منسقاً من أطراف عدة، بما في ذلك الولايات المتحدة، التي تحتاج إلى خفض عجزها المالي المتزايد والذي يسهم في زيادة الطلب على الواردات.

المعادن الحيوية وسلاسل الإمداد

وامتد النقاش إلى القيود على صادرات المعادن الحيوية، بعدما استخدمت بكين هيمنتها على معالجة المعادن النادرة لفرض قيود على صادراتها في أبريل (نيسان) 2025، رداً على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، وهي إجراءات أثرت أيضاً في شركات غير أميركية.

وقالت وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما إنها أبلغت نظراءها في مجموعة العشرين بأن القيود التعسفية على صادرات المعادن الحيوية تضر بالاقتصاد العالمي.

وأكد بيان رئاسة المجموعة ضرورة تجنب القيود غير الضرورية على الصادرات لضمان استمرار عمل سلاسل الإمداد العالمية بصورة طبيعية.

اجتماع عام حول الثقافة المالية خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)

واشنطن والصين تبحثان الذكاء الاصطناعي وإيران

وبالتوازي مع اجتماع وزراء المالية، استضافت الولايات المتحدة اجتماعاً آخر لمجموعة العشرين جمع قادة الصناعة ووزراء التجارة، حيث دفعت واشنطن باتجاه نهج أقل تشدداً في تنظيم الذكاء الاصطناعي.

وقال بيسنت إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ سيناقشان سياسة الذكاء الاصطناعي عندما يلتقيان في وقت لاحق من الشهر، مشيراً إلى الحاجة إلى مزيد من الضوابط لمنع «جهات غير حكومية» من تطوير نماذج ذكاء اصطناعي خاصة بها.

وانتقد بيسنت شركات الذكاء الاصطناعي، قائلاً إن الشركات التي تبني مراكز البيانات ومختبرات الذكاء الاصطناعي «فشلت بصورة فادحة» في شرح أعمالها وفوائدها للشعب الأميركي.

وأضاف أن هذه الشركات ستتحمل جزءاً من المسؤولية، وعليها إقناع الأميركيين بأن فوائد الذكاء الاصطناعي لن تتركز في أيدي مجموعة صغيرة فقط.

وفي الملف الإيراني، قال بيسنت إن الولايات المتحدة والصين وجدتا أرضية مشتركة خلال محادثاتهما، خصوصاً بشأن ضرورة ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً، وضرورة استمرار تدفق النفط والسلع عبر مضيق هرمز، الذي فرضت إيران قيوداً على حركة الملاحة فيه.

الأسواق تحت ضغط الديون والتضخم

وتزامن اجتماع مجموعة العشرين مع موجة بيع واسعة في أسواق السندات العالمية، وسط مخاوف من ارتفاع مستويات الديون والضغوط التضخمية الناجمة عن الطاقة واحتمال تشديد السياسات النقدية.

وبلغ الدين العالمي مستوًى قياسياً عند نحو 353 تريليون دولار، في حين تجاوز الدين الحكومي الأميركي 40 تريليون دولار في أغسطس (آب)؛ ما أثار مخاوف المستثمرين من تعرض سوق السندات الأميركية لمزيد من عمليات البيع.

لكن بيسنت قلل من المخاوف بشأن سوق السندات الأميركية، قائلاً إنه لا يعتقد أن السوق تمر «بأي وضع خطير».

وفي اليابان، تعمقت عمليات البيع في سوق السندات، مع ارتفاع عائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات إلى 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996، في أحدث مؤشر على قلق المستثمرين من التضخم المدفوع بالطاقة واحتمال تشديد السياسة النقدية وتدهور الأوضاع المالية.

وكان بيسنت قد دعا خلال اجتماع عقده الأحد مع محافظ «بنك اليابان» كازو أويدا إلى اتباع سياسة نقدية سليمة لترسيخ توقعات التضخم وتجنب التقلبات المفرطة في سعر العملة.

وقال بيسنت إن لديه معلومات لا تمتلكها السوق، وإنه يعتقد أن الحكومة اليابانية و«بنك اليابان» سيتخذان إجراءات من شأنها دعم الين.

وتُنظر إلى هذه التصريحات على أنها دعم جديد لموقف بيسنت الداعي إلى رفع أسعار الفائدة اليابانية، وسط ترقب الأسواق لاجتماع «بنك اليابان» المقرر في 17 و18 سبتمبر (أيلول).

