من برميل الخام إلى مضخة الوقود... هوامش التكرير تشعل الأسعار

اضطرابات الشرق الأوسط وروسيا تشدد الخناق على سوق المنتجات المكررة

أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

من برميل الخام إلى مضخة الوقود... هوامش التكرير تشعل الأسعار

أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)

لا تكمن الضغوط التي تواجه أسواق الطاقة العالمية في ارتفاع أسعار النفط الخام وحده؛ فمع استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا، انتقل جانب مهم منها إلى المصافي التي تحول النفط الخام إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات، لتقفز قيمة هذه المنتجات مقارنة بتكلفة الخام الذي تدخل به المصافي.

وتشير هذه التطورات إلى أن سوق الوقود المكرر أصبحت أكثر ضيقاً من سوق الخام، في وقت تعمل فيه المصافي بمعدلات مرتفعة لتلبية الطلب وتعويض النقص الناتج عن تعطل عدد من المنشآت وتراجع صادرات بعض المنتجين.

والنتيجة هي ارتفاع ما يعرف باسم «هوامش التكرير»، وهي أحد أهم المؤشرات التي تحدد ربحية المصافي، لكنها في الوقت نفسه تساعد في تفسير جانب من الارتفاع الذي يصل في النهاية إلى المستهلك عند محطة الوقود.

ما هوامش التكرير؟

ببساطة، يمثل هامش التكرير الفرق بين قيمة المنتجات النفطية التي تنتجها المصفاة وتكلفة النفط الخام الذي تستخدمه لإنتاجها؛ فإذا اشترت مصفاة برميلاً من النفط الخام مقابل 80 دولاراً، واستطاعت بيع المنتجات الناتجة عنه بما يعادل 95 دولاراً، فإن الفارق البالغ 15 دولاراً يمثل بصورة مبسطة هامشاً قبل احتساب تكاليف التشغيل والنقل وغيرها.

لكن العملية أكثر تعقيداً من مجرد طرح سعر النفط من سعر البنزين؛ فالمصفاة تنتج مزيجاً من البنزين والديزل ووقود الطائرات والمنتجات الأخرى، وتختلف قيمة كل منتج وفقاً للطلب والمواصفات والمنطقة الجغرافية.

لذلك يستخدم قطاع التكرير مجموعة من المؤشرات لقياس ربحية تحويل الخام إلى منتجات.

ماذا يعني «3-2-1»؟

من أشهر هذه المؤشرات هامش التكسير «3-2-1»، وهو معيار شائع في السوق الأميركية، ويفترض أن المصفاة تشتري 3 براميل من النفط الخام وتحولها إلى برميلين من البنزين وبرميل واحد من الديزل.

وبالتالي، يقيس المؤشر الفرق بين قيمة المنتجات الثلاثة وتكلفة براميل الخام الثلاثة.

ووفقاً لبيانات نقلتها «وول ستريت جورنال»، تجاوز هامش «3-2-1» في الولايات المتحدة 70 دولاراً للبرميل الشهر الماضي، مقارنة بمستويات معتادة في نطاق العشرات المنخفضة.

وهذا الارتفاع يعكس مدى اتساع الفجوة بين قيمة الوقود المكرر وتكلفة الخام، ويشير إلى أن المصافي التي تستطيع تأمين الخام وتشغيل وحداتها بكامل طاقتها تحقق هوامش استثنائية.

سائق ينتظر في شاحنة نقل ثقيلة بمحطة وقود «ألون» في بيكوس بتكساس (أ.ف.ب)

لماذا ترتفع الهوامش الآن؟

السبب الرئيسي أن العالم فقد كميات من المنتجات المكررة بوتيرة أسرع من فقدانه الخام؛ فالحرب في إيران والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية وقيود الصين على صادرات الوقود، أدت إلى تقليص المعروض من البنزين والديزل ووقود الطائرات.

