ضرائب «التأمين الخارجي» الصينية تزلزل الأسهم في هونغ كونغ

استقرار اليوان قرب أعلى مستوى في ثلاثة أعوام ونصف 

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

ضرائب «التأمين الخارجي» الصينية تزلزل الأسهم في هونغ كونغ

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

تعرضت أسهم شركات التأمين الكبرى المدرجة في بورصة هونغ كونغ لموجة بيع قوية، الخميس، بعد تقارير أفادت ببدء سلطات الضرائب في البر الرئيسي الصيني فرض ضريبة دخل شخصية على عوائد وثائق التأمين المشتراة في هونغ كونغ، في خطوة أثارت مخاوف المستثمرين من تشديد أوسع للرقابة على الاستثمارات الخارجية، حتى في الوقت الذي يواصل فيه اليوان الصيني التحرك قرب أعلى مستوياته في ثلاثة أعوام ونصف العام، مدعوماً بقوة الصادرات وتوقعات استمرار استقرار العملة.

ووفقاً لمصادر مطلعة، بدأت سلطات الضرائب في مدينتي بكين وهانغتشو تطبيق ضريبة دخل شخصية بنسبة 20 في المائة على العوائد الناتجة عن وثائق التأمين في هونغ كونغ، بما يشمل توزيعات الأرباح والفوائد المحقَّقة من الأقساط المدفوعة مقدماً.

ولم تصدر وزارة المالية الصينية أو الهيئة الوطنية لتنظيم الشؤون المالية أي تعليق رسمي بشأن هذه الخطوة، التي كانت مجلة «كايشين» الصينية أول مَن كشف عنها. وأثارت الأنباء مخاوف من تراجع الطلب على منتجات التأمين الخارجية، التي تُعدّ إحدى أهم القنوات التي يستخدمها المستثمرون الصينيون لتنويع أصولهم خارج البر الرئيسي، والاستفادة من منتجات ادخارية واستثمارية مقوَّمة بالدولار وعملات أجنبية أخرى.

وانعكست هذه المخاوف سريعاً على أداء السوق؛ إذ هبط سهم مجموعة «إيه آي إيه» بنسبة 8.5 في المائة، بينما تراجع سهم «برودنشال» بأكثر من 5 في المائة، بعد خسائر حادة في بورصة لندن. كما انخفض سهم مجموعة «إف دبليو دي» بنسبة 5.2 في المائة، وتراجع سهم «تشاينا لايف» بنسبة 1.4 في المائة، نظراً لاتساع أعمالها الخارجية وامتلاكها أصولاً كبيرة في هونغ كونغ. وامتدت الضغوط إلى القطاع المالي، حيث انخفض مؤشر «هانغ سنغ» بنسبة 1.9 في المائة، فيما تراجع مؤشر القطاع المالي بنسبة 2.2 في المائة. كما هبط سهم «إتش إس بي سي» بنسبة 2.3 في المائة، وانخفض سهم «ستاندرد تشارترد» بنسبة 1 في المائة، في ظل اعتماد البنكين على نشاط التأمين وإدارة الثروات في هونغ كونغ.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة، لأن هونغ كونغ ظلت خلال السنوات الماضية البوابة الرئيسية لخروج جزء من المدخرات الصينية إلى الأسواق العالمية، مستفيدة من الطلب المتزايد على وثائق التأمين التي توفر خيارات استثمارية متعددة العملات وعوائد أعلى مقارنة بالمنتجات المحلية، خصوصاً بعد انخفاض عوائد السندات داخل الصين.

• اليوان يتماسك

وفي المقابل، يواصل اليوان الصيني إظهار قوة لافتة في أسواق الصرف؛ إذ استقر قرب أعلى مستوى له منذ ثلاثة أعوام ونصف العام مقابل الدولار، مع ترقُّب المستثمرين صدور بيانات التجارة الصينية التي يُنظَر إليها باعتبارها مؤشراً رئيسياً على قدرة الاقتصاد على الحفاظ على زخمه خلال النصف الثاني من العام. وتداول اليوان المحلي عند نحو 6.7468 يوان للدولار، قريباً من أعلى مستوى سجله في الجلسة السابقة، بينما استقر اليوان المتداول خارج الصين عند مستويات مماثلة. وفي الوقت نفسه، واصل بنك الشعب الصيني تحديد السعر المرجعي اليومي عند مستوى أضعف من توقعات السوق، في خطوة يفسرها المتعاملون بأنها محاولة للحد من تسارع ارتفاع العملة والحفاظ على استقرارها.