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي في ختام اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بمجموعة العشرين في يومه الأخير بمدينة آشفيل (أ.ف.ب)

روسيا تثير خلافاً داخل المجموعة

ولم يخلُ الاجتماع من خلافات سياسية؛ إذ أثار حضور وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف انزعاج عدد من المشاركين، خصوصاً الأوروبيين وكندا، بعدما حضرت روسيا اجتماع مجموعة العشرين للمرة الأولى منذ غزوها أوكرانيا في 2022.

وقال وزير المالية الكندي شامبان إن حضور روسيا «خلق قدراً كبيراً من عدم الارتياح حول الطاولة»، مؤكداً أن كندا نقلت موقفها إلى بقية المشاركين.

وقال مفوض الاقتصاد الأوروبي فالديز دومبروفسكيس إنه ليس الوقت المناسب لـ«تطبيع» العلاقات مع روسيا.

في المقابل، دافع بيسنت عن مشاركة سيلوانوف، قائلاً إن عدم الحوار والانخراط مع الأطراف المتنازعة يجعل حل النزاع أمراً مستحيلاً، مضيفاً أن استمرار الحوار يظل ضرورياً للوصول إلى تسوية للصراع.


مقالات ذات صلة

وزراء مالية مجموعة العشرين يدعون إلى مرور «حر وآمن» عبر مضيق هرمز

الاقتصاد جانب من محادثات وزراء مالية مجموعة العشرين التي استضافتها الولايات المتحدة (ا.ف.ب)

وزراء مالية مجموعة العشرين يدعون إلى مرور «حر وآمن» عبر مضيق هرمز

دعا بيان صدر في ختام محادثات وزراء مال مجموعة العشرين التي استضافتها الولايات المتحدة، الثلاثاء، إلى ضمان «حرية وأمن الملاحة عبر مضيق هرمز»، رغم اعتراض الصين.

«الشرق الأوسط» (آشفيل)
الاقتصاد إيلون ماسك يظهر على الشاشة وهو يحضر افتراضياً القمة الوزارية للابتكار لمجموعة العشرين (أ.ف.ب)

أميركا تحث مجموعة العشرين على عدم تشديد تنظيم الذكاء الاصطناعي

حثت الولايات المتحدة دول مجموعة العشرين، الثلاثاء، على تبني نهج أقل تشدداً في تنظيم الذكاء الاصطناعي، والدفع نحو تجنب إنشاء قواعد أو هيئات رقابية جديدة للقطاع.

«الشرق الأوسط» (آشفيل، نورث كارولاينا)
الولايات المتحدة​ وزير المالية الروسي أنطون سيلوانوف خلال حضوره اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في الولايات المتحدة (رويترز)

أميركا تثير استياء وزراء مجموعة العشرين بإعادة روسيا ومنع صحافيين

حضر وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف اجتماع مجموعة العشرين في أميركا، والتقى نظيره الأميركي لمناقشة الملف الأوكراني مما أثار استياء ممثلي دول أوروبية.

«الشرق الأوسط» (آشفيل)
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية من دول مجموعة العشرين في آشفيل (أ.ف.ب)

بيسنت لمجموعة العشرين: النمو مفتاح الخروج من أزمة الدين

دخلت اجتماعات وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين في ولاية نورث كارولاينا الأميركية، الاثنين، على وقع دعوة وزير الخزانة الأميركي لتبني النمو.

«الشرق الأوسط» (آشفيل - نورث كارولاينا (الولايات المتحدة))
الاقتصاد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت (أرشفية - رويترز)

بيسنت لمجموعة العشرين: النمو هو السبيل الوحيد للخروج من أزمة الديون

قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الاثنين، إن تحقيق النمو الاقتصادي هو السبيل الوحيد للخروج من أزمة الديون المتراكمة عالمياً.

«الشرق الأوسط» (آشفيل)

رايت في كاراكاس لدعم توسع «شيفرون»... وواشنطن تراهن على مضاعفة إنتاج النفط الفنزويلي

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)
TT

رايت في كاراكاس لدعم توسع «شيفرون»... وواشنطن تراهن على مضاعفة إنتاج النفط الفنزويلي

وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)
وزير الطاقة الأميركي كريس رايت يتحدث إلى وسائل الإعلام لدى وصوله مايكيتيا - فنزويلا (رويترز)

تضع إدارة الرئيس دونالد ترمب النفط الفنزويلي في قلب رهانها لزيادة المعروض وخفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة، مستفيدة من احتياطيات ضخمة تسعى إلى إعادة توظيفها عبر جذب استثمارات شركات الطاقة الأميركية والعالمية.

