إعلان بلفورالحلقة3-3 : دخول أميركا الحرب العالمية الأولى دفع الصهاينة إلى التركيز على فلسطين

دعم الرئيس ويلسون وصديقه لويس براندايس لخطط بلفور عجل بحسم المواقف

لويس براندايس  ...الرئيس وودرو ويلسون  ...السير مارك سايكس  ...موسى كاظم الحسيني
لويس براندايس ...الرئيس وودرو ويلسون ...السير مارك سايكس ...موسى كاظم الحسيني
TT

إعلان بلفورالحلقة3-3 : دخول أميركا الحرب العالمية الأولى دفع الصهاينة إلى التركيز على فلسطين

لويس براندايس  ...الرئيس وودرو ويلسون  ...السير مارك سايكس  ...موسى كاظم الحسيني
لويس براندايس ...الرئيس وودرو ويلسون ...السير مارك سايكس ...موسى كاظم الحسيني

في الحلقة الثالثة والأخيرة من سلسلة «إعلان بلفور»، نعرض لتغير صورة المطالبة بوطن لليهود بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى في أغسطس (آب) 1914، ودخول تركيا طرفًا في الحرب مع الألمان ضد بريطانيا في نوفمبر (تشرين الثاني) من السنة نفسها. فبداية اقترحت أسماء بلاد متفرقة طرحتها الحكومة البريطانية، وتبنى تمويلها الأغنياء اليهود البريطانيون. ولم يكن يومها اسم فلسطين مطروحًا آنذاك بل العريش في سيناء، وأوغندا والأرجنتين، لأن فلسطين كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية التي تربطها علاقات ومصالح مع بريطانيا. ولكن بعد تفجر الحرب بدأت الحركة الصهيونية تبذل جل نشاطها في جعل قضيتهم المركزية تتمحور حول فلسطين. ولذا احتدمت المعارك الدبلوماسية في المحافل المدنية والدهاليز الحكومية، فنشط خصوصًا حاييم وايزمن ومجموعته في لندن، وحاييم سوكولوف في باريس وروما، والقاضي لويس براندايس والصهاينة الأميركيون المقربون من الرئيس وودرو ويلسون في واشنطن لتكتمل الحلقة.
ما كانت الولايات المتحدة الأميركية قبل الحرب العالمية الأولى مهتمة بالحركة الصهيونية على الرغم من ازدياد أعداد المهاجرين اليهود إليها، ولكن تداعيات الحرب لم تعترف بالبعد الجغرافي عقبة، فألقت بظلالها لتدخل في المعمعة أسوة بالآخرين. لقد التزمت واشنطن الحياد طيلة سنوات تلك الحرب ضد ألمانيا لأسباب كثيرة، منها أن هناك أعدادا كبيرة من الأميركيين من أصول ألمانية وآيرلندية لا تحبذ المشاركة. وكذلك لأن كثرة من اليهود المهاجرين الذين ذاقوا آلام الحروب في أوروبا لفترات طويلة، فضلوا استقرار وهدوء حياتهم الجديدة في المهجر. ثم إن سياسة أميركا المتمثلة بالنأي عن سياسات الهيمنة والسيطرة والاستعمار التي عانت هي منها قبل استقلالها، انسجمت مع انصراف الرأي العام الأميركي عما يجري بعيدا عنه، ناهيك بأن أميركا كانت ضد التحالفات والمعاهدات السرية التي كانت شائعة في أوروبا، وتشكل جزءا من فصول مناخها السياسي. لكن الوضع بدأ يتغير عندما بادرت ألمانيا بحلول عام 1917 إلى التضييق على بريطانيا ومحاولة خنقها اقتصاديا، فباشرت بحرب الغواصات في المحيط الأطلسي لقطع طرق الإمدادات عنها.
ولفترة ما تغافل الأميركيون عن بعض ما أصابهم من خسائر بشرية ومادية. لكن برقيات من وزير خارجية ألمانيا آرثر زيمرمان التقطتها بريطانيا عن مشروع عقد حلف مع المكسيك، يتعهد بتزويدها بالسلاح والمساعدات لإقحام المكسيك - بعدما ساءت علاقتها مع أميركا - بحرب لاستعادة الولايات التي احتلها الأميركيون، وهي آريزونا وتكساس ونيومكسيكو، أثار الرأي العام الأميركي. عندها أعلنت أميركا الحرب على ألمانيا في 6 أبريل (نيسان) 1917، وتعهد الرئيس وودرو ويلسون أنه بهذا الإعلان سيوقف كل التحالفات والمعاهدات السرية في أوروبا بعد انتهاء الحرب.