ويرى متعاملون أن الأسواق ستراقب من كثب بيانات التجارة الصينية؛ إذ لا تزال الصادرات القوية والفائض التجاري الكبير يشكلان أهم عوامل الدعم لليوان. وأشار محللو بنك «إيه إن زد» إلى أن استمرار نمو الصادرات بمعدلات من خانتين يعزز الطلب على العملة الصينية، مع زيادة عمليات تحويل حصيلة الصادرات إلى اليوان. وأضافوا أن توقعات استمرار ارتفاع العملة تشجع الشركات والمصدرين على تسريع تحويل إيراداتهم الأجنبية؛ ما يزيد الطلب على اليوان، متوقعين أن يسمح البنك المركزي بمزيد من الارتفاع التدريجي للعملة حتى مستوى 6.6 يوان للدولار بنهاية العام، لمعالجة ما تعتبره السلطات انخفاضاً في قيمة العملة مقارنة بأساسيات الاقتصاد.

وارتفع اليوان بنحو 3.7 في المائة أمام الدولار منذ بداية العام، ليصبح من بين أفضل العملات أداءً في آسيا، مدعوماً باستمرار الفائض التجاري واستقرار تدفقات النقد الأجنبي، رغم عودة التوترات التجارية والتكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، التي لم يكن لها حتى الآن تأثير يُذكر في سوق العملات.

• تباين الرؤى

ويرى محللون أن قوة اليوان وتشديد الرقابة على الاستثمارات الخارجية يعكسان سياسة صينية تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم العملة والحفاظ على تدفقات رؤوس الأموال داخل الاقتصاد المحلي؛ فمن جهة، تستفيد بكين من استقرار اليوان في تعزيز الثقة بالاقتصاد.

ومن جهة أخرى، تعمل على الحد من خروج الأموال عبر قنوات الاستثمار الخارجية، بما فيها منتجات التأمين. ورغم القلق الذي أثارته الضريبة الجديدة، فإن عدداً من بيوت الأبحاث يرى أن رد فعل الأسواق كان مبالغاً فيه. فقد أكد محللو «سيتي» أن المقومات الأساسية التي تدعم الطلب على وثائق التأمين في هونغ كونغ، وعلى رأسها تنويع الأصول ومرونة الاستثمار بعملات متعددة، لا تزال قائمة، بينما اعتبر محللو «جيفريز» أن فرض الضريبة يظل أقل ضرراً من سيناريو حظر بيع وثائق التأمين الخارجية بالكامل. لكن محللي «غولدمان ساكس» حذروا من أن أسهم شركات التأمين قد تبقى تحت الضغط إلى حين اتضاح ما إذا كانت السلطات الصينية تعتزم تعميم الضريبة على نطاق أوسع، أو أنها ستقتصر على مناطق أو فئات محددة من المستثمرين.

وحتى تتضح الصورة، ستظل هونغ كونغ أمام اختبار جديد لقدرتها على الحفاظ على مكانتها مركزاً رئيسياً لإدارة الثروات الصينية، في ظل توازن دقيق بين الانفتاح المالي وتشديد الرقابة التنظيمية من جانب بكين.


مقالات ذات صلة

عمال الصين يتطلعون إلى أوروبا ضد «ثقافة 996»

الاقتصاد عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)

عمال الصين يتطلعون إلى أوروبا ضد «ثقافة 996»

تكتسب المواجهة التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي بُعداً جديداً يتجاوز الرسوم والدعم والطاقة الإنتاجية، ليصل إلى ظروف العمل داخل المصانع الصينية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مقر بنك اليابان في العاصمة طوكيو (رويترز)

التضخم يضيّق هامش المناورات أمام «بنك اليابان»

تقترب اليابان من لحظة حاسمة في مسار تطبيع سياستها النقدية مع ازدياد الأدلة على اتساع الضغوط التضخمية وانتقالها من السلع والواردات إلى قطاع الخدمات