ويأتي هذا التحرك بالتزامن مع زيارة وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إلى كاراكاس، واستعداد شركة «شيفرون» لتوسيع عملياتها في البلاد، في مؤشر على انتقال الاستراتيجية الأميركية من مجرد الإعلان عن اتفاقات نفطية إلى محاولة استقطاب رأس المال والخبرات اللازمة لإعادة تشغيل صناعة تضررت بشدة خلال سنوات طويلة.

ودافع رايت عن الشراكة النفطية التي تدعمها واشنطن، قائلاً إن استثمارات كبيرة تتجه إلى فنزويلا، وإن الاتفاقات التي تستعد شركات أميركية وأجنبية لإبرامها يمكن أن تؤدي إلى أكثر من مضاعفة إنتاج البلاد من الخام خلال السنوات المقبلة.

وقال رايت إن «أوقاتاً كبيرة مقبلة مع تدفق استثمارات ضخمة إلى هذا البلد»، عادَّاً أن الشراكة بين الولايات المتحدة والحكومة الموجودة على الأرض في فنزويلا توفر ضمانة قوية لتحسن بيئة الأعمال.

«شيفرون» في صدارة العودة النفطية

وتبرز «شيفرون» في قلب هذه التحركات، بوصفها أكبر شركة نفط أميركية تتمتع بحضور رئيسي في فنزويلا، ومن المتوقع أن تعلن توسعة عملياتها في البلاد بالتزامن مع زيارة رايت.

ويمثل توسع الشركة اختباراً عملياً لقدرة واشنطن على تحويل الدعم السياسي للقطاع النفطي الفنزويلي استثماراتٍ وإنتاجاً فعلياً. كما يمكن أن يشكل قرار «شيفرون» إشارة إلى شركات الطاقة العالمية الأخرى بشأن مستوى المخاطر والفرص في السوق الفنزويلية.

ومن المتوقع كذلك إبرام اتفاقات مع شركات دولية أخرى، بينها «إيني» و«بي بي» و«شل» و«ريبسول»، في إطار مسعى أوسع لإعادة جذب الشركات الأجنبية إلى قطاع الطاقة الفنزويلي.

ولا تقتصر أهمية هذه العودة على زيادة الإنتاج؛ إذ تنظر إليها واشنطن أيضاً بصفتها وسيلة لتقليص النفوذ الروسي والصيني في قطاع النفط الفنزويلي، وإعادة توجيه تدفقات الخام نحو الأسواق والشركات الغربية.

السحب تشكل فوق مضخات النفط وأبراج نقل الطاقة ببحيرة ماراكايبو في كابيمس - فنزويلا (أ.ب)

احتياطيات ضخمة... وإنتاج متراجع

ورغم امتلاك فنزويلا ثروة نفطية هائلة، فإن تحويلها إمداداتٍ إضافية لن يكون سريعاً. فقد بلغ إنتاج البلاد نحو 1.16 مليون برميل يومياً في يوليو (تموز)، وفق مسح لـ«بلومبرغ»، وهو أقل من نصف المستوى الذي كانت تنتجه قبل عقد.

وتعاني صناعة النفط الفنزويلية سنوات نقص الاستثمار وسوء الإدارة؛ ما أدى إلى تدهور الحقول والمنشآت وتعطل عدد كبير من المضخات وتضرر شبكات الأنابيب، إلى جانب مشكلات في إمدادات الكهرباء والبنية التحتية اللازمة للإنتاج والتصدير.

وتشير تقديرات خبراء في الصناعة إلى أن إعادة الإنتاج إلى نحو 3 ملايين برميل يومياً، وهو مستوى كانت فنزويلا تضخه قبل الانهيار الطويل لقطاعها النفطي، قد تستغرق أكثر من عقد.

وهذا يعني أن زيادة الإنتاج التي تراهن عليها واشنطن قد تكون كبيرة على المدى الطويل، لكنها لن توفر بالضرورة الكميات الإضافية التي تحتاج إليها السوق الأميركية خلال الأشهر القليلة المقبلة.

رافعات مضخات النفط المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» (رويترز)

ضغط الأسعار يسرّع الرهان

وتكتسب الاستراتيجية أهمية سياسية إضافية مع ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بأكثر من 40 في المائة منذ بداية العام، وسط تداعيات الحرب مع إيران، واقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

وتريد إدارة ترمب أن تؤدي زيادة إنتاج النفط الفنزويلي، إلى جانب زيادة استثمارات شركات الطاقة الأميركية والدولية، إلى رفع المعروض تدريجياً وتخفيف الضغوط على أسعار النفط والوقود.

لكن توقيت هذه الزيادة يمثل تحدياً رئيسياً. فإعادة تشغيل الحقول المتضررة وتطوير الآبار والبنية التحتية تحتاج إلى إنفاق رأسمالي كبير، كما أن استعادة مستويات الإنتاج السابقة تتطلب وقتاً أطول بكثير من الإطار الزمني الذي قد تحتاج إليه الإدارة الأميركية لتحقيق نتائج ملموسة في أسعار البنزين.