التفاهم الأنجلو - أميركي

أثلج هذا صدر بريطانيا، ورأت فيه قرب نهاية ألمانيا وانتهاء الحرب، وعبر عنها وزير خارجيتها بلفور: «بأنها فرصة رومانتيكية لم أحظ بمثلها في حياتي كلها»، مغتنما المناسبة بترتيب زيارة تنسيق وتعاون حربيين لواشنطن بأسرع وقت ممكن. وجاءت موافقة ويلسون يوم 19 أبريل، مقترحا أن تكون المهمة دبلوماسية وليست عسكرية، ولكن بلفور كان قد غادر لندن بصحبة وفد من 25 عضوا من ضمنهم حاكم البنك المركزي، وجنرال وأميرال ومبعوث من وزارة التسليح. وأحيط سفر الوفد من ميناء غرينوك في اسكوتلندا على الباخرة «أولمبيك» بسرية بالغة، درءا من أخطار الغواصات الألمانية. وانتهت الرحلة البحرية في ميناء هاليفاكس بكندا يوم 20 أبريل، وانتقل الوفد بعدها صباحا، وغادر بواسطة قطار خاص إلى واشنطن، فوصلها بعد يومين، ولقي فيها استقبالا حافلا. وفي اليوم التالي قابل ويلسون، وعقدت المباحثات طوال إقامة دامت لمدة أربعة أسابيع، وكان سبق لبلفور أن أخبر وايزمن في 22 مارس (آذار) عن نيته زيارة أميركا خلال أبريل ومايو (أيار)، كما أطلعه على أن أميركا ستعلن الحرب على ألمانيا، وهو ما حدث في 6 أبريل.

لويس براندايس

كانت زيارة بلفور لمقابلة ويلسون شخصيا ذات أبعاد سياسية تتصل بالتعاون الأنجلو - أميركي المستمر إلى يومنا هذا، على الرغم من أن دخول أميركا بجانب حلفائها ضد ألمانيا تأخر بعض الشيء، إذ خمدت نيرانها بعد إعلان الهدنة يوم 11 نوفمبر 1918. لكن بلفور كان يريد أيضًا التأكد شخصيا من تأييد واشنطن منح الحركة الصهيونية ما تصبو إليه وتبتغيه، ويرغب أيضًا في التعرف عن قرب على القاضي لويس براندايس، أول يهودي يعين في المحكمة العليا الفيدرالية وأحد أشهر أقطاب الحركة الصهيونية الأميركية، والمستشار المقرب للرئيس الأميركي الذي لا يخفي تأييده بما يتعلق بمصالح اليهود في العالم.
بلفور سمع من براندايس عندما التقاه يوم 7 مايو كلمات «أن الآمال متعلقة بوطن قومي، وإسناد دعوة الحركة الصهيونية في تحقيق ذلك، وفقا لقيم الأخلاق والمبادئ الإنسانية لإيجاد وطن لليهود حسب الأماني التي تدعو إليها الطائفة اليهودية بأجمعها»، وهنا طمأنه بلفور بقوله «أنا صهيوني». ولاح بعد رده بأن براندايس كان مرتاحا لما سمعه عندما التقيا يومي 7 و10 مايو، وتعهد بلفور الصريح: «سأفعل كل ما بوسعي لتحقيق تلك الأماني». وكان سبق لويلسون أن أخبر براندايس يوم 6 مايو أنه «ينظر بعين الموافقة على أن تكون فلسطين تحت الحماية البريطانية»، وأنه طمأن الصهاينة الأميركيين لتأييده الأفكار الصهيونية. وهكذا تأكد بلفور بأن واشنطن مع إعلانه، علما بأن بريطانيا كانت تحتاج إلى إرضاء أميركا، لأنها كانت مثقلة بديون الخزانة الأميركية، لدفع نفقات الحرب الباهظة التي بلغت خلال سنواتها 850 مليون جنيه إسترليني.