وهنا تظهر المفارقة: المصافي ما زالت قادرة في مناطق عدة على الحصول على الخام وتشغيل وحداتها، لكن الحصول على المنتجات المكررة أصبح أكثر صعوبة.

ويقول محللون إن كل برميل إضافي من الوقود أصبح أكثر قيمة في السوق من برميل إضافي من الخام، وهو ما يدفع هوامش التكرير إلى الارتفاع.

«هرمز» يعيد رسم خريطة تجارة النفط

أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى إعادة ترتيب تدفقات النفط والمنتجات المكررة حول العالم؛ فالمصافي الآسيوية لجأت إلى إمدادات من حوض الأطلسي ومخزونات الطوارئ لتعويض جزء من البراميل المفقودة من الشرق الأوسط، بينما استمرت بعض الإمدادات الخليجية في الوصول إلى الأسواق من خلال عمليات نقل من سفينة إلى أخرى والالتفاف حول جنوب أفريقيا.

وفي أوروبا، عوضت المصافي جزءاً من الإمدادات الشرق أوسطية بخام من الولايات المتحدة وكازاخستان وبحر الشمال وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية.

هذه التغييرات تعني أن النفط لا يزال متاحاً، لكنه أصبح أكثر تكلفة وتعقيداً في الوصول إلى المكان الذي تحتاجه المصافي.

روسيا تضيف ضغطاً جديداً على سوق الديزل

لا يقتصر الضغط على الشرق الأوسط؛ فالهجمات الأوكرانية المتواصلة على البنية التحتية للطاقة الروسية أدت إلى تراجع إنتاج المصافي الروسية إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين، وفق بيانات شركة «كبلر».

وتكتسب التطورات في روسيا أهمية خاصة بالنسبة لسوق الديزل؛ إذ كانت موسكو من كبار المصدرين عالمياً، قبل أن تفرض قيوداً مؤقتة على صادرات الديزل، ما أدى إلى تقليص الإمدادات المتاحة للأسواق الأوروبية.

وبذلك، جاء نقص الإمدادات الروسية في وقت كانت فيه المصافي تواجه بالفعل ضغوطاً من اضطرابات الشرق الأوسط، ما عزز المنافسة على الشحنات المتاحة.

أشخاص يزودون سياراتهم بالوقود في محطة بنزين بمدينة بيشاور الباكستانية (إ.ب.أ)

الصين تملك الطاقة... لكنها لا تصدّرها

أما الصين، فتقدم حالة مختلفة؛ فالبلاد تمتلك طاقة تكريرية كبيرة، لكنها فرضت قيوداً وحصصاً على صادرات الوقود بهدف تعزيز أمن الطاقة المحلي.

وتحد هذه السياسة من كميات البنزين والديزل ووقود الطائرات المتاحة للأسواق الخارجية، ما يدفع مصافي آسيوية أخرى إلى زيادة معدلات التشغيل لتعويض النقص.

وبالتالي، لا تحتاج السوق بالضرورة إلى توقف مصفاة صينية حتى ترتفع الأسعار؛ يكفي أن تتراجع الصادرات الصينية حتى تضطر المصافي الأخرى إلى العمل بطاقة أكبر.

مَن الرابح الأكبر؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع هوامش التكرير يعني أن شركات النفط كلها تحقق أرباحاً ضخمة بالدرجة نفسها، لكن الصورة أكثر تعقيداً؛ فالمصفاة تستفيد عندما يكون سعر المنتجات التي تنتجها مرتفعاً مقارنة بتكلفة الخام. ولذلك، يمكن أن ترتفع أرباح قطاع التكرير حتى في وقت لا ترتفع فيه أسعار الخام بالمعدل نفسه.

وهذا هو سبب أهمية مراقبة أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى جانب سعر خام برنت وغرب تكساس الوسيط؛ فالسوق قد تشهد ارتفاعاً معتدلاً في سعر النفط الخام، لكن قفزة كبرى في أسعار المنتجات المكررة إذا كان المعروض من المصافي محدوداً.

