تعود الرسوم الجمركية لتتصدر مشهد العلاقات الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة، في وقت تحاول فيه القوتان الأكبر بالعالم الحفاظ على هدنة تجارية هشة وتهيئة الأجواء لقمة مرتقبة بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ. وبين رسائل سياسية تدعو إلى إزالة العقبات وتحركات اقتصادية تلوح بقيود جديدة، تبدو العلاقة وكأنها تسير على مسارين متوازيين: الحوار من جهة، والضغط التجاري من جهة أخرى.
وأعلنت وزارة التجارة الصينية، الخميس، أنها تراقب وتقيّم التحركات الأميركية، رداً على سؤال بشأن دراسة واشنطن فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 7.5 في المائة على السلع الصينية، على خلفية اتهامات تتعلق بفائض الطاقة الإنتاجية.
وقالت المتحدثة باسم الوزارة هوانغ لينغ إن الصين «تحتفظ بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة»، في رسالة تشير إلى أن بكين لا تريد استباق القرار الأميركي بالتصعيد، لكنها في الوقت نفسه تضع احتمال الرد على الطاولة. وتعيد الخطوة المحتملة قضية «فائض الطاقة الإنتاجية» إلى قلب الخلاف الاقتصادي بين البلدين. فترى الولايات المتحدة ودول غربية أخرى أن الدعم الحكومي الصيني، والاستثمارات الصناعية الضخمة أديا إلى إنتاج يفوق قدرة السوق المحلية على الاستيعاب، ما يدفع الشركات الصينية إلى تصدير كميات أكبر بأسعار تضغط على المنتجين في الأسواق الخارجية.
وتبرز هذه المخاوف بصورة خاصة في القطاعات التي تعدها بكين استراتيجية لمستقبل اقتصادها، مثل السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة النظيفة والرقائق والروبوتات والتكنولوجيا المتقدمة. أما الصين فترفض في الأساس تصوير قدراتها الصناعية بوصفها مشكلة «فائض إنتاج»، وتدافع عن تنافسية شركاتها بوصفها نتيجة للاستثمار طويل الأجل، وتطور سلاسل الإمداد، وارتفاع الكفاءة الصناعية.
ومن هذا المنظور، تنظر بكين إلى القيود الغربية بوصفها محاولة لحماية الصناعات المحلية، واحتواء صعود الشركات الصينية. اقتصادياً، قد تبدو رسوم إضافية بنسبة 7.5 في المائة محدودة مقارنة بمستويات الرسوم التي شهدتها جولات سابقة من الحرب التجارية، إلا أن أهميتها تكمن في الإشارة التي ترسلها إلى الأسواق. فإضافة طبقة جديدة من الرسوم تعني أن الهدنة الحالية لا تزال قابلة للاهتزاز، وأن الشركات التي بنت استراتيجياتها الاستثمارية على استقرار العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم قد تضطر إلى الاحتفاظ بهوامش أوسع لمواجهة المخاطر. كما أن التأثير لن يتوقف بالضرورة عند المصدرين الصينيين. فإذا نقلت الشركات جانباً من التكلفة الجديدة إلى المشترين الأميركيين، فقد ترتفع أسعار بعض السلع أو المدخلات الصناعية، بما يعيد ملف التضخم إلى حسابات السياسة التجارية الأميركية. أما إذا تحمل المصدرون التكلفة للحفاظ على حصصهم السوقية، فإن الضغط سينتقل إلى هوامش أرباح الشركات الصينية. وفي المقابل، تمتلك بكين مجموعة واسعة من أدوات الرد، تبدأ من الرسوم والإجراءات التنظيمية، ولا تنتهي بالقيود على الشركات الأميركية العاملة في الصين. وقد واصل البلدان بالفعل اتخاذ إجراءات اقتصادية مستهدفة ضد بعضهما بعضاً، بما في ذلك قيود أميركية على منتجات صينية وإجراءات صينية ضد كيانات أميركية. لكن المفارقة أن هذا التصعيد المحتمل يأتي بينما تعمل القنوات الدبلوماسية على تهيئة المناخ لاتصالات رفيعة المستوى. فقد دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال اجتماعه مع السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو، البلدين إلى «إزالة التدخلات وتجاوز العقبات» أمام التبادلات رفيعة المستوى، مع الإقرار بأن العلاقات لا تزال تواجه مخاطر وتحديات متعددة.
وتكتسب هذه الرسالة أهمية مع توقع عقد قمة جديدة بين ترمب وشي الشهر المقبل، بعد لقائهما في بكين في مايو (أيار)، حين تعهدا بالحفاظ على استقرار العلاقات والهدنة التجارية الهشة. وكان ترمب قد دعا شي إلى اجتماع في الولايات المتحدة في 24 سبتمبر (أيلول)، وإن كان الموعد النهائي للزيارة لم يتأكد بعد. وهنا تتحول الرسوم المحتملة إلى جزء من عملية تفاوض أوسع. فقد تستخدم واشنطن التهديد بفرضها لانتزاع تنازلات تتعلق بالسياسة الصناعية أو الوصول إلى الأسواق، بينما يمكن لبكين استخدام احتمال الرد لرفع تكلفة أي تصعيد قبل القمة.
وتواجه الصين في الوقت نفسه تحدياً داخلياً يجعل الملف أكثر تعقيداً. فمع تباطؤ بعض محركات الطلب المحلي، أصبحت الصادرات والصناعات المتقدمة أكثر أهمية للنمو، وهو ما يجعل القيود التجارية الخارجية أكثر حساسية بالنسبة إلى بكين. وفي المقابل، ترى واشنطن أن السماح بتدفق إنتاج صيني إضافي إلى السوق العالمية قد يزيد الضغوط على قطاعات صناعية تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة بنائها محلياً. لذلك فإن الخلاف حول «فائض الإنتاج» ليس مجرد نزاع على حجم الصادرات، بل هو صراع حول شكل النظام الصناعي العالمي المقبل: أين ستتركز المصانع؟ ومن سيسيطر على التقنيات الجديدة؟ وما مقدار الدعم الحكومي المقبول في المنافسة الدولية؟ والسيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في استخدام الأسابيع السابقة للقمة للتوصل إلى تفاهمات تمنع الرسوم الجديدة أو تحد من نطاقها.
أما السيناريو الآخر فهو دخول الطرفين في دورة جديدة من الإجراء والرد المضاد، بما قد يبدد جانباً من التحسن الذي تحقق في العلاقات. وبين الخيارين، ستراقب الأسواق ما إذا كانت عبارة بكين عن الاحتفاظ «بحق اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة» ستبقى رسالة تفاوضية، أم ستكون مقدمة لجولة جديدة من الحرب التجارية. فالاختبار الحقيقي للقمة المقبلة لن يكون في لغة البيانات السياسية بقدر ما سيكون في قدرة واشنطن وبكين على منع خلافاتهما الصناعية من التحول مجدداً إلى رسوم وقيود تعيد تشكيل تدفقات التجارة والاستثمار العالمية.
