«مسودة لجنة 4+4» بشأن القوانين الانتخابية تثير انتقادات في ليبيا

وسط تحذير «الرئاسي» و«الأعلى للدولة» من تجاوز المؤسسات

من مراسيم التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق لجنة (4+4) في تونس الخميس (البعثة الأممية)
من مراسيم التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق لجنة (4+4) في تونس الخميس (البعثة الأممية)
TT

«مسودة لجنة 4+4» بشأن القوانين الانتخابية تثير انتقادات في ليبيا

من مراسيم التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق لجنة (4+4) في تونس الخميس (البعثة الأممية)
من مراسيم التوقيع بالأحرف الأولى على مسودة اتفاق لجنة (4+4) في تونس الخميس (البعثة الأممية)

تصاعد الجدل في ليبيا على مدى يومين، إثر إعلان توقيع أعضاء اللجنة المصغرة «4+4» بالأحرف الأولى على مسودة تفاهمات بشأن تعديل القوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في خطوة أثارت تحذيرات من تجاوز المؤسسات الرسمية، وتجاهل الأطر القانونية القائمة.

تصاعد الجدل في ليبيا إثر إعلان توقيع لجنة «4+4» بالأحرف الأولى على مسودة تفاهمات بشأن تعديل القوانين الانتخابية (مفوضية الانتخابات)

وتضم اللجنة ممثلين عن المعسكرين المتنافسين في شرق البلاد وغربها، بينهم أعضاء اختارتهم حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، وقيادة «الجيش الوطني» في شرق ليبيا، في إطار مسار ترعاه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا.

ولم تكشف البعثة الأممية أو أعضاء اللجنة حتى الآن عن تفاصيل التفاهمات، التي جرى التوصل إليها خلال اجتماعات عُقدت في تونس العاصمة، الخميس، بينما نفت البعثة أن تكون التسريبات التي تداولتها وسائل إعلام محلية «تعكس بدقة مضمون الاتفاق».

وبررت البعثة عدم نشر التفاصيل حتى الآن بالرغبة في «الحفاظ على سلامة الاتفاق وضمان نجاح العملية»، متعهدة بإعلانه رسمياً بعد استكمال الإجراءات المرتبطة به.

وتكتسب التفاهمات أهمية خاصة في ظل الخلاف المستمر منذ سنوات بين الأطراف الليبية، بشأن القواعد المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وهو خلاف أسهم في إفشال الانتخابات، التي كانت مقررة في ديسمبر (كانون الأول) 2021.

رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي (مكتب المنفي)

وأثارت «السرية المحيطة بالاتفاق انتقادات من المجلس الرئاسي، حيث حذر رئيسه محمد المنفي من «الغموض» الذي يحيط ببعض التفاهمات والترتيبات، التي تجري برعاية البعثة الأممية، معتبراً أن ذلك يتعارض مع مبدأ الشفافية المفترض أن يحكم أي مسار تدعمه الأمم المتحدة.

وقال المنفي، الجمعة، إن نجاح أي توافق يتوقف على وضوح سنده واختصاصاته، واحترام المرجعيات الدستورية، وقدرته على الصمود من الناحية القانونية، فضلاً عن ضمان إمكانية تنفيذه واستمراره.

أما المجلس الأعلى للدولة فقد شدد على ضرورة أن تستند أي تفاهمات أو مخرجات سياسية إلى المرجعيات النافذة، وأن تحترم اختصاصات المؤسسات الليبية، مع استكمال الإجراءات القانونية اللازمة قبل أن تصبح تلك المخرجات قابلة للتنفيذ.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

وتعكس هذه المواقف حساسية الاتفاق، خصوصاً أن اللجنة المصغرة تحاول معالجة ملفات أخفقت المؤسسات السياسية الرئيسية في حسمها خلال السنوات الماضية.

وانتقلت الانتقادات إلى القوى السياسية، وفي مقدمتها «تنسيقية الأحزاب والتكتلات السياسية»، التي أعلنت رفضها مسبقاً ما وصفته بالتفاهمات المتعلقة بلجنة «4+4».