المستهلك يدفع الفاتورة

ارتفاع هوامش التكرير لا يبقى محصوراً داخل قطاع الطاقة؛ فكلما ارتفعت تكلفة إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات، زادت الضغوط على أسعار الوقود، قبل أن تنتقل آثارها تدريجياً إلى قطاعات النقل والشحن والطيران والسلع.

وفي الولايات المتحدة، تجاوز متوسط سعر البنزين 7 دولارات للغالون هذا العام، مقارنة بنحو 3.16 دولار قبل عام.

وهكذا، يمكن أن تتحول أزمة المصافي إلى موجة تضخمية أوسع، لأن الوقود يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة نقل معظم السلع والخدمات.

عامل يحمل مضخة بنزين في محطة وقود بمدينة بيشاور بباكستان (إ.ب.أ)

المصافي تعمل قرب حدود طاقتها

يزداد الضغط لأن المصافي في الولايات المتحدة وأوروبا لا تملك مساحة كبيرة لرفع الإنتاج؛ فبعد سنوات من إغلاق عدد من المصافي نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والتحول نحو الطاقة منخفضة الكربون، أصبحت الطاقة التكريرية المتاحة أكثر محدودية.

ويقول محللون إن تشغيل المصافي بأكثر من 90 إلى 95 في المائة، يعني أن هامش المرونة التشغيلية يصبح ضئيلاً للغاية.

وفي هذه الحالة، يمكن لتعطل مصفاة واحدة أو توقف وحدة إنتاج رئيسية، أن يكون له تأثير أكبر بكثير على السوق، لأن المصافي الأخرى لا تملك طاقة فائضة كافية لتعويض النقص بسرعة.

الخطر المقبل

قد يبقى الضغط على هوامش التكرير مرتفعاً خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع بدء أعمال الصيانة الموسمية للمصافي، بدءاً من سبتمبر (أيلول).

وتعني أعمال الصيانة خروج جزء من الطاقة التكريرية مؤقتاً من السوق في وقت لا تزال فيه الإمدادات العالمية من المنتجات المكررة تعاني ضغوطاً.

وهذا يضع الأسواق أمام معادلة حساسة: طلب مستمر على الوقود، وطاقة تكريرية محدودة، وإمدادات عالمية أكثر اضطراباً.

القصة التي تتجاوز سعر برميل النفط

لذلك، فإن مراقبة أسعار النفط الخام وحدها لم تعد كافية لفهم اتجاه أسعار الطاقة؛ ففي المرحلة الحالية، قد تكون المصفاة هي الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة الإمداد: الخام يمكن أن يجد طريقه إلى السوق عبر مسارات بديلة، لكن تحويله إلى بنزين وديزل ووقود طائرات يحتاج إلى منشآت تعمل بكفاءة، وإلى طاقة تكريرية متاحة، وإلى إمدادات منتظمة من الخام.

ومع استمرار اضطرابات الشرق الأوسط وروسيا وقيود صادرات الوقود الصينية، أصبح السؤال بالنسبة للأسواق ليس فقط كم يبلغ سعر برميل النفط، وإنما أيضاً كم يكلف تحويله إلى الوقود الذي يحتاجه العالم.

وهنا تحديداً تكمن قوة هوامش التكرير في دفع أسعار الوقود، وتحويل اضطراب محدود في منشآت التكرير أو طرق التجارة إلى أزمة أوسع تصل آثارها في النهاية إلى المستهلك.


