قائد «سنتكوم» يزور «أبراهام لينكولن» وسط ضغوط الانتشار الطويل

كوبر يتفقد الحاملة للمرة الثانية هذا العام بعد أكثر من 240 يوماً متصلة في البحر

حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عمليات مشتركة في نطاق الأسطول الخامس ببحر العرب في مايو 2019 (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عمليات مشتركة في نطاق الأسطول الخامس ببحر العرب في مايو 2019 (أ.ف.ب)
TT

قائد «سنتكوم» يزور «أبراهام لينكولن» وسط ضغوط الانتشار الطويل

حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عمليات مشتركة في نطاق الأسطول الخامس ببحر العرب في مايو 2019 (أ.ف.ب)
حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» خلال عمليات مشتركة في نطاق الأسطول الخامس ببحر العرب في مايو 2019 (أ.ف.ب)

زار قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، الأدميرال براد كوبر، حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» في بحر العرب، وسط تقارير عن ضغوط نفسية ومشكلات في الإمدادات على متن الحاملة التي تُشارك في الحرب ضد إيران والحصار البحري على موانئها.

وجاءت الزيارة ضمن جولة استمرت 10 أيام واختتمها كوبر، السبت 15 أغسطس (آب)، وشملت 6 دول في الشرق الأوسط، إضافة إلى الحاملة الأميركية العاملة في بحر العرب.

وفي الوقت نفسه، قالت «سنتكوم» إن كوبر التقى كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين في البحرين والعراق وإسرائيل والأردن والسعودية والإمارات، كما اجتمع مع أفراد من القوات الأميركية المنتشرة في المنطقة.

وينتشر أكثر من 50 ألف عسكري أميركي في أنحاء الشرق الأوسط، وفق القيادة، لدعم مجموعة من المهام العسكرية والأمنية.

براد كوبر يتحدث إلى بحار على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال الجولة التفقدية (سنتكوم)

ووصلت «أبراهام لينكولن» إلى الشرق الأوسط في يناير (كانون الثاني)، بعدما غادرت قاعدتها في سان دييغو خلال نوفمبر (تشرين الثاني)، وشاركت منذ ذلك الحين في الحرب الأميركية ضد إيران، ومهام الأمن الإقليمي، والحصار البحري المستمر على الموانئ الإيرانية.

وتستعد الحاملة للعودة إلى الولايات المتحدة بعد انتشار عسكري استمر نحو 9 أشهر، وفق القيادة المركزية الأميركية.

وأمضت الحاملة أكثر من 200 يوم في منطقة العمليات، ونفّذت أكثر من 10 آلاف طلعة جوية، وفق المعلومات الأميركية، بينها عمليات مرتبطة بالحرب ضد إيران والحصار البحري.

أكثر من 240 يوماً في البحر

وتزامنت زيارة كوبر مع تصاعد المخاوف بشأن تأثير طول الانتشار على أفراد طاقم «أبراهام لينكولن»، بعدما أمضت الحاملة أكثر من 240 يوماً متصلة في البحر، وهي فترة قياسية.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» تقارير عن تدهور ظروف المعيشة على متن الحاملة، شملت نقص الطعام الطازج والإمدادات الشخصية، وانسدادات في شبكة المياه، إلى جانب مشكلات تتعلق بالصحة النفسية. وقال مسؤول أميركي إن أحد أفراد الطاقم سقط من الحاملة إلى البحر مطلع أغسطس، لكنه انتُشل سريعاً.

ويقول مسؤولون أميركيون إن الظروف على متن «أبراهام لينكولن» ليست استثنائية بالنسبة إلى انتشار في زمن الحرب، لكنهم أقروا بأن البقاء أشهراً من دون توقف في الموانئ يمكن أن يثقل كاهل البحارة ومشاة البحرية.

وعادةً ما تستخدم حاملات الطائرات زيارات الموانئ للتزود بالإمدادات ومنح الطواقم عدة أيام للراحة وإعادة التنظيم، وهو ما تعذّر على «أبراهام لينكولن» لفترات طويلة خلال الحرب مع إيران.

مروحية تحمل على متنها الجنرال براد كوبر قائد القيادة المركزية تهبط على متن حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» خلال الجولة التفقدية (سنتكوم)

ويمكن أن تضم حاملة الطائرات أكثر من 5 آلاف بحار وعنصر من مشاة البحرية، وأثارت فترات الانتشار الطويلة مخاوف تتعلق بالصحة النفسية والإمدادات وظروف الخدمة، إلى جانب تأثيرها في جاهزية السفن نفسها.