وحذرت «التنسيقية» من العودة إلى قانون انتخابي صدر عام 2014، ويقوم على النظام الفردي، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى إقصاء الأحزاب السياسية من العملية الانتخابية. وطالبت «التنسيقية» بالنشر «الفوري والكامل» لاتفاق اللجنة، وجميع الترتيبات والتعديلات الانتخابية المرتبطة به، بما يسمح للرأي العام والقوى السياسية بالاطلاع عليها ومناقشتها. وقالت إن «إقصاء الأحزاب لا يبني ديمقراطية، وتفكيك السياسة إلى أفراد لا يبني دولة».

وجاء تشكيل اللجنة المصغرة بعد تعثر جزء من «خريطة الطريق»، التي أقرتها الأمم المتحدة لمعالجة الخلافات حول القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية. وتضم اللجنة عضوين عن مجلس النواب، وعضوين عن المجلس الأعلى للدولة، إلى جانب عضوين اختارتهما حكومة طرابلس، وعضوين اختارتهما قيادة الجيش في شرق البلاد.

وكلفت اللجنة بالنظر في تعديل هيكل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واختيار رئيس جديد لها، إلى جانب معالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية.

وكانت البعثة الأممية قد أعلنت في السابع من يوليو (تموز) الماضي أن اللجنة أنهت مناقشة القضايا العالقة، وأن أعضاءها اتفقوا على تشكيل فريق عمل من داخلها لصياغة الاتفاق النهائي. لكن اللجنة لم تتمكن من إنهاء أعمالها، والتوقيع على محاضر تفاهماتها السابقة في الموعد، الذي كان مقرراً منتصف يوليو، من دون أن توضح البعثة أو أعضاء اللجنة أسباب التأخير.

في هذا السياق، يرى المحلل السياسي الليبي، فرج فركاش، أن التوقيع بالأحرف الأولى يمثل «اختراقاً مهماً للجمود السياسي»، بوصفه اتفاقاً بين أطراف تمثل قوى فاعلة على الأرض، وليس مجرد تفاهم بين المؤسسات السياسية القائمة.

وقال فركاش لـ«الشرق الأوسط» إن الخطوة تعني أن خريطة الطريق التي تقودها المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، بدأت تنتقل «من الإطار السياسي إلى خطوات عملية»، لكنه رأى في الوقت نفسه أنها قد تمثل بداية تجاهل فعلي لمجلسي النواب والدولة إذا جرى تجاوزهما في اعتماد مخرجات اللجنة.

تيتيه في إحاطة سابقة أمام مجلس الأمن (البعثة الأممية)

وأضاف فركاش أن الاتفاق قد يكون «أول اختبار حقيقي» لقدرة «خريطة تيتيه» على إنتاج توافق ليبي فعلي بين القوى المؤثرة، مشدداً على أن نجاحه لن يقاس بمجرد التوقيع عليه في تونس، بل بما سيحدث بعد ذلك داخل ليبي، بحسب منشور عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وتابع فركاش موضحاً أن انتقال الاتفاق إلى مرحلة التنفيذ قد يفتح الباب أمام مسار جديد يشمل، إلى جانب الانتخابات، المسار الدستوري وتوحيد المؤسسة الأمنية والعسكرية.

لكنه حذر من أن اصطدام التفاهمات مجدداً بحسابات القوى المتنافسة ومصالحها سيؤكد أن المعضلة الليبية لا تكمن في إعلان التوافقات، أو توقيعها بالأحرف الأولى، وإنما في التوافق على من يحكم البلاد، وضمان قبول الأطراف بنتائج الانتخابات عندما تصل العملية إلى صندوق الاقتراع.

وتتعثر ليبيا منذ سنوات في الانتقال إلى انتخابات عامة، تنهي الانقسام بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب، بينما أخفقت محاولات متكررة في التوصل إلى قاعدة دستورية وقانونية، تحظى بقبول الأطراف الرئيسية، وتسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة.