مصفاة إل باليتو في بويرتو كابيلو بولاية كارابوبو - فنزويلا (أ.ف.ب)

اعتراضات داخلية وتساؤلات قانونية

ولا تحظى الترتيبات الجديدة بإجماع داخل فنزويلا؛ إذ امتنع نواب من المعارضة عن التصويت على الاتفاق بعد أن قالوا إنهم لم يطلعوا على الشروط المكتوبة للصفقة، في اعتراض يعكس حجم الجدل السياسي المحيط بالدور الأميركي المتزايد في قطاع النفط الفنزويلي.

ودافع رئيس الجمعية الوطنية خورخي رودريغيز عن الاتفاق، في وقت أبدى وزير الدفاع غوستافو غونزاليس لوبيز دعمه له، في حين ترى المعارضة أن غياب التفاصيل المكتوبة أمام النواب يثير تساؤلات بشأن شفافية الاتفاق وآلية إقراره.

وتتجاوز الاعتراضات الجانب السياسي إلى تساؤلات قانونية أيضاً؛ إذ يشكك محللون في مدى قدرة الترتيبات الجديدة على الصمود أمام أي تغيير سياسي مستقبلي، خصوصاً أن منح حقوق طويلة الأجل في 17 حقلاً نفطياً يثير أسئلة بشأن الصلاحيات القانونية للجهات التي أبرمت الاتفاق.

وتنص القواعد الدستورية الفنزويلية على ضرورة موافقة الجمعية الوطنية على العقود التي تبرمها الحكومة مع حكومات أجنبية، في حين تقول واشنطن إن الترتيب الحالي لا يمثل عقداً مباشراً بين الحكومتين، وإنما شراكة مع كيان خاص مقره في باربادوس وله عمليات في فنزويلا.

كما يثير اختيار رجل الأعمال الفنزويلي أليخاندرو بيتانكورت شريكاً رئيسياً في الخطة جدلاً إضافياً. فقد خضع بيتانكورت لتحقيقات في إسبانيا وسويسرا على خلفية مزاعم تتعلق بغسل الأموال، لكنه لم توجه إليه اتهامات رسمية، وهو ينفي تلك المزاعم.

وتدافع واشنطن عن اختياره، قائلة إنه مشغل نفطي يمتلك الخبرة اللازمة لإدارة الحقول، وإنه خضع للتدقيق ولم يثبت انتهاكه للقوانين الأميركية. كما ترى الإدارة أن الشراكة مع القطاع الخاص هي الوسيلة العملية لجذب الاستثمارات من دون أن تضخ الحكومة الأميركية أموالاً مباشرة في الشركة الجديدة.

وتضيف هذه الاعتراضات طبقة أخرى من المخاطر إلى المشروع؛ إذ لا يرتبط نجاح الاستثمارات بحجم الاحتياطيات أو توفر رأس المال والخبرات الفنية فقط، وإنما أيضاً بمدى قدرة الاتفاقات على اكتساب شرعية سياسية وقانونية تحميها من الطعن أو الإلغاء في المستقبل.

ومن ثم، فإن رهان واشنطن على النفط الفنزويلي يواجه معادلة معقدة: استثمارات ضخمة وشركات نفط عالمية من جهة، وقطاع متدهور واعتراضات سياسية وتساؤلات قانونية من جهة أخرى. وستحدد قدرة الإدارة الأميركية والشركات على تجاوز هذه العقبات ما إذا كانت فنزويلا ستتحول فعلاً مصدراً إضافياً مهماً للنفط، أم أن الخطة ستبقى رهينة التجاذبات السياسية والقانونية لسنوات مقبلة.

شاحنات نفطية متوقفة في مصفاة نفط بمدينة ماراكايبو الفنزويلية (أ.ف.ب)

بين حاجة واشنطن وقدرة فنزويلا

وتكشف التطورات الأخيرة عن فجوة واضحة بين طموح واشنطن وسرعة استجابة الصناعة الفنزويلية. فالولايات المتحدة تريد زيادة المعروض والمساعدة في خفض أسعار الوقود، في حين تحتاج فنزويلا إلى سنوات من الاستثمار لإعادة بناء قطاعها النفطي واستعادة قدراته الإنتاجية.