وخلال وجوده على متن الحاملة، التقى كوبر البحارة ومشاة البحرية، وخاطب كامل الطاقم، وشكرهم على ما سمّاه «تفانيهم وشجاعتهم الهائلين».

وقال القائم بأعمال وزير البحرية، هونغ كاو، إن «عدداً صغيراً» من حالات الصحة النفسية عولج على متن الحاملة من دون تسجيل وفيات.

وأضاف أن الاتصالات الهاتفية للبحارة قُيّدت عندما ارتفع مستوى التهديد العملياتي بصورة كبيرة، وأن خطط الوجبات عُدّلت عند تعذّر وصول بعض الإمدادات، لكنه قال إن الطاقم لم يفوّت أي وجبة.

كما اجتمع مع أفراد من الرتب الأصغر، وكرّم عدداً من العسكريين.

وقال كوبر إن مجموعة «أبراهام لينكولن» الضاربة «فريق قوي من الأميركيين ذوي الأداء المتميز»، مضيفاً أن أفرادها «يقفون شامخين بفخر هائل، ومستحق بكل ما أنجزوه».

وأضاف: «سيسجل التاريخ هذا الانتشار بوصفه واحداً من أكثر الانتشارات كثافة من الناحية العملياتية، وأشدها أهمية وتأثيراً في العصر الحديث».

وهذه هي الزيارة الثانية التي يجريها كوبر للحاملة خلال العام. وكان قد صعد على متنها في فبراير (شباط) برفقة المبعوث الأميركي الخاص لمهام السلام ستيف ويتكوف وغاريد كوشنر.

الحصار والحرب مع إيران

وتُشارك «أبراهام لينكولن» في الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على إيران بعد اندلاع الحرب في 28 فبراير بضربات أميركية وإسرائيلية.

وجاء الحصار إثر إعلان طهران فرض سيطرتها على مضيق هرمز ووضع قيود على حركة السفن عبر الممر الاستراتيجي.

وكان نحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المتداولين عالمياً يمر عبر المضيق قبل اندلاع الحرب.

وتعثرت المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران، في حين تواصل طهران وسلطنة عُمان مباحثات فنية بشأن ترتيبات إدارة حركة الملاحة عبر المضيق.

وتقول إيران إن تلك المحادثات منفصلة عن مسار التفاوض مع واشنطن، وإن التوصل إلى ترتيبات فنية بشأن الممرات البحرية لا يعني إعادة فتح المضيق بالكامل.

وتأتي زيارة كوبر أيضاً في ظل استعدادات أميركية لإعادة تنظيم انتشار حاملات الطائرات في المنطقة، بعد أشهر من العمليات المتواصلة ضد إيران.

بحارة أميركيون يجهزون طائرة الإنذار المبكر «إي-2 دي هوك آي» للإقلاع على متن حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» (سنتكوم)

وأثارت أوضاع الحاملة تحركات في الكونغرس، إذ طالب أعضاء ديمقراطيون في مجلس الشيوخ وزير الحرب بيت هيغسيث بتقديم إجابات بشأن ظروف الطاقم.

وحذّر المشرعون من وجود «أدلة متزايدة» على أن الظروف على متن الحاملة تدهورت إلى مستوى قد يُعرض سلامة أفراد الطاقم ورفاههم للخطر.

ورفض هيغسيث التقارير عن سوء الأوضاع على متن الحاملة، قائلاً إنها «حُرفت بالكامل».

وقلل ترمب بدوره من المخاوف بشأن طول الانتشار، وقال إن مدة مهمة «أبراهام لينكولن» «لم تكن طويلة بما يكفي».

وقال هيغسيث إن الولايات المتحدة تستطيع مواصلة الحصار البحري «إلى أجل غير مسمى»، مضيفاً: «سنستمر فيه ما دمنا نحتاج إلى ذلك».

جولة في 6 دول

وشملت جولة كوبر لقاءات مع مسؤولين في 6 دول، في وقت تتداخل فيه الحرب مع إيران مع أزمات إقليمية أخرى في لبنان وغزة.

