الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية
TT

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

الذكاء الاصطناعي يُسرّع وتيرة اتساع الفجوة الرقمية

لحظة تلو الأخرى، يرسخ الذكاء الاصطناعي سريعاً وجوده بصفته جزءاً من البنية التحتية اليومية - لكن في بعض الأماكن فقط؛ فهو يساعد في كتابة الرسائل الإلكترونية ورموز البرمجيات، ويُستخدم في فرز طلبات التوظيف، ودعم أنظمة التوصية. كما يجري دمجه، على نحو متزايد، في مجالات التعليم والرعاية الصحية والتمويل والإدارة العامة. واليوم، ترفع قيادات الصناعة شعار «الذكاء الاصطناعي للجميع»، في حين تسارع الحكومات إلى نشر استراتيجيات وطنية، وبناء قدراتها السيادية بمجال الحوسبة.

غير أن التجربة على امتداد العقد الماضي، من خلال العمل على مشروعات الشمول الرقمي ومحو الأمية الرقمية في مناطق تمتد من أوروبا إلى أفريقيا جنوب الصحراء وجنوب شرق آسيا، تكشف عن نمط متكرر: فكل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية»، تصل إلى واقع قائم بالفعل على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية، كما كتبت دانيكا رادوفانوفيتش في مجلة «سبكترم» الصادرة عن جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركية.

إن الموجة الحالية من الذكاء الاصطناعي ليست استثناءً، بل إنها تُفاقم هذه الانقسامات القائمة على صعيد الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، تستكشف بعض الدول سبل المشاركة في تطوير الذكاء الاصطناعي، دون الدخول مباشرة في سباق النماذج المتقدمة، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين. وتكشف التطورات الأخيرة في جنوب أفريقيا وإندونيسيا، عن حجم الفرص والتحديات في آن واحد؛ فالمسألة لا تتعلق فقط بإتاحة الوصول إلى الذكاء الاصطناعي؛ إذ إن الدول التي تظل مجرد مستهلكة له، لا منتجة، تخاطر بفقدان فرص بناء منظومات ابتكار محلية، وتعزيز قدرات القطاع العام، وضمان تمثيل لغاتها وثقافاتها وأولوياتها المجتمعية داخل هذه الأنظمة. وبذلك، تتحول الفجوة على صعيد الذكاء الاصطناعي، إلى فجوة على صلة بالفرص الاقتصادية والنفوذ التكنولوجي.

تمركز القدرات وتفاوت المهارات

• تمركز قدرات الذكاء الاصطناعي. تشير تحليلات حديثة صادرة عن جامعة ستانفورد في تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026، إلى أن الولايات المتحدة وحدها تضم أكثر من 5000 مركز بيانات، أي ما يزيد على عشرة أضعاف أي دولة أخرى. ومع تزايد اعتماد أعباء العمل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي على المنصات السحابية، بدلاً من البنية التحتية المحلية، يتحول هذا التركز إلى تركّز في التبعية كذلك. وحسب بيانات البنك الدولي، استحوذت الولايات المتحدة عام 2023 على نحو 87 في المائة من مجمل صادرات خدمات الحوسبة السحابية وتخزين البيانات عالمياً.

وفيما يخص معظم الدول، يعني ذلك أن تطوير الذكاء الاصطناعي يجري إسناده خارجياً، ليس فقط من الناحية التكنولوجية، بل كذلك من الناحيتين التجارية والجيوسياسية، بما يضعه خارج نطاق سيطرتها. وينتج من ذلك نظام بيئي يتركز فيه تشغيل المحركات الحاسوبية، التي تدعم الأنظمة العالمية، في أيدي عدد محدود من الدول والشركات.

أضف إلى ذلك، أن الأنظمة التي يجري تدريبها وتوحيد معاييرها وإدارتها ضمن بيئات مؤسسية ولغوية محدودة، قد تجابه صعوبة في خدمة جمهور عالمي حقيقي.

• تفاوت عميق في المهارات والمعرفة بالذكاء الاصطناعي. حتى في الأماكن التي تتوافر فيها خدمات الاتصال والوصول إلى الحوسبة السحابية، لا يتمتع الجميع بالقدرة نفسها على الاستفادة منها. وعلى سبيل المثال، عبر دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يمتلك سوى نحو 40 في المائة من البالغين مهارات تتجاوز المستوى الأساسي في حل المشكلات الرقمية، في حين تظل الكفاءات المتقدمة في مجالات الحوسبة والذكاء الاصطناعي متركزة بين العاملين ذوي التعليم العالي، والقطاعات كثيفة الاعتماد على التكنولوجيا.

وبالتزامن مع ذلك، تتسابق الحكومات لإدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم، وغالباً ما تبدأ من المراحل التعليمية العليا. وقد أفادت منظمة «يونيسكو» بوجود جهود متزايدة عالمياً لدمج الذكاء الاصطناعي في التعليم، في حين لا يزال دعم ثقافة الذكاء الاصطناعي في صفوف التعليم الابتدائي والإعدادي، وكذلك تدريب المعلمين على الجوانب الأخلاقية المرتبطة به، متفاوتاً بين الدول.