مقالات ذات صلة

انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة الليبية... «قنابل الموت» بين السكان

شمال افريقيا صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)

انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة الليبية... «قنابل الموت» بين السكان

هزّ انفجار مخزن للذخيرة مدينة مصراتة غرب ليبيا، مثيراً حالة من الذعر بين السكان، ومجدداً المطالب بإخلاء مخازن السلاح من المناطق السكنية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

«خطاب التحريض» يختبر صمود اتفاق «4+4» في ليبيا

رغم توقيع اتفاق «4+4» برعاية أممية، تتواصل السجالات الإعلامية وتبادل الاتهامات بين معسكري شرق ليبيا وغربها، وسط تساؤلات عن فرص صمود الاتفاق.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا  عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)

ليبيا: نفقات المؤسسات التشريعية والتنفيذية في مرمى الانتقادات الشعبية

أعاد إنفاق المؤسسات الليبية الجدل بشأن أولويات توزيع المال العام، وسط انتقادات للبذخ الحكومي وشكاوى معيشية تتزامن مع إضراب المعلمين للمطالبة بحقوقهم المالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام يتوسط منتسبي «كتيبة الاستطلاع والعمليات الخاصة» أمس الخميس (القيادة العامة)

صدام حفتر يعتبر توحيد المؤسسة الأمنية الليبية «ضرورة مُلِحة»

تتزامن دعوات توحيد المؤسسة الشرطية في ليبيا مع تحركات أممية لتعزيز التعاون الأمني بين شرق البلاد وغربها، عبر تفعيل مركزين مشتركين لتبادل المعلومات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الطائرة البوينغ B727-224 (خبير النقل الجوي والطيران المدني د. محمد محمد عيسى)

ليبيا تتجه لمقاضاة إسرائيل أمام «العدل الدولية» عن إسقاط طائرة عام 1973

تتجه ليبيا لمقاضاة إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في فاجعة إسقاط «الرحلة 114»، في تحرك قضائي يسعى لإنصاف 108 ضحايا بعد عقود من الصمت الدولي.

جمال جوهر

انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة الليبية... «قنابل الموت» بين السكان

صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)
صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)
TT

انفجار مخزن ذخيرة في مصراتة الليبية... «قنابل الموت» بين السكان

صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)
صورة الحريق الذي هزّ مصراته (متداولة)

هزّ انفجار في مخزن للذخيرة، الجمعة، مدينة مصراتة غرب ليبيا، التي تنتشر فيها التشكيلات المسلحة على نطاق واسع، ما أثار حالة من الذعر بين المواطنين، ودفع أفراداً من تلك التشكيلات إلى إخراج عدد من المجنزرات وإبعادها عن موقع الحريق.

وأعاد الانفجار الذي شهدته منطقة يدر بالمدينة، وما صاحبه من حريق ضخم وتصاعد لأعمدة الدخان وتناثر للذخيرة في الهواء، إلى الواجهة حوادث مماثلة وقعت خلال الأشهر الماضية، وسط مطالبات من المواطنين بإخلاء هذه المواقع حفاظاً على الأرواح والممتلكات.

وتشكّل مخازن السلاح داخل التجمعات والأحياء السكنية تحدياً متجدداً ومتراكماً أمام حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في غرب ليبيا، وتثير قلق المواطنين، رغم صدور قرار سابق بإخلاء هذه المخازن من المناطق المأهولة بالسكان.

وتوجهت وحدات أمنية ودوريات ميدانية إلى موقع الحادث لمساندة فرق هيئة السلامة الوطنية، وتأمين المنطقة والمساعدة في السيطرة على الحريق، وسط تحذيرات من مخاطر الذخائر والمفرقعات الموجودة في الموقع.

وتحدثت إفادات متداولة عن سقوط إحدى القذائف على منازل مواطنين جرّاء الانفجار، من دون توافر معلومات مؤكدة بشأن حجم الأضرار أو وقوع إصابات.