وخلال المحطات البرية، كرّم كوبر عسكريين أميركيين، وأشرف على إعادة تجنيد أفراد في القوات، كما ترأّس مراسم انتقال القيادة في «قوة المهام المشتركة - عملية العزم الصلب».

وفي 11 أغسطس، سلّم اللواء كيفن لامبرت قيادة القوة إلى الأميرال ليام هولين خلال مراسم أُقيمت في مقرها بالأردن.

طائرات تنطلق من فوق سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

وتتولى القوة مهام مرتبطة بالعمليات الأميركية والتحالفية في المنطقة، في حين يواصل الجيش الأميركي انتشاراً واسعاً يمتد من الخليج العربي إلى العراق والأردن وشرق المتوسط.

لكن محور جولة كوبر ظل مرتبطاً بالانتشار الأميركي المباشر في المنطقة، خصوصاً العمليات ضد إيران والحصار البحري، مع استمرار الضغط على القوات التي أمضت أشهراً طويلة في الخدمة المتواصلة.


مقالات ذات صلة

حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

تحليل إخباري مقاتلة أميركية من طراز «إف - 15 إي سترايك إيغل» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي - 135» خلال دورية جوية في سماء الشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها؟

بين استعدادات عسكرية إسرائيلية لضرب إيران وتحفظ أميركي مرتبط بالانتخابات النصفيةـ تتزايد التساؤلات عمّا اذا كانت المنطقة امام هدنة تفرضها الحسابات الانتخابية.

إيلي يوسف ( واشنطن)
شؤون إقليمية ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي في البيت الأبيض بواشنطن سبتمبر 2025 (أ.ف.ب) p-circle

هل تُستأنف الحرب على إيران بعد الانتخابات الأميركية؟

أعد الجيشان الأميركي والإسرائيلي خططاً محددة لشن ضربات جديدة على إيران بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في 3 نوفمبر المقبل

جوليان بارنز (واشنطن) إريك شميت (واشنطن) رونين بيرغمان (واشنطن) ناتان أودنهايمر (واشنطن) فرناز فصيح (واشنطن)
شؤون إقليمية سفن في مضيق «هرمز» كما تظهر من مسندم بعمان يوم 19 أكتوبر الحالي (رويترز)

إصابة سفينة بمقذوف قبالة سواحل عُمان

تعرضت سفينة قبالة سواحل سلطنة عمان قرب مضيق هرمز الأربعاء لهجوم بـ«مقذوف غير محدد» ما تسبب باندلاع حريق تم إخماده

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية بنيامين نتنياهو يتحدث في أثناء لقائه مواطنين في أحد مراكز التسوق قبيل الانتخابات الإسرائيلية في مدينة الرملة يوم 19 أكتوبر 2026 (رويترز) p-circle

ترمب عطّل خطة لنتنياهو لشن هجوم واسع على إيران

أوعز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الجيش، في وقت سابق من الشهر الحالي، بالتخطيط لهجوم كبير جديد على إيران، لكن العملية لم تُنفذ بسبب معارضة ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - تل أبيب)
شؤون إقليمية صورة نشرها موقع «البرلمان الإيراني» من لقاء قاليباف وعاصم منير في طهران الثلاثاء

طهران للوسيط الباكستاني: لا ثقة بواشنطن من دون الشروط السبعة

أبلغ رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير الثلاثاء بأن الولايات المتحدة لن تكسب ثقة طهران إلا بتنفيذ الشروط السبعة.


زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
TT

زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)

أكثر ما لفت الأنظار بعد الزيارة المهمة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران قبل أيام، هو عودة حديث الكرملين عن استعداد للعب دور وساطة للتوصل إلى تسوية مقبولة بين الأميركيين والإيرانيين.

واكتسب الطرح الروسي هذه المرة أهمية خاصة لأنه جاء في سياق نقاشات أميركية روسية حول أوكرانيا. وفي إطار الحديث عن تطبيع أوسع لعلاقات واشنطن مع موسكو بعد «صفقة الديزل» والتوافق على انفتاح عريض وتعاون في مجالات أخرى.