بوجه عام، يعدّ الأفراد الذين يتمتعون بتعليم قوي، ومهارات رقمية متقدمة، واتصال مستقر بالإنترنت، الأكثر قدرة على التعامل مع الذكاء الاصطناعي، بصفته أداة لتعزيز قدراتهم. وتُظهر بيانات حديثة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن المشاركة في التدريب المرتبط بالذكاء الاصطناعي لا تزال متفاوتة بشكل واضح تبعاً للمستوى التعليمي؛ إذ أفاد 36 في المائة من الحاصلين على تعليم جامعي بمشاركتهم في تدريب متعلق بالذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي، مقابل 18 في المائة فقط من أصحاب شهادة التعليم الثانوي.

اللحاق بركب الذكاء الاصطناعي

• الاستثمار والحوكمة: ضعف الدول النامية. تظل سلطة تحديد الأجندة الأساسية محصورة في يد مجموعة ضيقة من الفاعلين داخل قطاع الذكاء الاصطناعي، بجانب عدد محدود من الدول المتقدمة تكنولوجياً. في المقابل، تبقى معظم الدول الأخرى في حالة سعي دائم للحاق بالركب، مع حرصها المستمر على تكييف النماذج والمعايير وقوالب «الذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة» المستوردة مع سياقاتها المحلية، في ظل محدودية قدرتها على تقييم المفاضلات أو طرح بدائل مستقلة.

وفي دول مثل إندونيسيا وجنوب أفريقيا، تُنتج المجتمعات بيانات على نطاق واسع. ومع ذلك، لا تزال تملك حضوراً محدوداً في تحديد كيفية تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي أو حوكمتها أو نشرها. كما أن لغاتها ممثلة بشكل ضعيف في بيانات التدريب، في حين تعاني مؤسساتها من نقص الموارد داخل المنتديات التنظيمية. ونادراً ما تنعكس تجاربها في مجموعات البيانات المرجعية. وفيما يتعلق بالكثير من دول الجنوب العالمي، يظل الانخراط في مجال الذكاء الاصطناعي قائماً بصورة أساسية على تكييف أنظمة مستوردة، لا على التأثير في تصميمها أو إدارتها أو توجيهها.

في جنوب أفريقيا، أطلقت وزارة الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية مشروع سياسة وطنية للذكاء الاصطناعي، في أبريل (نيسان) هذا العام، تضمن مقترحات لإنشاء مؤسسات رقابية جديدة. غير أن المشروع سُحب بعد أيام قليلة، عقب اكتشاف صحافي أن ستة على الأقل من المراجع الأكاديمية الواردة فيه لا وجود لها، ويُرجح أنها نتاج هلوسات أفرزها الذكاء الاصطناعي. ووصف الوزير الواقعة بأنها «خطأ غير مقبول».

ويسلط هذا الحادث الضوء على الفجوة بين طموحات حوكمة الذكاء الاصطناعي والقدرات المؤسسية اللازمة لتنفيذها، رغم أن اللجنة الجديدة التي جرى تشكيلها لاحقاً قد تمثل فرصة للاستفادة من خصوصية موقع جنوب أفريقيا.

أما إندونيسيا، فتقدم نموذجاً لمحاولة واعية، وإن كانت مقيدة، لتعزيز دور القطاع العام. وفي هذا الإطار، عملت الوكالة الوطنية للبحث والابتكار، التي تقود تنفيذ استراتيجية الذكاء الاصطناعي، على تطوير أدوات عملية تستهدف المجتمعات الأقل حظاً، بدلاً من التركيز على القدرات المتقدمة، من بينها تطبيق يستخدم بيانات الأقمار الاصطناعية وتقنيات التعلم الآلي، لمساعدة الصيادين التقليديين في تحديد مواقع تجمعات الأسماك، ونماذج لغوية متعددة اللغات مدربة على اللغة الإندونيسية ولغات محلية مثل الجاوية والسوندية، إضافة إلى روبوتات محادثة تُستخدم في الخدمات الحكومية.

وفي أغسطس (آب) عام 2025، أصدرت وزارة الاتصالات والشؤون الرقمية خريطة طريق وطنية للذكاء الاصطناعي، تستهدف تدريب 100 ألف عامل سنوياً على المهارات المرتبطة بهذا المجال.

في الواقع، فإن الخيار ليس مجرد الاختيار بين «قوة عظمى في مجال الذكاء الاصطناعي» و«متلقٍ سلبي»؛ فالتعاون الإقليمي يكتسب أهمية متزايدة. وفي عام 2024، اعتمد وزراء أفارقة استراتيجية قارية للذكاء الاصطناعي وميثاقاً رقمياً أفريقياً. واستكشف المشاركون في قمة الذكاء الاصطناعي العالمية لأفريقيا، التي عُقدت في كيغالي في أبريل 2025، كيف يمكن للتنسيق الإقليمي، ونماذج الذكاء الاصطناعي باللغات المحلية، والجامعات الحكومية، وأنظمة المصادر المفتوحة، أن تُقلل من الاعتماد، على المدى الطويل، على أنظمة الذكاء الاصطناعي المطورة بالخارج.