رسالة روتشيلد

لدى وصول بلفور لندن تسلم رسالة من اللورد روتشيلد قبيل منتصف يونيو (حزيران) يطلب موعدا لمقابلته بصحبة وايزمن، الذي كان تلقى تطمينات براندايس حول لقائه بلفور. وعقد اللقاء بعد يومين في مكتبه بوزارة الخارجية. وكانت مبادرة روتشيلد بأن الوقت بات مناسبا للحكومة البريطانية، لإصدار إعلان يحقق أمل اليهود وأمانيهم، فجاء رد بلفور بالموافقة السريعة على المبدأ، وطلب إعداد مذكرة تحوي ما يحمله هاجسهم. ويذكر وايزمن في مذكراته «التجربة والخطأ» عن ذلك «قابلنا وزير الخارجية، ووضعنا أمامه حتمية الظروف، وأن الوقت مناسب لتقوم الحكومة البريطانية بإعلان مؤكد لتأييد مساعينا، وقد وعدنا السيد بلفور بأنه سيفعل ذلك، وطلب وضع مسودة لإعلان يناسبنا ليرفعه إلى (مجلس الحرب)». ويذكر أن لويد جورج قد ألف بعد تشكيل وزارته 7 ديسمبر (كانون الأول) 1916، لجنة صغيرة أطلق عليها «مجلس الحرب» مكونة من خمسة أعضاء برئاسته، وضمت وزير الحربية ألفرد ميلنر، ووزير الأسطول إدغار بونار لو، وكذلك رئيس الأركان، وممثلا عن حزب المعارضة، وأحيانا وزير الخارجية (بلفور) إذا دعت ضرورة ما يطرح لأخذ القرارات التي تحتاج إلى البث السريع ومنها مسودة الإعلان.
وعند تسلم الضوء الأخضر بدأ الصهاينة اتصالاتهم لتشكيل مجموعة لصياغة المسودة، وكانت مؤلفة من أركان «مدرسة مانشستر الصهيونية» برئاسة حاييم وايزمن وناحوم سوكولوف وإسرائيل سيف وسايمون ماركس وليون سايمون وآحاد حاعام، وأحيانا هاري ساخر، وأطلق على فريق العمل هذا اسم «اللجنة السياسية الصهيونية». وبدأت اجتماعات اللجنة في فندق «إمبريال هوتيل» بساحة راسل سكوير القريبة من محطة يوستون للسكك الحديدية بوسط لندن في بداية شهر يوليو (تموز) 1917. واكتملت المسودة في 17 من الشهر نفسه، ودفعت إلى اللورد روتشيلد يوم 18 يوليو الذي رفعها بدوره إلى بلفور وأرفقها برسالة يقول فيها:
(نص الرسالة - بتاريخ 18 يوليو 1917)
«عزيزي السيد بلفور.. وأخيرا تمكنت من أن أرسل إليك المسودة التي طلبت إعدادها، وأرجو أن تقوم حكومة صاحب الجلالة بإرسال رسالة لي على ضوء هذه المسودة إذا وافقت وأنت عليها، وسأسلمها إلى اللجنة الصهيونية، فيكون إعلانها باجتماع خاص لذلك، كما أنني آسف للقول بأن تحريضات مناوئينا هي لغرض إثارة المشكلات بين اليهود بريطانيا واليهود الأجانب، وقد ابتدأوا بذلك منذ يوم الأحد الماضي، حيث اجتمع مجلس المندوبين (اليهود) وتحدوا أعضاءها المنتخبين الجدد أن يثبتوا إذا كانوا مواطنين إنجليز بالولادة وأنا واحد منهم.. المخلص روتشيلد».
كانت المسودة التي صاغتها «اللجنة السياسية الصهيونية» عبارة عن مادتين؛ تحتوي الأولى على 19 كلمة، والثانية على 27 كلمة وترجمتها كما يلي:
1 - أن تقبل حكومة صاحب الجلالة مبدأ أن فلسطين يجب أن تشرع وطنا قوميا للشعب اليهودي.
2 - إن حكومة صاحب الجلالة ستسعى بكل ما في وسعها من أمانيه لبلوغ تلك المساعي، وتتباحث في الوسائل الضرورية من أجل تحقيق ذلك مع المنظمة الصهيونية.
وزعت نسخ من رسالة روتشيلد المؤرخة في 18 يوليو 1917 على أعضاء «مجلس الحرب» لمراجعتها في بداية أغسطس، وبعد ثلاثة أسابيع أبلغت وزارة الخارجية بأن المسودة موضع اهتمام. وفي بداية سبتمبر (أيلول) وضعت اقتراحات لعمل بعض التعديلات، بينما كان وايزمن، المعروف في أروقة السلطة بحكم عمله مسؤولا عن مختبرات تطوير المتفجرات ومستشارا في وزارة الأسطول، يستغل علاقاته الجيدة مع أغلبية أعضاء «مجلس الحرب» وسكرتاريته من ذوي الميول الصهيونية المعروفين بـ«الصهاينة الإنجليز». وكان العضو الوحيد المعارض هو اللورد كيرزون، وهو أكثرهم خبرة بشؤون الشرق الأوسط.
وايزمن كان يتابع التطورات، ويخشى أن يؤثر رأي كيرزون على البعض، خصوصًا أن أحد الوزراء، إدوين مونتيغيو، كان من أشد المعارضين لمنح الصهيونيين - على الرغم من يهوديته، وهو من أسرة يهودية غنية معروفة - أي تسهيلات لإعلان فلسطين دولة قومية لليهود، لأنه ضد أن يتجمع اليهود في وطن واحد، بل يحبذ أن يكون ولاء اليهود، خصوصًا البريطانيين منهم لوطنهم فقط، وأن يذوبوا في مجتمعه مع بقائهم على ديانتهم.
وبلغ النزاع أشده في اجتماعات مجلس الوزراء عندما شكل مونتيغيو عقبة شديدة أثناء نقاشات منح فلسطين وطنا قوميا لليهود، أدت إلى تأجيل البت في إعلانه بضعة أشهر، أجريت خلالها اتصالات بشخصيات يهودية بارزة سياسيا واقتصاديا، لأخذ وجهة نظرها بهذا الخصوص. وشارك مونتيغيو في هذا الرأي إلى حد ما ممثل حزب العمال المؤيد لسياسة الحزب الاشتراكي الروسي ضد الصهيونية ومشاريعها القومية والعنصرية. أما وايزمن فكان يجمع المعلومات ويرسلها إلى زملائه الصهاينة في أميركا، وعلى رأسهم براندايس.