وسرعان ما برزت تأويلات تدعم فكرة الربط بين الملفين الأوكراني والإيراني في سياق مقايضات محتملة. واستعداد روسي لمساعدة الأميركيين في إيران في مقابل مكاسب مهمة للكرملين في ملف التسوية الأوكرانية. لكن، ماذا يمكن أن تقدم موسكو للرئيس دونالد ترمب في هذا المجال؟

دارت تحليلات وسائل إعلام وأوساط غربية حول استئناف الحديث عن العرض الروسي القديم الجديد، لنقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى الأراضي الروسية، وفقاً لسيناريو «الاتفاق النووي» السابق في 2015. وهو أمر كانت موسكو عرضته مراراً ورأت فيه مخرجاً مقبولاً يمنح الرئيس الأميركي مجالاً لإعلان إنجاز المهمة في منع طهران من استخدام مخزونها لتطوير أسلحة نووية بضمانات روسية كاملة.

قد يكون هذا المدخل واحداً من الحلول التي يمكن لموسكو تقديمها ضمن رزمة من العناصر الأخرى للتأثير على الموقف الإيراني. لكنه وكما كان في السابق محاطاً بمخاطر كثيرة كما يقول خبراء روس. أبرزها عدم وجود إجماع إيراني على هذا السيناريو، وعلو أصوات في طهران تنتقد علناً المواقف الروسية وتحذر من أن موسكو قد تنقلب على الإيرانيين في حال توصلت لتفاهمات كبرى مع الغرب. وهذا الطرح بالمناسبة متبادل بين الطرفين، إذ تردد أوساط روسية وازنة التحذير نفسه تجاه الإيرانيين.

لكن الأهم من ذلك، أن هذا المدخل وحده لا يحل المشكلة. فالموقف الروسي تجاه سياسات إيران الإقليمية وأذرعها العسكرية في المنطقة لم يتغير. كما أن الموقف الروسي حيال قدرات طهران الصاروخية واضح لصالح الإيرانيين برغم علو اللهجة الروسية أحياناً في إعطاء تطمينات للمحيط العربي والعالم بأن الكرملين قادر على التأثير على الجانب الإيراني لعدم استخدام تلك القدرات ضد مصالح بلدان المنطقة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان 8 أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)

كما أن اللافت هنا، أن الإيرانيين أنفسهم تحدثوا على المستوى الرسمي عن رفض نقل المخزون المخصب، إلى أي بلد بما في ذلك روسيا. وهذا يفتح على أسئلة حول مدى تفاهم موسكو وطهران على آليات للتحرك المشترك. يقول بعض الخبراء إن موسكو نفسها ليست مهتمة بالفعل بموضوع نقل المخزون، وإن هذا الأمر سوف يضيف أعباء إضافية من دون حوافز سياسية مهمة من جانب الغرب. يعني ذلك أن الموقف الإيراني قد يكون نتيجة اتفاق غير معلن بين الطرفين.

كما أن مشكلة نقل المخزون النووي ليست الوحيدة المطروحة تجاه موسكو غربياً، في إطار الاتهامات المتزايدة حول التعاون العسكري والتقني والاستخباراتي المتطور بين البلدين.

ولا شك أن زيارة لافروف إلى إيران كشفت مجدداً عن نمط التفاعل الحالي بين موسكو وطهران، حيث يُخفى تعاونهما العسكري التقني المهم، وإن كان غير معلن، وراء لغة دبلوماسية مبهمة.

وقد تحولت العلاقات التي كانت تتسم بالحذر تاريخياً بين موسكو وطهران إلى ما يشبه التحالف العسكري، وذلك بفضل عاملين رئيسيين: حرب أوكرانيا وسرعة تقدم تقنيات الاستخبارات الإلكترونية والفضائية، التي أصبحت بين الصادرات الرئيسية للكرملين إلى بلدان عدة.

في هذا الإطار، كتب معلق سياسي أنه «من خلال إعادة صياغة قواعد الحرب التقليدية والهجينة الحديثة، يسعى التحالف الروسي الإيراني إلى موازنة التفوق التكنولوجي الغربي عبر وضع الخطوط العريضة لـ«اقتصاد البقاء».

وهنا يمكن ملاحظة أن روسيا، في المرحلة الأولى من الحرب في أوكرانيا، كانت بحاجة ماسة للدعم الإيراني، واشترت آلافاً من ذخائر «شاهد 136» من إيران. بحلول عام 2026، اتخذ هذا التبادل طابعاً ثنائياً واضحاً. في مواجهة نقص الأسلحة الثقيلة التقليدية وتجميد عقود توريد طائرات «سو 35» المقاتلة لإيران بسبب احتياجات جبهتها في أوكرانيا، وجدت موسكو طريقة للتعويض عبر تزويد إيران ببيانات استطلاعها الفضائي.