• طريقة مختلفة للتفكير في فجوة الذكاء الاصطناعي. لا يعني أي من هذا أن على الناس إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي أو التخلي عنه، ولا أن تركّز الحوسبة السحابية أو رأس المال الاستثماري أمر سيئ بطبيعته، وإنما ينبغي لنا عندما نتحدث عن «ثورة الذكاء الاصطناعي»، أن نتساءل كذلك: من يستطيع تشكيلها، ومن يستطيع التكيف معها فقط؟

فيما مضى ركزت النقاشات حول الفجوة الرقمية على الأجهزة والاتصال، ثم توسعت لاحقاً لتشمل المهارات والنتائج. إلا أن موجة الذكاء الاصطناعي الحالية تُضيف بعداً آخر: التفاوتات المتعلقة بمن يستطيع المشاركة بفاعلية في تحديد غاية الذكاء الاصطناعي، والمشاكل التي يُفترض أن يحلها، والأولويات الاجتماعية التي يخدمها في نهاية المطاف.

وفيما يتعلق بالمهندسين وصناع السياسات، يطرح هذا الأمر تساؤلات صعبة، لكنها ضرورية: هل يجب عليهم أن يصمموا أنظمة وبنى تحتية للذكاء الاصطناعي تُوسّع نطاق المشاركة في تشكيل التغيير التكنولوجي، بدلاً من تضييقه؟ وكذلك وعندما تُطلق الحكومات استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي أو تُدمجه في الخدمات العامة، فما القيود واللغات والواقع المؤسسي الذي تضعه في الحسبان؟

من جهتهم، يصور الكثير من المراقبين الوضع الحالي للذكاء الاصطناعي بوصفه منافسة، لكن في واقع الأمر لا تقتصر المنافسة التكنولوجية على السرعة فحسب، بل تتعلق كذلك بمن يستطيع التأثير على مسار التغيير.

اليوم، ينتشر الذكاء الاصطناعي بالفعل على مستوى العالم. ومع ذلك، يبقى السؤال الأعمق: هل سيضمن خبراء التكنولوجيا وصناع السياسات المسؤولون عنه، توسع رقعة المشاركة الفعّالة في صياغة المستقبل؟

كل موجة جديدة من التكنولوجيا «التحويلية» تقود إلى واقع قائم على تفاوتات في الاتصال والمهارات والقدرات المؤسسية


مقالات ذات صلة

الرئيس التنفيذي لـ«أرامكس»: الذكاء الاصطناعي ينقل الشحن من رد الفعل إلى التنبؤ

خاص تتجه الشركة إلى توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل اختيار المسارات ووسائل النقل قبل تفاقم الاضطرابات (أدوبي)

الرئيس التنفيذي لـ«أرامكس»: الذكاء الاصطناعي ينقل الشحن من رد الفعل إلى التنبؤ

توظف «أرامكس» الذكاء الاصطناعي والبيانات لدعم قرارات الشحن لحظياً، وتعزيز مرونة الشبكات، والتنبؤ بالاضطرابات قبل تفاقمها.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد جناح «إم آي إس» في معرض «بلاك هات 2024» بالرياض (موقع الشركة الإلكتروني)

أمر عمل جديد من «هيوماين» لـ«المعمر» يتجاوز 135 % من إيرادات 2025

تلقت شركة المعمر لأنظمة المعلومات (إم آي إس) ثاني أمر عمل ضمن اتفاقيتها مع شركة «هيوماين» (HUMAIN)، بقيمة إجمالية تتجاوز 135 في المائة من إجمالي إيرادات الشركة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا تشمل الاستخدامات متابعة المشروعات وتحليل البيانات وتطوير البرمجيات وإعداد المحتوى مع إمكان تنفيذ مهام متكررة في الخلفية (الشركة)

«دوتس» من «أوبن إيه آي»... وكلاء يعملون حتى بعد انتهاء المحادثة

تُقدم «أوبن إيه آي» وكلاء «دوتس» للعمل المستمر عبر التطبيقات مع حوسبة سحابية وصلاحيات وضوابط لإدارة المهامّ تلقائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أظهرت الاختبارات أن الروبوت يستطيع السباحة والالتفاف داخل متاهة مائية بسيطة بسرعة تصل إلى نحو 4 أضعاف طول جسمه في الدقيقة (الجامعة)

روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

طوّر باحثون في «MIT» روبوتاً سبّاحاً فائق النحافة يستخدم خلايا عضلية حية ومحفزات ضوئية للحركة داخل الماء.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني

يكشف تقرير «PwC» اتساع مخاطر الذكاء الاصطناعي سيبرانياً مقابل استمرار غموض المسؤولية وتفاوت الجاهزية رغم زيادة الميزانيات والاستثمار في الحماية.

نسيم رمضان (لندن)

البقوليات: هل تفيد القلب؟

البقوليات: هل تفيد القلب؟
TT

البقوليات: هل تفيد القلب؟

البقوليات: هل تفيد القلب؟

​تبرز البقوليات بوصفها خياراً لا يُضاهى عندما يتعلق الأمر بالبروتينات النباتية. وتتميز نباتات هذه الفصيلة (التي تتضمن الفاصوليا والعدس والبازلاء) بمحتواها الغني بالكربوهيدرات المعقدة، النوع الصحي الذي يستغرق وقتاً طويلاً للهضم. وبجانب ذلك، تعتبر البقوليات غنية بالألياف، ومنخفضة الدهون، وتحتوي على مجموعة متنوعة من الفيتامينات والمعادن.