مقالات ذات صلة

60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

المشرق العربي ركاب يمرون بسوق الشورجة ببغداد في 13 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

60 مليار دولار خسائر العراق جرّاء حرب الشرق الأوسط

خسر العراق نحو 60 مليار دولار منذ اندلاع حرب الشرق الأوسط والتراجع الحاد في إيراداته النفطية بسبب اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، وفق الخارجية العراقية.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
الاقتصاد متداول كوري جنوبي يعمل أمام شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في «بنك هانا» بسيول (إ.ب.أ)

الأسواق الآسيوية تنتعش... وتحذير مالي يضرب أسهم إندونيسيا

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية، الجمعة، بعد تراجع أسهم التكنولوجيا في اليوم السابق، بينما هوت سوق الأسهم الإندونيسية عقب تحذير من احتمال خفض تصنيف البلاد الائتماني

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )
العالم مبنى مدمر في أعقاب هجوم روسي في أوديسا بأوكرانيا (أ.ف.ب) p-circle

ترمب يهاجم زيلينسكي... والبيت الأبيض يقيّد نظام «ستارشيلد» في أوكرانيا

وصف الرئيس الأميركي ضربات أوكرانيا على مصافي النفط الروسية بأنها «مخزية»، فيما ذكرت مصادر أن البيت الأبيض أمر بتقييد قدرات نظام «ستارشيلد» في كييف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية (الوحدة)

ليبيا تهدد بتعليق مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع اليونان

حذرت ليبيا اليونان من احتمال تعليق المفاوضات الثنائية لترسيم الحدود البحرية، احتجاجاً على خطط أثينا إجراء عمليات مسح واستكشاف للنفط والغاز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)

مصر تثبت أسعار الوقود رغم ارتفاع النفط عالمياً

قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» في مصر تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها الربع سنوي، الذي عقدته يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

صناديق الأسهم العالمية تجذب التدفقات للأسبوع الرابع على التوالي

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

صناديق الأسهم العالمية تجذب التدفقات للأسبوع الرابع على التوالي

متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

استقطبت صناديق الأسهم العالمية تدفقات نقدية للأسبوع الرابع على التوالي حتى 14 أكتوبر (تشرين الأول)، مدعومة بتراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية من مستوياتها المرتفعة، وتفاؤل المستثمرين بشأن نتائج أعمال الشركات. في المقابل، تعرّضت صناديق قطاع التكنولوجيا لسحوبات ملحوظة، وسط مخاوف من تنامي مستويات الديون في القطاع.

وأظهرت بيانات «إل إس إي جي ليبر» أن المستثمرين ضخّوا صافي استثمارات بقيمة 20.01 مليار دولار في صناديق الأسهم العالمية، مقارنة بـ1.59 مليار دولار في الأسبوع السابق، في إشارة إلى تحسن الإقبال على الأصول عالية المخاطر.

وكان عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات قد ارتفع الأسبوع الماضي إلى 5.3645 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ نحو 24 عاماً ونصف العام، قبل أن يتراجع بنحو 26 نقطة أساس. وجاء هذا الانخفاض وسط توقعات بأن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه خلال الشهر الحالي.

كما عززت توقعات الأرباح القوية معنويات المستثمرين مع انطلاق موسم إعلان نتائج الشركات. وتشير بيانات «إل إس إي جي»، استناداً إلى تقديرات المحللين لـ4495 شركة عالمية كبيرة ومتوسطة القيمة السوقية، إلى توقع نمو الأرباح بنسبة 25.14 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأخير، مقارنة بنمو بلغ 38 في المائة في الربع السابق. ومن المتوقع أن يسجل قطاع التكنولوجيا نمواً في الأرباح بنسبة 46.9 في المائة.

وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، استقطبت صناديق الأسهم الأميركية نحو 13 مليار دولار، في تحول عن الأسبوع السابق الذي سجلت فيه صافي تدفقات خارجة بقيمة 5.1 مليار دولار. كما جذبت صناديق الأسهم الآسيوية والأوروبية تدفقات داخلة بقيمة 2.93 مليار دولار و1.5 مليار دولار على التوالي.

ضغوط على قطاع التكنولوجيا

وعلى الرغم من تحسن التدفقات إلى صناديق الأسهم عموماً، اتجه المستثمرون إلى تقليص انكشافهم على بعض القطاعات، إذ سجلت الصناديق القطاعية صافي تدفقات خارجة بقيمة 6.14 مليار دولار. وتصدّرت صناديق التكنولوجيا قائمة القطاعات الأكثر تضرراً، بسحوبات بلغت 4.75 مليار دولار، تلتها صناديق القطاع الصناعي بـ1.86 مليار دولار، ثم الصناديق المالية بـ1.43 مليار دولار.