مجندون يهود

أثناء تلك الفترة تشكلت كتيبة عسكرية من اليهود البريطانيين أطلق عليها كتيبة «درع داود». وكان عدد اليهود عام 1914 ما يقارب 300 ألف نسمة، وعدد الجنود اليهود المنخرطين في المجهود الحربي ما يفوق 10 في المائة من تعدادهم، وكان بعضهم يشغل مناصب قيادية وإدارية في الإدارة أثناء الانتداب على فلسطين، مما هيأ نواة قوة عسكرية استعانت بها في مخططاتها المستقبلية. وحين سئل لويد جورج عن وضع اليهود الروس في بريطانيا أخبره وايزمن أنه مستعد لتجهيز ألفين منهم، فهم مقاتلون جيدون كما أثبتتها «كتيبة البغال اليهودية» بقيادة زيئيف جابوتنسكي في «حملة الدردنيل»، ولديهم الآن الرغبة في الحرب بفلسطين. ارتاح لويد جورج لذلك، وقال إن «هذا نحتاجه في البلاد كما في أيام يوشع قبلهم». ومن خلال ذلك تظهر الطائفة بدورها هذا انتماءها للذود عن وطنها، ونيتها المخلصة خطوة للذوبان في المجتمع البريطاني، لتخفيف المعاناة من شعور الكره واللاسامية من جهة، بالمقابل جلبت الحرب الرفاهية لليهود المهاجرين الذي رفض بعضهم الخدمة في الجيش لأسباب دينية، ولكن معظمهم كانوا يعملون في صناعة ملابس الجيوش وصناعة الأحذية العسكرية، فالغالبية كانت تمتهن حرفا لسد تلك المتطلبات.
قدمت المسودة إلى «مجلس الحرب» مجددا في 3 سبتمبر 1917 أي بعد شهر ونصف الشهر من إعدادها (18 يوليو 1917)، وكان قد أجري عليها تعديلان خلال شهر أغسطس؛ التعديل الأول من قبل بلفور الذي جعل المادتين المنفصلة بنص واحد كرسالة تحتوي على 55 كلمة بإضافة بسيطة هي عبارة عن ست كلمات. وعند نهاية الشهر، أحالها للمراجعة إلى زميله ميلنر، عضو «المجلس»، الذي أجرى لها تعديلات خففت من لهجة المسودة الأولى، لكنه لم يكن متأكدا من حيثيات النصوص القانونية والبروتوكولية، فأحالها في 4 أكتوبر (تشرين الأول) إلى مساعد وزارة الحرب ليوبولد آيمري (جدته لأمه يهودية) السياسي والصحافي المراسل لجريدة «التايمز» لتغطية حرب جنوب أفريقيا عام 1899 - 1902 مع زميله وينستون تشرشل آنذاك. فأتم آيمري المهمة بتعديل أكثر شمولية وأدق محتوى من سابقيه بلغت كلماته 77 كلمة، وأنهى عمله هذا في 24 أكتوبر إلى المجلس الذي اعتمد 68 كلمة منه، وغيّر كلمة واحدة، وحذف تسع كلمات في نهاية النص تتعلق بالتابعية. كذلك غير عبارة «العنصر اليهودي» إلى «الشعب اليهودي»، و«وطن» إلى «وطن قومي»، وحذفت جملة «الاتصال بالمنظمة الصهيونية»، فاعتمدها المجلس بعد مداخلات الوزير اليهودي المعارض إدوين مونتيغيو (ولمن يريد الاستزادة مراجعة كتاب «الصهيونية.. مديات الافتراءات» لمؤلفه د. أحمد سوسة).
أرسلت نسخة من المسودة النهائية إلى ويلسون في 6 أكتوبر لاطلاعه وتوجيهاته، وكان وايزمن على اتصال مستمر ببراندايس للمتابعة والتنسيق حتى وصلت الموافقة في 16 أكتوبر لاعتمادها. وكانت بعض النسخ قد أرسلت إلى مجموعة من زعماء اليهود البريطانيين، ومن ضمنهم هربرت صمويل.