ووفقاً لوكالات الاستخبارات الغربية، أطلقت روسيا برنامجاً واسع النطاق لتبادل المعلومات العملياتية مع طهران. ويشمل ذلك بشكل أساسي صوراً فضائية عالية الدقة وإحداثيات لتحركات القوات والسفن الحربية والطائرات الأميركية في الشرق الأوسط. وفي وقت سابق أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وجود أدلة على تبادل الكرملين بيانات الاستخبارات الإلكترونية مع طهران.

عراقجي ولافروف لدى وصولهما إلى مؤتمر صحافي عقب محادثاتهما في مقر الخارجية الإيرانية بطهران الاثنين (أ.ب)

وفقاً لتقارير، تُزوّد إيران روسيا حالياً بطائرات مسيرة انتحارية وتكنولوجيا طائرات من دون طيار منخفضة التكلفة تُنتج بكميات كبيرة، وفي المقابل تحصل على صور الأقمار الصناعية وبيانات الحرب الإلكترونية والمساعدة في تحديث أنظمة توجيه أسلحتها.

وقد تجلى نجاح هذا التعاون السري خلال الغارات الإيرانية على أهداف أميركية في المنطقة. من خلال الدقة العالية للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية في بعض الهجمات على قواعد عسكرية.

المطلوب إذن من موسكو ليس نقل المخزون النووي وحسب، بل التعامل بجدية مع التهديدات التي يوفرها تبادل المعلومات والدعم الاستخباراتي الروسي لطهران، فهل يبدو الكرملين قادراً بالفعل في هذه المرحلة على لعب الدور المطلوب؟

ورغم أن علاقات البلدين قد بلغت مستوى نوعياً جديداً في السنوات الأخيرة. لكن العوامل نفسها التي حالت دون قيام تحالف كامل لا تزال قائمة حتى اليوم: انعدام الثقة المتبادل، ونقص الموارد، واختلاف مستويات التفكير الاستراتيجي.

فإيران، في نهاية المطاف، قوة إقليمية. أما روسيا، فلديها طموحات هائلة، وتسعى إلى لعب دور دولي عالمي. ونتيجة لذلك، تختلف رؤيتهما لأهدافهما اختلافاً جذرياً. قد تتداخل مصالح البلدين لعدة أسباب، لكنها بعيدة كل البعد عن التوافق التام.

هذا المدخل يحدد مدى قدرة الكرملين على التأثير الجدي على الشريك الإيراني، في مرحلة لاحقة، ولكن ليس الآن.

وبحسب قناعة دبلوماسيين غربيين يعتزم الكرملين مواصلة استخدام قدرته على التأثير في تصعيد أو خفض حدة تحركات إيران في الشرق الأوسط كونها ورقة ضغط في المفاوضات مع ترمب. حسابات بوتين الاستراتيجية بسيطة: تقديم تخفيض أو تقييد للمساعدات العسكرية والفضائية المقدمة لطهران لواشنطن مقابل تنازلات محددة من البيت الأبيض بشأن أوكرانيا.


إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
TT

إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)

تستضيف مدينة إسطنبول، الجمعة، مباحثات بين وزراء خارجية أوروبيين مع نظرائهم في تركيا والسعودية ومصر وباكستان، تعقد للمرة الأولى بمبادرة تركية.

وقالت مصادر في وزارة الخارجية التركية، الخميس، إن وزراء خارجية دول مجموعة «إي 3»، وهم وزراء الخارجية البريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، والألماني يوهان فاديفول، سيلتقون نظراءهم في مجموعة «آر 4»، وهم وزراء خارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي يستضيف الاجتماع لمناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية المهمة.

وتشمل المباحثات القضية الفلسطينية والتطورات في اليمن ومضيق هرمز، وسبل إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى فرص التعاون والتنسيق بين المجموعتين في الفترة القادمة.

الانتهاكات الإسرائيلية وحرب إيران

ذكرت المصادر أن فيدان، الذي سيترأس الاجتماع، سيؤكد ضرورة امتناع جميع الدول عن أي أعمال من شأنها تقويض الوضع التاريخي والقانوني للقدس والإضرار بجهود حل الدولتين، وأهمية اتخاذ المجتمع الدولي موقفاً حازماً وزيادة الضغط على إسرائيل في مواجهة خطواتها لتوسيع المستوطنات غير الشرعية وتشجيع إرهاب المستوطنين غير الشرعيين.