وفي الولايات المتحدة، استقطبت صناديق الأسهم تدفقات صافية بقيمة 13.01 مليار دولار، بعد تسجيل سحوبات صافية بلغت 5.1 مليار دولار في الأسبوع السابق. غير أن صناديق التكنولوجيا الأميركية سجلت تدفقات خارجة بقيمة 5.21 مليار دولار، وهي الأكبر للقطاع منذ 24 يونيو (حزيران)، وسط مخاوف بشأن ارتفاع مستويات الديون.

وأظهرت البيانات أن صناديق الأسهم الأميركية، كبيرة القيمة السوقية، جذبت 16.55 مليار دولار، لتعوض بذلك تدفقات خارجة بلغت نحو 14.08 مليار دولار في الأسبوع السابق. كما استقطبت الصناديق متعددة الفئات من حيث القيمة السوقية 2.12 مليار دولار، وصناديق الأسهم الصغيرة 541 مليون دولار، في حين سجلت الصناديق متوسطة القيمة السوقية تدفقات خارجة بقيمة 651 مليون دولار.

وعلى صعيد الأرباح، تشير تقديرات «إل إس إي جي»، المستندة إلى توقعات المحللين لـ2076 شركة أميركية كبيرة ومتوسطة القيمة السوقية، إلى نمو أرباح الشركات بنسبة 29.99 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الأخير، مع توقع ارتفاع أرباح قطاع التكنولوجيا بنسبة 57.64 في المائة.

السندات تواصل جذب الاستثمارات

وواصلت صناديق السندات العالمية جذب الأموال للأسبوع الرابع على التوالي، مستقطبة صافي تدفقات داخلة بقيمة 7.79 مليار دولار، وإن كان إجمالي الطلب قد تراجع مقارنة بالأسبوع السابق. وتوزعت التدفقات على صناديق السندات قصيرة الأجل بقيمة 2.87 مليار دولار، وصناديق السندات الحكومية بـ2.33 مليار دولار، وصناديق سندات الشركات بـ976 مليون دولار.

وفي الولايات المتحدة، واصلت صناديق السندات جذب الاستثمارات للأسبوع السادس والعشرين على التوالي، مسجلة صافي تدفقات داخلة بقيمة 6.45 مليار دولار. واستقطبت صناديق الدخل الثابت المحلية الخاضعة للضرائب 1.91 مليار دولار، مواصلة تسجيل تدفقات إيجابية للأسبوع الرابع على التوالي. كما جذبت صناديق ديون البلديات 1.61 مليار دولار، في حين استقطبت صناديق السندات الحكومية وسندات الخزانة قصيرة ومتوسطة الأجل 1.12 مليار دولار.

في المقابل، سجلت صناديق أسواق النقد العالمية تدفقات خارجة بقيمة 46.73 مليار دولار، مع تقليص المستثمرين حيازاتهم بعد تدفقات داخلة صافية بلغت 153.98 مليار دولار في الأسبوع السابق. وفي الولايات المتحدة وحدها، بلغت السحوبات من هذه الصناديق 45.93 مليار دولار، مقارنة بمشتريات صافية بقيمة 68.49 مليار دولار في الأسبوع السابق.

تراجع الإقبال على الذهب والطاقة

وفي أسواق السلع، أنهى المستثمرون سلسلة مشتريات استمرت 4 أسابيع من صناديق الذهب والمعادن النفيسة الأخرى، مسجلين صافي تدفقات خارجة بقيمة 1.14 مليار دولار. كذلك سحبوا 216 مليون دولار من صناديق قطاع الطاقة، بعد أن سجلت هذه الصناديق تدفقات داخلة بقيمة 269 مليون دولار في الأسبوع السابق.