معارضة كيرزون

وفي الجلسة التي عقدت في 26 أكتوبر فوجئ أعضاء «المجلس» الذي كان ينوي التصويت النهائي بالاعتراض الذي قدمه اللورد كيرزون بمذكرة تحت عنوان «مستقبل فلسطين»، شارحا سلبيات الإعلان الذي رأى أنه يسيء إلى سمعة بريطانيا، والإجحاف الذي سيلحق بالعرب، ومغبة إنكار وجودهم المستقبلي بوصفهم أغلبية ساحقة لسكان فلسطين التي زارها شخصيا، وهو على معرفة بها، كونه مندوب الملك في الهند لعدة سنوات وله بالشرق الأوسط وأقطاره، خصوصا الخليج وبلاد فارس، أبحاث وكتب. وطرح توقعات صدقت لاحقا. ولعل ما يؤسف له أن المهتمين بالموضوع أهملوا هذا الجهد أو لم ينتبهوا إليه.
أصبح يوم 31 أكتوبر1917 الذي صادف الجمعة يوما تاريخيا، حيث جرى في الاجتماع الثالث والأخير لمناقشة مسودة الإعلان بتصويت شمل الغالبية من الأعضاء الخمسة، ماعدا كيرزون كما كان متوقعا. وحينما انفض الاجتماع هرع مارك سايكس (أحد كبار مستشاري مجلس الوزراء و«مهندس» الاتفاق السري الشهير لاقتسام البلاد العربية الواقعة تحت الهيمنة العثمانية الذي يحمل اسمه ورفيقه الدبلوماسي الفرنسي فرنسوا جورج - بيكو، وكان معروفا بميوله الصهيونية) مسرعا نحو وايزمن الذي كان يذرع أحد الممرات القريبة من قاعة الاجتماع كزوج ينتظر ولادة زوجته، ناقلا البشرى «إنه صبي»، فانطلق وايزمن لتهنئة زملائه من زعماء الحركة الصهيونية المجتمعين في بيته بشرق لندن. ويذكر شموئيل تلكوفسكي الذي كان بصحبته بأنه (وايزمن): «كان يتصرف مثل الطفل»، وقبلني لمدة طويلة، وألقى برأسه على كتفي ضاغطا على يدي مرددا عبارة «ما زل توف» (أي «مبروك» باليديش)، ورقص الجميع ابتهاجا، إذ حقق الصهاينة بذلك قيادتهم لليهود.
وفي 2 نوفمبر أرسل بلفور ردا لرسالة للورد ليونيل روتشيلد المؤرخة في 18 يوليو جاءت كما يلي:
«وزارة الخارجية: الثاني من نوفمبر 1917
عزيزي اللورد روتشيلد: أعلمكم بمنتهى السرور، نيابة عن حكومة صاحب الجلالة، بالإعلان التالي المعبر على التآزر مع الطموحات الصهيونية والذي عرض على المجلس، الذي وافق عليه: إن حكومة صاحب الجلالة تنظر وتؤيد تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهودها لتسهيل تحقيق تلك الغاية، على أن يفهم جليا بأنه لن يقوم عمل من شأنه أن ينقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق والوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى، وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم الاتحاد الصهيوني علما بهذا الإعلان.
المخلص: آرثر بلفور».