بدائل صحية

في هذا الصدد، يقول الدكتور راني بولاك، المدير المؤسس لبرنامج «أساسيات التثقيف الصحي والطهي»، التابع لـ«معهد طب نمط الحياة»، بجامعة هارفارد: «تناول البقوليات بدلاً من مصادر البروتين والكربوهيدرات الأخرى الأقل إفادة للصحة، يمكن أن يساعد في الوقاية من حالات طبية شائعة، تسهم في الإصابة بأمراض القلب».

السؤال هنا: لماذا؟ بداية، غالباً ما يقترن البروتين الموجود في كثير من منتجات اللحوم والألبان بدهون مشبعة ترفع مستويات الكوليسترول. أما الكربوهيدرات البسيطة المستمدة من الحبوب المكررة (مثل الخبز الأبيض والأرز الأبيض) فقد جُرِّدت من الألياف التي تسهم في خفض الكوليسترول.

كيف تعزز البقوليات صحة القلب؟

بوجه عام، تحتوي البقوليات على نوعين من الألياف الصحية: الألياف القابلة للذوبان، والنشا المقاوم. وتعمل الألياف القابلة للذوبان مثل الإسفنجة داخل الجهاز الهضمي؛ حيث تحبس العصارة الصفراوية الغنية بالكوليسترول، وتسمح للجسم بالتخلص منها. أما النشا المقاوم فيذوب داخل الأمعاء الغليظة، ليوفر بذلك الغذاء لبكتيريا الأمعاء التي تنتج أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة. وبالتعاون مع مكونات الألياف الأخرى، قد تساعد هذه المواد في خفض مستويات الكوليسترول وضغط الدم والالتهابات ووزن الجسم، وجميعها عوامل رئيسة مرتبطة بأمراض القلب.

في هذا السياق، يضيف الدكتور بولاك: «تتيح البقوليات شعوراً كبيراً بالشبع، ما قد يساعد الأشخاص على تناول كميات أقل من الطعام وإنقاص الوزن». كما أن تناول البقوليات قد يقلل من خطر الإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، ويمكن إيعاز السبب -على الأرجح- إلى انخفاض مؤشر نسبة السكر في الدم (المؤشر الغلايسيمي) للبقوليات، الأمر الذي يسهم في ضبط مستويات السكر في الدم؛ علماً بأن الإصابة بالسكري تضاعف خطر الإصابة بأمراض القلب.

السلبيات المحتملة لتناول البقوليات

ينبغي الانتباه هنا إلى أنه مثلما الحال مع الأطعمة الأخرى الغنية بالألياف، قد تسبب البقوليات انطلاق غازات معوية، ما يخلق شعوراً بالانتفاخ وتراكم الغازات. فإذا كنت نادراً ما تتناول البقوليات، فعليك الحرص على زيادة الكمية التي تتناولها تدريجياً. ومع الاستمرار في تناولها بانتظام ستتأقلم بكتيريا الأمعاء لديك مع الألياف الإضافية، وستنتج كميات أقل من الغازات بمرور الوقت.

ويساعد نقع البقوليات طوال الليل وطهيها في ماء نظيف على التخلص من المواد المسببة للغازات. كما يوصَى بنقعها مرتين باعتبار ذلك وسيلة أكثر فاعلية؛ غير أن هذا يُعد سبباً آخر قد يدفع الناس لتجنب البقوليات، وذلك لاعتقادهم أن تحضيرها يستغرق وقتاً طويلاً. إلا أنه بإمكانك دوماً استخدام الفاصوليا المعلبة. وهنا يؤكد الدكتور بولاك أن معظم الوقت المخصص لنقع الفاصوليا وطهيها لا يتطلب أي جهد ولا أي تدخل مباشر.

سلطة بالحمص والعدس وجبن «الفيتا» مع السمسم

ادمج البقوليات في نظامك الغذائي

عليك الشروع على الفور في الاستعاضة عن جزء من اللحوم في أطباقك المفضلة (مثل لفائف «التاكو» أو المعكرونة بالصلصة)، بالفاصوليا السوداء أو الحمراء المعلبة قليلة الصوديوم. ويتوفر العدس الذي لا يحتاج إلى نقع بألوان متنوعة، تتضمن البُنِّي والأخضر والأسود. وجدير بالذكر هنا أن العدس البرتقالي الصغير (المعروف أيضاً بالعدس الأحمر)، ينضج في غضون 5 إلى 7 دقائق فقط. ويمكنك تجريب وصفة الدكتور بولاك، ويمكنك إضفاء لمسة مميزة عليها بإضافة أي مزيج من الحبوب الكاملة المطبوخة، أو الخضراوات المقطعة، أو المكسرات المفرومة، حسبما يقترح.

وإليك بعض الأفكار الأخرى:

• استبدل بجزء من حصة الأرز العدس المطبوخ.

• أضف الفاصوليا الحمراء أو اللوبياء (البازلاء ذات العين السوداء) إلى السلطة الخضراء.

• تناول «الإيدامامي» (فول الصويا الأخضر) بوصفه وجبة خفيفة، أو جرب إحدى الطرق الكثيرة الأخرى للاستمتاع بفول الصويا.