وفيما لم تتضح بعد ملابسات الانفجار، نقلت قناة «النبأ» عن مصدر عسكري قوله إن «فرضية العمل الجنائي قائمة»، مشيراً إلى أن تكرار انفجارات مخازن الذخيرة في مصراتة دون غيرها يعزز، حسب تقديره، «فرضية وجود عمل جنائي أو مخطط وراء هذه الحوادث». ولم تتضمن المعلومات المتاحة نتائج تحقيق رسمي تحسم أسباب الانفجار أو تؤكد هذه الفرضية.

وفي تحرك احترازي، دعا فرع جهاز المباحث الجنائية في المنطقة الوسطى المواطنين إلى الابتعاد فوراً عن موقع الحريق في يدر، محذراً من أن وجود الذخائر والمفرقعات قد يُشكل خطراً جسيماً على الأرواح والممتلكات.

وشدد الجهاز على منع الاقتراب من الموقع أو التجمهر في محيطه، كما حذّر من لمس أي أجسام مشبوهة أو الاقتراب من الذخائر والمخلفات، التي قد تكون موجودة في المكان، داعياً السكان إلى الالتزام بتعليمات الجهات المختصة، وإفساح المجال أمام الفرق الفنية والأمنية لأداء مهامها.

وسبق أن أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، إزالة 14 ألفاً و66 قطعة من الذخائر المتفجرة من مزرعة السويحلي في مصراتة خلال 9 أشهر، بدعم من دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام.

وقالت البعثة إن عملية تطهير المزرعة امتدت من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر 2026، وفق تقرير ميداني عرضته منظمة السلام الليبية خلال زيارة فريق أممي إلى المدينة الأسبوع الماضي.

وتسلط هذه الأرقام الضوء على حجم الجهود المطلوبة للتعامل مع الذخائر المتفجرة ومخلفاتها في المدينة، وإن كانت البيانات المعلنة لا تُحدد صلة بين الذخائر التي أزيلت من مزرعة السويحلي ومخزن الذخيرة، الذي انفجر في منطقة يدر.

ومع تكرار حوادث انفجار مخازن الذخيرة، تتجدد المخاوف من تعرض السكان لمخاطر، لا تقتصر على الانفجارات المباشرة بل تمتد إلى تطاير القذائف والشظايا واحتمال انفجار ذخائر أخرى، ما يُعيد إلى الواجهة مطالب بإبعاد مواقع التخزين عن التجمعات السكنية، وتعزيز إجراءات السلامة والرقابة عليها.

وفي 22 أغسطس (آب) الماضي، هزّ انفجار عنيف مخزناً للذخيرة في منطقة السكت جنوب مدينة مصراتة، دون تسجيل خسائر بشرية. وفي مطلع سبتمبر، العام الماضي، أصيب 16 شخصاً جرّاء انفجار مخزن ذخيرة في المدينة التي تضم تشكيلات مسلحة واسعة.

ولا تقتصر مخاطر الذخائر على الانفجارات، إذ تشير أرقام رسمية إلى سقوط 487 ضحية جرّاء الألغام والذخائر المتفجرة منذ مايو (أيار) 2020، من بينهم 175 قتيلاً و312 مصاباً و87 طفلاً.


مؤشرات اقتصادية «مطمئنة» لا تُخفف ضغوط المعيشة في مصر

تحسن المؤشرات الاقتصادية لا تنعكس مباشرة على حياة المواطنين في مصر (وزارة التموين المصرية)
تحسن المؤشرات الاقتصادية لا تنعكس مباشرة على حياة المواطنين في مصر (وزارة التموين المصرية)
TT

مؤشرات اقتصادية «مطمئنة» لا تُخفف ضغوط المعيشة في مصر

تحسن المؤشرات الاقتصادية لا تنعكس مباشرة على حياة المواطنين في مصر (وزارة التموين المصرية)
تحسن المؤشرات الاقتصادية لا تنعكس مباشرة على حياة المواطنين في مصر (وزارة التموين المصرية)

يخشى المصري الثلاثيني أحمد سمير، صاحب شركة لتصنيع الأسمدة الزراعية، موجة جديدة من الغلاء في مصر حال قررت الحكومة زيادة أسعار المحروقات، وهو ما يعني ارتفاع تكاليف الإنتاج في مشروعه الصغير بإحدى قرى محافظة القليوبية (القريبة من القاهرة) إلى جانب زيادة الأعباء المعيشية على أسرته.