لم يعلن نبأ فحوى الرسالة (الإعلان) أو ينشر بالصحف يومها. وكان رأي بعض كبار المسؤولين في الدولة انتظار نتائج سارة لمجرى المعارك الدائرة في غزة، إلى أن انتهت بسقوطها في 7 نوفمبر، وكذلك بأن تكون أسبقية النشر لجريدة «الجويش كرونيكل» الأسبوعية التي تصدر يوم الجمعة عادة. وصادف الإعلان الرسمي يوم 9 نوفمبر لتأخذ الجريدة الأسبقية. فالخبر بالدرجة الأولى يخص الطائفة اليهودية في بريطانيا، وليس الرأي العام البريطاني. كما أن الأسبوع كان مليئا بالأحداث الكبرى، مثل تقدم الجيش البريطاني نحو القدس الذي بات احتلالها وشيكا، وصادفت فترة الإعلان أيضًا اندلاع ثورة البلاشفة وسقوط الملكية القيصرية في روسيا.

مشاركة عربية

احتفل يهود بريطانيا بالمناسبة بعد شهر من تاريخ الإعلان، أي في 2 ديسمبر، إذ أقيم تجمع كبير لهم في دار الأوبرا بلندن، حضره جمع كبير من الصهيونيين والمؤيدين لهم من الساسة البريطانيين. وكان غريبا حضور نفر من العرب منهم المدعو إسماعيل عبد الله العكي الذي ألقى كلمة بالعربية وترجمها إسرائيل سيف، ووديع كسرواني الذي ألقاها بالفرنسية، ونشرت تفاصيلها في عدد كامل لجريدة «الجويش كرونيكل» الصادرة يوم الجمعة 7 ديسمبر 1917. أما في فلسطين فإن شدة المعارك فيها لم تترك مساحة أو فرصة لانتشار الإعلان، ومن ثم احتلال البلاد بالكامل بعد سقوط القدس 9 ديسمبر 1917، الذي أطلق عليه اسم «هدية عيد الميلاد». وحجبت سلطات الاحتلال البريطاني (التي حكمت البلاد عسكريا حتى يونيو 1920) أي ذكر له، معولة على الاعتقاد بأن الفلسطينيين سينسونه. ولقد تعاقب على حكم فلسطين حينذاك ثلاثة جنرالات أولهم إدموند أللنبي، إلى أن دخلت فترة الانتداب، وأسست فيها إدارة مدنية يدعمها وجود القوات العسكرية المحتلة، وتعيين الوزير اليهودي السابق هربرت صمويل مندوبا ساميا لفلسطين حتى عام 1925. لقد شبه أرثر كوستلر في كتابه «فلسطين 1917 - 1949: الوعد والتحقيق»، الصادر عام 1949، «إعلان بلفور» بقوله «هنا دولة تهب دولة أخرى تعود إلى دولة ثالثة، إنه تصرف غير ممكن، وإقحام غير طبيعي» كقول «الأبيض الأسود». لكن الحركة الصهيونية عرفت كيف تعطي تلك المناسبة بعدا وقداسة توراتية بقولها «منذ قورش الكبير لم يحدث في السجلات الماضية، حادث ولد منه حاسة عالية لسياسة واعية ونظرة بعيدة لدولة راسخة راعية للعدالة الإنسانية نحو اليهود بمنح هذا الإعلان الخالد»، كما ورد في رسالة وايزمن إلى بلفور بتاريخ 19 نوفمبر 1917.
من جهة أخرى، لئن احتفل اليهود بهذه المناسبة في كل أرجاء العالم، إلا أنهم في فلسطين سمعوا بذلك مصادفة. إذ يصف ناحوم غوتمان، الكاتب والفنان، في كتاب «مدينة صغيرة وسكان قليل» عن تل أبيب عام 1918 «أن ضابطا أستراليا من ضمن القوات البريطانية المحتلة سمع بينما كان في جولة تفتيش ليلية مع مجموعة من الجنود في تل أبيب، موسيقى تنبعث من بيت عازف كمان يعزف ألحانا مشهورة. وكان الضابط من عشاق الموسيقى الكلاسيكية، فأخذ ينصت بشغف إلى أن توقف العازف. عندها طرق الباب ليشكر العازف على حسن أدائه، ولما عرف أنه يهودي تطرق في كلام عابر لـ(إعلان بلفور)، فسرى الخبر سريان النار في الهشيم من بيت إلى بيت». ويكمل غوتمان: «هناك كثيرون لم يصدقوا قصة هذا الأسترالي، ولكن ناقلها العازف يصر على مصداقيتها بقوله (إن عشاق الموسيقى لا يكذبون). ولكن بين نسيج الكذب والخيال وبين الرواية والأسطورة، يمكن لمثل هذه القصة أن تجد حتما لها مكانا بينهما».