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد المؤسس المشارك لـ«مايكروسوفت» بيل غيتس في مناقشة سابقة بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (رويترز)

بيل غيتس يرتب لمناقشة مخاطر الذكاء الاصطناعي مع الرئيس الصيني

ينقل بيل غيتس النقاش العالمي حول الذكاء الاصطناعي من سؤال المنافسة على تطوير أقوى النماذج إلى سؤال أكثر حساسية حول المخاطر

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)
الاقتصاد شعار مجموعة «سوفت بنك» على مقرها الرئيس في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

«سوفت بنك» تدرس إصدار سندات بـ20 مليار دولار لتمويل «أوبن إيه آي»

تستعد مجموعة «سوفت بنك» اليابانية لاحتمال تنفيذ واحدة من أكبر عمليات جمع التمويل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

الأسهم الصينية تنتعش واليوان يختبر حدود القوة

أنهى مؤشر «سي إس آي 300» للأسهم القيادية الصينية جلسة الثلاثاء مرتفعاً 0.9 %، متعافياً من أدنى مستوياته في نحو شهر.

«الشرق الأوسط» (بكين)

السوق السعودية تغلق مرتفعة 0.25 % وسط تداولات بـ5.7 مليار ريال

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
TT

السوق السعودية تغلق مرتفعة 0.25 % وسط تداولات بـ5.7 مليار ريال

مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)
مستثمر يتابع شاشات التداول في السوق السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية «تاسي» جلسة الأربعاء مرتفعاً بنسبة 0.25 في المائة، ليغلق عند 11259 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 5.7 مليار ريال.

وسجل المؤشر خلال الجلسة أعلى مستوى عند 11286 نقطة، فيما بلغ أدنى مستوى له عند 11208 نقاط.

وقاد سهم «عناية» مكاسب السوق، مرتفعاً بنسبة 9.94 في المائة إلى 11.17 ريال، تلاه سهم «أمانة للتأمين» بارتفاع 9.92 في المائة إلى 8 ريالات.

كما ارتفعت أسهم «فيبكو» إلى 36.4 ريال، و«أنابيب السعودية» إلى 51.7 ريال، و«أسيج» إلى 8.7 ريال، بنسب تراوحت بين 5.5 و5.4 في المائة.

وعلى مستوى القطاعات، قاد قطاع «الخدمات المالية» الارتفاعات، بنمو 2.50 في المائة، بدعم من صعود سهم «دراية» بنسبة 4.14 في المائة، وسهم «مجموعة تداول» بنسبة 3.85 في المائة إلى 135 ريالاً.

وفي المقابل، تصدر سهم «بان» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً، متراجعاً بنسبة 4.1 في المائة إلى 2.1 ريال. وانخفضت أسهم «بترو رابغ» إلى 17.4 ريال، و«مرافق» إلى 43 ريالاً، و«طباعة وتغليف» إلى 8.2 ريال، و«إم آي سي» إلى 311 ريالاً، بنسب تراوحت بين 3.5 و3.1 في المائة.


عمال الصين يتطلعون إلى أوروبا ضد «ثقافة 996»

عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
TT

عمال الصين يتطلعون إلى أوروبا ضد «ثقافة 996»

عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)
عمال في مصنع للأغذية الجاهزة بمدينة بينغجيانغ وسط الصين (أ.ف.ب)

تكتسب المواجهة التجارية بين الصين والاتحاد الأوروبي بُعداً جديداً يتجاوز الرسوم الجمركية والدعم الحكومي والطاقة الإنتاجية الفائضة، ليصل إلى ظروف العمل داخل المصانع والشركات الصينية. والمفارقة أن بعض العمال الصينيين بدأوا ينظرون إلى التشريعات الأوروبية بوصفها أداة ضغط يمكن أن تساعدهم على مواجهة ساعات العمل الطويلة، حتى لو أدى تطبيقها إلى زيادة الضغوط على المصدِّرين الصينيين.

وتظهر هذه الظاهرة في وقت تستعد فيه بكين وبروكسل لمحادثات تجارية حساسة، بعدما منح الاتحاد الأوروبي الصين مهلة حتى أكتوبر (تشرين الأول) لمعالجة اختلالات تجارية يقول إنها تضر بالصناعات الأوروبية وتتسبب في فقدان الوظائف. وسجّل الاتحاد الأوروبي العام الماضي عجزاً تجارياً مع الصين يعادل نحو مليار دولار يومياً.