• حضِّر حساءً باستخدام البازلاء المجففة المقسمة (سواء الخضراء والصفراء).

• أعدَّ الحمص بالطحينة أو أطباقاً أخرى تعتمد على الحمص، مثل «تشانا ماسالا» chana masala (حمص مطبوخ مع صلصة الطماطم والتوابل).

• ابحث عن وصفات تستخدم الفاصوليا، مثل «فريخوليس ريفرتوس» frijoles refritos (فاصوليا البينتو المهروسة والمقلية، والمطهوة ببطء مع البصل والثوم)، أو «باستا إي فاجيولي» pasta e fagioli (فاصوليا الكانيليني، مع قطع صغيرة من المعكرونة في مرق الطماطم).

سلطة العدس البرتقالي مع جبن «الفيتا» والأعشاب الطازجة

يمكن تعديل هذه الوصفة -المقدمة من الدكتور راني بولاك، من «معهد طب نمط الحياة»، بجامعة هارفارد- بإضافة الحبوب الكاملة المطبوخة، أو الخضراوات المقطعة، أو المكسرات المفرومة.

المكونات:

• 7 أونصات (الأونصة 29 غراماً تقريباً) من العدس البرتقالي المقسم (المنقَّى والمغسول).

• رشتان من الملح.

• 3 ملاعق كبيرة من عصير الليمون الطازج.

• 3 ملاعق كبيرة من زيت الزيتون البكر الممتاز.

• فص ثوم واحد مهروس.

• ملعقة كبيرة من النعناع الطازج المفروم.

• ملعقتان كبيرتان من البقدونس الطازج المفروم.

• أونصة واحدة من جبن «الفيتا» قليل الدسم.

• رشة من الفلفل الأسود المطحون.

طريقة التحضير

ضع العدس مع رشة من الملح في قِدر صغير، وأضف الماء حتى يغمره. ارفع القِدر على نار متوسطة حتى يغلي، ثم ارفعه فوراً عن النار وصَفِّه من الماء. اغسل العدس بالماء البارد وصفِّه في مصفاة، ثم انقله إلى وعاء السلطة. أضف عصير الليمون والزيت والثوم والنعناع والبقدونس والجبن. اترك الخليط جانباً لمدة 30 دقيقة على الأقل في درجة حرارة الغرفة، لتتجانس النكهات، ثم أضف الملح والفلفل قبل التقديم.

* رسالة هارفارد للقلب، خدمات «تريبيون ميديا».


في عصر الذكاء الاصطناعي: خريجو الجامعات الجدد يحتاجون إلى مهارات أكثر وأعمق

في عصر الذكاء الاصطناعي: خريجو الجامعات الجدد يحتاجون إلى مهارات أكثر وأعمق
TT

في عصر الذكاء الاصطناعي: خريجو الجامعات الجدد يحتاجون إلى مهارات أكثر وأعمق

في عصر الذكاء الاصطناعي: خريجو الجامعات الجدد يحتاجون إلى مهارات أكثر وأعمق

حتى سنوات قليلة كان التخرج من الجامعة تجربة مُفعمة بالحماس، فهي لحظة مليئة بالوعود للخريجين، زاخرة بالإمكانات، ومفعمة بشعورٍ وكأنّ أبواباً كثيرة قد انفتحت أمامهم دفعة واحدة. وإن لم تتغير طموحات الخريجين ولا حماسهم اليوم، فإن سوق العمل الذي يدخلونه أصبح مختلفاً تماماً، فالمهام التي كانت تُحدد دور الموظف المبتدئ (تحليل البيانات، وكتابة التقارير، وتدوين ملاحظات الاجتماعات) أصبحت الآن مؤتمتة، ما يُغيِّر شكل وتوفر فرص العمل في بداية المسيرة المهنية، كما كتب بهارات سياني*.

الذكاء الاصطناعي «يقلص» عدد الوظائف

يُشير مركز بيو للبحوث إلى أن 73 في المائة من الأشخاص دون سن الثلاثين يعتقدون الآن أن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى تقليص عدد الوظائف، مقارنة بـ61 في المائة قبل عامين. ومخاوفهم هذه في محلها، فالوظائف الشاغرة للمبتدئين آخذة في التناقص.

أما بالنسبة لمن ينجحون في دخول سوق العمل، فإن طبيعة العمل تتغير أيضاً. إنَّ «ترقية» الوظائف المبتدئة تعني أنّه في المجالات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بات من المرجَّح أن يحتاج الموظفون الجدد إلى مهارات من ذوي الخبرة المتوسطة 7 مرات أكثر من الموظفين في وظائف أقل ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي.

تطوير المهارات بالذكاء الاصطناعي بدلاً من التفاعل مع مخرجاته

وبدلاً من «التعلُّم بالممارسة»، يلجأ كثيرون إلى «التعلُّم بالمراجعة»؛ حيث يقضون وقتاً في التلاعب بمخرجات الذكاء الاصطناعي، بدلاً من تطوير مهارات قيِّمة كالحكم السليم، والتعرُّف على الأنماط، والتفكير النقدي.

