أعلنت مصر رفضها «التحركات الأحادية في منطقة القرن الأفريقي بما تتضمنه من النفاذ البحري بالقوة»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وسط مساعٍ إثيوبية للحصول على ميناء.
ذلك الرفض يحمل بحسب خبيرة في الشؤون الأفريقية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» رسالة حاسمة من مصر لواشنطن بحكم تعاونها مع إثيوبيا، لمنع أي مخالفات للقانون الدولي.
ورجحت أن مواقف القاهرة وتحركاتها مع المجتمع الدولي لن تسمح لأديس أبابا بالنفاذ البحري بالقوة، وأن المفاوضات هي السبيل الوحيد لأي استقرار بالمنطقة.
اتساع التوتر
ويتسع التوتر بين مصر وإثيوبيا إثر خلافات حادة في ملف المياه، والمنافذ البحرية، وترفض القاهرة إقامة أديس أبابا أي سدود جديدة على النيل، ولوّحت «بحق الدفاع الشرعي» عن حقوقها المائية، كما ترفض حصول إثيوبيا، الدولة الحبيسة تاريخياً، على أي منفذ على البحر الأحمر، باعتباره ليس حقاً قانونياً لها.
وأفادت وزارة الخارجية المصرية، في بيان الاثنين، بأن الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي وبولس تناول تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي.
وشدد عبد العاطي على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أية تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».
وأكد الجانبان أهمية مواصلة التنسيق والتشاور إزاء التطورات في منطقة القرن الأفريقي، وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دعم الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في القارة الأفريقية.
ولم يُسمِ عبد العاطي الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر».
وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.
رسالة قوية
وأكدت الخبيرة في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني أن محادثات عبد العاطي وبولس تأتي في توقيت مهم بعد حديث عن اتفاق دفاعي بين واشنطن وأديس أبابا، حيث تم التأكيد بشكل قاطع على رفض مصر التام لفكرة النفاذ البحري بالقوة التي تسعى إليها إثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي.
وأشارت إلى أن مصر تسعى جاهدة لإيصال رسالة قوية وحازمة جداً إلى جميع الأطراف في الإقليم، وإلى المجتمع الدولي، وإلى الحكومة الإثيوبية نفسها، مفادها بأن الأمور التي تجري حالياً لن يكتب لها النجاح، كونها تثير القلاقل في المنطقة، وتتسبب في أضرار كبيرة ستؤدي حتماً إلى زعزعة الأمن والاستقرار.
وأكدت أن هذه التطورات لا تمس فقط منطقة القرن الأفريقي، وحوض النيل، والبحر الأحمر، بل يتعدى ذلك إلى الإضرار بالمصالح الدولية نتيجة التصرفات الإثيوبية، «التي تخلق حالة من الاضطراب والتوتر قد تؤدي إلى صراعات، ونزاعات، وتوتر غير مسبوق في الأجواء الإقليمية».

والرفض المصري لنفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر متكرر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو (أيار) الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة تم بحث مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينها على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».
وخلال زيارته إلى أسمرة في مايو الماضي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.
كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو في مايو الماضي إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.
ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018 يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ»، وفي فبراير (شباط) الماضي، ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري.
وقبل أيام كشفت «وكالة الأنباء الإثيوبية» عن اتفاق إثيوبي-أميركي للتعاون الدفاعي عقب مشاورات ثنائية رفيعة المستوى أجرتها إثيوبيا والولايات المتحدة في وزارة الدفاع الأميركية.
وإزاء الرفض المصري وإصرار إثيوبيا وتحركاتها بالمنطقة، تعتقد الحسيني أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه هذه التصرفات الإثيوبية التي لا تهدف فقط للمساس بأمن مصر المائي كما هو الحال في قضية «سد النهضة»، إنما تتعدى ذلك للمساس بوحدة واستقرار دول المنطقة.
وترى أهمية أن تتخذ القوى الدولية -وفي مقدمتها الولايات المتحدة- مواقف أكثر إيجابية وتوازناً تجاه التحركات الإثيوبية، وعدم التماهي معها في تعاون عسكري يفهم منه أنه مكافأة لأديس أبابا، متوقعة أن المواقف المصرية والإقليمية والدولية القوية ستجبر إثيوبيا على مراجعة موقفها، والبحث عن حلول تفاوضية، وقانونية.