وتربط بروكسل جانباً من المشكلة بضعف الطلب المحلي الصيني، الذي يعكس بدوره تباطؤ الأجور وعدم كفاية الحماية الاجتماعية والعمالية. فمن وجهة النظر الأوروبية، يؤدي ضعف الاستهلاك إلى تقليص الطلب الصيني على الواردات، فيما تدفع الطاقة الإنتاجية الضخمة الشركات المحلية إلى تصريف مزيد من منتجاتها في الخارج بأسعار يصعب على المنتجين الأوروبيين منافستها.

لكن النقاش بدأ يأخذ منحى أكثر حساسية مع دخول ظروف العمل نفسها في معادلة القدرة التنافسية.

فقد أثار قانون الاتحاد الأوروبي بشأن العمل القسري، الذي اعتُمد عام 2024 ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في ديسمبر (كانون الأول) 2027، اهتماماً متزايداً على منصات التواصل الاجتماعي الصينية. ويحظر القانون دخول السلع المنتجة باستخدام العمل القسري أو غير الطوعي إلى السوق الأوروبية، بما في ذلك الحالات المرتبطة بساعات العمل الإضافية المفرطة.

«996» تحت المجهر

يلامس التشريع الأوروبي واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل في سوق العمل الصينية، وهي ما تُعرف بـ«ثقافة 996»، أي العمل من التاسعة صباحاً إلى التاسعة مساءً، ستة أيام أسبوعياً.

وتُظهر البيانات الرسمية اتساع الفجوة بين التشريعات والممارسة الفعلية؛ إذ يعمل الصينيون أكثر من 48 ساعة أسبوعياً في المتوسط، مقارنةً بالحد القانوني البالغ 44 ساعة.

وقد أعادت التوترات التجارية هذه القضية إلى منصات التواصل. وحصد منشور على منصة «ريد نوت» الصينية نحو 3 آلاف إعجاب بعدما أيَّد صاحبه تحرك الاتحاد الأوروبي ضد العمل القسري، قبل حذف المنشور. ولم يكتفِ مستخدمون بالتأييد، بل تبادلوا معلومات بشأن كيفية تقديم شكاوى إلى السلطات الأوروبية.

وعلى منصة «دوين»، النسخة الصينية من «تيك توك»، تجاوزت مشاهدات مقاطع تحمل وسوماً مرتبطة بـ«موقع الإبلاغ في الاتحاد الأوروبي» و«إجراءات الإبلاغ» 200 ألف مشاهدة، فيما حصد أحد المقاطع التي تشرح عملية تقديم الشكوى أكثر من 5400 إعجاب و714 مشاركة.

ولا تعني هذه الأرقام حتى الآن أن أوروبا تواجه موجة واسعة من الشكاوى الصينية. وقال مصدر في المفوضية الأوروبية إن الجهات المختصة تلقَّت ادعاءات غير رسمية بانتهاكات عمالية، من بينها العمل الإضافي المفرط، لكنها لم تسجل زيادة ملحوظة في الشكاوى مؤخراً... لكن الأهمية الاقتصادية للظاهرة تكمن في الرسالة التي تحملها.

وقال مينغوي ليو، مدير مركز العمل والتوظيف العالمي في جامعة روتجرز، إن بعض العمال اكتشفوا أن الشركات التي قد لا تكترث كثيراً بنزاع محلي فردي حول العمل الإضافي يمكن أن تصبح أكثر اهتماماً عندما تواجه خطر فقدان الوصول إلى الأسواق الغربية. وهذا يحوّل قواعد التجارة الخارجية، نظرياً، إلى وسيلة ضغط عمالية داخلية.

عندما تختلف مصالح العامل والمصدّر

وتكشف المناقشات أيضاً عن فجوة محتملة بين مصالح الشركات المصدرة ومصالح موظفيها. فنجاح المصدر في خفض التكلفة وزيادة ساعات الإنتاج لا يعني بالضرورة أن العامل يرى النتيجة بالطريقة نفسها.