في هذا السياق، تبرز مشكلة. فالعمل بفاعلية مع الذكاء الاصطناعي يتطلَّب قدراً من الخبرة قد يفتقر إليه كثير من الموظفين الجدد، نظراً لحداثة عهدهم بسوق العمل. والخبرة هي ما تساعدنا على التمييز بين مخرجات الذكاء الاصطناعي المفيدة والسيئة. ورغم أنَّ المخاطر لا تقتصر على شاغلي الوظائف المبتدئة -فقد يقع العاملون ذوو الخبرة أيضاً في فخِّ الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي لإنجاز قائمة متزايدة باستمرار من المهام- فمن المنطقي افتراض أنَّ الموظفين الجدد هم الأكثر عرضة للأخطاء الناتجة عن الذكاء الاصطناعي وللأخطاء الإدارية.

فجوة المهارات الشخصية في بداية المسيرة المهنية

هذا لا يعني أنَّه ينبغي لنا الحدُّ من استخدام الذكاء الاصطناعي أو الخوف منه؛ بل على العكس تماماً؛ إذ تُتيح الأدوات المناسبة إحداث تأثير ملموس من خلال تحويل سير العمل، وإزالة المعوقات الإدارية، وتعزيز الكفاءة. في مستقبل العمل الذي سيُشكِّله الذكاء الاصطناعي ويُحدِّده، يُعدُّ ضمان اكتساب العاملين على جميع المستويات معرفة جيدة بالذكاء الاصطناعي أمراً بالغ الأهمية.

لكن المشكلة الأساسية -والمفارقة- لا تزال قائمة: فتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي بفاعلية غالباً ما يتطلب مهارات نتوقعها الآن من الموظفين الجدد، حتى مع تقييد فرصهم في تطويرها. ويُهدد هذا الوضع بتفاقم فجوة المهارات الشخصية في بداية المسيرة المهنية.

ردم فجوة المهارات

على القادة الجادِّين في سدِّ هذه الفجوة وتأهيل الخريجين للنجاح في المستقبل، التركيز على 3 أمور:

1- خلق فرص مُخصصة للتفكير النقدي: يُعدُّ تكليف الموظفين الجدد بانتظام بمشاريع تتطلب منهم تقييم الخيارات، وتقديم التوصيات، والحصول على التغذية الراجعة، من أنجع الطرق لبناء مهارات التفكير النقدي العملي.

ويتمثل أحد الأساليب في منح الموظفين الجدد مشاريع خاصة بهم، وعرض مسيرة تقدُّمهم مباشرة على زملائهم الذين يُمكنهم التعرُّف على منطقهم، وطرح أسئلة مُحدَّدة، وفهم منهجهم. لا ينبغي التعامل مع هذا كاختبار؛ بل كوسيلة لزملاء العمل الجدد لتطوير مهارات التفكير المنطقي الفعال والدفاع عنها. فهو ينقل العمل من بيئة النماذج إلى العالم الحقيقي، ويتيح لهم فرصاً للتفكير النقدي وتلقي ملاحظات بناءة من زملائهم.

استخدام منخفض المخاطر

2- اجعل استخدام الذكاء الاصطناعي واضحاً ومنخفض المخاطر: إلى جانب وضع إرشادات واضحة للذكاء الاصطناعي، يجب على القادة إبقاء استخدامه واضحاً ومنخفض المخاطر، حتى تظهر الأخطاء مبكراً ويتم احتواؤها. عملياً، قد يعني ذلك تشجيع الموظفين الجدد على أتمتة مجموعة محددة مسبقاً من المهام البسيطة فقط -مثل تلخيص مكالمة داخلية أو ضغط مجموعة بيانات- مع تسجيل كل خطوة في مستند مشترك. أو مطالبة الزملاء بالإبلاغ عن المحتوى الذي يتم إنشاؤه بدعم من الذكاء الاصطناعي، حتى يكون ذلك واضحاً عند انتقاله عبر سلسلة التنفيذ أو المراجعة. ويصبح السجل بمنزلة مسار للمساءلة، ما يمنح المديرين رؤية واضحة للمحتوى الذي يُنشئه الذكاء الاصطناعي، وفرصة لتقديم ملاحظات إذا أغفل الموظفون الجدد جوانب قصور مخرجات الذكاء الاصطناعي.

إتقان التدريب

3- ابدأ التدريب على إتقان الذكاء الاصطناعي مبكراً واستمر فيه: يعني إتقان الذكاء الاصطناعي معرفة متى يجب استخدامه ومتى لا يجب، وأي الأدوات تناسب أي مهمة، وامتلاك المهارات والمصطلحات اللازمة لاستخدام التوجيهات الصحيحة، وتقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي بشكل نقدي.

هذه مهارات يجب تعلُّمها. وقد يتجلى ذلك في مشاركة حالات استخدام واقعية في المؤسسات، تُظهر مواطن نجاح وفشل سير عمل الذكاء الاصطناعي.

كما يجب على المؤسسات ضمان عدم اعتماد الموظفين الجدد بشكل مفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي في المهام التي تتطلب حُكماً سليماً وأسلوباً إبداعياً. بمجرد أن يعرف الأفراد معايير الأداء الجيد وكيفية الوصول إليه، سيصبحون في وضع أفضل لاستخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لتحقيق تلك الغاية بسرعة أكبر.