دمار في غزة نتيجة القصف الإسرائلي (رويترز)

كما سيؤكد فيدان أن «استمرار احتلال إسرائيل لفلسطين، وموقفها المتشدد الذي يعرقل جهود السلام الدولية، وعدوانها المنتشر في جميع أنحاء المنطقة، هي الأسباب الجذرية للتوترات في الشرق الأوسط». كما يتوقّع أن يشير، في هذا الصدد، إلى استمرار إسرائيل في أعمالها الرامية إلى «زعزعة استقرار سوريا»، التي قدمت دول المجموعتين إسهامات قيّمة في تعزيز الاستقرار والازدهار فيها.

وعن حرب إيران، سيشدد فيدان، وفق المصادر، على أن الصراع بين واشنطن وطهران «لا يُمكن حله إلا عبر الدبلوماسية والحوار»، وأن الأساليب العسكرية لا تُقدّم حلاً دائماً، بل تُفاقم مواطن الضعف في المنطقة وتنطوي على خطر اتساع نطاق الصراع.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (إ.ب.أ)

وسيؤكد أن إرساء حرية الملاحة الدائمة في مضيق هرمز وباب المندب أمرٌ حيوي للاستقرار الإقليمي والعالمي، مشيراً إلى ضرورة دعم أمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، مشدداً على ضرورة ضمان حرية الملاحة بشكل دائم في مضيقي هرمز وباب المندب.

وحسب المصادر، سيُعيد فيدان تأكيد دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية في السعودية، بالإشارة إلى أهمية مبدأ التضامن والتفاهم الأمني، الذي أرسته «اتفاقية مكة للدفاع المشترك».

حرب روسيا وأوكرانيا

يرتقب أن تتناول المباحثات حرب روسيا وأوكرانيا كذلك، حيث يتوقّع أن يجدد الوزير التركي التأكيد على «التحذيرات والاقتراحات» التي تطرحها بلاده باستمرار لمنع تمدد الحرب إلى منطقة البحر الأسود، ولوضع حد لسقوط ضحايا مدنيين فيها.

هجوم أوكراني على سفينة تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود قبالة سواحل تركيا في 29 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وسيؤكد فيدان، مجدداً، استعداد تركيا لتقديم كل الدعم الممكن لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا عبر الحوار والدبلوماسية، مع لفت الانتباه إلى المخاطر التي يشكلها تصاعد الصراع بينهما على الأمن الإقليمي.

وتأسست مجموعة «إي 3» قبل أكثر من 20 عاماً لتعزيز التنسيق الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني، فيما تشكلت مجموعة «آر 4» في مارس (آذار) الماضي، كإطار تنسيقي بين السعودية ومصر وباكستان وتركيا، التي وقعت معا «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 8 أغسطس (آب) الماضي.


مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

تزداد مخاوف في العراق من أن يكون تمسّكُ الفصائل المسلحة بسلاحها محاولةً لكسب الوقت استعداداً لاحتمال استئناف الحرب مع إيران، وإعادة تفعيل ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً أمنية وسياسية متصاعدة لمنع استخدام الأراضي العراقية منصة لهجمات إقليمية.

وقالت مصادر سياسية مقربة من «الإطار التنسيقي»؛ التحالف الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية في البلاد، إن المفاوضات الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة لم تحقق تقدماً عملياً، مشيرة إلى أن عدداً من الفصائل لم تسلّم الصواريخ والطائرات المسيّرة التي لا تزال بحوزتها.

لكن المصادر أفادت «الشرق الأوسط» بأن «بعض قادة التحالف يستبعدون أن تُقدِم الفصائل على استهداف دول في المنطقة لإسناد إيران إذا استؤنفت الحرب؛ نظراً إلى التداعيات المحتملة على حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، التي قد تجد نفسها في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة».

جانب من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

«النجباء» تجدد رفضها حصر السلاح

ولا تبدد هذه التقديرات المخاوف من عودة مجموعات مسلحة صغيرة إلى تنفيذ هجمات يصعب إسنادها مباشرة إلى الفصائل الكبرى، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الخلاف داخل العراق بشأن مستقبل السلاح خارج سلطة الدولة.