ردة الفعل العربية

وما إن بدأت موجات الهجرة اليهودية تنهال على البلاد تخللها انتشار الخبر، فكانت كالصاعق لبداية الاحتجاجات والاحتقان الجماهيري عام 1919. تلتها أعمال العنف في بداية 1920، حين انطلقت بمناسبة دينية صادفت عيدي «الفصح» و«علم النبي موسى» الذي يحتفل به المسلمون والمسيحيون، وهو تقليد ابتدأه صلاح الدين الأيوبي بعد هزيمة الصليبيين.
كان الصهاينة عازمين على تأسيس دولة إسرائيل منذ عام 1919، ولقد وصف هذه الحالة الجنرال البريطاني بورن الذي زار فلسطين حينها برسالة إلى بلفور بقوله «إن اليهود يفرضون أنفسهم في كل اتجاه ومنحى، ويطالبون أن تكون المناصب الرسمية لمؤيديهم ومناصريهم، ويتدخلون في كل صغيرة وكبيرة». وهو ما جعل السلطة البريطانية تقلل من دعمها لدعوة تأسيس دولة صهيونية، لأن ذلك يفرض على أرض الواقع ردة فعل العرب الذين تبلغ نسبتهم أضعاف السكان اليهود. ومن المحاولات اليائسة لصد التيار المندفع لفرض الصهاينة للأمر الواقع، كتب العرب رسائل شخصية إلى ملك بريطانيا معتقدين بإمكانية تدخله لصالحهم في القرار السياسي بالشكوى بأن المهاجرين من اليهود الروس ينشرون الشيوعية في البلاد، وأن السلطة المحتلة لم تأخذ أي تدابير للحيلولة دون وقوع ذلك. كذلك لم تثمر محاولة الوفد الفلسطيني الذي سافر إلى لندن في 25 يونيو 1921 برئاسة موسى كاظم الحسيني لتغيير الأمر وحلحلة الموقف. وبعد سنة صدر «الكتاب الأبيض» الرقم 1700 بتاريخ 22 يونيو 1922.
وبعد مؤتمر باريس قامت بعثة أميركية لتقصي الحقائق يرأسها هنري تشرشل كينغ وتشارلز كرين (من 10 يونيو إلى 18 أغسطس 1919). رفعت تقريرها بأن أهل فلسطين (العرب) عارضوا التوسع الصهيوني، وأضافت أن فكرة تأسيس وطن مستقل لليهود مشروع غير مجد، لكن لا أحد في الحكومة الأميركية أبدى أبسط اهتمام لما جاء في تقرير اللجنة، فركن ثلاث سنوات قبل إعلانه في ديسمبر 1922، ولم تعلن الأسباب وبقي ذلك اللغز العنيد الذي لم يحل بعد. ولكن قد يمكن تفسيره بما كتبه هرتزل في يومياته في يونيو 1901: «في يوم ما، وحين تتحقق إقامة دولة اليهود، كل ما يدور عنها سيظهر تافها لا قيمة له. وقد يكتب مؤرخ محايد أنه وجد شيئا قام به صحافي يهودي مفلس يعيش بين أعماق قهر الشعب اليهودي وقمة اللاسامية البغيضة، قد خلق علما من خرقة، وجعل من ذلك الرعاع التعيس أن يلم شعثه حول ذلك العلم».
* باحث كويتي



الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.