لا اختصار للتفكير

والأهم من ذلك، يجب على كل فرد في أي مستوى من مستويات المؤسسة أن يدرك أن الذكاء الاصطناعي ليس اختصاراً للتفكير، ولا يُغني عن بذل الجهد. وبصفتها حامية للمواهب المستقبلية، فإن الشركات التي توضح هذا الأمر وتُمكِّن الموظفين الجدد من بناء مهاراتهم التقنية والشخصية في وقت مبكر من حياتهم المهنية، ستشهد ازدهاراً ملحوظاً في هذه المواهب.

أما بالنسبة للخريجين، فالرسالة واضحة: عززوا مهاراتكم في الذكاء الاصطناعي، وكونوا فضوليين (محبين للاطلاع) ونشطين في استكشاف الأدوات الجديدة. ولكن لا تفعلوا ذلك على حساب تحدي أنفسكم لحل المشكلات وتكوين الآراء بشكل مستقل (خاص بكم). في مستقبل العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، سيكون قادة المستقبل هم من يستطيعون تحقيق هذا التوازن بنجاح.

* مجلة «فاست كومباني».


«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي

«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي
TT

«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي

«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي

«اكتئاب الذكاء الاصطناعي» يتسرب إلى عيادات العلاج النفسي

«التغيير الذي لا رجعة فيه» يزيد المخاوف من تهديده لمستقبل البشرية

شكوك الأميركيين عميقة تجاه تطوراته

//

أصبح الحديث عن المخاوف والقلق المتعلق بالذكاء الاصطناعي جزءاً معتاداً من يوم عمل كانديس ن. تومسون، المعالجة النفسية العاملة في «وادي السيليكون»، إذ أظهر زبائنها، وهم في الغالب موظفون متفوقون في قطاع التكنولوجيا، مخاوف عملية بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على حياتهم المهنية، إضافة إلى شعورهم بالقلق أيضاً إزاء قضايا أوسع نطاقاً، مثل تأثيراته على مستقبل البشرية، وهي قضية نوقشت على نطاق واسع الشهر الماضي عندما حذر خبير سابق في هذا المجال من أن التكنولوجيا المتطورة بسرعة قد تقضي علينا جميعاً.

الذكاء الاصطناعي... تهديد وجودي

تقول تومسون، التي تمارس العلاج النفسي منذ أكثر من 17 عاماً: «خلال مسيرتي المهنية في العلاج لم أرَ قط تهديداً وجودياً كهذا. لا أعتقد أن أحداً منا بمنأى عن هذا الخطر، حتى زبائني الذين لا يعملون في مجال التكنولوجيا». ويشير معالجون نفسيون آخرون إلى أن المخاوف المتعلقة بالذكاء الاصطناعي باتت شائعة بشكل متزايد بين زبائنهم، نتيجة قيام هذه التقنية بإعادة تشكيل بيئة العمل، واستهلاك الموارد الطبيعية، وإثارة مخاوف بشأن الخصوصية، والأمن.

«شكوك» الأميركيين العميقة

وقد كشفت دراسة أجراها مركز «بيو» للأبحاث -ونُشرت في يونيو (حزيران) الماضي- أن الأميركيين ينظرون إلى الذكاء الاصطناعي بقدر كبير من «الشك العميق». فقد توقعت نسبة أكبر من البالغين أن يكون للذكاء الاصطناعي تأثير سلبي عليهم وعلى المجتمع مقارنة بالتأثير الإيجابي. وبالإضافة إلى ذلك، ذكر نحو ثلثي المشاركين في الاستطلاع أنهم يشعرون بأن تقنية الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة مفرطة.

اكتئاب الذكاء الاصطناعي... بعد اكتئاب التغير المناخي

وتقول شيري تيركل -عالمة الاجتماع، والأستاذة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، ومؤلفة كتاب «الحميمية الاصطناعية: من نصبح عندما نتحدث إلى الآلات» Artificial Intimacy : «يشعر الناس بغياب القدرة على التأثير، وبحالة عميقة من العجز، وفقدان السيطرة».

وتضيف قائلة: «هناك وجه شبه بين هذا الوضع والاكتئاب الناجم عن التغير المناخي؛ إذ تشعر بأن هناك خللاً عميقاً، لكنك قد ترى أن أي تحرك سيكون بلا جدوى، فيتحول الاكتئاب إلى حالة عامة، ومبهمة».

كيف يظهر القلق من الذكاء الاصطناعي في جلسات العلاج النفسي؟

بالنسبة للأشخاص الذين يعانون بالفعل من اضطرابات مشخصة -مثل اضطراب القلق العام generalized anxiety - قد يبدو الضيق الناجم عن الذكاء الاصطناعي أكثر حدة. وقالت إيما باستو، وهي أم لثلاثة أطفال صغار تبلغ من العمر 32 عاماً، وتقيم في ميلتون بولاية نيو هامبشاير، إنها وجدت نفسها تفكر في الذكاء الاصطناعي بشكل شبه متواصل لعدة أيام، وذلك بعد اطلاعها على أحدث التوقعات التي تنذر بنهاية العالم، ومعرفتها بأن بعض الأشخاص يستخدمون أدوات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي لإنشاء محتوى جنسي غير متفق عليه من طرفين.