ومن هذه الزاوية، لا يمثل توسع «شيفرون» مجرد صفقة تجارية جديدة، بل هو اختبار مبكر لمدى نجاح الاستراتيجية الأميركية في تحويل الاحتياطيات النفطية الهائلة إنتاجاً فعلياً. فإذا تمكنت الشركة، إلى جانب المستثمرين الآخرين، من إعادة تشغيل الحقول ورفع الإنتاج بوتيرة أسرع من المتوقع، فقد تتحول فنزويلا مصدراً مهماً لإمدادات إضافية في السوق العالمية.

أما إذا اصطدمت الاستثمارات بتدهور البنية التحتية والتحديات القانونية والسياسية، فقد يبقى تأثير الخطة محدوداً في الأجل القصير، لتتحول الثروة النفطية الفنزويلية رهاناً استراتيجياً طويل الأجل، لا إلى حل سريع لمشكلة أسعار البنزين الأميركية.

وبذلك، تصبح زيارة رايت وتوسع «شيفرون» أكثر من مجرد تطورين منفصلين؛ فهما أول اختبار عملي لرهان واشنطن على إعادة إدخال النفط الفنزويلي بقوة إلى السوق، في وقت تحتاج فيه الإدارة إلى نتائج أسرع مما تستطيع صناعة منهكة تقديمه بسهولة.


الأسواق الآسيوية تتهاوى مع تصاعد حرب أميركا وإيران

تجار العملات يعملون في غرفة تداول العملات الأجنبية بالمقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
تجار العملات يعملون في غرفة تداول العملات الأجنبية بالمقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
TT

الأسواق الآسيوية تتهاوى مع تصاعد حرب أميركا وإيران

تجار العملات يعملون في غرفة تداول العملات الأجنبية بالمقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)
تجار العملات يعملون في غرفة تداول العملات الأجنبية بالمقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)

تراجعت الأسهم الآسيوية بقوة، الأربعاء، مع تصاعد المخاوف من تداعيات تجدد الضربات الأميركية على إيران على أسعار الطاقة والتضخم، في وقت دفعت فيه موجة بيع عالمية للسندات عوائد الاقتراض إلى مستويات مرتفعة، ما زاد الضغوط على الأصول عالية المخاطر.

وجاءت الخسائر بعد أن دفعت الضربات الجوية الأميركية الجديدة على إيران أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها في خمسة أسابيع، في حين ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجَل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له في نحو ثلاثة أعوام.

وانخفض مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع نطاقاً لأسهم آسيا والمحيط الهادئ، باستثناء اليابان، بنحو 2 في المائة، بينما تراجع مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي قرابة 4 في المائة، وانخفض مؤشر «نيكاي 225» الياباني 2.9 في المائة، كما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «إس آند بي 500» بنحو 0.1 في المائة.

النفط يعيد إشعال مخاوف التضخم

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت، لليوم الثاني على التوالي، وصعدت بنحو 0.9 في المائة إلى 95.45 دولار للبرميل، خلال التعاملات الآسيوية، بعدما سجلت، في وقت سابق، أعلى مستوى لها في خمسة أسابيع، عقب الضربات الأميركية على إيران.

ويعيد ارتفاع النفط إلى الواجهة المخاوف من موجة تضخمية جديدة، خصوصاً مع استمرار المخاطر المحيطة بإمدادات الطاقة وعودة المخاوف بشأن حركة الناقلات عبر مضيق هرمز.

وقال محللو «ويستباك» إن خطر حدوث مزيد من الاضطرابات في مضيق هرمز أدى إلى تجدد القلق بشأن التضخم، ما دفع المستثمرين إلى بيع الأسهم في معظم الأسواق الرئيسية، بالتزامن مع موجة بيع حادة في أسواق السندات العالمية.

وتكتسب أسعار النفط أهمية خاصة في المرحلة الحالية، إذ إن استمرار ارتفاعها قد يحد من قدرة البنوك المركزية على تخفيف السياسة النقدية، ويُجبر المستثمرين على إعادة تقييم توقعاتهم لأسعار الفائدة والنمو.

عوائد السندات تضغط على الأسهم

وتزامن صعود النفط مع ارتفاع عوائد السندات الحكومية، إذ سجل عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات 4.8122 في المائة خلال التعاملات، وهو أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023.

وفي اليابان، ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات بنحو نقطتيْ أساس إلى 3.015 في المائة، مواصلاً صعوده بعد وصوله إلى أعلى مستوى له في ثلاثة عقود، في وقت سابق من الأسبوع.

وكتب محللو «دي بي إس» أن أسواق السندات الحكومية في الاقتصادات المتقدمة واصلت موجة البيع مع بداية سبتمبر (أيلول)، محذّرين من شهرٍ شديد التقلب، في ظل تأثير العوائد المرتفعة على مختلف فئات الأصول.