وفي مؤشر على استمرار رفض بعض الفصائل أي تغيير في وضعها العسكري، أكد المعاون العسكري لـ«حركة النجباء»، عبد القادر الكربلائي، الأربعاء، أن «الحركة» لن تشارك في العملية السياسية، وأن موقفها من هذه المسألة «ثابت ولم يتغير».

وقال الكربلائي، في بيان، إن «الحركة» ترفض استخدام مصطلحات «حصر أو تسليم أو نزع» سلاح المقاومة.

وتضع هذه التصريحات تحدياً إضافياً أمام مساعي الحكومة لإخضاع السلاح لسلطتها، في وقت لا تقتصر فيه المخاوف على المواجهة السياسية بين بغداد والفصائل، بل تمتد إلى احتمال استئناف الهجمات على أهداف إقليمية انطلاقاً من الأراضي العراقية.

«فصائل الظل»

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة «المدى» العراقية، نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة، بأن إغلاق منفذ «الشيب» الحدودي مع إيران بمحافظة ميسان لا يرتبط فقط بالأسباب الفنية التي أعلنتها الحكومة، بل يأتي أيضاً في ظل مخاوف أمنية من عودة ما تصفها المصادر بأنها «فصائل الظل»، وهي مجموعات صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين 5 و10، ويُشتبه في إمكان استخدامها لتنفيذ هجمات يصعب تتبع منفذيها.

ووفق المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، فقد كثفت الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين مراقبة مواقع يُشتبه في إمكان استخدامها لشن هجمات، بعدما انتقلت هجمات استهدفت السعودية، وفق هذه التقديرات، من مناطق في صحراء النجف خلال يوليو (تموز) الماضي إلى محيط منفذ «الشيب» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتشير هذه المعطيات إلى احتمال تغير أساليب عمل مجموعات مسلحة، مع تجنب المواقع التي أصبحت تحت مراقبة مشددة والبحث عن مناطق جديدة للتحرك. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه التقديرات أو من هوية الجهات التي تقف وراء الهجمات المشار إليها.

وكانت الحكومة العراقية قد أكدت أن إغلاق منفذ «الشيب» مؤقت ويهدف إلى رفع الكفاءة، ونفى الناطق باسمها، حيدر العبودي، أن يكون الإجراء ذا دوافع سياسية، قائلاً إنه «إجراء إداري صرف، ولا يحتاج إلى تأويل سياسي»، بينما اتهم عبدُ الأمير تعيبان، مستشارُ رئيس الوزراء، الجانبَ الإيراني بممارسة «انتهاكات خطيرة تمس سيادة العراق، وتسبب إحداث فوضى في الحدود العراقية - الإيرانية، فضلاً عن تعمد تخريب الاقتصاد الوطني عبر تهريب العملات المزورة والمخدرات».

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

ضغوط أميركية

جاء الإغلاق في وقت تزداد فيه الضغوط الأميركية على بغداد بشأن حركة التجارة عبر الحدود مع إيران. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، عن مصدر عراقي أن الحكومة أغلقت المنفذ، بينما قال مسؤول إيراني إن المعابر الحدودية مع العراق «لا تزال مفتوحة أمام المسافرين، مع تسجيل تأخير في حركة الشاحنات».

وأفاد مصدران سياسيان بأن واشنطن تضغط على بغداد لإغلاق مزيد من المعابر مع إيران، وقال أحدهما إن وزارة الخزانة الأميركية أثارت المسألة مع الزيدي خلال زيارته نيويورك الشهر الماضي.

ولا تقتصر المخاطر على الحدود البرية. فقد أفاد مصدر أمني في محافظة البصرة، الأربعاء، بسقوط طائرة مسيّرة في البحر على بعد نحو 200 متر من ناقلة نفط تحمل اسم «كوردن أيكل»، بعد تلقي القوة البحرية العراقية معلومات من طاقمها عن رصد مسيّرتين، سقطت إحداهما في المياه واختفت الأخرى.

وفي موازاة هذه التطورات الأمنية، تواصل بغداد اتصالاتها مع دول المنطقة سعياً إلى احتواء التصعيد. وقالت وزارة الخارجية العراقية، الخميس، إن الوزير فؤاد حسين بحث هاتفياً مع نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف الملائمة للتوصل إلى تفاهمات سلمية تخفض التوترات وتعزز الأمن والاستقرار.