أبقت اليابان والولايات المتحدة الباب مفتوحاً أمام تحرك جديد في سوق العملات إذا عادت التقلبات الحادة إلى الين، بعدما اتفق الجانبان على مواصلة التنسيق لضمان تحركات «منظمة» للعملة اليابانية، في وقت يقترب فيه الين مجدداً من مستوى 160 للدولار، وتتصاعد الرهانات على رفع بنك اليابان أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول).
وجاءت الرسالة بعد اجتماع وزيرة المالية اليابانية ساتسوكي كاتاياما مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت على هامش اجتماع قادة المالية لـ«مجموعة العشرين» في آشفيل بولاية كارولاينا الشمالية، وهو أول لقاء مباشر بين المسؤولين منذ التدخل الياباني - الأميركي النادر في سوق الين الشهر الماضي.
وقالت كاتاياما إن الجانبين أعادا التأكيد على المبادئ التي استندا إليها عند تنفيذ التدخل المشترك، مضيفة أنه «لا تغيير» في استعداد البلدين للتحرك إذا شهدت الأسواق تحركات غير منظمة. وتكتسب هذه الرسالة أهمية بعدما فشل التدخل السابق في توفير دعم دائم للعملة. فقد انتعش الين من أدنى مستوى له في نحو 40 عاماً قرب 164 للدولار بعد التحرك المشترك، لكنه عاد تدريجياً إلى الضعف، وانخفض لفترة وجيزة دون 160 يوم الجمعة قبل أن يتداول قرب 159.80 في آسيا الثلاثاء. لكن اللافت هو اختلاف النبرة بين واشنطن وطوكيو بشأن الحاجة الفورية إلى تدخل جديد، حيث قال بيسنت إن تحركات الين الأخيرة «محصورة إلى حد كبير»، ما يشير إلى أن وزارة الخزانة الأميركية لا تعد التراجع الحالي فوضوياً بما يكفي لتبرير تدخل جديد. أما كاتاياما فتجنبت إصدار حكم مماثل، وقالت إن من الصعب تحديد العوامل التي تقود سعر الصرف، مكتفية بالتأكيد أن استقرار الين مهم للأسواق المالية العالمية، بما فيها السوق الأميركية. ويعني ذلك أن مستوى 160 يناً للدولار لا يبدو في حد ذاته خطاً أحمر تلقائياً، فالسلطات تركز بدرجة أكبر على سرعة التحرك وطبيعته ومدى انفصاله عن العوامل الاقتصادية الأساسية، وليس على رقم محدد لسعر الصرف. وهذا مهم للمستثمرين، لأن التدخل في سوق العملات عادة ما يصبح أكثر احتمالاً عندما ترى السلطات أن المضاربات أو التحركات السريعة تهدد الاستقرار المالي، بدلاً من مجرد انخفاض تدريجي يعكس فروق أسعار الفائدة أو توقعات السياسة النقدية.
• الفائدة بدلاً من التدخل
ورغم استمرار مظلة التنسيق، يبدو أن خط الدفاع الأهم عن الين يتحول تدريجياً من شراء العملة مباشرة إلى رفع أسعار الفائدة اليابانية. فضعف الين يرفع تكلفة الواردات، خصوصاً الطاقة والمواد الخام، وينتقل تدريجياً إلى أسعار المستهلكين. وفي المقابل، أسهم بطء بنك اليابان في رفع الفائدة في إبقاء الفجوة مع أسعار الفائدة الأميركية واسعة، وهو ما يقلل جاذبية الاحتفاظ بالين.
وقد زادت تصريحات بيسنت خلال الأسابيع الماضية الضغط على بنك اليابان، بعدما تحدث بصورة متكررة عن الحاجة إلى تشديد السياسة النقدية اليابانية. ورغم أن كاتاياما أكدت أن قرارات الفائدة من اختصاص البنك المركزي، فإن الأسواق باتت تسعر بدرجة شبه كاملة رفع الفائدة من 1 إلى 1.25 في المائة خلال اجتماع 17 و18 سبتمبر، بعد زيادة سابقة في يونيو (حزيران). وإذا نفذ بنك اليابان هذه الخطوة وأشار إلى زيادات إضافية، فقد يقلص ذلك الحاجة إلى التدخل المتكرر في سوق الصرف، لأن ارتفاع العوائد اليابانية يساعد على تقليل الفارق مع الولايات المتحدة ويجعل الين أكثر جاذبية، لكن هذه السياسة تفتح مشكلة أخرى أكثر تعقيداً في سوق السندات.
• منطقة حساسة
وتزامنت مباحثات آشفيل مع تخطي عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات مستوى 3 في المائة، وهو مستوى لم تشهده السوق منذ عقود ويثير مخاوف بشأن تكلفة تمويل الدين العام الضخم. وامتنعت كاتاياما عن التعليق مباشرة على ارتفاع العائد، لكنها قالت إنها شرحت لبيسنت جهود اليابان لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تدريجياً بالتزامن مع تحقيق نمو اقتصادي قوي، مشيرة إلى أن الوزير الأميركي استجاب «بشكل إيجابي للغاية». وهذا الصمت يعكس حساسية المعادلة. فمن جهة، تحتاج اليابان إلى فائدة أعلى لدعم الين واحتواء التضخم. ومن جهة أخرى، يؤدي ارتفاع الفائدة إلى رفع عوائد السندات وزيادة تكلفة خدمة واحد من أكبر أعباء الدين العام في العالم.
• توازن صعب
وبذلك تجد طوكيو نفسها أمام توازن صعب، فالين الضعيف يزيد التضخم، والفائدة الأعلى تدعم العملة لكنها ترفع تكلفة الدين، بينما يمكن للتدخل المباشر أن يخفف تقلبات الصرف لكنه لا يعالج الفجوة الأساسية في العوائد بين اليابان والولايات المتحدة. ويضيف موقف الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) بُعداً آخر، فقد أعادت تصريحات رئيسه كيفن وارش بشأن استمرار مخاطر التضخم إحياء توقعات رفع أسعار الفائدة الأميركية، وهو ما يمنح الدولار دعماً إضافياً، ويجعل مهمة بنك اليابان أكثر صعوبة. لذلك فإن التنسيق الذي أكدته كاتاياما وبيسنت يمثل عملياً شبكة أمان أكثر منه إعلاناً عن تدخل قريب. فالولايات المتحدة واليابان تريدان الاحتفاظ بالقدرة على التصرف إذا أصبحت تحركات العملة فوضوية، لكنهما تبدوان في الوقت نفسه أكثر ميلاً إلى السماح للسياسة النقدية بمعالجة جذور ضعف الين.
وسيكون اجتماع بنك اليابان في سبتمبر الاختبار الأهم لهذه الاستراتيجية. فإذا رفع البنك الفائدة وأرسل إشارات واضحة إلى استمرار التشديد، فقد يحصل الين على دعم أكثر استدامة من أي تدخل منفرد. أما إذا بقيت العملة تحت ضغط رغم رفع الفائدة، خصوصاً إذا عادت إلى الهبوط السريع قرب مستوياتها القياسية السابقة، فقد تتحول مظلة التنسيق الأميركي - الياباني من رسالة سياسية إلى تدخل فعلي جديد. وحتى ذلك الحين، ستظل الأسواق تراقب ثلاث شاشات في الوقت نفسه: الين، وعوائد السندات، ومسار الفائدة.