أما في الأسواق الناشئة فقد استقطبت صناديق الأسهم تدفقات نقدية داخلة بقيمة 717 مليون دولار، مسجلة أول صافي مشتريات أسبوعية لها منذ 6 أسابيع. في المقابل، سجلت صناديق السندات تدفقات خارجة بقيمة 304 ملايين دولار، بعد أن جذبت 1.43 مليار دولار في الأسبوع السابق، وفقاً للبيانات التي شملت 29093 صندوقاً.


العقود الآجلة الأميركية تتباين وسط ضغوط على أسهم التكنولوجيا

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

العقود الآجلة الأميركية تتباين وسط ضغوط على أسهم التكنولوجيا

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تباين أداء العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مع تعرض أسهم التكنولوجيا لضغوط جديدة، وسط مخاوف من ظهور تصدعات في موجة الاستثمار المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في حين قدّم ارتفاع أسهم «تسلا» وتراجع أسعار النفط بعض الدعم للأسواق.

وارتفعت أسهم شركة صناعة السيارات الكهربائية «تسلا» بنسبة 4.4 في المائة في تداولات ما قبل افتتاح السوق، بعد الكشف عن نسخة مُعاد تصميمها من سيارتها «رودستر»، تعمل بدوافع نفاثة شبيهة بالصواريخ، وطُوّرت بالتعاون مع شركة «سبايس إكس»، التي ارتفعت أسهمها بنسبة 2.1 في المائة.

واستمرت مؤشرات الحذر في قطاع الذكاء الاصطناعي، إذ تراجعت أسهم شركة «كور ويف» المدعومة من «إنفيديا» بنسبة 4.1 في المائة، بعد انتعاشها يوم الخميس، وسط استمرار المخاوف بشأن حجم ديون مشغّلة مراكز البيانات.

كما انخفضت أسهم شركتي الحوسبة السحابية المتخصصة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي «نيبيوس غروب» و«آيرين» بنسبة 2 في المائة لكل منهما، في حين تراجعت أسهم شركتي صناعة الرقائق «ميكرون تكنولوجي» و«برودكوم» بنسبة 1.7 في المائة و0.4 في المائة على التوالي.

وتكبّدت أسهم الذكاء الاصطناعي خسائر حادة هذا الأسبوع، مع تزايد مخاوف المستثمرين الذين تركزت استثماراتهم على امتداد سلسلة الإمداد المرتبطة بهذه التكنولوجيا، من احتمال عجز مشغّلي مراكز البيانات عن تحقيق الأرباح في الوقت المناسب لسداد ديونهم، لا سيما في ظل التوقعات بارتفاع تكاليف الاقتراض.

وحققت بعض هذه الأسهم مكاسب حادة هذا العام، ما ساعد على دفع مؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» إلى مستويات قياسية حتى الأسبوع الماضي.

وقال جيمس أثيري، مدير محافظ الدخل الثابت لدى شركة «مارلبورو»: «عندما تكون لديك سردية شديدة التفاؤل إلى هذا الحد، تقابلها نتائج شديدة الإيجابية، ومع ذلك يتراجع السهم، فهذه إشارة فنية تدل على أن عدد المستثمرين المنخرطين في هذا الرهان أكبر من اللازم».

وأدى تراجع أسهم الذكاء الاصطناعي إلى تحوّل الاستثمارات نحو القطاعات الدفاعية، مثل الرعاية الصحية، يوم الخميس، ما ساعد المؤشرات الرئيسية على الإغلاق على ارتفاع طفيف.

ومع ذلك، كان مؤشرا «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» يتجهان نحو تسجيل خسائر أسبوعية، في ظل تأثير موجة البيع الحادة التي طالت أسهم الذكاء الاصطناعي، والنتائج المتباينة للبنوك الكبرى، وبيانات التضخم، على معنويات المستثمرين طوال الأسبوع.

في المقابل، ظل مؤشر «داو جونز» على مسار تحقيق مكاسب أسبوعية.