ويعني ارتفاع العوائد أن تكلفة الاقتراض ترتفع بالنسبة إلى الحكومات والشركات والأُسر، كما أنه يقلل جاذبية الأسهم مقارنة بالسندات، ولا سيما أسهم شركات النمو التي تعتمد تقييماتها بدرجة أكبر على الأرباح المستقبلية.

«الاحتياطي الفيدرالي» أمام ضغط جديد

يأتي اضطراب الأسواق في وقت تزداد فيه توقعات المستثمرين بشأن احتمال رفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة، في اجتماعه المقبل، بعدما كانت الأسواق تُراهن، قبل أسابيع، بدرجة أكبر على تيسير السياسة النقدية.

وأظهرت العقود الآجلة لصناديق «الاحتياطي الفيدرالي» تسعير احتمال يبلغ نحو 67 في المائة لرفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، في الاجتماع الذي ينتهي في 16 سبتمبر، مقارنة بنحو 39.6 في المائة قبل أسبوع.

وتعكس هذه القفزة تحولاً سريعاً في توقعات السوق، إذ أصبح ارتفاع أسعار الطاقة عاملاً إضافياً قد يدفع البنك المركزي إلى التشدد، خصوصاً إذا أدى النفط إلى إبطاء تراجع التضخم.

كما ارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من ست عملات رئيسية، بنحو 0.1 في المائة إلى 99.79، وهو أعلى مستوى له منذ 17 أغسطس (آب) الماضي.

«وول ستريت» تتلقى صدمة العوائد

وامتدت الضغوط إلى «وول ستريت»، في الجلسة السابقة، إذ تراجع مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 0.7 في المائة، وانخفض مؤشر «ناسداك المركب» 1 في المائة، مع تأثير ارتفاع عوائد السندات في تقييمات الأسهم.

جاء ذلك بالتزامن مع بياناتٍ أظهرت تباطؤ نشاط قطاع التصنيع الأميركي في أغسطس، مع تباطؤ نمو الطلبات الجديدة، رغم بقاء النشاط في منطقة التوسع.

وتشير حركة الأسواق إلى أن المستثمرين باتوا يواجهون معادلة أكثر تعقيداً: ارتفاع أسعار النفط يعيد مخاطر التضخم، بينما تؤدي العوائد المرتفعة إلى تشديد الأوضاع المالية، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن النمو والديون الحكومية.

نيوزيلندا تخفف لهجة التشديد

وفي نيوزيلندا، رفع البنك المركزي أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 2.75 في المائة، كما كان متوقعاً، إلا أن لهجته الأقل تشدداً دفعت الدولار النيوزيلندي إلى التراجع بنحو 1 في المائة إلى 0.5834 دولار.

وقال محللو «كابيتال إيكونوميكس» إن البنك رفع الفائدة، كما كان متوقعاً، لكنه خفف، في الوقت نفسه، توقعات مزيد من التشديد النقدي؛ في إشارة إلى أن مسار السياسة النقدية قد يعتمد، بدرجة أكبر، على تطورات التضخم والنمو، خلال الفترة المقبلة.

الذهب والعملات المشفرة تحت الضغط

ولم تقتصر موجة العزوف عن المخاطرة على الأسهم والسندات، إذ تراجع الذهب 0.6 في المائة إلى 4304.64 دولار للأونصة، بينما انخفضت «بتكوين» بنحو 0.1 في المائة إلى 77340.50 دولار، وتراجع «إيثر» 0.5 في المائة إلى 2407.01 دولار.

وتعكس التحركات المتزامنة في الأسهم والسندات والعملات والسلع أن الأسواق دخلت مرحلة جديدة من إعادة تسعير المخاطر، مع ازدياد احتمال استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة والفائدة لفترة أطول.

وفي حال استمرت أسعار النفط قرب مستويات 95 دولاراً للبرميل أو تجاوزتها، قد تواجه الأسواق ضغوطاً إضافية؛ ليس فحسب من ارتفاع تكاليف الطاقة، وإنما أيضاً من احتمال بقاء أسعار الفائدة مرتفعة، وهو ما قد يزيد كلفة التمويل ويضغط على تقييمات الأصول ويُضعف شهية المستثمرين للمخاطرة.