ورغم تصاعد مخاوف المصريين من احتمال رفع أسعار الوقود، تبدو المؤشرات الاقتصادية «مطمئنة»، وفق خبراء، لكنها «لا تخفف الضغوط المعيشية التي تواجه المواطنين».

وأبقى التصنيف الائتماني السيادي طويل الأجل بالعملة الصعبة لـ«فيتش»، الخميس، مصر عند المستوى «B» مع نظرة مستقبلية مستقرة، مدفوعاً بعدد من العوامل الإيجابية، أبرزها الإمكانات النسبية المرتفعة لنمو الاقتصاد المصري، واستمرار دعم الشركاء الثنائيين ومتعددي الأطراف، فضلاً عن كِبر حجم الاقتصاد مقارنة باقتصادات الدول المصنفة ضمن الفئة الائتمانية نفسها.

وأشار التقرير إلى «تحسن المؤشرات الخارجية لمصر خلال العام الحالي»، إذ ارتفع إجمالي الاحتياطيات الدولية بنحو 5.5 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، ليصل إلى 54.4 مليار دولار، كما ارتفع صافي الأصول الأجنبية لدى البنك المركزي إلى 19 مليار دولار في أغسطس (آب) الماضي، بزيادة قدرها 5.6 مليار دولار.

كما استقر صافي الأصول الأجنبية للقطاع المصرفي عند 12.6 مليار دولار، وفق التقرير، ما عدّه «انعكاساً لقدرة الاقتصاد على تمويل عجز الحساب الجاري عبر تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر والاقتراض الخارجي».

الخبير الاقتصادي عاطف وليم أندراوس يوضح أن «تصنيف (فيتش) يعني أن مصر ضمن الدول المُصنفة ائتمانياً في فئة (المُضاربة)، وليس الفئة (الاستثمارية) الأعلى»، قائلاً: «إن هذه الفئة تعني وجود مخاطر في الإقراض، لكنها قليلة، وإن الملاءة المالية للدولة لسداد ما عليها مستقرة»، مشيراً إلى أن «ذلك أفضل من مراحل سابقة انخفض فيها التصنيف».

مقر البنك المركزي المصري في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويضيف أندراوس لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا التصنيف، على ما يحمله من مؤشرات جيدة نسبياً، لا يعكس، من الجانب الآخر، الأوضاع المعيشية للمواطنين، ولا يحتك بها، ولا يخفف الضغوط عنهم، فما يقيسه ويهتم به هو الوضع الائتماني للدولة وقدرتها على سداد الدين الحكومي، وأبرز صوره السندات الحكومية التي تطرحها الدولة من وقت لآخر».

واتفق معه الباحث الاقتصادي المتخصص في أسواق المال محمد مهدي عبد النبي، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن المؤشرات التي يحملها تقرير وكالة «فيتش» الأخير «متفائلة، لكن في حدود»، بمعنى أنه يشير إلى قدرة الاقتصاد الكلي على امتصاص الصدمات وسداد الديون ومواصلة النمو، غير أن «آثاره لن تنعكس على الشارع وحياة المواطنين سوى على المدى البعيد».

ويوضح عبد النبي أن «التحسن في الاقتصاد الكلي يكون بالأرقام والمؤشرات، لكن التحسن في الاقتصاد الشخصي للمواطن لا يحدث بصورة انعكاسية، فالنمو الاقتصادي لا يقابله نمو في الأجور، أو انخفاض في الأسعار، أو تحسن في القدرة الشرائية للمواطنين»، كما يضيف أن «التضخم ما زال ضاغطاً على المواطنين، في وقت نتوقع فيه موجات أخرى من الزيادة».