وتتزايد توقعات الأسواق بأن يُبقي مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي أسعار الفائدة دون تغيير هذا الشهر. وقال رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، كيفن وورش، إن الاقتصاد الأميركي لا يزال قادراً على الصمود، ويستفيد من طفرة الاستثمار المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، لكنه أشار إلى أن الزيادة الكبيرة في الإنفاق تُسهم في تعزيز التضخم.

وبحلول الساعة 6:21 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ارتفعت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 204 نقاط، أو 0.39 في المائة، وصعدت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 12.5 نقطة، أو 0.16 في المائة. في المقابل، تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 23.5 نقطة، أو 0.08 في المائة.

وما عزز الإقبال على الأصول عالية المخاطر أيضاً تراجع أسعار النفط بنحو 1 في المائة، رغم بقاء خام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل.

ومن بين الأسهم الأخرى التي شهدت تحركات ملحوظة، ارتفعت أسهم شركة «فارونيس سيستمز» بنسبة 2.3 في المائة، بعدما وافقت شركة «بروف بوينت»، التابعة لشركة الاستثمار المباشر «توما برافو»، على الاستحواذ على شركة أمن البيانات، في صفقة نقدية بالكامل تبلغ قيمتها 6.3 مليار دولار.


البنك الدولي: 800 مليون وظيفة مطلوبة لاستيعاب الشباب خلال 15 عاماً

رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (إ.ب.أ)
رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (إ.ب.أ)
TT

البنك الدولي: 800 مليون وظيفة مطلوبة لاستيعاب الشباب خلال 15 عاماً

رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (إ.ب.أ)
رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا خلال الاجتماعات السنوية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك (إ.ب.أ)

حذّر رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا من اتساع التحديات المرتبطة بتوفير فرص العمل عالمياً، مشيراً إلى أن نحو 1.2 مليار شاب سيدخلون سوق العمل خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة المقبلة، في وقت لا يُتوقع أن يوفر هذا السوق سوى نحو 400 مليون وظيفة، ما يضع توفير فرص العمل في صدارة أولويات التنمية الاقتصادية.

وقال بانغا، في كلمته خلال الجلسة العامة للاجتماعات السنوية لمجموعة البنك الدولي لعام 2026 في بانكوك، إن المؤسسة تواجه تحديين مترابطين يتمثلان في تحقيق أقصى استفادة من الموارد المحدودة، ومساعدة البلدان على توفير الوظائف على نطاق واسع، مؤكداً أن معالجة هذين التحديين تتطلب الجمع بين التمويل العام والاستثمار الخاص والعمل الخيري والتكنولوجيا، وفقاً لاحتياجات كل دولة.

وأضاف أن الصراعات المستمرة، وتراجع الحيز المالي، وارتفاع أعباء الديون، واستمرار ارتفاع تكاليف السلع الأساسية، بما فيها الطاقة والأسمدة، تزيد من صعوبة تحقيق التنمية وتوفير فرص العمل. وأكد أن الوظيفة ليست مجرد إحصائية، بل تمثل الكرامة والقدرة على بناء المستقبل، محذراً من أن عدم استثمار إمكانات الشباب ستكون له تداعيات تتجاوز الحدود الوطنية.

وأوضح بانغا أن مجموعة البنك الدولي أجرت خلال السنوات الثلاث الماضية تغييرات في آليات عملها بهدف تعزيز قدرتها على تمويل التنمية وتسريع تنفيذ المشاريع. وشملت هذه التغييرات خفض مدة إعداد المشاريع من 19 شهراً إلى تسعة أشهر، وتقليص مؤشرات تقييم الأداء من 153 إلى 22 مؤشراً تركز على الأثر، وزيادة التمويل المرتبط بتحقيق النتائج من نحو الثلث إلى النصف. كما أعادت المجموعة هيكلة ميزانية البنك الدولي للإنشاء والتعمير، بما أتاح أكثر من 100 مليار دولار من القدرة الإضافية على الإقراض خلال عقد.