وقال شياو تشيانغ، مؤسس «تشاينا ديجيتال تايمز»، إن ظهور مثل هذه المناقشات يشير إلى أن بعض الصينيين لا يعدون مصالح المصدرين مطابقة بالضرورة للمصلحة الوطنية. والأكثر لفتاً للنظر هو الربط المباشر بين شكاوى العمل المحلية وآليات إنفاذ قوانين أجنبية.

وهذه نقطة حساسة بالنسبة إلى نموذج النمو الصيني، فإذا أصبحت معايير العمل جزءاً متزايداً من شروط الوصول إلى الأسواق الغربية، فلن يعود بإمكان الشركات المنافسة فقط عبر السعر والإنتاجية وسلاسل التوريد، بل ستحتاج أيضاً إلى إثبات التزام مورديها بمعايير العمل.

وقد يرفع ذلك تكاليف الامتثال على المصدرين، خصوصاً في الصناعات كثيفة العمالة، ويجبر الشركات على تحسين أنظمة تسجيل ساعات العمل والأجور والتدقيق في الموردين.

والخطر الأكبر بالنسبة إلى بكين هو تحول ضعف حماية العمال من مشكلة اجتماعية داخلية إلى مبرر لقيود تجارية خارجية.

وفي الولايات المتحدة، قالت إدارة الجمارك وحماية الحدود إن الأدلة على وجود «ساعات عمل إضافية مفرطة ومنهجية وغير مدفوعة الأجر» يمكن أن تؤدي إلى تحقيقات في سلاسل التوريد. كما ناقش مستخدمون صينيون إمكانية اللجوء إلى الآليات الأميركية، وليست الأوروبية فقط.

وكان لو مينغ، عضو المؤتمر الاستشاري السياسي للشعب الصيني، قد حذر في مارس (آذار) من هذه المشكلة، داعياً إلى تعزيز حماية العمال. وأشار إلى أن الدول الأخرى قد تنظر إلى القدرة السعرية التنافسية للمنتجات الصينية بوصفها ناتجة جزئياً عن العمل المفرط وتدني مستويات المعيشة، بما قد يتحول إلى حواجز تجارية فعلية. وهنا تصبح حماية العمال جزءاً من السياسة الصناعية والتجارية، وليس مجرد ملف اجتماعي.

وبالنسبة إلى الصين، قد يكون تحسين الأجور وتقليص ساعات العمل المفرطة مكلفاً للشركات على المدى القصير، لكنه يحمل فائدة اقتصادية أوسع، إذ إن زيادة دخل الأسر ووقت الفراغ يمكن أن يدعما الاستهلاك المحلي، وهو بالضبط أحد الاختلالات التي تطالب أوروبا بكين بمعالجتها.

لذلك تكشف قضية «996» عن معادلة أعمق في النزاع التجاري الصيني - الأوروبي، فبروكسل تريد تقليص الاختلالات وحماية صناعاتها، والعمال يريدون ظروفاً أفضل، بينما تحتاج بكين إلى الحفاظ على تنافسية صادراتها وتحفيز الاستهلاك في آن واحد.

ومع اقتراب المحادثات التجارية، قد تكتشف الصين أن ملف العمل لم يعد شأناً داخلياً بالكامل. فالمنافسة العالمية تتحول تدريجياً من سؤال «بأي سعر صُنعت السلعة؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً هو «كيف، وتحت أي ظروف، صُنعت؟».


الاقتصاد الأميركي ينمو 1.5 % في الربع الثاني رغم قوة إنفاق المستهلكين

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)
TT

الاقتصاد الأميركي ينمو 1.5 % في الربع الثاني رغم قوة إنفاق المستهلكين

البيت الأبيض (أ.ب)
البيت الأبيض (أ.ب)

نما الاقتصاد الأميركي بمعدل سنوي قدره 1.5 في المائة خلال الربع الثاني من 2026، من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، وفق تقديرات حكومية، في وقت ظل فيه إنفاق المستهلكين قوياً وداعماً للنمو.

وتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي من 2.1 في المائة في الربع الأول، متأثراً بارتفاع الواردات، بينما ارتفع إنفاق المستهلكين بمعدل سنوي بلغ 3.2 في المائة، مقارنة بـ0.5 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

وتأتي البيانات في وقت يترقب فيه المستثمرون مؤشرات التضخم ومسار أسعار الفائدة، مع بقاء التضخم فوق هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.