سوق شعبية جنوب العاصمة المصرية القاهرة (الشرق الأوسط)

وتوقعت وكالة «فيتش» العالمية للتصنيف الائتماني، الخميس، اتجاه مصر إلى رفع أسعار المحروقات (البنزين والسولار) خلال الربعين الحالي والأخير من عام 2026، في ظل الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط بسبب تداعيات الحرب الإيرانية.

ورجحت الوكالة أن «يبلغ متوسط سعر خام برنت نحو 79 دولاراً للبرميل في السنة المالية 2026-2027، مقابل 78 دولاراً في السنة المالية السابقة، قبل أن يتراجع في عام 2027».

وسبق أن رفعت الحكومة المصرية أسعار المحروقات بعد أيام من اندلاع الحرب الإيرانية في مارس (آذار) الماضي، بنسب وصلت إلى 30 في المائة، ما أدى إلى زيادة أسعار مختلف السلع والخدمات.

وكان تقرير «فيتش»، الذي عكس مؤشرات «مطمئنة» بشأن وضع الاقتصاد الكلي في مصر، قد أشار أيضاً إلى أن «هذه العوامل الإيجابية ما زالت تقابلها تحديات هيكلية تشمل ضعف أوضاع المالية العامة، وارتفاع أعباء خدمة الدين إلى مستويات استثنائية مقارنة بالإيرادات الحكومية، واحتياجات التمويل الخارجي الكبيرة، فضلاً عن معدلات التضخم المرتفعة والمخاطر الجيوسياسية التي تواجه البلاد».

وسجّل معدل التضخم على أساس سنوي في أغسطس الماضي نحو 14.5 في المائة مقارنة بـ14.9 في المائة في يوليو (تموز) الماضي.


«خطاب التحريض» يختبر صمود اتفاق «4+4» في ليبيا

اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
TT

«خطاب التحريض» يختبر صمود اتفاق «4+4» في ليبيا

اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)
اجتماع لجنة «4+4» في تونس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

رغم توقيع اتفاق «4+4» بين شرق ليبيا وغربها برعاية البعثة الأممية، بهدف تشكيل سلطة تنفيذية موحدة تمهد لإجراء الانتخابات خلال عامين، فإن الاتفاق لم يضع حداً للسجالات وتبادل الاتهامات بين شخصيات محسوبة على الطرفين، كما لم يوقف حملات وسائل الإعلام والمنصات الرقمية الممولة من قبلهما.

وتجلّى ذلك بوضوح من خلال تركيز وسائل إعلام محسوبة على شرق ليبيا على إضرابات المعلمين والأطباء، متخذة منها مدخلاً لانتقاد أداء حكومة «الوحدة» المؤقتة. وفي المقابل، روجت قنوات موالية للحكومة، من دون تقديم أدلة، لاتهامات تربط قيادات في شرق البلاد بـ«الخلية التخريبية»، التي استهدفت قبل شهرين خزانات الوقود في الزاوية بطائرات مسيّرة.

ركزت وسائل إعلام محسوبة على شرق ليبيا على إضرابات المعلمين متخذة منها مدخلاً لانتقاد أداء حكومة «الوحدة» (أ.ف.ب)

ويعزو مراقبون استمرار هذا الخطاب إلى سنوات الانقسام السياسي، فضلاً عن تحريض أطراف متضررة من الاتفاق، فيما تطرح شخصيات سياسية تفسيرات أخرى، وسط تساؤلات عن مدى صمود اتفاق «4+4» في مواجهة هذه الحملات.

ويعتقد رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن «القوى الفاعلة تحرص على إبقاء التصعيد قائماً، واستخدامه غطاءً لتمرير صفقاتها في الغرف المغلقة، وذلك لإدراكها أن قواعدها الشعبية لن تتقبل بين ليلة وضحاها التحالف مع خصم الأمس».

ولفت الشبلي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى عدم صدور تصريح واضح لرئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة بشأن الاتفاق، وأرجع ذلك إلى «وجود تيار سياسي وقوى مسلحة في حاضنة الدبيبة بمدن الغرب، لا سيما مسقط رأسه مصراتة، ترفض أي تقارب مع الشرق، فكيف باتفاق قد يمهد لتولي قيادات الشرق أعلى المناصب السيادية».

عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

وتشهد ليبيا منذ سنوات انقساماً بين حكومة «الوحدة» في طرابلس، وأخرى برئاسة أسامة حماد، مكلفة من البرلمان، ومدعومة من قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر، وتدير الشرق وبعض الجنوب.

وأشار الشبلي إلى أن الطرفين «دأبا على تبادل الاتهامات بشأن الأزمات الاقتصادية والمعيشية، قبل أن يحمّلهما تقرير فريق الخبراء الأممي، الصادر العام الماضي، مسؤولية مشتركة عن تصدير النفط خارج الأطر القانونية».

من جانبه، عزا المحلل السياسي الليبي، هشام سالم الحاراتي، استمرار تبادل الاتهامات بين القوى الفاعلة إلى محاولة كل منهما تحسين شروط التفاوض لصالحه، خاصة فيما تبقى من مراحل تشكيل السلطة، عبر الإمساك بورقة ضغط في مواجهة الآخر.

واعتبر الحاراتي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «مراسم التوقيع المليئة بالابتسامات والمصافحات بينهما لا تعني زوال أزمة الثقة، ولا حتى إقناع الليبيين بذلك»، ولفت إلى أن «الشارع يتابع بقلق هذه التحولات، التي عززت شكوك قطاعات واسعة بأن ما يجري هو صفقة لتقاسم السلطة، وأنها إذا صمدت فستكرس الوضع القائم ولن تمهد لإجراء الانتخابات».

أما السياسي الليبي محمد محفوظ فيرى من جهته أن «استمرار التصعيد وتبادل الاتهامات بشأن حوادث أمنية خطيرة، مثال (الخلية التخريبية)، رغم جلوس الطرفين إلى طاولة واحدة، لا يثير تساؤلات الليبيين فحسب، بل أيضاً مخاوفهم من تداعيات أي خلاف بينهما».

وتساءل محفوظ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن طبيعة المشهد إذا كان التصعيد مستمراً قبل تشكيل السلطة، قائلاً: «كيف سيكون الوضع إذا جرى تقاسم السلطة؟»، مشيراً إلى أن «غياب ضمانات لحل الخلافات بين طرفي الاتفاق، والحيلولة دون احتكامهما إلى السلاح في مقدمة اعتراضات أصوات سياسية على الاتفاق».

المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني (الجيش الوطني)

بدوره، أرجع رئيس المركز الليبي للدراسات الأمنية والسياسية، أشريف عبد الله، «استمرار الخطاب التحريضي إلى وجود عوامل تغذيه»، ورهن «صموده باستمرار دعم واشنطن له».

واعتبر عبد الله في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الماكينة الإعلامية الضخمة، بما تضمّه من قنوات ومنصات رقمية وصنّاع محتوى، تمثل عاملاً آخر في استمرار التصعيد»، مشيراً إلى أنها «طالما تلقت تمويلاً من قوى فاعلة، أو دول إقليمية وغربية تعارض الاتفاق، خشية انفراد واشنطن بالساحة الليبية وتقليص نفوذها».

ورغم إقراره «بوجود مناكفات تحدث بين المعسكرين على الأرض، بالنظر إلى غياب الثقة ورفض الغرب، وتحفظه على التقارب والشراكة مع (الجيش الوطني)»، فإن عبد الله قلل من «احتمال الصدام بين الطرفين، وخاصة حول الملفات الاستراتيجية، كالنفط والغاز وعوائدهما».

وكان ممثلو الأطراف الليبية في لجنة «4+4» قد وقعوا نهاية أغسطس (آب) الماضي، اتفاقاً برعاية البعثة الأممية بشأن إعادة هيكلة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومراجعة التشريعات المنظمة للعملية الانتخابية، ضمن خريطة طريق تمتد 24 شهراً، وتهدف إلى تهيئة الظروف للانتخابات.