وفي إطار تعزيز دور القطاع الخاص، كشف بانغا عن أن المجموعة نجحت في حشد نحو 112 مليار دولار من رؤوس الأموال الخاصة العام الماضي، مقارنة بنحو 35 مليار دولار في السنة المالية 2022، أي بزيادة تقارب ثلاثة أضعاف. ومع إضافة التمويل الذي قدمته المجموعة، تجاوز إجمالي التمويل 230 مليار دولار.

وأشار إلى أن حشد رؤوس الأموال الخاصة تضاعف نحو ثلاث مرات في البلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى، وأربع مرات في البلدان ذات الدخل المتوسط الأعلى، كما زاد بأكثر من الضعف في أفريقيا. لكنه لفت إلى استمرار صعوبة استقطاب التمويل التجاري إلى البلدان منخفضة الدخل، حيث استقر حجم رؤوس الأموال المحشودة عند نحو 3 مليارات دولار، مؤكداً أهمية دعم المؤسسات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة باعتبارها مدخلاً أساسياً لتوسيع النشاط الاقتصادي وتوفير الوظائف.

وشدد على أن استراتيجية مجموعة البنك الدولي للوظائف ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية: تطوير البنية التحتية المادية والبشرية، وتعزيز اليقين التنظيمي والسياساتي، وإزالة العوائق أمام الاستثمار الخاص، بما يشمل مخاطر أسعار الصرف وصعوبة الحصول على التمويل. وذكر أن المجموعة خصصت 40 مليار دولار العام الماضي للبنية التحتية والخدمات الأساسية، فيما دعم 30 في المائة من تمويلها للقطاع العام إصلاح السياسات والمؤسسات.

وفي القطاعات الحيوية، أوضح بانغا أن مبادرة «مهمة 300»، بالشراكة مع البنك الأفريقي للتنمية، تستهدف إيصال الكهرباء إلى 300 مليون شخص في أفريقيا بحلول 2030، مشيراً إلى استفادة 59 مليون شخص حتى الآن. كما تستهدف جهود المجموعة وشركائها تعزيز الأمن المائي لما يصل إلى مليار شخص، مع التزام مجموعة البنك الدولي بالوصول إلى 400 مليون شخص، فضلاً عن دعم 200 مليون مزارع من أصحاب الحيازات الصغيرة ضمن جهود أوسع تستهدف 300 مليون مزارع بحلول 2030.

وأضاف أن مبادرة «هيلث ووركس» تستهدف توفير خدمات صحية عالية الجودة وميسورة التكلفة لـ1.5 مليار شخص بحلول 2030، وقد وصلت بالفعل إلى نحو 600 مليون شخص. كما تعمل المجموعة على توسيع استثماراتها في المعادن الحيوية والممرات الاقتصادية، بهدف بناء صناعات محلية وتعزيز نقل المنتجات إلى الأسواق وخلق فرص العمل.

وأكد بانغا أن التكنولوجيا، ولا سيما تطبيقات الذكاء الاصطناعي العملية، يمكن أن تساعد المزارعين والمعلمين والعاملين في القطاع الصحي ورواد الأعمال على تحسين الإنتاجية وتوسيع الوصول إلى الأسواق، شرط توفير الكهرباء والاتصالات والأجهزة والمهارات اللازمة.

وختم بالتأكيد أن المرحلة المقبلة تتطلب توسيع نطاق تنفيذ المشاريع، وتعزيز التعاون بين بنوك التنمية متعددة الأطراف والمستثمرين، بما يسمح بنقل الاستثمارات إلى جهات تمويل طويلة الأجل وتحرير رؤوس الأموال لتمويل مشاريع جديدة. وقال إن فجوة الوظائف المتوقعة ليست قدراً محتوماً، وإن بناء مستقبل أكثر قدرة على توفير فرص العمل يتطلب نموذجاً تنموياً يجمع التمويل العام ورؤوس الأموال الخاصة والتكنولوجيا والشراكات الدولية.