وذكرت باستو، التي تعاني من اضطراب الوسواس القهري، أنها تميل إلى الانزلاق في دوامات من القلق، لأن عقلها يوهمها بأن الاستغراق المستمر في التفكير سيضمن لها الأمان بطريقة ما. وقالت واصفةً حالتها: «الأمر أشبه بوجود شوكة في حذائك؛ قد تنشغل بأداء مهام أخرى، لكنها تظل موجودة، وتوخزك باستمرار».

وأشارت إلى أن معالجها النفسي ساعدها في كسر هذه الحلقة المفرغة من خلال تذكيرها بأن هناك أموراً لا تملك السيطرة عليها ببساطة، مضيفة: «القلق بشأن هذه الأمور لن يجدي نفعاً».

مخاوف مراجعي العيادات من التكنولوجيا

تسافر راشيل وود، وهي معالجة نفسية تدرس الآثار النفسية للتكنولوجيا، بانتظام في أنحاء البلاد لتوعية زملائها من المعالجين حول كيفية تفاعل الناس مع الذكاء الاصطناعي، ولشرح أحدث الأبحاث المتعلقة بتأثيراته، ومناقشة مظاهر حضوره في الممارسات العلاجية السريرية.

وقد عقدت مؤخراً ورشة عمل مع مجموعة من علماء النفس في ولاية أوريغون، وسألت الحضور عما إذا كان المراجعون يطرحون مخاوف وجودية بشأن الذكاء الاصطناعي؛ فأجاب نحو نصف المعالجين بالإيجاب. وذكرت وود، التي تدير عيادة خاصة صغيرة في كولورادو سبرينغز بولاية كولورادو، أن بعض مراجعيها يطرحون هذا الموضوع أيضاً.

حزن بسبب «التغيير الذي لا رجعة فيه»

وأوضحت أن قلقهم غالباً ما يرتبط بمشاعر الحزن إزاء «التغيير الذي لا رجعة فيه، والذي نعيشه حالياً، والسرعة الهائلة التي يحدث بها هذا التغيير»، مضيفة: «من الصعب حقاً مواكبة هذا الأمر، واستيعاب دلالاته في ظل هذه الوتيرة المتسارعة». ومع تولي الذكاء الاصطناعي مهام كانت تُسند سابقاً للبشر، يتساءل الكثيرون: «ما هي القيمة التي أقدمها أنا؟». وأشارت وود إلى أن هذا التحول في الهوية المهنية يُعد من أبرز الجوانب التي تثير لدى المراجعين شعوراً بالفقدان، وعدم اليقين.

بين التحمّس وانحسار الفكر النقدي

من جانبها قالت يوكسين صن، وهي عالمة نفس في سياتل، إنه ليس كل مراجعيها يعبرون عن مخاوفهم بشأن الذكاء الاصطناعي؛ بل إن بعضهم -على حد تعبيرها- «متحمسون جداً للذكاء الاصطناعي»، وينظرون إليه في المقام الأول نظرة إيجابية. بينما واجه آخرون صعوبة أكبر في استيعاب ما يعنيه الذكاء الاصطناعي بالنسبة لهم، ولعائلاتهم.

وعلى سبيل المثال، عبّر بعض مهندسي البرمجيات -الذين باتوا يطلبون من الذكاء الاصطناعي كتابة الرموز البرمجية بدلاً من القيام بذلك بأنفسهم- ليوكسين عن شعورهم بفقدان الجانب الأكثر تشويقاً وأهمية في عملهم. كما أعرب أولياء أمور عن مخاوفهم من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تآكل مهارات التفكير النقدي لدى أبنائهم.

كيف نوقف هذه الدوامة؟

لا توجد إجابات بسيطة، لكن الخبراء ينصحون بالتركيز على «اللحظة الراهنة، وبذل ما في وسعك لإحداث تغيير ملموس، سواء في حياتك الشخصية، أو في الشأن العام».

تستخدم باستو تطبيق «5 Calls» للتواصل مع المسؤولين المنتخبين للمطالبة بوضع المزيد من الضمانات التنظيمية للذكاء الاصطناعي. أما المعالجة النفسية تومسون فإنها تدعو إلى الاستخدام الأخلاقي للتكنولوجيا في مجال الصحة النفسية، إذ قدمت العام الماضي محاضرة ضمن فعاليات «TEDx» بعنوان: «لماذا لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون معالجك النفسي؟»، وسلطت فيها الضوء على طبيعة العلاج النفسي القائمة على العلاقات الإنسانية، والسرّيّة، والمحكومة بأخلاقيات وحدود فريدة تضمن سلامة العلاقة العلاجية.

وتقول تومسون: «نحن نقف عند نقطة تحول مفصلية، حيث لا يزال بإمكاننا ممارسة بعض السيطرة، وإسماع صوتنا بشأن هذه القضية». بينما تشير صن إلى أن مشاعر القلق الوجودي التي يعبر عنها بعض المراجعين في العيادات النفسية تنبع غالباً من شعورهم بفقدان السيطرة، وغياب المعنى. وتضيف قائلةً إن طرح السؤال التالي قد يكون مفيداً: «ما هي الأمور التي لن أوكل مهمة القيام بها إلى الذكاء الاصطناعي؟»، وهي تحث زبائنها على النظر إلى هذه المرحلة باعتبارها فرصة لإعادة تقييم ما يهمهم حقاً.

* خدمة «نيويورك تايمز»