موجة بيع السندات العالمية تتعمَّق... النفط والتضخم يرفعان تكلفة الاقتراض

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين (رويترز)
TT

موجة بيع السندات العالمية تتعمَّق... النفط والتضخم يرفعان تكلفة الاقتراض

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين (رويترز)
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ورئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية في مجموعة العشرين (رويترز)

تعمَّقت موجة بيع السندات في الأسواق العالمية، الأربعاء، مع ارتفاع عوائد الديون السيادية إلى مستويات لم تشهدها بعض الاقتصادات منذ عقود، وسط تصاعد مخاوف المستثمرين من عودة التضخم بفعل ارتفاع أسعار الطاقة، بالتزامن مع تنامي أعباء الديون الحكومية وتكاليف الاقتراض.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى نحو 4.81 في المائة، وهو أعلى مستوى في قرابة ثلاثة أعوام، بينما تجاوز عائد السندات اليابانية لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ عام 1996، في حين ارتفع العائد على السندات الأسترالية لأجل 10 سنوات إلى 5.198 في المائة، وهو أعلى مستوى في أكثر من 15 عاماً.

وتعكس هذه التحركات تحولاً واسعاً في أسواق الدخل الثابت، إذ أصبحت الحكومات والمقترضون من القطاع الخاص يواجهون كلفة أعلى للحصول على التمويل، بينما ترتفع معدلات الرهن العقاري والقروض الاستهلاكية بالتوازي مع صعود عوائد السندات السيادية التي تعد مرجعاً أساسياً لتسعير الأصول في الأسواق المالية.

متداولون في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا في سيول (أ.ب)

النفط يعيد إشعال مخاوف التضخم

وتأتي موجة البيع في السندات في وقت يدفع فيه تصاعد التوترات في الشرق الأوسط أسعار الطاقة إلى الارتفاع، مما يزيد المخاوف من أن يؤدي ارتفاع تكاليف النفط إلى إبطاء تراجع التضخم وإجبار البنوك المركزية على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.

وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بنحو 1 في المائة إلى 95.61 دولار للبرميل الأربعاء، بعد قفزة قاربت 6 في المائة في الجلسة السابقة.

وقال مستثمرون إن ارتفاع أسعار النفط يمثل خطراً مزدوجاً على الأسواق، إذ يرفع التضخم من جهة، ويقلل في الوقت نفسه احتمالات خفض أسعار الفائدة من جانب البنوك المركزية، مما يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى لحيازة السندات طويلة الأجل.

وقالت شارّو تشانانا، كبيرة استراتيجيي الاستثمار لدى «ساكسو»، إن المستثمرين في السندات يطالبون بصورة متزايدة بعلاوة أعلى مقابل مخاطر التضخم والمخاطر المالية، وكذلك مقابل ضخامة حجم الديون المطروحة في الأسواق.

وأضافت أن موجة البيع قد تتجاوز مستوياتها الحالية، مع تحول وصول عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 5 في المائة إلى احتمال متزايد قبل أن تصبح الأسعار جذابة بما يكفي لعودة المشترين.

الذكاء الاصطناعي يضيف ضغطاً على السندات

ولا تقتصر الضغوط على الحكومات. فقد أدت موجة الاقتراض من شركات التكنولوجيا الكبرى لتمويل الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي إلى زيادة المعروض من السندات، مما يضيف منافسة على أموال المستثمرين ويدفع عوائد الاقتراض إلى الارتفاع.

وقال ناكا ماتسوزاوا، كبير استراتيجيي الاقتصاد الكلي لدى «نومورا سيكيوريتيز» في طوكيو، إن استعداد شركات الحوسبة العملاقة لدفع أسعار فائدة مرتفعة نسبياً للحصول على التمويل يساهم في رفع العوائد عبر الأسواق.

ويرتبط هذا الاتجاه بالسؤال عن قدرة الطفرة الاستثمارية في الذكاء الاصطناعي على تعزيز النمو والإنتاجية بما يكفي لتبرير ارتفاع تكاليف التمويل. وقال ماتسوزاوا إن قفزة الإنتاجية التي يقودها الذكاء الاصطناعي تحتاج في نهاية المطاف إلى ترجمة نفسها إلى نمو في الأجور حتى يتمكن الاقتصاد من تحمل أسعار فائدة أعلى.

«حراس السندات» يعودون إلى الواجهة

وتزايدت خلال الأشهر الماضية موجات بيع السندات العالمية، مع تنامي المخاوف بشأن ارتفاع مستويات الدين والعجز المالي في الاقتصادات الكبرى، مما أعاد إلى الواجهة مصطلح «حراس السندات»، في إشارة إلى المستثمرين الذين يطالبون الحكومات بانضباط مالي أكبر عبر طلب عوائد أعلى مقابل الاحتفاظ بسنداتها.

وقال إد يارديني، رئيس «يارديني ريسيرش»، إن المخاوف تتزايد من أن يدفع المستثمرون العوائد إلى مستويات أعلى احتجاجاً على اتساع العجز الحكومي وتراكم الدين وارتفاع تكلفة خدمة الفوائد.

لكن يارديني لا يرى أن عوائد السندات وصلت بعد إلى مستويات تمنع المستثمرين من العودة إلى السوق، متوقعاً أن يؤدي بلوغ عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5 في المائة إلى جذب طلب قوي، بما في ذلك من وزارة الخزانة الأميركية.

وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد تدخلت في الأسواق الشهر الماضي للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل، غير أن تأثير الخطوة كان قصير الأجل، إذ عاد عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى الاقتراب من أعلى مستوى له في 19 عاماً.

الضغط ينتقل إلى الحكومات والشركات

ويبدأ ارتفاع العوائد عند هذه المستويات في الضغط على تكلفة خدمة الديون في القطاعين العام والخاص، كما يضغط على تقييمات الأصول، ولا سيما أسهم شركات النمو التي تعتمد قيمتها بدرجة أكبر على التدفقات النقدية المستقبلية.

وقال نيك فيريس، كبير مسؤولي الاستثمار في «فانتج بوينت لإدارة الأصول»، إن أسعار الفائدة وصلت إلى مستوى يمكن أن يبدأ عنده ارتفاع تكلفة خدمة الدين في الضغط على القطاعين العام والخاص، إضافة إلى تأثير العوائد المرتفعة على تقييمات الأصول.

وحذَّر فيريس من أن لجوء صناع السياسة إلى ما يسمى «القمع المالي»، مثل التحكم في منحنى العائد أو التيسير الكمي، قد يكون إيجابياً بقوة للذهب، باعتبار أن مثل هذه السياسات قد تقلل العوائد الحقيقية وتزيد الطلب على الأصول التحوطية.

«الاحتياطي الفيدرالي» أمام معضلة النفط والفائدة

وتتركز أنظار المستثمرين أيضاً على مسار السياسة النقدية الأميركية، في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.

وزادت التصريحات المتشددة لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش الأسبوع الماضي من رهانات المتعاملين على رفع أسعار الفائدة، بينما ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، إلى 4.41 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2025.

كما تسعر الأسواق احتمال رفع أسعار الفائدة في أوروبا الأسبوع المقبل، بينما بلغت احتمالات رفع الفائدة الأميركية في الأسبوع الذي يليه نحو 68 في المائة.

ويضع ارتفاع أسعار النفط البنوك المركزية أمام معضلة إضافية، إذ قد يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى إعادة إشعال التضخم في وقت تسعى فيه هذه البنوك إلى تخفيف السياسة النقدية.

إشارات المرور أمام مبنى بنك اليابان في طوكيو (رويترز)

اليابان في قلب التحول العالمي

وتبرز اليابان باعتبارها أحد أهم مؤشرات التحول في سوق السندات العالمية. فقد تجاوز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات مستوى 3 في المائة للمرة الأولى منذ 30 عاماً، بعد أن كانت السندات اليابانية لعقود من بين الأقل عائداً في العالم.

واستقر العائد (الأربعاء) عند نحو 3.01 في المائة، في انعكاس للمخاوف بشأن الوضع المالي لليابان وخطط الإنفاق الحكومية الطموحة، إلى جانب الضغوط العالمية على تكاليف التمويل طويل الأجل.

وقال فريد نيومان، كبير الاقتصاديين الآسيويين لدى «إتش إس بي سي»، إن ارتفاع عوائد السندات اليابانية يعكس مخاوف المستثمرين بشأن المسار المالي للبلاد، فضلاً عن الضغوط العالمية المتزايدة على تكاليف التمويل طويل الأجل.

وتتزامن هذه التطورات مع ارتفاع عوائد السندات في بريطانيا، التي سجلت أعلى مستوى لها منذ عام 2008 الثلاثاء، بينما تواجه فرنسا وألمانيا أيضاً ضغوطاً متزايدة في أسواق الدين.

وتشير هذه التحركات مجتمعة إلى أن عصر العوائد المنخفضة الذي هيمن على أسواق السندات العالمية لسنوات يواجه اختباراً جديداً، مع تلاقي صدمة الطاقة والتضخم مع ارتفاع الديون الحكومية وزيادة احتياجات الاقتراض.

ومع اقتراب عائد الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من مستوى 5 في المائة، لا يقتصر الخطر على سوق السندات نفسها، بل يمتد إلى الرهن العقاري والقروض وتقييمات الأسهم وموازنات الحكومات، مما يجعل استمرار موجة البيع أحد أهم المخاطر التي تراقبها الأسواق العالمية في المرحلة المقبلة.